الخميس، سبتمبر 03، 2015

مقاومة المجتمع الإسلامي للاستبداد (3/3)

ذكرنا أن من أصول منهج الإسلام في بناء المجتمع تقوية الأمة وتمتين ما بينها من الروابط والعلاقات بحيث تتكون القوة الاجتماعية المتكتلة التي تمنع الحاكم من الاستبداد، كما تتكون المناعة الاجتماعية المتضافرة التي تمنع المفسدين من نشر الفساد وسوء الأخلاق.

لقد أنشأ الإسلام رابطة الدين وجعلها فوق كل الروابط، ثم أعطى أهمية قصوى لرابطة الرحم فدعمها وقوَّاها ورسَّخها، وفي هذه السطور نرى رابطة الجوار (ويمكن أن نسميها: رابطة الجغرافيا) وكيف أقام الإسلام روابطها ومَتَّنَها وعضَّدها، وكان في هذا نموذجا فريدا لم تصل إليه أي فلسفة أو منهج وضعي.

إن رابطة الجوار قد تجمع رابطتي الدين والرحم، وذلك إذا اجتمع في المكان الواحد المسلمون وذوي الأرحام، وقد لا تجمع شيئًا مما سبق؛ فيجتمع في المكان الواحد المسلم مع غير المسلم البعيد.

ولهذه الرابطة كانت المساجد؛ فالمسجد هو الذي يجمع أهل الأرض في مكان واحد وفي لحظة واحدة، والمسجد هو صاحب أكبر إنجاز تاريخي في التأليف بين الأغراب والمتباعدين ومزجهم مزجًا استعصى على كل محاولات التاريخ..

كان ذلك في بداية الدولة الإسلامية حيث كان المسلمون أطيافًا شتى؛ مهاجرين وأنصار وهم غرباء على بعضهم في الطباع والعادات وأسلوب الحياة، والمهاجرون أنفسهم هم مجموعات غير متجانسة ممن آمنوا من كافة قبائل العرب، كما أن الأنصار -أيضًا- حديثو عهد بالنزاع الطويل بين الأوس والخزرج، فهو -بهذه الصورة- أبعد ما يكون عن التماسك والانسجام، وما كان هذا بالذي يغيب عن النبي r.

لهذا وقبل أن يدخل النبي r أرض المهجر أمر ببناء المسجد في قباء قبل المدينة، وقبل أن تطأ قدمه r أرض المدينة كان قد حدَّد موضع المسجد، لقد كان المسجد هو المؤسسة الأولى والمركزية في الدولة الإسلامية، لم يكن فقط دار عبادة، بل هو مدرسة تعليم الدين، ووسيلة الإعلام، وهو قصر الرئاسة الذي يستقبل فيه الوفود وتتخذ فيه القرارات، وهو بعد ذلك مأوى من لا مأوى له من المسلمين الفقراء، وقد يكون أحد جوانبه مستشفى لعلاج الجروح، أو سجنًا للأسرى([1])!

وكان الإسلام يدفع المسلمين للالتقاء في هذا المسجد خمس مرات يوميًّا على الأقل، ويرغبهم في كثرة الترداد عليه، وإقامة مجالس الذكر فيه؛ فهي من أسباب رفع الدرجات وغفران السيئات، ومن أسباب نزول الملائكة والرحمة والسكينة، ومن موجبات النور التام في ظلمات يوم القيامة، حتى الخطوة إلى المسجد لها أجر، وبلغ اندفاع المسلمين في هذا حدًّا وصفه ابن مسعود t بقوله: "ما يتخلف عن الصلاة إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان يؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف"([2]).

وبهذا تم التلاحم بين القيادة (النبي) والأتباع، وبين الأتباع بعضهم بعضًا بأسرع وقت ممكن، لقد عرف الجميع بعضهم بعضًا، واختلطوا ببعضهم، فعرفوا أخبارهم وأحوالهم، وفقراءهم وأغنياءهم، فمن كان لديه فضل مال أو طعام ذهب به إلى الفقراء في المسجد، فَعَمَّ التكافل هذا المجتمع الصغير، وصاروا بعد الاغتراب والانقسام كتلة واحدة.

ولا نكاد نعرف عبر التاريخ وسيلة أسرع في اندماج المجتمعات من التقائهم يوميًّا خمس مرات على الأقل!

وقد كانت المدن الإسلامية في القرون الأولى ليس بها إلا مسجد واحد جامع يصلي فيه الناس جميعا يوم الجمعة معا، ما يؤدي إلى التعارف والاندماج بين أهل المدينة جميعا عبر الالتقاء لمرة واحدة أسبوعيا بحد أدنى، حتى توسعت المدن اتساعا كبيرا جعل من الضرورة تعدد المساجد الجامعة في المدينة الواحدة فكانت الجمعة تُصلى فيها بالتعاقب، ثم زاد توسع المدن وكثر سكانها بحيث صار من العسير التقاؤهم جميعا في مسجد واحد فتعددت المساجد الجامعة التي تقام فيها الجمعة في المدينة الواحدة.

وأما من لم يكن مسلمًا، أو كان مسلمًا عاصيًا ليس من أهل المسجد؛ فقد جعل الإسلام له حق الجار، ويوصي بحسن الجوار والمعاملة والمعاشرة، قال ابن حجر: "واسم الجار يشمل المسلم والكافر والعابد والفاسق، والصديق والعدو، والغريب والبلدي، والنافع والضار، والقريب والأجنبي، والأقرب دارًا والأبعد"([3]).

ونزل القرآن يقول: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [النساء: 36]، وعن أبي ذر t قال: "إنَّ خليلي r أوصاني: "إِذا طَبَخْتَ مَرَقًا فَأَكْثِرْ مَاءَهُ، ثُمَّ انظر أهل بيت من جيرانك،فَأَصِبْهُمْ منها بمعروف"([4]). وذكر النبي r أن "خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره"([5]). وبلغت الوصية حد أن يكون جوع الجار أو خوفه مما يهدد الإيمان؛ يقول النبي r: "ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه"([6]). ويقول r: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن". قيل: من يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يأمن جارُهُ بوائقَه" (أي: شروره)([7]). ولقد ظن النبي r من كثرة الوصية بالجار أنه سيكون في جملة الوارثين وقال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيُوَرِّثه"([8]).

وبالإجمال فإن "حفظ الجار من كمال الإيمان، وكان أهل الجاهلية يحافظون عليه، ويحصل امتثال الوصية به بإيصال ضروب الإحسان إليه بحسب الطاقة؛ كالهدية والسلام وطلاقة الوجه عند لقائه، وتفقد حاله، ومعاونته فيما يحتاج إليه.. إلى غير ذلك، وكف أسباب الأذى عنه على اختلاف أنواعه حسية كانت أو معنوية، وقد نفى r الإيمان عمن لم يأمن جاره بوائقه، وهي مبالغة تُنبئ عن تعظيم حق الجار، وأن إضراره من الكبائر، قال (الشيخ ابن أبي جمرة): ويفترق الحال في ذلك بالنسبة للجار الصالح وغير الصالح، والذي يشمل الجميع: إرادة الخير له، وموعظته بالحسنى، والدعاء له بالهداية، وترك الإضرار له؛ إلا في الموضع الذي يجب فيه الإضرار له بالقول والفعل، والذي يخص الصالح هو جميع ما تقدَّم، وغير الصالح كَفُّه عن الذي يرتكبه بالحسنى على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويَعِظُ الكافرَ بعرض الإسلام عليه، ويبين محاسنه والترغيب فيه برفق، ويعظ الفاسق بما يناسبه بالرفق أيضًا، ويستر عليه زَلَلَه عن غيره، وينهاه برفق، فإن أفاد فبه، وإلا فيهجره قاصدًا تأديبه على ذلك مع إعلامه بالسبب ليكف"([9]).

وقد حثَّ الإسلام على مظاهر الود والتراحم مثل عيادة المريض والحرص على صلاة الجنائز والمواساة في الشدائد، بل في أبسط من هذا كإفشاء السلام وتشميت العاطس، وإن مجتمعًا يتبادل أفراده السلام غادين رائحين لهو مجتمع سائر في طريق التحابب والترابط كما قال النبي r: "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم"([10]).

بهذه الروابط الثلاث (رابطة الدين، رابطة الرحم، رابطة الجوار) تحفظ المجتمعات نفسها، وتكون مواجهة المنكر فيها أفضل ما تكون، ولقد كانت عقوبة المسلمين للثلاثة الذين تخلَّفوا عن الغزو هي مجرد مقاطعتهم؛ فكانت عقوبة شديدة صورها الله بقوله: {ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ} [التوبة: 118]، وما كان ممكنًا لمثل هذه العقوبة أن تكون مؤثِّرة إلا بما بلغه المجتمع من تماسك متين.

إن المجتمعات المتماسكة هي التي تستطيع الحفاظ على ذاتها وخصوصيتها، ولو تطاول عليها العمر، وهؤلاء اليهود حين قَطَّعَهم الله أسباطًا أممًا كانوا في حاراتهم ومناطقهم يحيون مجتمعهم القديم؛ فحافظوا بذلك على وجودهم من الذوبان، وكانت هذه المجتمعات هي نواة تجددهم وإعادة انبعاثهم في دولة، فحتى "الحديث اليومي بين اليهود في المجتمع لم يكن يتمُّ بلغة البلاد، وإنما برطانة يهودية خاصة تُسَمَّى باليديش، وحين كان يهودي الجيتو يتعلَّم لغة جديدة، فإنه كان يتعلَّم "لشون هاقدوش"؛ أي: اللسان المقدس أو اللغة العبرية؛ لأن مجرَّد النظر إلى أبجدية الأغيار كان يُعَدُّ كفرًا ما بعده كفر، يستحقُّ اليهودي عليه حرق عينيه"([11])، فاستطاعوا بعد آلاف السنين أن يعيدوا بعث لغتهم من جديد في عملية مثيرة للانبهار على الرغم من أي شيء آخر.

والمجتمعات المتماسكة هي الأوسع تأثيرًا في صباغة غيرها بصبغتها، فحتى اليهود أنفسهم حين عاشوا بجانب العرب تأثروا بأخلاقهم على نحو لافت للنظر، فهم وإن كانوا أحرص الناس على حياة فقد تسرب إليهم بعض من طباع شجاعة العرب؛ فهذا حيي بن أخطب يضمن لبني قريظة أنه إن فشلت خطته في ضمهم لحلف المشركين؛ فإنه سيدخل معهم في حصنهم؛ ليقع عليه ما يقع عليهم، وقد كان: فلقد غدروا بعهدهم مع النبي، وتحالفوا مع الأحزاب؛ فلما نصر الله المؤمنين دخل معهم حيي بن أخطب وقُتِل معهم([12]).

وقبل ذلك بأعوام كلَّف النبي r فريقًا من الصحابة بقتل اليهودي كعب بن الأشرف الذي نقض عهده مع المسلمين، وكان يهجو النبي، ويحرض عليه، ويرثى قتلى المشركين، فذهب هذا الفريق -وهو المكون من محمد بن مسلمة وأبو نائلة وآخريْن- إلى كعب بن الأشرف، وبعد تحضير وتدبير نادوا عليه، فخافت زوجته، وحاولت منعه من النزول قائلة: "أسمع صوتًا يقطر منه الدم". فكان من ضمن ما قاله لها: "إن الكريم إذا دُعِي إلى طعنة بليل أجاب". وقد كان في هذا مقتله([13]).

وقد ضرب العرب مثلا للوفاء بيهودي في عصر الجاهلية هو السموأل بن عادياء، وذلك أن امرؤ القيس استودع عنده دروعا، فلما مات امرؤ القيس في رحلته إلى قيصر الروم أقبل ملك من ملوك الشام يريد أن يأخذ ميراث امرئ القيس من السموأل فأبى واعتصم بحصنه، لكن الملك أمسك بابن السمؤال الذي كان خارج الحصن وساومه أن يعطيه دروع امرئ القيس وإلا قتل ابنه، فأبى فذبح الملك ابنه وهو ينظر إليه، فصار السموأل مثلا في الوفاء[14]، وطارت في الآفاق وعبر الزمان أبياته التي يقول فيها:

تُعيِّرنا أنَّا قليلٌ عديدنا .. فقلت لها: إن الكرام قليل
وما ضرَّنا أنَّا قليلٌ وجارنا .. عزيزٌ، وجار الأكثرين ذليل

نشر في ساسة بوست



([1]) د. علي الصلابي: السيرة النبوية ص306 وما بعدها.
([2]) مسلم (654).
([3]) ابن حجر: فتح الباري 10/441.
([4]) مسلم (2625).
([5]) أحمد (6566) وقال شعيب الأرناءوط: إسناد قوي على شرط مسلم. والترمذي (1944)، وصححه الألباني.
([6]) أبو يعلى (2699) والبيهقي (20160)، وصححه الألباني (السلسلة الصحيحة 149).
([7]) البخاري (5670)، ومسلم (46).
([8]) البخاري (5669)، ومسلم (2624).
([9]) ابن حجر: فتح الباري 10/442. والقول لابن أبي جمرة.
([10]) مسلم (54).
([11]) د. عبد الوهاب المسيري: الأيديولوجية الصهيونية 1/ 31، 32.
([12]) ابن كثير: البداية والنهاية 4/118، د. أكرم العمري: السيرة النبوية الصحيحة ص427، 428.
([13]) البخاري (3811)، ومسلم (1801).
[14] الميداني: مجمع الأمثال 2/374.