السبت، مايو 07، 2011

ما أشبه المصالحة بالهدنة!

الحمد لله الذي جعل بعض الظن إثم، ذلك أن بعضه الآخر من محاسن الفِطَن، ولست أحب أن أكون من المثبطين أو المتشائمين، كيف وقد أخبرنا النبي أن من صفات المؤمنين الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم لا يتطيرون.

كان يمكن أن نستبشر بالمصالحة بين فتح وحماس لو أن الفريقين من الوطنيين المجاهدين الذين تختلف وجهات نظرهم في قضية التحرير، إلا أن هذا –للأسف- ليس هو الواقع، فسلطة فتح ليست إلا وكيلا للاحتلال الإسرائيلي يقوم على تسيير الشؤون اليومية للفسلطينيين لا أكثر. ولهذا فإن الخلاف خلاف جوهري عميق.. هؤلاء يؤمنون بأن مسار التسوية قد فشل بعد عقدين من المحاولات، وأولئك يرون السلام خيارا استراتيجيا وأزليا لا محيص عنه.

ولئن كان عرفات الذي بدأ طريق التسوية يلمح أحيانا إلى أن فشل السلام سيدفع الشعب الفلسطيني إلى انتفاضة جديدة، فإن محمود عباس قد أعلن صراحة أنه لن يسمح بانتفاضة تحدث في عهده.. والحقيقة أن هذا التصريح هو –باصطلاح القانونيين- تصريح كاشف لا مُنِشيء، ذلك أن سياسة عباس تعتمد على التنسيق الأمني (الاسم الحركي للعمالة) مع الإسرائيليين ضد المقاومة، وسجون سلطة فتح تخلو من أي أسير إسرائيلي وتمتلئ بالمجاهدين، بل إن السلطة تسارع بإعادة من يقع أسيرا إلى إسرائيل، ولا تود إلا الرضا، ونظرة عطف، وبعض تجميد للمستوطنات!

لا ينبغي أن ننسى أن مصالحات في القاهرة ومكة تمت من قبل وفشلت، وذلك طبيعي، إذ أن أحدا لا يمكن أن يتصور مصالحة ناجحة بين طالبان وكرزاي في أفغانستان، ولا بين المقاومة العراقية وحكومة المالكي.. إنه خلاف جوهري وعميق.

إنما الذي حدث أن محمود عباس فقد ظهرا قويا بسقوط نظام مبارك، وأحب أن يلاعب الإسرائيليين الذين تركوه بلا ورقة يستهلكها داخليا، فإنه –وهو المنتهية ولايته- لم يستطع حتى أن ينتزع قرارا بتجميد بناء المستوطنات الإسرائيلية، وصار وجوده ذاته في موضع تساؤل، فما الذي يفعله عباس غير التصريحات والزيارات والاستقبالات.

لقد أحب عباس أن يُلاعب الإسرائيليين قليلا بورقة التقارب مع حماس، غير أن إسرائيل تعرف أنها حركات الأطفال الصغار الذين لا يملكون غير البكاء، والبكاء لا ينفع في السياسة، فليس يملك عباس أن يفعل شيئا آخر، وهو يعرف جيدا أن إسرائيل يمكنها أن تحبسه في المقاطعة وتقتله أيضا، وما عرفات عنا ببعيد! وحيث أن عباس لا يجرؤ على التعرض لمصير كهذا –بخلاف قادة حماس الذين لا يتهددون بالموت- فإن اللعبة ستجري في السياق الممكن والمقبول إسرائيليا حتى إشعار آخر.

لقد بدت هشاشة المصالحة أثناء توقيعها، فما أبعد ما بين خطاب عباس وخطاب خالد مشعل، بل إن خطاب عباس لم يسلم من مقاطعات لرمضان شلح رئيس حركة الجهاد بخصوص حق العودة وغيرها من الأمور الغامضة.. إن إلغاء البث المباشر لخطابات المصالحة وإذاعته مسجلا هو في ذاته دليل على أن المصالحة كانت مهددة بالفشل حتى اللحظة الأخيرة!

إنها في الحقيقة هدنة، هدنة مؤقتة، سُمِّيت مصالحة لأسباب عملية أكثر منها حقيقية، فلا عباس يمكن أن يتحول إلى المقاومة، ولا مشعل يمكن أن يتنازل عن القدس وحق العودة، ولذا فهي هدنة إلى حين وإن قيل عنها مصالحة!

وقديما طلب المحكوم عليه بالإعدام أن يُؤجل تنفيذ الحكم سنة مقابل أن يُعلم حمار الملك القراءة، فأجيب إلى طلبه ثم سُئل في ذلك فقال: بعد سنة قد يموت الملك أو يموت الحمار أو أموت أنا!!

إلا أن القضية الفلسطينية شهدت تحولا نوعيا منذ ظهرت حماس في ساحة السياسة، فمنذ تلك اللحظة بدأ المسار يتصحح ويعتدل، وطالما أن حماس تملك العقل والقوة فبوسع المرء أن يطمئن، فكيف إذا كانت تملك معهما الإيمان بالله والإخلاص للقضية!