الجمعة، ديسمبر 09، 2005

مصر التى احتلها مبارك .

منذ سنتين أو ثلاث تقريبا ، جمعتنى الأقدار لأركب سيارة أجرة لدى سفر قريب ، ودار بينى وبين السائق حوارا عن أحوال البلد ، ومافيها وماملأها من ظلم وفساد .

ثم فجر السائق مفاجأة ، حين قال لى : " يابيه انا اعتقلت عشر سنين " .
كانت العبارة كفيلة لأن تجعل حواسى كلها مع الرجل الذى يحكى حكاية اعتقاله .

فهذا السائق البسيط ، من الصعيد ، سافر إلى العراق كآلاف المصريين الذين سافروا بحثا عن الرزق بعد ان افتقرت مصر من جراء النهب المنظم المتواصل ، لكنه لم يمضى إلا شهورا ، ثم اندلعت حرب الخليج ، التى تلتها ضربة أمريكا للعراق .

هرب الرجل مع مصريين آخرين إلى حدود السعودية ، ومالبثت ان وصلت طائرات مصرية نقلتهم إلى مصر .. لكن ليس إلى أى مكان متوقع ، بل انتهى بهم الأمر إلى أمن الدولة .

سألوهم عن هوياتهم ، ولما كان الرجل وغيره ممن لم يستطيعوا لظروف الحرب حمل هويات معهم لايحمل هوية ، تم تصنيفهم ضمن ( العائدين من أفغانستان ) ، ليودعوا المعتقل .
صرخ الرجل ومن معه وهم يحاولون أن ينفوا عن أنفسهم هذه التهمة ، وأن يحضروا إثبات هوياتهم بألف طريقة من خلال أهلهم فى مصر ، أو سجلات المسافرين ، أو شهادات الناس ، أو .... أو ..... أو .... إلخ

لكن عباقرة أمن الدولة الذين يعلمون الغيب ، ويكشفون السرائر ، كانوا على غير استعداد للسماع .
وبقى الرجل فى المعتقل .

عشر سنين سوداء بلون الليل الذى يخيم على مصر كلها ، والذى يبدو بلا نهاية ، ذاق فيها الرجل ألوان العذاب وأشكاله ... ولم يستطع أن يذكر لى شيئا مما رآه وعاناه ، مما ينافى الكرامة التى خلقها الله فى نفس الإنسان ، لكنه أراد ان يذكر لى مثالا حتى أستطيع تصور ما عاناه ، فقال لى : " يابيه .. احنا شربنا البول " .

وقال إنهم لم يكونوا يستقرون فى معتقل واحد ، بل كل ثلاثة أو اربعة أشهر كانوا ينتقلون إلى معتقل آخر ، وكان الرجل فى كل مرة يكتب وريقة صغيرة يقول فيها " أنا فلان من محافظة كذا مركز كذا قرية كذا ... موجود الآن بمعتقل كذا " ثم يرميها من السيارة على أمل أن يجدها إنسان مازالت فيه بقية كرامة ، فيوصلها إلى اهله .

وبعد عشر سنين من العذاب المرعب ، والإذلال الوحشى ، التقط هذه الورقة الصغيرة سيدة بدوية من محافظة الوادى الجديد ، فقرأتها بمساعدة ابنها المتعلم ، ثم ذهبت إلى أهله الذين أفزعهم أن يكون ذلك الرجل الذى اعتقدوه ميتا عشر سنين ... مازال حيا .

وحين افاقوا من هذه الدهشة التى تحمل كل الفرحة ، وكل الرعب فى وقت واحد ، سعوا كالمحموم إلى من يعرفونه من أعضاء مجلس الشعب ، أو الضباط حتى يتم الإفراج عن هذا المعتقل ... حتى أفرج عنه بالفعل .

وياليتهم بعد السنين السوداء تركوه ...

مازالوا يواصلون استدعاءه إلى مقرهم الملعون ، ليسأله الضابط فى سخرية وقحة : " اوعى تكون لسه زعلان مننا ؟؟ "
ودائما ما تكون زيارتهم على شكل هجوم ليلى فى الساعة الثالثة فجرا .. ولا أدرى لماذا ؟؟

****

تذكرت هذه الحكاية المدهشة المرعبة ، إثر رؤيتى لأبطالنا رجال الأمن يقتلون ثمانية مواطنين فى انتخابات الأمس ، وينهون بكل بساطة وبرود حياة فرد ، تحيا لأجله عائلة كاملة .
ومن أجل ماذا ؟؟؟؟

ليس من اجل مصر ، ولا من اجل الديمقراطية ، ولامن اجل كرسى مجلس الشعب .... إنهم أتفه واضأل وأحقر من أن تكون لهم هذه العقلية ... إنما يقتلون لأجل رضا الباشا الذى يسعى بدوره لرضا الباشا الكبير ، ثم الباشا الأكبر ... إلى آخر هذه السلسلة المتصلة القاذورات من الباشوات .

وذلك الباشا الذى ينظر إلى البلد على انها ملك شخصى له ، لايجوز لإنسان أن يفكر بانتزاعها منه ، كأنه بالفعل ورثها عن أبيه أو عن أمه .

لكن السؤال الذى يفلق العيون : ألسنا محتلين فعلا ؟؟

أليس مبارك ومن وراءه انتهاءا إلى أصغر جندى فى الأمن المركزى ... أليسوا يحتلوننا فعلا ؟؟

هؤلاء الذين فرطوا فى كل شئ ، ثوابتنا الإسلامية ، وامننا القومى ، بل اقتصادنا الوطنى ، بل حتى سمعتنا الشخصية ، وقيمتنا بين الدول ... ثم يحاربون الناس بالرصاص الحى وبالقنابل المسيلة للدموع لكى لايفكروا بأن ينتخبوا أحد الشرفاء ( يسمونهم إرهابيين ) لكى يمثلهم فى هذا المجلس الحقير الذى يحكمون وضع ايديهم عليه ، إن لم يكن بالأغلبية العددية ، فبمواد الدستور المهينة التى تبيح حل المجلس إذا لم يكن على مزاج السيد الرئيس .

هذا الشاب الذى قتل ( 22 عاما ) ، كيف تحيا امه الآن ؟؟

كيف ؟؟ كيف ؟؟

الشاب الذى ظلت تربيه وترعاه وتخاف عليه الهواء البارد ، فإذا تأخر فى الليل اشتعل القلق فى صدرها ، فإذا رجع كأن الدنيا تحتضنها ، تودعها بالدعاء ، وتستقبله بالدموع ... كيف تحيا الان ؟

وذلك الاب الذى كان يحترق بالليل والنهار حتى يعطى من هذا الاحتراق بعض الدفئ والأمان لهذا الوليد حتى يكبر فيستطيع الاتكاء عليه إذا اصابه العجز والهرم ... كيف يحيا الآن ؟؟

وتلك الأخت الصغرى التى كانت ترجو منه أن يأتيها بالهدايا والألعاب ، وتسهر الليل يمنيها عقلها الطفل بما سوف يحملها لها من هدايا ... كيف يفسر لها عقلها البرئ ما قد حدث ؟؟؟

كيف يحيون ، حين يرون تربية العشرين عاما اختطفها كلاب الداخلية المسعورة ، المغمورة فى الخيانة ، التى تلبس السفالة واللؤم والقسوة والتوحش رداءا لها ؟؟؟

ومن أجل ماذا ؟؟؟ من أجل كرسى حقير فى نظامهم الحقير ، الذى يمثله أحقر خلق الله على هذه الأرض وبلا استثناء .

ألهذا الحد وصلت قيمة البشر لدى النظام الحقير ؟؟؟؟؟

والله الذى لا إله إلا هو ... لن نسامح فى دمائنا ولن نتهاون .. وقريبا بإذن الله ينهارون تحت أقدام الاحرار ...

لكن الفرحة الكبرى يوم نراهم يتقلبون فى نار جهنم ، وهى تحرق جلودهم وتهرى أجسامهم وتسحق عظامهم ، ونسمع أصواتهم وهم يصطرخون فيها ، ويتقلبون فيها ، يأكلون الغسلين والزقوم ، ثم يشربون عليه الحميم ، مقيدين ، يلبسون القطران والنيران .

ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ؟؟

قل :


لكم ميعاد يوم لاتستأخرون عنه ساعة ولاتستقدمون .


وموعدنا عند الله ......




8/12/2005