الأحد، سبتمبر 20، 2015

خلايا القرامطة النائمة في الخيج (4)

ما زلنا في استعراض تاريخ القرامطة، وهو التاريخ الذي يجبرنا على تذكره ما تعاني منه الأمة اليوم من بزوغ قرن قرامطة جدد، لا يخفون مشاريعهم في تهديد الحرمين..

وقد سردنا ذلك التاريخ في ثلاث حلقات سابقة (ج1، ج2، ج3) ونواصلها في هذه السطور التي تعرض لأبشع جريمة ارتكبت في تاريخ الإسلام على يد القرامطة.

لم يفلت أبو طاهر القرمطي فرصة التنازع في قصر الخلافة، والذي بلغ ذروته في الانقلاب العسكري الفاشل الذي قاده القاهر بالله على أخيه المقتدر بالله عام (317)، فقد هاجم القرامطة مكة المكرمة يوم التروية (8 ذي الحجة 317هـ) فاستباحوها ودخلوا إلى المسجد الحرام، وارتكب مذبحة مجرمة شنيعة في قلب الحرم المكي ذاته، ولم يكن ينجو أحد ولو طاف بالكعبة أو حتى تعلق بأستارها، بل كان السيف دائرا على الجميع، فقتل في رحاب الكعبة خلقا كثيرا وتركهم في دمائهم حتى دفنهم بثيابهم في أماكنهم، وألقى كثيرا من الجثث في بئر زمزم، كل هذا وهو يصيح: أنا الله وبالله، أنا أنا أخلق الخلق وأفنيهم أنا، ولم يقف الإجرام على البشر بل تجرأ على الكعبة ذاتها فنزع كسوتها ومزقها وفرقها على أصحابه، ونزع باب الكعبة، وهدم القبة المبنية على زمزم، ثم أمر أحد رجاله باقتلاع ميزاب الكعبة فلما صعد إليه وقع على رأسه ميتا فلم يحاول ذلك مرة أخرى، ثم أمر باقتلاع الحجر الأسود من مكانه فتقدم إليه رجل فضربه بحديد في يده وهو يصيح: أين الطير الأبابيل، أين الحجارة من سجيل؟ وأخذوه معهم إلى بلادهم! ونهبوا ديار أهل مكة وقتلوا من أهلها خلقا كثيرا حتى لقد بلغ عدد القتلى نحو ثلاثين ألفا، ثم عادوا إلى ديارهم!

وحاول ابن محلب أمير مكة ومعه جماعة من الأشراف أن يتشفعوا له بكل وسيلة ليعيد الحجر الأسود إلى مكانه وبذلوا له كل ما معهم من الأموال، وفي رواية أخرى أن الأمير التركي بجكم عرض من أمواله خمسين ألفا أيضا، ولكنه رفض وأصر على أخذه وقال: أخذناه بالأمر [يعني بأمر إلهي] ولا نرده إلا بالأمر! فقاتلوه فقتلهم جميعا، يقول ابن كثير: "قد ألحد هذا اللعين في المسجد الحرام إلحادا لم يسبقه إليه أحد ولا يلحقه فيه، وسيجازيه على ذلك الذي لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد".

ولا شك أن حدثا كهذا اهتز له عالم الإسلام كله، بل تزلزل من أجله، وافتضح أمر القرامطة لمن بقي في نفسه ذرة من بصر أو عقل، فعلم القاصي والداني أنهم على غير ملة الإسلام وأنهم خارجون عنها بالكلية، حتى لقد طارت السهام صوب الخليفة العبيدي المهدي في عاصمته في الشمال الإفريقي باعتبار أن القرامطة أعلنوا ولاءهم له، فأرسل إلى أبى طاهر القرمطي "يُنْكِر عليه ذلك ويلومه ويلعنه ويقيم عليه القيامة، ويقول: قد حققت على شيعتنا ودعاة دولتنا اسم الكفر والإلحاد بما فعلت وإن لم ترد على أهل مكة وعلى الحجاج وغيرهم ما أخذت منهم وترد الحجر الأسود إلى مكانه وترد كسوة الكعبة فأنا بريء منك في الدنيا والآخرة"، فردَّ بعض الأموال إلى أهل مكة، وماطل في رد الحجر الأسود، واعتذر بأن كسوة الكعبة وأموال الحجاج قد تفرقت بين الناس ولا يستطيع رد هذا مرة أخرى.

وعند هذا الحد من الفجور يكون القرامطة قد أفصحوا عن حقيقة معتقداتهم، فقد بدأ الأمر فارسيا متنكرا بالتشيع على المذهب الإسماعيلي، وبهذا أخذ في نشر الضلال بين الناس، ثم تدرج هذا حتى وصل من الرفض إلى الكفر المحض، يروي بعض المأسورين عند القرامطة أن آسره "سَكر ليلة وأقامني حياله، وَقَالَ: ما تقول في مُحَمَّد هذا صاحبكم؟ فقلت: لا أدري، ولكن ما تعلمني أيها المؤمن أقوله، فَقَالَ: كان رجلا سائسا، قال: فما تقول في أبي بكر؟ قلت: لا أدري، قال: كان رجلا ضعيفا مهينا، قال: فما تقول في عمر؟ قلت: لا أدري، قَالَ: كَانَ والله فظا غليظا، فما تقول في عثمان؟ قلت: لا أدري، قَالَ: كَانَ جاهلا أحمق، فما تقول في عَلي؟ قلت: لا أدري، قَالَ: كَانَ ممخرقا أليس يقول: إن ها هنا علما لو أصبت له حملة، أما كَانَ في ذلك الخَلْق العظيم بحضرته من يودع كل واحد منهم كلمة حتى يفرغ ما عنده. هل هذه إلا مخرقة؟ ونام فلما كَانَ من غد دعاني، فَقَالَ: ما قلت لك البارحة؟ فأريته أني لم أفهمه، فحذرني من إعادته والإخبار عنه بذلك"، ويعقب ابن الجوزي على هذا بقوله: "فإذًا القوم زنادقة لا يؤمنون بالله ولا يفكرون في أحد من الصحابة"، وينقل دليلا آخر، ذلك "أن أبا طاهر القرمطي دخل الكوفة دفعات، فما دخل إلى قبر عَلي عليه السلام واجتاز بالحائر فما زار الحسين" على نحو ما يفعله المتشيع!

فكان هذا العام (317هـ) مما لا ينسى في تاريخ الإسلام، وتاريخ البلد الحرام، وبه ختموا نشاطهم في عهد المقتدر، إذ لم ترد أخبار عن هجوم آخر في عامي (318هـ) أو (319هـ) على الحجاج أو مكة أو غيرها، وكان الحجاج يخرجون في فرقة مسلحة من الجيش بقيادة بدرقة (318هـ)، وسار ركب الحجاج العراقي في هذا العام على طريق (العراق - الموصل - الشام - مصر) خوفا من القرامطة ثم عادوا برفقة جيش كثيف خرج به مؤنس لحمايتهم فدخلوا بغداد (المحرم 319هـ) بعد أن سلك بهم طريقا غير مأهول بعد أنباء عن وجود القرامطة في الطريق.

دخلت الخلافة آنئذ في صراع جديد من صراعات الحكم المستمرة، ووقع النزاع بين أجنحة الحكم وانتهى إلى انقلاب عسكري ناجح قُتِل به الخليفة المقتدر بالله وجاء أخوه القاهر بالله، وكان طاغية مجرما، ثم لم يلبث هو أيضا أن أشاع القتل في رجال الدولة، ثم ما لبثوا أن قتلوه ولم يكمل في الحكم ثلاث سنوات!

وقبيل انتهاء عهد القاهر بالله كان حاجبه محمد بن ياقوت قد أرسل إلى أبى طاهر القرمطي (322هـ) يطالبه بالدخول في طاعة الخليفة والكف عن التعرض لقوافل الحجاج وإعادة الحجر الأسود إلى مكة في مقابل أن تعطيه الخلافة شرعية الولاية على ما تحت يده من البلاد، فأجاب أبو طاهر بأنه لن يتعرض للحجاج ولم يستجب لرد الحجر الأسود إلى مكانه، وطلب من الخلافة أن تأمر بفتح الطرق التجارية بينه وبين البصرة، فحينئذ يخطب للخليفة العباسي ويخلع طاعة الخليفة العبيدي (الفاطمي).

لقد كان هذا تنازلا كبيرا من جانب الخلافة إلا أن الظروف في ذلك الوقت تدعو إلى تفهم هذا، وعلى كل حال فإن الخلافة لم تستفد إلا أن أبا طاهر لم يتعرض للحجاج في هذا العام، ثم اضطربت أحوال الخلافة جميعا فلم يستقر أي اتفاق بين الطرفين.

لهذا، ما إن جاء العام التالي حتى هاجم القرمطي الحجاج (12 ذي القعدة 323هـ) وقاتلهم عند القادسية، ثم توسط بعض وجهاء العلويين من الكوفة لوقف القتال فاشترط القرمطي ألا يحجوا هذا العام، فعادوا إلى بغداد، ولم يحج في هذا العام أحد من جهة العراق وما وراءها من البلاد، وربما أراد أن يظهر القرمطي قوته فسار نحو الكوفة وأقام بها عدة أيام ثم رحل عنها.

ويبدو أنه آثر ألا يدخل في الصراع المحتدم عند البصرة بين البريدي من جهة وابن رائق وواليه على البصرة ابن يزداد من جهة أخرى، فلا نجد له ذكرا إلا في (23 ربيع الآخر 325هـ) حيث خرج بجيش إلى الكوفة، فخرج ابن رائق في مواجهته ثم عاد عنها دون أن يقع بينهم لا حرب ولا اتفاق.

ثم اندلعت فتنة داخلية لدى القرامطة (326هـ) شغلتهم عن الإفساد في الأرض، إذ ظهر فيهم رجل يدعي أنه المهدي المنتظر واستطاع خداع أبي طاهر فَمَلَّكوه عليهم، وبلغ من النفوذ أنه كان يأمر الرجل بقتل أخيه فلا يتردد، فسعى في التخلص من كبار القادة القرامطة ليصفو له الأمر، غير أنه كشفوا خداعه بعد مدة فقتلوه بعد أن خسروا على يديه كثيرا من كبارهم، فكان هذا مما خفف الله به على الناس في هذا العام والذي بعده.

وقد تأثر المسلمون في العراق وما وراءها من البلاد أعمق الأثر بحرمانهم من الحج بفعل القرامطة، وكانت الخلافة في مشغلة عن هذا، فالخليفة ضعيف، وقواد العراق يتصارعون: بجكم وابن رائق والبريدي وابن مقلة، فسعى بعض الناس في توسيط شريف علوي من أهل الكوفة ذي سمعة طيبة لدى القرامطة فاستقر مع القرامطة على أن يعبر الحجاج ويأخذ القرامطة ضريبة على "كل جمل خمسة دنانير، وعلى المحمل سبعة دنانير"، وبهذا الشرط استطاع الناس الحج.

وما زال للحديث بقية..