الاثنين، ديسمبر 26، 2005

هل تلفظ جماعة الإخوان خيرة ابنائها ؟

يستمتع الكثيرون من منتقدى جماعة الإخوان المسلمين أن يعلنوا أنهم خبراء فى هذه الحركات ، وأساليبها وتنظيماتها ، ولا مانع أيضا فى الادعاء بأنه كان منتميا لها فى سالف من الزمن ، وأنه لما رأى فيها ما لايتفق مع مبادئه ( أحيانا يقول مبادئ الإسلام ) فضّل أن يتركها ، لأنها لايمكن أن تكون الأمل فى مستقبل أفضل .

هذه التقدمة التى تفيد سابق الخبرة ، هى من لزوم الانتقاد ، حتى يصير أكثر فاعلية واعلى قيمة فى نفوس القراء .

ولكى أوضح موقفى كاملا أقول : إننى أكتب هذا المقال ، وليس لى من الخبرة بجماعة الإخوان إلا قربى ( أزعم أنه قرب شديد ) من كثير من أعضائها ، والمتابعة الجيدة فيما أحسب لتصريحات قياداتها ، وإنتاجاتها الفكرية والتربوية .. ولا أزعم الحصر .. وإنما حسبما سمحت به همتى المتواضعة ، وظروفى المحدودة .

أى أنه من الممكن أن يكون هذا المقال من المقالات التى بنيت فكرتها على جزء غير مكتمل من الصورة ، وبالتالى .. فإنى انتظر التصحيح والتصويب .
إذن ، لماذا لم تسكت عن كتابته حتى تكتمل الصورة ؟ .. كانى أسمع هذا السؤال من قارئ .

اقول : بدا لى أن همتى وظروفى لن تسمح لى بأكثر مما ترسخ لدى ، فإن لم يكن كلامى هذا صحيحا ، أو على جانب لا بأس به من الصحة .. فيكون كلامى بهذا من قبيل التناصح وإبداء الرأى ... فليكن فرصة جيدة لتصويب نظرتى بما سأعرفه من أجزاء قد تبدو غائبة عنى .

- 1 -

بداية سأسرد قصة ، يشهد الله أنها حقيقية ، لكنى أحتفظ لنفسى بالأسماء إذ لم استأذن اصحابها فى نشر اسمائهم .

أبطال هذه القصة شقيقين :
الأول : كاتب وباحث إسلامى جاد ومتميز ، ويشهد له بهذا تقريبا كل من قرأ مقالاته التى تقترب من أن تكون بحوثا ، وله فى كتابته نظرة عميقة ، وتحليل ممتع ، يكسو كل هذا بعبارات فى غاية الهدوء والبلاغة فى آن واحد .. فتتسرب لك أفكاره فى سلاسة ويسر .

ليس أدل على هذا من أنه كاتب أساسى فى أقوى مجلة إخوانية - برأيى - وهى مجلة المجتمع الكويتية ، التى تنشر له بانتظام وبأجر .. مما يعنى فى صراحة أنه كاتب متميز فعلا .

الثانى : وهو شقيق الأول كاتب متميز أيضا ، له نفس النظرة العميقة والتحليل الجميل ، لكن أسلوب صياغته لأفكاره تحمل من الروعة ، نفس القدر الذى تحمله من الحدة ، مما يجعل كتاباته لا ترقى لنفس مستوى القبول لدى كل القراء .

الشقيقان ، بعد أن كانا ينتميان تنظيميا لجماعة الإخوان المسلمين ، لم يستطيعان الصبر على بعض المشاكل الإدارية والتنظيمية داخل الجماعة ، ولم يستطع المسؤولون عنهما استيعاب مثل هذه العقليات المستقلة التى تفكر بلا حدود ولا قيود ، فظل التعامل معهما على أساس أنهما من الشخصيات المتمردة ، أو على أقل تقدير الشخصيات المسببة للمشاكل والمثيرة للشبهات .

وهذا الرأى وإن لم يكن كلاما ينطق به اللسان ، كان معاملات ينطق بها الحال ، مما أدى فى نهاية الأمر إلى تركهم الجماعة تنظيميا ، وإن كانوا يحملون أفكارها التربوية ونظرتها للأمور ، ولا تزال مصادر تلقيهم تنطلق من القيادات الفكرية للإخوان مثل القرضاوى والغزالى ومحمد أحمد الراشد.. وغيرهم .

وهما يصرحان بأن المشكلة ليست ابدا فى المنهج ، بل فى هذه الطبقة الوسيطة التى تربت فى أجواء ( أو أشربت أفكار ) مرحلة الخمسينات والستينات التى نمت فيها العقلية الأمنية للتنظيم ، ونمت بذات القدر صفات الانقياد والتسليم على صفات المناقشة والاعتراض والحوار .
وهذا طبيعى من جراء أثر هذه المرحلة الدموية العنيفة .. طبيعى أن تنمو مبادئ الثقة والسمع والطاعة على مبادئ الشورى وحق الاعتراض وحرية المناقشة .. إلخ .

فهذه الطبقة الوسيطة هى التى لم تحسن استيعاب الطبقات الأسفل منها ، ولم تستطع - فى كثير من الأحيان - توصيل رؤى الجماعة وأفكارها بشكل واضح إلى الطبقات الأسفل .. حتى تحول الأمر إلى طبقة مكبوتة ( لا أقصد كل الطبقة ، وإنما المتميزين فيها ) عاجزة عن توصيل رؤاها إلى القيادة ، وطبقة عليا لها أفكارها التى لاتصل ( على الأقل لاتصل بوضوح ) إلى الطبقات الأقل .

هذه الطبقة المكبوتة ، تمثل انفجارها - كما بدا - فى ملتقى الإخوان المسلمين على الانترنت ، وهو منتدى مفتوح ، ظهر فيه مدى الهوة الواسعة بين الأفكار التى تصرح بها الجماعة ، وهذه التى تحملها القاعدة ، وهى نتاج التربية التى وصلت إليهم .

بل كشف هذا المنتدى عن وجود أخطاء تنظيمية تصل فى بعض الأحيان حد الأخطاء القاتلة والتى يعانى منها بعض الأفراد داخل الصف ، يستحيل أن يوافق على وجودها فضلا عن أن تكون هى المنهج الذى تطرحه القيادات .

هذه الأخطاء والممارسات دفعت بالفعل كثيرا من أعضاء ومن خيرة الجماعة فى تركها .. حتى صار طبيعيا لدى أن اسمع عن نشيط من أنشط كوادر الجماعة فى مرحلة الجامعة ، تركها بعد التخرج مباشرة أو بعد التخرج بقليل .


- 2 -


كان ما سبق يتناول على وجه التحديد أفرادا يحملون الفكر الإصلاحى - إن صح التعبير - فى مواجهة - إن صح التعبير أيضا - أصحاب الفكر المحافظ .
فهؤلاء لم يكونوا قادرين على توصيل أفكارهم ورؤاهم إلى القيادات التى تتبنى هذه الوسطية والاعتدال ، وبالتالى فهم تحت سيطرة - إن صح التعبير - أصحاب الفكر المحافظ فى الطبقة الوسيطة .

نعطى مثالا :

الدكتور يحيى الرخاوى واحد من اشهر الأطباء النفسيين على مستوى مصر ، والعالم العربى .. كتب مقالا فى الدستور وحكى فيه أنه حوكم فى المركز العام قبل نصف قرن وتم فصله من الجماعة لعلاقته بمحقق التراث الأشهر محمود شاكر الذى كان يدعو الشباب لاستيقاء دينهم من مناهلها من كتب التراث ، وكانت أغلب انتقادات الدكتور الرخاوى لجماعة الإخوان فى فترة الانتخابات تنصب على أنهم لا يتركون حرية التفكير والإبداع بالنسبة لأعضائهم .

ايا ما كان مدى صحة هذه القصة ، و دقة تفاصيلها .. فقد علمنا الإسلام ألا نحكم لسماع طرف واحد .. فإن الذى استقر عند الدكتور ، وبالتالى عند قرائه ممن يثقون فى عمق نظرته ، واستقلال موقفه .. استقر أن الإخوان يضعون قيودا على التفكير وحرية النظر والتأمل .

بلال فضل ، وهو واحد من اشرف كتاب الصحافة فى مصر ، قال عبارة تحمل مثل هذا المعنى .. قال : " قاتل الله هذا النظام الذى جعلنا إخوانيين ونحن الذين تركنا الإخوان بمزاجنا " .. واستمر فى مقال يحمل عنوان ( الإسلام هو الحل .. الإخوان هم المشكلة ) يركز على أن مشكلة الإخوان هى رؤيتهم أنهم يمتلكون الرأى الصواب ، دون إبداء مساحة من التسامح مع المختلفين معهم فى فهم النصوص .. وأنهم لا يملكون فضيلة المراجعة والاعتراف بالخطأ التى حصرها فى د. عبد المنعم أبو الفتوح و د. عصام العريان و د. محمد على بشر .

وهؤلاء الشقيقان اللذان تحدثنا عنهما سابقا .. احدهما باحث متميز وكاتب بمجلة المجتمع ، والآخر لا اشك أنه لو انطلق وأجهد نفسه فى الكتابة فسيصبح من اقوى الكتاب على الساحة .

إذه هذه المفقودات هى عناصر فى غاية التميز ، تترك الجماعة إثر مواقف صادرة من كوادر وسيطة ما زالت تتشرب الفكر المحافظ والذى لايعبر فى أغلب الأحيان عن رؤية القيادات العليا .. تصبح فيما بعد عناصر متميزة على الساحة الفكرية أو العملية والإدارية .. فلاتخسر الجماعة أفرادا ، بل تكسب عداوات من أشخاص بأوزان غير قابلة للتقليل أو التجاهل .


- 3 -


على الوجه الآخر تماما .. تسبب وجود ملتقى الإخوان المسلمين فى إعرن بعض أعضاء الجماعة تركها بعدما تبينوا بالفعل أن افكارهم التى يحملونها ليست هى التى تحملها أو تدافع عنها الجماعة .

ولا أزال أذكر عضوا كان منذ حوالى أربع سنوات أو خمس سنوات يكتب تحت اسم ( ابو الفدا ) وهو سورى كما صرح ، لكنه يحمل الفكر الجهادى الذى لا يرى مانعا ( إن لم يره واجبا ) فى التغيير . وكان يفسر تصريحات قيادات الجماعة على أنها من قبيل لكل مقام مقال ، وليس كل ما يعلم يقال ، ولا كل ما يقال حضر وقته ، ولا كل ما حضر وقته حضر أهله .. وكان يرى فتاوى واجتهادات شيوخ الجماعة كالغزالى والقرضاوى على أنها أفكارهم هم باعتبارهم قد أصبحوا شخصيات مستقلة لها فكرها الذى قد لايكون بالضرورة هى التى تحملها الجماعة .

لما اكتشف هذا العضو أن أفكاره الجهادية لاتلقى ترحيبا فقط ، بل تلقى مناهضة شديدة .. وكانت المرحلة وقتها فى أجواء ما بعد الحادى عشر من سبتمبر حيث كانت الجماعة تؤكد بما لايدع مجالا لمؤول أو مفسر أنها ترفض التغيير العنيف أو التغيير بالسلاح .
لما اكتشف هذا .. اعلن صراحة انه انضم للجماعة لأن الذى دعاه إليها شرح له شعار ( الجهاد سبيلنا ) و ( الموت فى سبيل الله أسمى اما نينا ) وأن مروان حديد ( صاحب الأزمة الشهيرة فى حماة بداية الثمانينات ) من أعلام واقطاب الإخوان .. وتلك هى أفكار سيد قطب ، وشرح له إنجازات النظام الخاص فترة ماقبل ثورة يوليو ... إلخ .

المهم أن الرجل تشبع بالفكر الجهادى ، وظن أنه منهج الإخوان .. ولما تبين له العكس أعلن تركها .


الملاحظة فى هذه النوعية ، أنها على درجة عالية من العلم والثقافة ، وعلى نفس المستوى من القدرة على التفكير والإقناع ، وبالتالى لهم القدرة على ضم العناصر الأخرى إلى صفوف الجماعة .

لا أقصد أصحاب التفكير الجهادى فقط ، بل أقصد أصحاب الفكر السلفى والمتشدد داخل الجماعة ، وهم بالمناسبة كثر .. فمازال أغلب شباب الجماعة لايقتنع بجواز الاستماع للموسيقى ، ولا جواز تولى المرأى منصب القضاء ، وهناك من لا يرى جواز ترشح المرأة للانتخابات باعتبارها من الولاية الواردة فى الحديث ..

وبرايى أن ما يدعم بقاء هذه العناصر الفعالة والمؤثرة - بما تحمله من علم وثقافة وقدرة على التفكير والإقناع وضم العناصر الأخرى - هو تلك الطبقة الوسيطة التى تحمل تقريبا نفس هذا الفكر مع تفاوت فى النسبة ، والتى تستطيع إيجاد تفسيرات وتبريرات مقنعة لكل ما يفعله قادة الجماعة ومواقفها الفكرية .. وعلى اعتبار ان السمع والطاعة والثقة من صميم المبادئ التى تحملها هذه العناصر ، فتصبح هذه التفسيرات هى الأصدق والمعبرة عن الموقف الحقيقى للجماعة .

خصوصا والإسلاميين بشكل عام يحملون هوسا بنظرية المؤامرة من جراء الكتب العديدة التى كتبت وتناولت الغزو الفكرى والمخططات الصليبية للقضاء على العالم الإسلامى .. وهذا الهوس يؤدى إلى إساءة الظن بأى شئ إلا القيادة المباشرة للجماعة .

قبل أن أكتب هذا الموضوع شاء القدر أن تحدث حادثة تثبت وجهة نظرى هذه .

نشر بجريدة أخبار الأدب التى يرأس تحريرها الأديب المصرى جمال الغيطانى ، تقريرا مفصلا عن زيارة القيادى الإخوانى د. عبد المنعم أبو الفتوح إلى نجيب محفوظ فى عيد ميلاده الرابع والتسعين ، وكان مما قاله الدكتور هذه العبارات :

1- الموسيقى والفنون مباحة والإمام البنا كان يأخذ زواره فى زيارات للأوبرا
2- الفقه البدوى القادم من السعودية ساهم فى نشر الفكر المتشدد
3- ما أنتجه سيد قطب كان نتاج حالة مرضية ، حين كان مسجونا كان فى حالة كره للمجتمع ، ولهذا ففكره محسوب عليه
4- لن نصادر رواية أو كتابا مهما كان يدعو للإلحاد والزندقة
5- استغرب موقف نجيب محفوظ من امتناعه عن نشر روايته أولاد حارتنا إلا بموافقة الأزهر
6- الدكتور جمال حشمت لم ينتقد الروايات الثلاث ، وغنما انتقد أن يطبع هذا الفكر ( المختلف عليه ) على نفقة الدولة .
7- لسنا من أثار أزمة رواية وليمة لأعشاب البحر بل عادل حسين وجريدة الشعب
8- كان للإخوان فرق مسرحية وفنية وكانت تعرض أعمالها مع الفرق الأخرى فترة الإمام البنا
9- أنا ضد ما يكتبه جابر قميحة ، وأرى أن ما يكتبه لا علاقة له بالفن ولا بالأدب
10- سلمت لنا يدك ( يقصد محفوظ ) التى أراد لها الظلاميون أن تسكت
11- نجح الإخوان فى الانتخابات بفضل قلمك الذى نشر التنوير والاعتدال
12- هذا هو رأى 99 % من جيل السبعينات وما بعده

(( لعله قال أشياء أخرى ونسيتها الآن .. وطبعا الترتيب ليس دقيق .. ومن ناحيتى الشخصية لست موافقا على كل هذا الكلام ))

أثار هذا اللقاء عاصفة لم تسكت فى ملتقى الإخوان المسلمين ، وكان الكلام من قبل البعض ذاهلا .. حتى إن بعض الأعضاء كتب يقول : إن هذا اللقاء لم يحدث أصلا ، وغنما هى فتنة أراد العلمانيون نشرها وزرعها بين القيادات والأفراد ، فلا يمكن أن يككون مثل هذا الكلام صادر من أحد قيادات الإخوان .. بل زعم عضو أنه اتصل بموقع الإخوان ورد عليه موقع الإخوان نافيا أن يكون هذا اللقاء تم اساسا .

وهذا مثل فى غاية الوضوح يثبت أن كثيرا من الأعضاء المثقفين والذين هم على قدر من العلم ممن يحملون الاتجاه المتشدد لا يتقبلون هذه الأفكار بل يحاربونها تماما .

وأقل ما أثبتته هذه الواقعة أنه لا 99 % ولا حتى الأغلبية موافقون على هذه الأفكار ، وإن كان لى تفسير آخر بأن هؤلاء الـ 99 % هم من مستوى تنظيمى معين وليس كل المنتمين للجماعة .

إذن نحن فى هذه الحالة فى وضع أن الجماعة ستفقد بعضا من أكثر عناصرها فاعلية ممن تربوا على أفكار لا علاقة لها إن لم تكن تناقض أفكارا يصرح بها القيادات .

وسمعت من أخ على الأرض ، بأنه لو صحت هذه التصريحات سيترك الإخوان مباشرة .



- 4 -

يبدو الآن أن المشكلة تقريبا منحصرة فى الطبقة الوسيطة من القيادات ، وهى التى نشأت فى عصر عبد الناصر الذى تصلح عنوانا على الدموية فى تاريخ مصر الحديث .

وحين نتفهم موقف أحد فى ظل ظروف صنعت هذه القناعات ، فهذا لا يعتبر اتهاما ولا تشنيعا .. بل محاولة لقراءة الحدث ليس أكثر ، لكن على الطرف الآخر ، لا يمكن العيش والاندماج فى عصر عبد الناصر إلى مرحلة اللذة بهذه الأجواء .

فللأسف الشديد ، هذه الأجواء تثير فى النفس وتزرع فى العقل بعض القناعات التى وإن لم تكن صحيحة ، فهى ممتعة للنفس .

فالنفس خصوصا المسلمة الملتزمة تطرب تماما لفكرة امتلاك الحق وامتلاك تمثيل هذا الحق ، والدليل على هذا أنى أواجه الباطل الواضح فى معركة واضحة وصريحة ، وهذا الباطل يواجهنى لأننى أمتلك هذا الحق .
كذلك تستمتع النفس صاحة الفكر الإسلامى بكونها فى موطن جهاد ، ورغم سعة مدلولات كلمة ( جهاد ) إلا أن المعنى الأولى والمباشر للجهاد هو ذلك الانضباط فى الصف والالتزام بتعليمات القيادة ، والثقة المطلقة فى القيادات المباشرة والغير مباشرة .. مما يجعل مبادئ الثقة والسمع والطاعة ليست فى الذهن مبادئ مقيدة ، بل هى مبادئ مُنظمة وتثرى هذا التماسك المتين .

التلاحم الأخوى البديع الذى أضيف إلى معانى أخوته الإسلامية الراقية والنبيلة ، معانى الوجود فى الصف المجاهد ، أو فى الصف المعرض دائما للظلم والقهر والاضطهاد ، فأصبح التماسك أعلى من كونه أخويا فقط .

على مستوى المسؤولية .. واضح جدا خصوصا فى مرحلة الجامعة مثلا ، أن القيادات الإخوانية على مستوى العمل الطلابى هم من الطلاب ، يعنى من حدود 19 إلى 25 سنة على أقصى تقدير ، وهذه المرحلة من الشباب مع كل الاحترام والتبجيل وإحسان الظن بها ، ليس على مستوى التقييم والتقدير للمواضع التى تغلب فيها السمع والطاعة على الشورى والمناقشة .. أقول هذا وأنا فى سن 22 عاما .. يعنى لست من الشيوخ ولا أتبرؤ من التحيز للشباب .. لكن واقعا نفسيا وعلميا واجتماعيا أقوى من كل هذا .. وبالتالى فنحن فى مرحلة ترسيخ كوادر تستعمل مثل هذه المبادئ بما قد تحولها إلى ديكتاتورية مقنعة ترفع اسم الشورى والسمع والطاعة والثقة .. إلخ ، ومن ثم فنحن على أعتاب جيل جديد يدخل للجماعة بعد تخرجه ، وقد استقر فى نفسه وذهنه ممارسات للشورى والقيادة ترسخت فى نفسه أصلا دون أن يكون مؤهلا لهذا .

وبالتالى .. فجيل آخر يأتى يكرر نفس مشاكل الجيل السابق ويضيف سمكا آخر لهذه الطبقة الوسيطة .


- 5 -

قد يكون البعض قد ظن أنى امتلك حلا .. والحقيقة على عكس هذا تماما ، فالحل بيد قيادات الجماعة وكوادرها .. ويجب أن تستوع القيادات أننا فى عصر الانترنت والفضائيات .. أى أن تسرب الأفكار والمعلومات بل فيضانها حقيقة غدت حقيقة كونية لن يملك أحد مواجهتها ولا حتى مواجهتها .

والصف المجاهد الذى يتحمل النار والتعذيب ، قد لا يصمد امام هذا الانفتاح المعلوماتى .. ولم يزل موضوع الدكتور عبد المنعم ابو الفتوح دليلا على مدى الهوة التى تفصل بين جيلين يبدوان فى غاية التمايز .. ولا اقول التناقض .

لا يمكننى أن اختم الكلام دون أن أقرر أنى ما أزال أرى أن حركة الإخوان المسلمين تمثل الأمل الإسلامى القريب والباسم إن شاء الله .. لكنما أخشى أن هذا التمايز ( لا أقول الانفصال ) بين الأجيال يثقل حركة التقدم نحو الغد من خلال توصيل وتشرب هذه الأفكار إليه .. وأخشى أشد ما أخشاه أيضا أن تتم سرقة المجهود الذى بذلته الجماعة على طوال العقود الماضية ، لتظهر حركات تستطيع بعلو الصوت قيادة حركة المعارضة والثورة .. ثم نفاجأ بنموذج ثورة يوليو يتكرر .

سلطة تنهار - ثورة شعبية مكبوتة - تيارات متعددة - يعلوها تيار صوتى - اتصال خارجى بفرد أو مجموعة - انقلا على السلطة ف لحظة وسيكون انقلابا سلميا لأن السلطة تنتظر رصاصة الرحمة - انفراد بالسلطة وخدمة للمشروع الخارجى على حساب موجة أخرى من الدماء والأشلاء .



كتب 25/12/2005



.