الثلاثاء، سبتمبر 01، 2015

خلايا القرامطة النائمة في الخليج (1)

القرامطة من أخبث الفرق الكفرية التي ظهرت في تاريخ الإسلام، وارتكبت من الجرائم ما لم يرتكبه غيرها، واستنزفت من المجهود الإسلامي طاقة هائلة، ولم تنتهِ إلا بفضل الله تعالى، فقد أهلك الله زعيمهم أبا طاهر القرمطي وهو ما زال في سن الشباب، ولو أنه عاش أكثر من ذلك مع استمرار التدهور في بغداد عاصمة الخلافة لكان استيلاء القرامطة على بغداد من أسهل ما يكون.

هذه السطور القادمة هي مختصر القصة الأليمة..

في (278هـ) بدأ ظهور القرامطة إلى العلن بعد أعوام من العمل السري، ولكي نعرف أصل القرامطة ينبغي أن نعود قليلا إلى الخلف..

رأت فرقة من الشيعة أن الإمامة من بعد جعفر الصادق يجب أن تكون في حفيده محمد بن إسماعيل، ولذلك سُمُّوا "الإسماعيلية"، وقد بدأ الفارسي عبد الله بن ميمون القداح في تكوين جماعة حول محمد بن إسماعيل الصادق، وكانت البداية من الأهواز، وهناك انضم إليهم رجل يدعى حسين الأهوازي، وحاولا أولا أن يبدآ في البصرة إلا أن والي البصرة انتبه لنشاطهما فهربا إلى "سَلَمْيَة" بالقرب من اللاذقية في الشام، وهناك بدأت بذرة تنظيم القرامطة.

وإذ يتسترون في أول الأمر بالتشيع وآل البيت فكان لا بد من المحاولة في الكوفة ذات الهوى العلوي، وهناك استطاع حسين أن يجتذب شخصية خطيرة: رجل يدعى حمدان ويلقب بـ "قرمط"، وأبدى الأخير من الإخلاص والموهبة ما جعله رئيس الدعوة بعد وفاة حسين الأهوازي، واستطاع أن يقفز بالجماعة قفزات على مستوى التخطيط والتنظيم والاستكثار من الأتباع.

تطور الأمر وانتشر، وبدأ انقسام الجماعة السرية إلى جماعات تتضارب مصالحها في الزعامة والقيادة، ثم امتازوا إلى جماعتين كبيرتين: جماعة في الشام، وجماعة في شرق الجزيرة العربية! كلتا الجماعتين أثخنتا في المسلمين وقتلت منهم الآلاف، إلا أن جماعة الشام كانت أسرع في الظهور والعلن والمواجهة مستغلة ضعف الدولة الطولونية هناك، ولكن الخلافة العباسية -في ذلك الوقت- كانت أحسن حالا فاستطاعت بعد جهد وحروب ومعارك القضاء عليها.

وأما حديثنا الآن فسينتقل إلى جماعة شرق الجزيرة العربية، تلك التي وصلت زعامتها إلى رجل خطير يُدعى أبو سعيد الجنابي، وقد كان من الكفاية والكفاءة بحيث ظلت جماعته ساكنة تعد العدة حتى بلغت من الخطوة ما هدَّد عاصمة الخلافة نفسها تهديدا لم يسبق له نظير.

وضع أبو سعيد نظاما حربيا دقيقا لمشروع دولته استطاع بمقتضاه إعداد جيش قوي، ومن ذلك أنه جمع الأطفال في دور خاصة وتتولى تدريبهم وتنشئتهم عسكريا. ولهذا فبرغم أن انكشاف أمر الجماعة وقع عن غير قصد منها ولا تدبير إلا أن هذا لم يقلل من خطرها ولكنه أبعد مركز نفوذها من العراق إلى شرق الجزيرة العربية في منطقة الهفوف الآن. إذ اضطر أبو سعيد الجنابي إلى هناك بعد انكشاف أمره.

ومن منطقة الهفوف في قرية سمَّاها "المؤمنية" أخذ في التوسع والسيطرة، فاستولى على البحرين بسهولة (286هـ) وأشاع فيها القتل لينشر الخوف ويُحكم أمره، ثم هاجم القطيف فأوقع بها مذبحة أخرى (286هـ)، وأشاع أن المحطة الثالثة ستكون البصرة، فجدَّد والي البصرة سورها بأربعة عشر ألف دينار فصار منيعا. لكن باقي المناطق لم تأمن بل استمرت إغارات القرامطة الذين تفاقم أمرهم، وأرسلت الخلافة جيشا هُزِم هزيمة (أواخر شعبان 287هـ)، وأُسِر قائده، وقتل أبو سعيد كل الأسرى أمام عيني قائدهم ثم أطلقه برسالة إلى الخليفة المعتضد ليثبت له قوته. وتقدم القرامطة بعد هذه الهزيمة فاقتربوا من البصرة (288هـ) فاضطرب أمر أهلها وأرادوا الهجرة منها لولا أن منعهم الوالي.

ثم توقف نشاط جبهة القرامطة هذه وسكن وكأنما اختفى وانتهى لبعض سنين. وإن لم يتوقف فساد باقي الجبهات القرمطية الفاعلة والتابعة لزعماء آخرين في سواد الكوفة وفارس واليمن، واهتمت الخلافة على وجه خاص بما هو قريب منها فتتابعت الفرق العسكرية من المعتضد إليهم حتى كاد أن يبيدهم، وأسر بعضا من قادتهم ورؤسائهم. وساعد في ذلك تدهور أحوال تنظيمات القرامطة واختلاف أمر زعمائهم. وكان من نتائج مواجهات الخلافة مع القرامطة في جبهة الشام أن نشطت أجهزة الاستخبارات في سائر الأنحاء، فأثمر هذا هجوما كبيرا مفاجئا قاده أمير البحرين على حصن للقرامطة في الأحساء فأوقع بهم هزيمة كبيرة (290هـ) قتل فيها الرجل الثاني بعد أبي سعيد الجنابي، وسيطر فيها على مدينة القطيف. ويبدو أن هذه الهزيمة هي التي أوقفت عمل هذه الجبهة القرمطية طوال عهد المكتفي.

ثم عاودت جبهة القرامطة في الجزيرة العربية التحرك بعد وفاة الخلفاء الأقوياء: المعتضد بالله والمكتفي بالله، فظهرت مرة أخرى في عهد الخليفة المقتدر بالله، وهو عهد ضعف تحكمت فيه النساء وتنازعت أجنحة القوة مساحات النفوذ في القصر. وكان من فضل الله على الأمة أن استطاع الخليفة المكتفي بالله قبل موته أن يقضي نهائيا على جبهة القرامطة في الشام بعد معارك مريرة. ولو أن هؤلاء بقوا حتى عهد المقتدر فلربما كانوا اجتاحوا بغداد نفسها في غير عناء إذا انتهزوا لحظة ضعف واضطراب .. وما أكثرها في أيام المقتدر.

تحركت طليعة من ثلاثين رجلا من القرامطة في الأحساء فهاجموا البصرة، وهي أقرب مناطق العراق إلى نفوذهم (299 هـ)، لكن أمير البصرة كان منتبها فأرسل فرقة عسكرية طاردتهم وقتلت منهم وأخذ في تحصين البصرة وطلب المدد من بغداد.

كان القرامطة يسيطرون فعليا على هجر والأحساء والقطيف والطائف، وقد فكر الوزير علي بن عيسى حين تولى الأمر (301هـ) أن يبدأ معهم بالوسائل الدبلوماسية، فكتب إليهم على لسان الخليفة رسالة تدعوهم إلى التوبة والطاعة وإطلاق أسرى المسلمين الذين بأيديهم، على أن حامل الرسالة ما كاد يصل إلى البصرة حتى جاء الخبر بمقتل زعيم القرامطة أبو سعيد الجنابي على يد خادمه الذي كره ما عليه من باطل وقتل معه أربعة من كبار زعماء القرامطة.

إلا أن ابنه أبا طاهر، واسمه سليمان، كان شجاعا جريئًا قوي الشخصية فانتزع زعامة القوم من يد أخيه الأكبر سعيد رغم وصية أبيه إليه قبل موته، فما إن وصلته الرسالة من الخلافة حتى استقبلها بالترحاب وأكرم رسل الخلافة وأطلق ما عنده من الأسرى.. في محاولة لتهدئة الأجواء مع الخلافة ريثما يتسنى له ترتيب الوضع الداخلي بعد الوفاة المفاجئة لأبيه، والتي سيتوقف بسببها نشاط القرامطة عشر سنين أخرى.

وفي ليلة من (ربيع الآخر 311هـ) هاجم القرامطة -وكان عددهم ألفا وسبعمائة- البصرة على حين غفلة من الجميع، فاقتحموا السور وقتلوا الحراسة، وكان الهجوم مفاجئا وسريعا حتى إن والي البصرة نفسه سُبُك المفلحي لم يعلم إلا في آخر الليل، فانطلق فيمن استطاع جمعه من الرجال وقاتلهم وهو يظنهم مجموعة من الأعراب لا القرامطة فهُزِم بطبيعة الحال، وبدأ القرامطة في تنفيذ المذبحة في البصرة التي هام أهلها هربا في كل وجه حتى ألقى الكثير منهم بنفسه في الماء طلبا للنجاة فأدركه الغرق، وظل أبو طاهر سليمان الجنابي في البصرة سبعة عشر يوما يقتل ويأسر ويأخذ من الأموال والمتاع والكنوز، بل من النساء والأطفال ما استطاع.

ثم ما هي إلا شهور أخرى حتى نفذ القرامطة هجوما غادرا (المحرم 312هـ) على قافلة الحجاج العراقيين العائدة من مكة، فأوقع بهم مقتلة شنيعة وأسر منهم أكثر من ألفين، وأخذ كل ما لديهم من الأموال مما يقدر بمليون دينار، ثم لم يكفه هذا فترك من لم يأسرهم في الصحراء بلا طعام ولا شراب ولا دواب حتى هلك أكثرهم من الجوع والعطش والحرِّ!! وحين تصدى له أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان المسؤول عن طريق الكوفة لقي هزيمة نكراء قبيحة قتل فيها أغلب الجنود وأُسِر فيها كبار القادة ومنهم أبو الهيجاء نفسه.

وتشير بعض الروايات إلى أن أبا طاهر هذا كان عمره حينئذ سبعة عشر عاما فقط، وهو ما نستبعده إلا أنه دليل على صغر سنه وعلى قوته وشراسته وجرأته!! وكانت عدة جيشه ثمانمائة فحسب!! وكانت فرصته مضاعفة بما أسفرت عنه نزاعات رجال القصر من تنحية الرجال الأقوياء. وهكذا دائما، تدفع الأمة ثمن شهوات وأهواء رجال الحكم أرواحا ودماء وأعراضا.

أطلق أبو طاهر الأسرى مع رسالة إلى الخليفة يطلب فيها أن يتولى البصرة والأهواز، ولما لم يُجب إلى طلبه استعد لمهاجمة قافلة الحجيج القادمين من طريق الكوفة، وكانت القافلة تحت حماية فرقتين عسكريتين: فرقة متقدمة قوامها ألف بقيادة والي الكوفة، وفرقة من ستة آلاف بقيادة ثلاثة من قواد الخلافة العسكريين، لكن القرمطي هزم الفرقتين هزائم منكرة وانقض على الكوفة واقتحمها وظل فيها ستة أيام يستخلص أموالها ومتاعها وكنوزها ويحمل ما استطاع منها.


وللحديث بقية..