الجمعة، نوفمبر 04، 2016

في ذكرى الشهيد كمال السنانيري

لكم ضاعت من الذاكرة أسماء شهداء عظام لكثرة ما في موسوعة شهدائنا من أسماء، يحفظ الناس اسم جلعاد شاليط، وهو جندي صغير مغمور، ولا يحفظون أسماء عشرات الآلاف من الأسرى وفيهم من دوَّخ العدو وصنع ما يشبه الأساطير. ومع هذا تبقى مهمة صاحب القلم في عصر الكفاح أن يعيد بعث الذكرى بسير العظماء.

في مثل هذه الأيام قبل خمس وثلاثين سنة (8 نوفمبر 1981)، أنهى التعذيب الرهيب في سجون مبارك، الذي تولى السلطة منذ شهر واحد، حياة محمد كمال الدين السنانيري، فختم بذلك قصة عظيمة من روائع قصص الشهداء.

كان الشهيد مثلا في حياته وجهاده وزهده وزواجه واستشهاده كذلك، فقد وُلِد لأسرة ميسورة الحال وبالرغم من هذا فقد اعتنق فكرة أن الداعية لا بد له من الزهد والصبر والاحتمال ليتجنب بهذا الفتنة وينزع من يد أعدائه أي وسيلة لإغرائه أو الضغط عليه، وهكذا تبدل حال الرجل من النعيم إلى التقشف.

كاد أن يسافر إلى أمريكا لدراسة الصيدلية لولا أن شيخا نصحه بالبقاء وحذره من الحياة هناك، فتحول إلى البقاء والدعوة، ثم دخل الإخوان في أوائل الأربعينات، وظهرت همته وعمله حتى صار من كبار رجال النظام الخاص ومسؤولا عن واحدة من وحداته، ولهذا كان من أوائل من استهدفهم عبد الناصر في 1954، فصدر عليه حكم المؤبد، ولم يخرج إلا بعد عشرين سنة 1974.

حدثني من سُجِن مع الشهيد لأيام عنه فيقول: "لا لا لا، هذا لم يكن رجلا عاديا، هذا رجل نزل إلينا من جيل الصحابة والتابعين، كان مدهشا وفوق التصور، ألا يستريح يوما من الصيام؟! ألا يتعب ليلة من القيام؟! لقد عايشته أياما في زنزانة واحدة كأن الله أراد أن يطلعني أن الدنيا بقي فيها أنواع من هؤلاء البشر!".

نزل به من التعذيب ما استحال معه أن تتعرف عليه أمه حين رأته في أول جلسة من المحاكمة لما صار إليه من النحول والهزال وعلامات التعذيب حيث فقد السمع بإحدى أذنيه وكُسِر فكُّه فصار لا يحسن الكلام، بل إن شقيق زوجته أصابه الذهول لما نزل به من العذاب حتى فقد أعصابه ودخل مستشفى الأمراض العصبية.

وكان قد دخل السجن وهو في السادسة والثلاثين من عمره، ولديه طفلة صغيرة، وعندما صدر عليه حكم المؤبد لم تتحمل زوجته هذا البلاء الطويل، فطلقت منه، ويُقال بل أجبرها أهلها على فراقه، ويقال كذلك: بل ضغطت المباحث والسلطة عليها إلى أن ألجأتها لطلب الطلاق، ثم لم تلبث أن توفيت ابنته الصغرى منها في أول سجنه. فكأن البلاء قد استحكم عليه من كل الجهات!

عُرف بالزهد والعبادة حتى طار صيته في ذلك، كان وفيا لقناعته بضرورة أن يتعود الداعية على المشاق لئلا يتأثر بالفتن، فكان وهو في سجنه الناصري الرهيب لا يلبس ولا يأكل إلا ما يخصصه له السجن، ولا يستعين بمأكل أو ملبس مما قد تأتيه به أسرته من الخارج، يريد ألا يُعطي السجان وسيلة لكسر نفسه أو الضغط عليه، وظل إلى آخر سجنه لم يكتب شيئا في تأييد عبد الناصر أو الاعتذار له رغم جحيم السجن!

وقد بقي في السجن إلى أن لحق بهم سيد قطب فكان رفيقا له في الزنزانة، وفي إحدى الزيارات رأته أمينة قطب شقيقة سيد، فيُقال أنه طلبها للزواج من أخيها، بل ويقال: أعجبها فطلبته هي للزواج من أخيها، وأبدت استعدادها لتنتظره بقية سجنه، فلما خرج منه بعد سبع سنوات من هذا اللقاء بنى بها وهو في الخامسة والخمسين من عمره.. فكانت قصة زواجه من قصص الحب الخالدة في كتاب الحركة الإسلامية[1].

ولما خرج وجد تيارا إسلاميا تكون في الجامعات، فسعى إليه سعى الطالب المشتاق، والداعية اليقظ النشيط الذي لم تكسره سنوات السجن وأعوام العذاب، فكان أول من اتصل بممثلي هؤلاء الطلاب فطلب لقاءه، وتحدد الموعد في محل لبيع الأحذية، يملك واحد من الإخوان، فدار الكلام وكلاهما يصطنعان أنهما يقيسان الأحذية!

يقول عبد المنعم أبو الفتوح:

"حين أتذكر لقاءنا الأول لا أتمالك نفسي من البكاء... فقد كان لقاءا مؤثرا وعاطفيا إلى أبعد الحدود، وكان كلامه وروحه وكل ما فيه جديدا بالنسبة لي... كنت أمام رجل قضى من عمره عشرين عاما في السجون ثم خرج وهو ما زال مشغولا بقضية الإسلام والدعوة إلى الله! وكان يتفجر حماسا في شرح فكرته والتأكيد على الاستمرار فيها واستكمال ما بدأته الجماعة... كان لكلامه وقع السحر... وكان بالنسبة لي قدوة عثرت عليها بعدما كدت أفتقدها... كان حضوره في وعيي كحضور هؤلاء الذين كنا نقرأ عنهم في السيرة النبوية، الذين عُذِّبوا وأُوذوا وصبروا على البلاء في سبيل تبليغ دعوة الله"[2].

ولولا أن اللقاء الأول كان على هذا الحال، ما كان للمجموعة الصغيرة الباقية من جماعة الإخوان أن تحتوي التيار الشبابي الهادر، فتعيد به تجديد اسمها ومكانها وتجعله مدد بقائها واستمرارها. وبهذا اللقاء تمهدت اللقاءات الأخرى مع التلمساني وعباس السيسي وغيرهم وهو ما انتهى إلى دخول القسم الأكبر من شباب "الجماعة الإسلامية" في الجامعات المصرية تحت اسم وقيادة الإخوان المسلمين.

وما إن تمت هذه المهمة في مصر حتى استأنف مهمة أخرى عالمية، وهي الجهاد في أفغانستان، ولم أجد في المصادر التي تحدثت عنه تفصيل أعماله هناك، إلا أنه فيما يبدو قام بدور مهم وخطير، ذلك أنه وبمجرد عودته إلى مصر ألقي في السجن وصُبَّ عليه العذاب الشديد حتى مات على إثره.

وقد رثته زوجته الأديبة، أخت الشهيد وزوجة الشهيد، بمراثي في غاية الرقة والعذوبة، وكانت لها عادة أن تكتب فيه قصيدة في ذكرى وفاته من كل عام، وبعض تلك القصائد اشتهر وسار في وجدان الصحوة الإسلامية كما يسري الروح في الجسد، فحفظوا منها:

هل ترانا نلتقي أم أنها .. كانت اللقيا على أرض السراب
ثم ولَّت وتلاشى ظلها .. واستحالت ذكريات للعذاب
هكذا يسأل قلبي كلما .. طالت الأيام من بعد الغياب
فإذا طيفك يرنو باسما .. وكأني في استماع للجواب

ومنها:

ما عدت أنتظر الرجوع ولا مواعيد المساء
ما عاد كلب الحي يزعجني بصوت أو عواء
فأخاف أن يلقاك مهتاجا يزمجر في غباء
ما عدت أنتظر المجيئ أو الحديث ولا اللقاء
فلسوف ألقاكم هناك وتختفي دار الشقاء
ونُثاب أياما قضيناها دموعا وابتلاء
وسنحتمي بالخلد لا نخشى فراقا أو فناء

لا يختلف أحد ممن أرخوا للشهيد أن قاتله هو فؤاد علام الذي كان مسؤولا عن تعذيبه، وقد أتيح لأحمد رائف أن يسجل حوارا دار بينه وبين فؤاد علام بُعيْد استشهاده، أسوقه هنا مختصرا:

"وفؤاد علام شخصية غريبة فريدة ذات طابع خاص، يندر أن تجد له نظيرا أو مثيلا؛ فهو يقتل والبسمة على شفتيه، ويحرق بالنار من خلال نظرة شاردة حالمة، وله في القتل والتشفي والتعذيب متعة وروعة لا تخفى على أحد ممن وقع تحت يديه.

أذكر مرة في أثناء هذه الزيارات التي كنت أتردد عليه فيها ليرفع عني الحظر من السفر أنه أخبرني أن الشهيد كمال السنانيري قد انتحر.

تعجبت وسألته: وكيف تم الانتحار؟
ونظر نظرة صفراوية وقال: أنت لا تصدق إذن أنه انتحر؟
وقلت: أنا أسأل كيف تم هذا؟

وانتفخ فوق كرسيه، ووضع ساقا على ساق، ومدَّ يده إلى مسبحة أمامه على المكتب وصار يلعب بحياتها، وانطلق صوته كفحيح الأفعى: ربط عنقه بفوطة، ثم ربطها بكوع الحوض الموجود بالزنزانة وصار يجذب نفسه حتى مات... ثم حدق في عيني بتحد ظاهر.

قلت له :ولماذا انتحر؟
ابتسم ابتسامة شيطانية وقال :عندما تقابله في الجنة عليك أن تسأله.
قلت له :المنتحرون في العادة لا يذهبون إلى الجنة.
وقال ساخرا :يا سيدي هذا مجاهد قديم، وأمضي عمره في السجون والمعتقلات، وهو من أهل بدر، وما يدريك "لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".

ولم أستطع أن أجاريه، وخيَّم عليّ صمت حزين على الشهيد فقد كانت هذه هي المرة الأولي التي أسمع فيها خبر استشهاده، وكنت أعرف أنه يُعَذَّب أشد العذاب أملا في معرفة معلومات عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، فهكذا كانت الشائعات تملأ كل مكان...

قلت له: بطبيعة الحال لا أصدق أنه انتحر، ولا أظن أن هناك من يمكنه تصديق هذا الكلام، وأنت لا تنسي أنني خبير بالأساليب، وقد تم التحقيق معي بمعرفة سيادتكم، وأيامها كانوا (الشهداء تحت التعذيب) يهربون ولا ينتحرون.
وتنهد فؤاد علام حزينا: وماذا نفعل لموضة الديمقراطية والحرية التي ملأت مصر؟!

قلت له ضاحكا: تقصد الحرية والديمقراطية التي ملأت الصحف وحفلت بها الخطب.
استمر مستاء حزينا :نعم.. هذه اللهجة أصبحت لا تسمع لنا بأداء واجبنا على الوجه الأكمل، صرنا نعمل حسابا لصحف المعارضة ولتلك الأحزاب الورقية التي أمرنا بإنشائها السادات، وصار لزاما علينا أن نطور في الأساليب.

وقلت بعفوية :ولكن ما السبب الحقيقي لقتل كمال السنانيري؟
ونظر إلى نظرة مستنكرة غاضبة فقلت: أقصد السبب الحقيقي وراء انتحاره.

وملأت الابتسامة وجهه من جديد وقال: كان يعرف الكثير ولا يريد البوح به فآثر الموت حفاظا على إخوانه.

قلت له باسما والمرارة تملأ حلقي: كان يسر كمال السنانيري أن يسمع هذه الشهادة منك.
- هو يسمعها.. أليس الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون؟"[3].




[1] محمد خير رمضان يوسف، تتمة الأعلام، ط2 (بيروت: دار ابن حزم، 2002م)، 2/211، 212.
[2] حسام تمام، عبد المنعم أبو الفتوح: شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر، ط2 (القاهرة: دار الشروق، 2012م)، ص75.
[3] أحمد رائف، سراديب الشيطان: صفحات من تاريخ الإخوان المسلمين، ط2 (القاهرة: الزهراء للإعلام العربي، 1990)، ص154 وما بعدها.