السبت، نوفمبر 19، 2016

الإخوان المسلمون بين التنظيم والتيار

أدنى نظر منصف إلى التاريخ يثبت أن عصر الاحتلال والملكية كان أفضل وبفارق ضخم من عصر الحقبة العسكرية التي بدأت بانقلاب يوليو 1952، لقد سحق العسكر حراكا ونشاطا سياسيا واجتماعيا صاخبا كانت تتغير على إثره الوزارات، وتُجرى فيه الانتخابات التي لا تقارن بانتخابات عصر العسكر، وكانت الأغلبية تتحول إلى معارضة والعكس بالعكس، ومهما قيل في كون هذا كله شكليات محكومة بهيمنة القصر المحكوم بهيمنة الاحتلال فإن الأمر لا يشبه بحال ما صارت إليه البلاد تحت حكم العسكر شكلا أو مضمونا. لقد كان القضاء –على كل ما فيه- يحكم ببراءة من ثبت عليهم الشروع في مقاومة الاحتلال بجمع الأسلحة والتدرب عليها وتسجل أوراق المحاكم أن هذا هدف نبيل، فأين هذا القضاء من قضاء عصر العسكر؟!

من آثار هذه الحيوية واتساع هامش الحرية أن استطاع حسن البنا تأسيس جماعته بشكل علني ضمن قانون الجمعيات المعمول به، وأن يجوب البلاد طولا وعرضا يفتتح لها المقرات، وأن ينشئ فرق الجوالة وأنشطة فنية ورياضية، وأن يقيم المؤسسات والمشروعات الاقتصادية والتنموية وأن يُصدر الصحف والمجلات المعبرة عن جماعته وأن يدعم فلسطين بالمال والسلاح ويستقبل وفود العالم الإسلامي ويذهب خارج القُطْر ويعود، ويلتقي بالسياسيين ويُنشيء التحالفات ويفتتح المعسكرات... إلخ! وكان الناس ينضمون للإخوان عبر ورقة واشتراك شهري، وهكذا بدأ تيار الصحوة الإسلامي يسير في عروق المجتمع ويعيد تنشيطه إسلاميا فما تمر بضع سنوات حتى تكون جماعة الإخوان المنافس الأقوى للوفد الذي هو حزب الباشوات والفلاحين معا وصاحب التاريخ السياسي الذي ناهز الثلاثين عاما[1].

وبالرغم من هذا، فلقد كان البنا يُدرك جيدا أن مهمة التغيير والتحرير والاستقلال لن يقوم بها "تيار" يسري في الجماهير، بل لا بد من "تنظيم سري" يتدرب ويتأهل ويعمل في صمت ودأب بعيدا عن الأضواء ليُكَوِّن جيش التحرير، وهو التنظيم الذي يُختار أفراده بعناية وانتقاء دقيق (لا يدخلون بورقة واشتراك)، وهو ما كان، وتشكل "النظام الخاص" للإخوان المسلمين بقيادة مجموعة من الشباب على رأسهم شاب واعد فذ عظيم الموهبة عميق الدين لم يمنعه مرض القلب أن يكون في مثل هذا الموقع الحساس: عبد الرحمن السندي. وهكذا صار للإخوان جناح عسكري وجهاز أمني وقوة مدربة نفذت بعض العمليات ضد عملاء الاحتلال والمصالح الصهيونية ثم ظهر دورهم الكبير في حرب فلسطين (1948م) ومعارك الفدائيين في القناة مطلع الخمسينات.

وهنا تنبَّه الاحتلال والقصر إلى أن الأمور قد خرجت عن حدِّها، وساهمت بعض الأخطاء التنظيمية الداخلية، ليس هذا مقام بيانها، في أن بدأت معركة التحرير والتغيير قبل استكمال العدَّة لها، وقُتِل البنا، وباستشهاده دخلت الجماعة في طور ارتباك وأزمة لم تفق منها إلا بعد ثلاث سنوات، وكان العنصر الأسرع التئاما بطبيعة الحال هو هذا التنظيم الخاص!

في لغز غير مفهوم حتى الآن جاء الهضيبي مرشدا عاما للإخوان، وبمجيئه جاءت فوضى أشد من الأولى، وضربت الفتنة صف الإخوان في قياداتهم، واضطرب موقف الهضيبي وفريقه من "النظام الخاص"، واختلفت الروايات في هذا، إلا أن الخلاصة النهائية والعملية بعد كل هذا أن قيادة الهضيبي وفريقه تسببوا في ضربة قاتلة للنظام الخاص وتشريد قيادته المؤسسة، وما إن تم لهم هذا حتى افترسهم عبد الناصر افتراسا وحشيا دون أن يخشى من أنياب أو مخالب!

بعد عشرين سنة من تلك اللحظة خرجت البقية الباقية من الإخوان من سجون عبد الناصر، وقد فوجئوا حين شاهدوا الشمس أن البلاد تشهد ولادة صحوة جديدة مرة أخرى، تلك الصحوة التي بدأت في البزوغ منذ 1968 بعد النكبة الثانية، ثم ازدهرت في الجامعات، وصارت "الجماعة الإسلامية" تهيمن على الجامعات المصرية وتكسب اتحادات الطلاب بكل سهولة، وبات لها صوت عال وأضحت تعبر عن أمل قريب في تجديد ما انهار في فترة الكابوس الناصري.

ولمرة أخرى يأخذ رجال النظام الخاص زمام المبادرة، فيسعى كمال السنانيري ومعه مصطفى مشهور وأحمد الملط وأحمد حسنين وغيرهم، إلى الالتقاء بهذه الصحوة الشبابية الواعدة، يحاولون بهم إعادة إحياء الحلم القديم: حلم جماعة الإخوان المسلمين التي غرسها الإمام الشهيد وسُقِيت شجرتها بدماء آلاف الشهداء في فلسطين والقناة والسجون الناصرية. وأولئك الشباب من ناحيتهم كانوا كالشاب المتعطش لقدوة تمده بالخبرة والتجربة، ولقد ظهر أولئك أمامهم كأساطير تاريخية تعود إلى الحياة، فشاهدوا فيهم تاريخا من البطولة والفداء والتضحية وحماسة لا تزال ملتهبة للعمل للإسلام فتحققت القدوة، ثم شاهدوا خبرة وتجربة قديمة في التنظيم والترتيب وتحويل هذا التيار الفطري العفوي الذي يسير بمنطق التجربة والخطأ والحماس الطبيعي إلى عمل منظم ذي إدارة ومراتب وتشكيلات.. فأسلموا لهم القياد عن طواعية واختيار وحب!

لم تتحول كل "الجماعة الإسلامية" إلى "الإخوان المسلمين"، بل غلب على شباب الصعيد التيار الجهادي الذي نشأ عنه فيما بعد تنظيم "الجماعة الإسلامية"، وغلب على شباب الإسكندرية التيار السلفي فنشأ عنه فيما بعد "جماعة الدعوة السلفية".

هنا وقع التباس كبير لم يزل مؤثرا على عمل الإخوان المسلمين حتى الآن، ذلك أن محاولة احتواء "التيار" الصاعد في "تنظيم" لم يكن في أجواء حرية حقيقة كالتي كانت قبل أربعين سنة (في الثلاثينات)، فبالرغم مما أتاحه السادات من حرية للجميع عمليا إلا أنه لم يسمح أبدا بأي وجود شرعي للإسلاميين، فكان أن صُنِع التنظيم على غرار "النظام الخاص" السري الأمني العسكري، لكنه لن يقوم بمهمات عسكرية أو أمنية، بل سيقوم بمهمات دعوية واجتماعية وسياسية علنية، وهكذا دخل التيار العلني العام في بناء نظامي رُسِمت تصاميمه أصلا لأداء مهمات أخرى.

لقد تخلت الجماعة فعليا وعلانية عن تشكيل جيش سري للتحرير والتغيير، ولم تسمح الدولة للجماعة بوجود رسمي علني، فكانت الوسيلة التي فرضت نفسها هي وجود هذا التنظيم الذي احتوى تيار الصحوة، فهو تنظيم نصف سري نصف علني، يؤدي نشاطات علنية عبر هياكل سرية، ولئن استطاعت بعض الشخصيات أن تحافظ على توازن الاتجاهات بين الشخصيات القيادية الجماهيرية وبين الشخصيات التنظيمية العملية مثل عمر التلمساني، إلا أن مسيرة الزمن كانت لا بد أن تكتب غلبة أحدهم على الآخر!

وسرعان ما بدا التغاير واضحا، فقد قاد التنظيميون الجماعة وغلبوا عليها، ونظرة واحدة على أسماء قادة تيار صحوة الجامعات تكشف أنهم ما بين منسحب بهدوء أو متفلت أو منشق أو موجود في موقع لا يمكن له فيه التأثير في قرار الجماعة، حتى عبد المنعم أبو الفتوح الذي ظل عضوا لمكتب الإرشاد طوال هذه الفترة يعرف الجميع أنه كان بعيدا عن مفاصل التنظيم وعن التأثير في صناعة القرار، بينما سائر الصانعين لقرار الجماعة هم من التنظيميين الذين تغلب عليهم شخصية "عضو النظام الخاص"، إلا أنه كذلك عضو لا يدير مهمات أمنية أو عسكرية!

وهكذا صارت المحنة محنتين، تنظيميون يديرون تنظيما علني النشاط، وجماهيريون لا يجيدون شأن التنظيم فابتعدوا أو أُبْعِدوا، وصارت الجماعة لا هي جماعة علنية جماهيرية تستطيع إفراز القيادات الجماهيرية والخطباء والفصحاء وإنتاج المفكرين والموهوبين، ولا هي تنظيم سري يستطيع إنتاج الجنود والكوادر العسكرية والأمنية، فهي أعجز من أن تنتج الأولين، وهي أعجز من أن تصنع الآخرين!

حالة من الفوضى والتخبط وتشوش الأهداف والوسائل أثمرت ما هي فيه الآن.




[1] اقرأ: موجز تاريخ الإخوان، وهو مقال مكتوب في فترة الرئيس مرسي وقبل الانقلاب بخمسة أشهر، وفيه توقع لما جرى بعد ذلك.