الأحد، سبتمبر 06، 2015

خلايا القرامطة النائمة في الخليج (2)

 بدأنا في المقال السابق مختصرا لقصة القرامطة، وقد وصلنا إلى اللحظة التي صار فيها أبو طاهر القرمطي يمثل تهديدا خطيرا للخلافة العباسية، وقد ساعده في هذا ضعف الأحوال في بلاط الخلافة واختلاف رجالها وتنازعهم، حتى لقد استطاع هذا القائد القرمطي الشاب بجيش قوامه ثمانمائة أن ينتصر على فرقتين من جيش الخلافة قوامهما سبعة آلاف، وانقض على الكوفة واقتحمها وظل فيها ستة أيام يستخلص أموالها ومتاعها وكنوزها ويحمل ما استطاع منها، يقضي فيها النهار ثم يخرج في الليل إلى معسكره، وما إن ترامت أنباء خروج جيش الخلافة الرئيسي بقيادة القائد العسكري العام مؤنس الخادم حتى انسحب عائدا إلى بلاده.

غير أن هاتين الهزيمتين كان لهما أبلغ الأثر في النفوس، فقد عم البلاء بلاد العراق حتى إن أهل بغداد أنفسهم انصرفوا من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي لنهر دجلة، ولم تهدأ الأحوال إلا حين وصل مؤنس بجيشه الكبير إلى الكوفة، فبقي فيها حتى هدأت الأمور ثم ترك القائد ياقوت واليا عليها، وذهب هو إلى واسط خشية أن يكون القرمطي يدبر للهجوم عليها. وبطبيعة الحال فلم يحج أحد من أهل العراق هذا العام (312هـ) خوفا من القرامطة.

وفي العام التالي خرج الناس للحج (ذي القعدة 313هـ) فاعترضهم أبو طاهر القرمطي، فلذلك عاد أكثر الناس إلى بلادهم دون حج، وأما الذين وقعوا في يده فلم تنفعهم فرقة الجيش التي انهزمت أمام القرامطة، وكان مصيرهم أفضل من سابقيهم إذ أخذ القرمطي منهم مالا مقابل أن يتركهم، فكتب الله لهم النجاة.

ثم حدث تطور خطير في العام التالي (314هـ) إذ سارت الأخبار بتوجه القرامطة نحو مكة ذاتها هذه المرة، وهو ما أشاع الرعب في مكة حتى إن كثيرا من أهلها رحلوا إلى الطائف ونواحيها، وهو ما أدى إلى أن الخلافة توقف قوافل الحج التي تنطلق من العراق وما وراءها من بلاد المشرق لهذا التهديد غير المسبوق في تاريخ الإسلام!

صار القرامطة اسما يثير الرعب والفزع في القلوب، وكانت انتصاراتهم المتوالية مع قلة عددهم وصغر سن قائدهم على أضعافهم من الجيوش التي يقودها قادة الخلافة الكبار تزيد من معنوياتهم وثقتهم في أنفسهم، كما تزيد من صيتهم في الآفاق والبلاد بل وفي جيش الخلافة نفسه.

وفي ذلك الوقت كانت الخلافة تعاني انتشار الدسائس والمؤامرات في بلاط القصر، حتى لقد بدأت العلاقات تتوتر بين الخليفة وقائد الجيش مؤنس لإشاعة وصلت إلى مؤنس وكادت أن تصل الأمور إلى عصيان عسكري، وكانت حال الوزارة والوزير في غاية القلق والاضطراب مع العزل والتولية المتكررة وسعى الكثيرين إلى السلطة مما سينعكس حاله على الحرب مع القرامطة.

كان الوزير في ذلك الوقت هو أبا العباس الخصيبي الذي وصل إلى المنصب من خلال عمله ككاتب لأم المقتدر، ثم أضاف إلى هذا تعذيب زوجة الوزير السابق حتى استخلص منها ما استطاع من الأموال، ثم بذل هذه الأموال للخليفة المقتدر وأمه فارتفع بهذا شأنه، وحين وصل إلى المنصب لم يكن أهلا له بل كان سكيرا مدمنا للخمر، مهملا لأحوال البلاد والعباد، لا ينظر في الرسائل والمكاتبات ولا يتابعها، وعهد بالتصرف إلى نواب وضعهم لكي ينوبوا عنه، وهؤلاء حين لم يجدوا من يسألهم ويتابعهم فسدوا وأفسدوا، فساءت أحوال البلاد، وكان من قراراته أنه استدعى والي أرمينية وأذربيجان يوسف بن أبي الساج بجيشه لمواجهة القرامطة، برغم أنه وجيشه قد اعتادوا على البلاد الباردة كثيرة الأنهار على عكس الحرب في بلاد الجزيرة العربية، ثم إنه -مع كل هذا- لم يرتب موارد جديدة لدعم هذا الجيش!

ربما أراد الوزير أن يأتي بجيش لم يسمع عن القرامطة فهو لا يهابهم ولا يخشى مواجهتهم، أو لعله فكَّر في جيش ذى قتال مختلف وخطط حربية مختلفة متمرسة على حرب العصابات الخاطفة كجيش ابن أبي الساج .. والله أعلم!

استقر جيش يوسف بن أبي الساج في واسط، ثم جاءت الأخبار بأن أبا طاهر القرمطي متوجه إلى الكوفة، وأراد المقتدر أن يسارع جيش من الخلافة بالوصول إلى الكوفة قبل أن يصلها القرامطة، فأمر هذا الجيش بالمسارعة إلى الكوفة، فخرج الجيش من واسط (30 رمضان 315هـ)، وعظم الأمل في نفوس أهل الكوفة بهذا الجيش الكبير، وأعدوا له ما استطاعوا من الطعام والمتاع للجنود والدواب، لكن القرمطي وصل إلى الكوفة قبل جيش ابن أبي الساج بيوم واحد، وبطبيعة الحال هرب من أمامه ولاة الكوفة دون قتال، فاستولى على ما كانوا قد أعدوه لجيش ابن أبي الساج!

وصل الجيش إلى الكوفة يوم الجمعة (8 شوال 315هـ) فوجدها في حوزة القرامطة، فدعاهم يوسف إلى التوبة والعودة إلى طاعة الخلافة فإن رفضوا قاتلهم يوم الأحد، وإذا بالرد يأتي: لا طاعة علينا إلا لله، والقتال غدا السبت!

كان جيش يوسف أربعين ألفا فيما كان جيش القرامطة بين الألف وخمسمائة والألف وسبعمائة، لذا فما إن رآهم يوسف حتى استهان بهم وقال: "إن هؤلاء الكلاب بعد ساعة في يدي"، ومن فرط الثقة أمر الكاتب أن يرسل إلى الخليفة بخبر النصر على القرامطة، ثم ما إن بدأ اللقاء حتى ثبت القرامطة ثباتا عظيما، ونزل قائدهم أبو طاهر القرمطي يباشر القتال بنفسه في جرأة وبطولة حتى انهار أمامه الجيش الكبير، فهُزِم هزيمة شنيعة، بل واستطاع القرامطة أسر قائد الجيش يوسف بن أبي الساج!!

واهتزت بغداد لهذا الخبر لا سيما وقد وصلها المنهزمون وهم في أسوأ حال، حفاة وعراة قد أهلكتهم الحرب والهزيمة والطريق، وبدأ كثيرون يهربون إلى الجانب الشرقي من بغداد، أو إلى ما وراء ذلك من المدن كهمذان وحلوان بل وفارس وخراسان.

ناشد الوزيرُ عليُّ بن عيسى المقتدرَ وقال: "يا أمير المؤمنين إن الأموال إنما تدخر لتكون عونا على قتال أعداء الله، وإن هذا الأمر لم يقع أمر بعد زمن الصحابة أفظع منه، قد قطع هذا الكافر طريق الحج على الناس، وفتك في المسلمين مرة بعد مرة، وإن بيت المال ليس فيه شيء. فاتق الله يا أمير المؤمنين وخاطِب السيدة -يعني أمه- لعل أن يكون عندها شىء ادخرته لشدة، فهذا وقته"، فدخل على أمه فبادرته بإخراج نصف مليون دينار، وكان في بيت المال مثلها، فسلمها الخليفة إلى الوزير ليصرفها في تجهيز الجيوش لقتال القرامطة.

وأما القرمطي فقد سار شمالا على امتداد نهر الفرات على شاطئه الغربي قاصدا مدينة الأنبار، وهي التي تقع على الجانب الشرقي للفرات، فسارع أهلها بقطع الجسر الذي على نهر دجلة ليمنعوا القرامطة من العبور إليهم، فلما وصل القرامطة ولم يستطيعوا عبور النهر، أرسل أبو طاهر القرمطي بعض رجاله إلى مدينة الحديثة لكي يشتري لهم السفن، فاشتراها وقدمت إليه، وكل هذا في زمن قياسي حتى إن أهل الأنبار لم يشعروا بشيء، ثم فوجئوا بالقرامطة يعبرون إليهم فقاتلوا عسكر الخلافة فيها فهزموهم وصارت الأنبار في حوزتهم بالفعل، وأخطر ما في هذا أنهم صاروا على الضفة الشرقية للفرات فهم يهددون بغداد ذاتها!

وباتت بغداد في شر حال، ولو أنها نطقت لقالت: ضيعني الخلفاء والوزراء ورجال الحكم ولولاهم لم يجرؤ عليّ القرامطة!

وللحديث بقية..