السبت، سبتمبر 12، 2015

وزراء السيسي أم جواريه ومواليه؟!

بماذا يذكرني تخلص السيسي من وزرائه ومواليه؟!

يذكرني بشيء جرى قبل قرن ونصف، في عصر الخديوي إسماعيل.. ساعتها استدعى إسماعيل وزير ماليته إسماعيل صديق إلى قصر سراي عابدين، وجرى بينهما كلام لطيف ورقيق من نوعية "انت مش عارف ان انت نور عنينا ولا إيه"، ثم اصطحبه إلى سراي الجزيرة.. وما إن نزلا من السيارة حتى أمر الخديوي بالقبض عليه، ثم قتله، ثم ألقاه في النيل.. واختفى منذ هذه اللحظة واحد من أفسد وزراء مصر!

لكن لماذا قتله الخديوي؟

أولا: بين إسماعيل والسيسي شبه في أمور كثيرة منها:

1. الفشل في المواجهات إلا مع العُزَّل، فإسماعيل مدَّ حدود مصر حتى منابع النيل، لكن جيشه لم يخض مواجهة واحدة مع جيش حقيقي، بل كانت القبائل تستلم له وتدخل في حكمه.. وفي المواجهة الوحيدة الحقيقية (مع إثيوبيا.. تأمل المفارقة) هُزِمت له ثلاثة جيوش هزائم نكراء قبيحة.

2. سيطرة الأجانب العسكرية والاقتصادية، حتى لم يكن في البلاد من هو أحسن حالا وأرفع شأنا من الأجانب والفئات المرتبطة بهم!

3. الإسراف والجنون بالمظاهر، وإسماعيل هو صاحب الاحتفالات المجنونة بافتتاح قناة السويس (تأمل المفارقة أيضا)

4. نقص الشرعية وشرائها، وهذه مفارقة عجيبة، إذ أن إسماعيل تولى الحكم بعد حادثة إغراق الأمير أحمد رفعت الأولى منه بالحكم لأنه الأكبر سنا من أسرة محمد علي، وحادثة الغرق هذه تدور حولها الكثير من الشكوك ويجزم الكثيرون بأن وراءها إسماعيل بدعم وسند من الفرنسيين).. ثم هو نفسه أراد شراء هذه الشرعية وتثبيتها بعد تولي حكمه فبذل كل جهد له في الرشاوى لدى السلطنة العثمانية ولدى الأجانب للموافقة على تغيير نظام الحكم في مصر وجعله وراثيا في نسل إسماعيل من بعد ما كان يقضي بأن يتولى الحكم الأسنَّ من أسرة محمد علي.. وقد بذل في هذا أموالا ضخمة وتنازلات كبيرة حتى حصل على هذا الحق.

5. التفنن في نهب واستخلاص أموال الناس، بفرض ضرائب جديدة ورفع قيمتها والتلاعب في القوانين بحيث يأخذ منهم أموالا في العاجل مقابل نسبة فوائد فيما بعد (تأمل.. تأمل الشبه!) ويتضمن هذا الملف تفاصيل مريرة.

على أنه، وبالرغم من ذلك، تبدو ثمة فروق واضحة بين السيسي وإسماعيل، كلها تصب لصالح إسماعيل، أي أن السيسي جمع الشر من أطرافه!

1. فلقد كان إسماعيل ذكيا وموهوبا وشخصية جذابة منذ شبابه، بخلاف هذا المتأنث العيي العاجز.

2. ولقد بنى إسماعيل نهضة حقيقية في مصر، فكثر في وقته إنشاء المصانع والمدارس وإصلاح الترع والجسور والقناطر، وأنشئت في عهده الجمعيات العلمية، والجمعيات الأهلية، وتكاثرت الصحافة الحرة، ونبغ في عصره عدد من العلامات الفكرية في كل التاريخ المصري على رأسهم رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك وحسين المرصفي ومحمود الفلكي وإسماعيل الفلكي وغيرهم.. بينما في عهد هذا يغيب العلم ويسجن العلماء وتغلق الجمعيات وتصادر الأموال الخيرية ويبزغ الجهلة الأفاكون ويتصدرون أجهزة الإعلام.

3. كانت أموال إسماعيل وأملاكه وعقاراته واستثماراته كلها في مصر.. بينما هذا العيي الذي لا يعرف أحد أن يسكن ولا ماذا يملك.. ونعرف من طبيعة حكمه ومن معه أن أموالهم وكثير من أملاكهم هو خارج مصر لا داخلها.

4. ولقد وسع إسماعيل حدود مصر حتى منابع النيل في أوغندا، وحتى معظم الصومال على الساحل الشرقي لإفريقيا.. بينما هذا السيسي يهجر أبناء رفح ويزيد من عزله سيناء ولا يفكر قط في مد نفوذ بلاده على أي شبر.. بل غاية آماله استمرار تدفق الرز!!

أما لماذا قتل الخديوي إسماعيل وزيره الصديق الصدوق.. فالأمر كالآتي:

يرجع أصل الحكاية إلى شهوات إسماعيل غير المحدودة، جنونه بالمال والعقارات واللهو والاحتفالات، ولما لم تكن موارد البلاد على كثرتها وغناها تكفي كل هذه الشهوات، فلقد أخذ يقترض من البنوك الأجنبية، وصار الاقتراض عادة سنوية له، وكان الأجانب يلاعبونه بهذه القروض فيأخذون منها ما يقارب نصفها كسمسرة وعمولات ومصاريف إجراءات.. هذا بخلاف الفائدة المرهقة التي تصل إلى 24%.

لكنه رغم هذا لا ينتهي ولا يرعوي ولا يفكر في المستقبل، ويظل كل همه أن يحصل على المزيد..

وكان أفضل من أراحه في هذا المسار وزير ماليته إسماعيل صديق (المعروف بالمفتش) فلقد كان هذا الوزير متفننا في جلب الأموال واستلابها من الناس وإصدار سندات خزانة من أموال الدولة بفوائد باهظة، ومساومة الدائنين على فوائد أكبر، وفرض ضرائب، وتقديم عروض لدفع الضرائب هدفها الحصول على سيولة عاجلة ثم يخلف وعوده.. وبيع المحاصيل قبل زراعتها ثم الاستدانة بضمانها.

واطمأن إليه إسماعيل غاية الاطمئنان، لأنه وقتما يطلب أموالا يجدها.. فكان عنده بمقام الصاحب المقرب والوزير المكين الأمين!

ولما تدهورت الأمور وصارت فوق الاحتمال، جاءت الدول الأجنبية تريد أن تفرض على مصر رقابة مالية، فأنشأوا أول الأمر صندوقا خاصا للدين تديره هيئة أجنبية تتولى فعليا السيطرة على كل الموارد المصرية، ثم أوفدوا مندوبين لإصلاح المالية المصرية (أو بشكل أدق: التحكم فيها).. ومن ضمن شروطهم لإصلاح هذه المالية: عزل وزير المالية إسماعيل صديق!

ومهما كان حب الخديوي إسماعيل لوزيره فإن عرشه أحب إليه.. فعزله من الوزارة!

لكن المراقب الإنجليزي أصر على أن يُحاكم إسماعيل صديق أمام المحاكم المختلطة (محاكم أجنبية على الحقيقة) على ما بدده من الأموال..

وبالطبع، فمهما كان حب الوزير لسيده الذي أغرقه بالمال فإنه لن يضحي بنفسه.. فهدد بأنه إذا قُدِّم للمحاكمة فإنه سيجعل الخديوي شريكا له في كل ما فعل (وهذه هي الحقيقة، بل الخديوي مجرم أصلي وإسماعيل صديق هو المباشر للجريمة)..

فحينئذ أخذ الخديوي قراره بقتله.. وهو ما قد كان!


وصدق نبينا الكريم "من أعان ظالما على ظلمه سلطه الله عليه"

نشر في مصري 24