الثلاثاء، سبتمبر 08، 2015

قراءة في كتاب: أردوغان.. قصة زعيم

§         اسم الكتاب: رجب طيب أردوغان .. قصة زعيم
§         المؤلف: حسين بسلي – عمر أوزباي
§         المترجم: د. طارق عبد الجليل
§         دار النشر: الدار العربية للعلوم ناشرون
§         سنة النشر: 1432هـ = 2011م
§         عدد الصفحات: 430

وهو الكتاب الوحيد الذي تُرجم من التركية إلى العربية –فيما أعلم- عن شخصية أردوغان، ألفه اثنان ممن عملوا معه في رحلة الصعود منذ كان رئيسا لشعبة اسطنبول في حزب الرفاه! وهما: حسين بسيلي وعمر أوزباي. وترجمته إلى العربية جيدة.

تكمن قيمة الكتاب في أن مؤلفيه شهود عيان، وهم ممن اقتربوا من أردوغان وفريقه منذ وقت مبكر، ولذلك كانت لديهم الصورة الداخلية للتطورات وأجواء اتخاذ القرارات وعلاقات بأطراف القصة، مما مكَّنَهم من إدراج شهادات شهود العيان الذين حضروا مواقف تفصيلية.

ويكمن جمال الكتاب في اعتمادهم أسلوب القصة المحكية دون أساليب النظر والبحث والتحليل الأكاديمي، وقد حرصوا على أن يبدؤوه بداية تشويقية بقصة اغتيال استهدفت أردوغان منذ كان مرشحا لرئاسة بلدية اسطنبول الكبرى لتدفعه للتنازل عن الترشح. كذلك خاتمته التي وقفت عند قصة اغتيال أخرى في سرت، وكانت تستهدف إنهاء حياته لئلا يصعد إلى منصب رئيس الوزراء بعد رفع الحظر القانوني على ترشحه وممارسته السياسة.

ويمكن اختصار الكتاب كله في أن أردوغان رجل من عامة الشعب وفقرائه، نهض بعزمه وإرادته وإخلاصه ليدخل ميدان السياسة، وفي ذلك الميدان واجهته عقبة كبرى: هي عقبة النظام العلماني الفاسد المتكبر عن الشعب المنصرف عن مصالحه والمتركز على مصالح الطبقة الحاكمة. وفي إطار هذه العقبة كان منذ شبابه المبكر عضوا في الحزب الإسلامي (الذي دائما ما يُحلَّ ثم يعود باسم جديد وشعار جديد) وفاعلا فيه، وفي مسيرته داخل الحزب واجه عقبتين؛ الأولى: هي نمط القيادة الفردي المستبد الذي يمارسه أربكان حتى ليستحيل معه إحداث إصلاح أو تعديل في سياسة الحزب وطريقته بل إن نمط القيادة الأربكاني يتوجس خيفة من وجود قيادات شابة تفكر بطريقة مختلفة ولهذا كثرت بينهما التوترات. والثانية: هي التشدد والانغلاق في مخاطبة الجماهير والسعي إليهم والتمسك بأمور تنفر الناس منهم وتعزلهم عنهم وتعطل طاقاتهم المكنونة خصوصا الطاقة النسائية.

هذه العقبات الثلاثة هي التي ولَّدت –بعد كثير من الصراعات- حزب العدالة والتنمية في صيغته تلك التي يراها البعض من الخصوم والمؤيدين "إسلامية متنكرة بفعل الاضطرار" ويراها البعض من الخصوم والمؤيدين قد خرجت عن وصف الإسلامية.. ولذا ليس غريبا أن يكره البعض ذلك الحزب لما عندهم من الإسلام ويكرهه الآخرون لخروجهم عنه.

هذه التجربة الثرية الحافلة بالمصاعب لم تعرض في الكتاب كما ينبغي!

يكمن العيب الأساسي للكتاب في كونه كتابا دعائيا عاطفيا لا عمق فيه ولا تحليل ولا محاولة رصد حقيقية لكافة عوامل النهوض أو الأزمة، ولا كيف جرى حلها، بل الأزمات دائما تنشأ لمحاولة ماكرة شريرة، وتُحَلَّ لما لدى الزعيم من صدق وثقة وإخلاص وعزم وتصميم... إلخ! وهذا نمط من التأليف ربما ينجح في إضفاء الصفات العظيمة والأسطورية على الزعيم لكنه لا يفيد في باب رواية التاريخ والتعلم من التجربة، بل هو على الحقيقة مضطر لأن يحذف من رواية التاريخ ما قد يُظَنُّ منه الإساءة للزعيم أو إظهار بعض ضعفه أو خطئه أو تنازله!

ولذلك، يخرج القارئ للكتاب في أحسن الأحوال متمنيا أن يبقى أردوغان حيا أبدا أو أن تُرزق أمته رجلا مثل أردوغان، بينما يغيب عنه تماما منهج الرجل في الاختيار والترجيح ومواجهة العواصف السياسية، فمتى يصبر ويسكت، ومتى يتقدم ويغامر، ومتى يتراجع وينسحب.. إن نمط الكتاب يجعل الصبر والسكوت أدبا وخلقا، ويجعل التقدم والمغامرة شجاعة وإقداما، ويجعل التراجع والانسحاب (إن وُجد، وقليل ما هو) حكمة وبعد نظر!

ولذا كان هذا النمط من التأليف قليل الفائدة في ميزان التاريخ وإن كان كبير الفائدة في ميزان الدعاية!

ومن آثار هذا أن الكتاب عبر على مواقف مفصلية بسرعة، بل وأغفل بعضها تماما، فيما أطال الوقوف أمام مواقف أخرى عاطفية وإنسانية وخصص مساحة واسعة لنقل مقاطع من خطب أردوغان وتصريحاته وقضية سجنه وأيامه في السجن! وخصص مساحة طويلة نسبيا لإنجازات أردوغان الاقتصادية والعمرانية في بلدية اسطنبول، وفي الحديث عن إعجاب الناس به وتأثرهم الشديد بخطاباته وثقتهم الوافرة فيه ودموعهم التي تسيل دائما حين يسمعونه، وعن خطاب له أصرَّ فيه على خلع السترة الواقية من الرصاص مع وجود تهديدات بالاغتيال، وقصص إفطاره في رمضان مع الفقراء والمعدمين بل انتبه الكتاب لقصة طالبة صغيرة ترسل له رسالة في سجنه فيهتم أن يرد عليها بنفسه (من بين مئات أو آلاف الرسائل) وكيف كان أثر هذا على الفتاة الصغيرة.

وأما المواقف التي عبر عليها بسرعة فمنها ذلك النمط الجديد الذي اعتمد عليه حزب التنمية والعدالة في الاعتماد على "قاعدة رجال الأعمال الشباب" بدلا من الاعتماد بالكامل على الجماهير والظهير الشعبي كما كان الحال سابقا في تجارب الأحزاب الإسلامية. وكان الأحرى الوقوف أمام هذا التحول وبيان أسبابه بعمق، لتفيد منه الحركات الإسلامية. ولست أحسب السبب إلا أن نقاش هذا الأمر مُضِرٌّ في باب الدعاية ومخالف لعاطفة الجماهير.

ومن تلك المواقف التي عبر عليها بسرعة هو تلك الترتيبات مع أوروبا وأمريكا في شأن برنامج الحزب الاقتصادي، إذ لم يقل الكتاب سوى أن البرنامج الاقتصادي للحزب بعدما وُضِع في تركيا انطلق أصحابه في جولات خارجية.. ثم أغفل مطلقا حقيقة ما دار في هذه الجولات اللهم إلا أن البرنامج حقق إعجابا وثقة (بالطبع!)

كذلك من المواقف التي عبر عليها بسرعة هو ذلك التحول من "الإسلامية الصريحة" إلى حزب يجمع إليه كل المواطنين، حزب يتخلص من "العبء الأيديولوجي"، فبرغم أهمية وجوهرية هذه المسألة إلا أن الذي قيل فيها قليل مُبتسر، أريد به ألا يؤذي العلمانيين ولا الإسلاميين، فكان العبور السريع هو الطريق الأسلم!

أما المواقف التي أغفلها مطلقا فكثيرة، وأهمها ما يخص الوضع الدولي، فلقد سار الكتاب سيرة من يتعامل مع تركيا وكأنها ملف داخلي بحت، لا على أنها في بؤرة صراع عالمي، وأهم ما يمكن أن نضرب به مثلا على هذا هو: ما الثمن المدفوع لقاء أن يوافق حزب الشعب على رفع عبارة "الأفعال الأيديولوجية والتحريضية" من المادة 76 من الدستور ووضع عبارة "الأفعال الإرهابية" وهو ما ترتب عليه رفع الحظر السياسي عن أردوغان، مما جعله يقفز مباشرة إلى موقع رئيس الوزراء! لقد كان الأولى (بميزان التاريخ لا بميزان الدعاية طبعا) أن يتوقف أمام ملابسات تلك اللحظة العصيبة، وما جرى فيها من مساومات في ملف حرب العراق وملف الجيش التركي وملف الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي!

إن أردوغان زعيم يفتخر به العالم الإسلامي، ويتعلق به ملايين في الشرق والغرب، سواء أَحَبَّ ذلك الأتراك أم كرهوه وسواء فهموه أم لم يفهموه، وما يزال المسلمون لما هو معروف من سوء حالهم يتوقون إلى زعيم ويتعلقون بكل من يبدو منه أدنى بادرة لتحقيق هذه الزعامة، ولو كان مطاردا ومختفيا كابن لادن والظواهري والبغدادي، ولو كان لا يملك من القوة سوى مال وإعلام كأمير قطر، ولو كان لم يبدُ منه سوى بادرة ضئيلة لتغير السياسية كالملك سلمان.. فكيف إذا كان من بدت زعامته على رأس دولة قوية وناهضة مثل تركيا، ينطق بالكلام القوي ويتخذ المواقف الجريئة في المحافل الدولية؟! ثم كيف بهم بعد أن تعلقوا بأمل قوي مع ثورات الربيع العربي ووصول محمد مرسي إلى الرئاسة في مصر مما هيَّج الأحلام وجعلها في عنان السماء؟!


إن الأمة تحتاج من يسطر لها التجربة التركية بصدق وعمق، لتستفيد وتتعلم، بما في هذه التجربة من إخفاقات ونقاط ضعف واحتمالات تهديد.. كما يحتاج الأتراك أنفسهم هذا، ولذلك فإن تقزيم تجربة أردوغان في كتاب أقرب إلى الدعائية لم يكن عملا موفقا ولا سديدا.

نشر في تركيا بوست