السبت، يوليو 07، 2012

معارك الأمويين الأخيرة (2/2)

اقرأ: معارك الأمويين الأخيرة (1/2)

في منتصف العام (132 هـ) كان العباسيون قد أقاموا دولتهم، ووصلوا إلى عاصمتهم في الكوفة، مسيطرين على كل المساحة فيما بين خراسان والعراق، وقد انتصروا على كل الجيوش الأموية حتى هذه اللحظة وبقيت المعركة الفاصلة.

لم تكن مهمة الخليفة الأول أبي العباس سهلة، فالدولة في بدايتها، مروان بن محمد يُعدّ لها جيشا عظيما، وقوة أموية أخرى في واسط، والعلاقات ساءت بينه وبين الرجل الثاني في الدعوة أبي سلمة الخلال والذي بيده مقاليد الأمور الفعلية في الكوفة! ولكن أبا العباس كان على مستوى المسؤولية فقد حملها حتى بدا على ملامحه، فبعدما كان "شابا جميلا تعلوه صفرة (أي بياض)" إذا به بعد أسبوع واحد "كأن وجهه ترس وكأن عنقه إبريق فضة وقد ذهبت الصفرة".

ترك أبو العباس السفاح الكوفة وعهد بإدارة أمورها إلى عمه داود بن علي، وعاد إلى قيادة العمليات في المعسكر المنصوب بـ "حمام أعين"، ومن هناك بدأ في توجيه العساكر والجنود نحو جيش الشام الذي يقوده مروان بن محمد بنفسه، فعهد إلى عمه عبد الله بن علي بقيادة الجيش العباسي الرئيسي، وعهد إلى أخيه أبي جعفر بقيادة فرقة من الجيش كمدد لحصار القوة الأموية المنهزمة والمتحصنة في واسط، وبعث إلى واسط أيضا ابن أخيه عيسى بن موسى، وأرسل يحيى بن جعفر بن تمام دعما لحميد بن قحطبة الذي يدعو لبني العباس في منطقة المدائن ويقاتل فلول الأمويين هناك، وأرسل أبا اليقظان عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر على رأس قوة عونا إلى بسام بن إبراهيم بن بشام في الأهواز.

معركة الزاب

لقد كثرت الأخبار المزعجة لمروان بن محمد، وتتالت عليه الرسائل بالهزائم والنكبات، وكان أشد ما وصله من أخبار في الشهور الأربعة الأخيرة: انهيار خراسان ثم وفاة نصر بن سيار ومقاتل قادة الأمويين الكبار أمثال نباتة بن حنظلة وعامر بن ضبارة، ثم هزائم ابن هبيرة المتتالية حتى انسحابه من المعركة واعتصامه بمدينة واسط في الغرب. إلا أن خبرا آخر بدا أن أثره كبير على مروان بن محمد ذلك هو انتصار سرية عباسية على الخارجي عثمان بن سفيان وهو النصر الذي قُتِل فيه جيش الخارجي عن آخره، فَثَبَت بهذا أن العباسيين قادرون على مواجهة الأمويين والخوارج في ذات الوقت.

أعلن مروان بن محمد التعبئة العامة في الشام وأذاع أنه خروج في جهاد الروم، وحشد أهل بيته وقال لهم: "قاتلوا عن ملككم"، وترك على ولاية دمشق الوليد بن معاوية، وأقام معسكره في قرية قرب حران اسمها "سلسمين".

ثم سار الجيش الأموي من سلسمين إلى منطقة تسمى "بلوى" ثم منها إلى رأس العين ثم إلى منطقة الزاب على ضفة نهر دجلة قريبا من الموصل، وهناك التقى الجيشان، وجرت معارك صغيرة سقط فيها أسرى وقتلى من الفريقين. وكان عدد جيش مروان مائة وعشرين ألفا فيما كان جيش العباسيين عشرين ألف فقط.

تميز الجيش العباسي عن الجيش الأموي بأمرين: التماسك، والروح المعنوية.

لقد أدرك كلا الفريقين المتحاربين أن المعركة بينهما في جانبها الأهم معركة "حماسة"، فلذا حاول مروان بن محمد أن يؤخر المعركة ولو يوما واحدا لتزول الرهبة القائمة في جيشه من انتصارات العباسيين المتوالية، فيما أدرك عبد الله بن علي أن النصر يكمن في تسريع المواجهة بأقصى قدر ممكن، قال مروان لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز (أحد قادته): "إن زالت الشمس يومئذ ولم يقاتلونا كنا نحن الذين ندفعها إلى عيسى بن مريم[1]، وإن قاتلونا قبل الزوال فإنا لله وإنا إليه راجعون". ثم أرسل مروان إلى عبد الله بن علي يسأله الموادعة، ولكن عبد الله بن علي كان مدركا لغايته في كسر معنويات الجيش العباسي بتأجيل اندفاعته وكسر رهبتهم في قلب الجيش الأموي بالبقاء وقتا متصافين دون قتال، فرفض قائلا: كذب ابن زريق، لا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله.

ولأن الجيش الأموي افتقد التماسك فقد عصت فرقة منه أوامر مروان بن محمد بعدم البدء بقتال واندفع قائدها الوليد بن معاوية –زوج ابنة مروان- إلى القتال فانطلقت به شرارة المعركة (11 جمادى الآخرة 132 هـ)، واستطاعت هذه الميمنة أن تهزم ميسرة العباسيين بقيادة أبي العون الذي بدأ في الانحياز إلى القلب حيث عبد الله بن علي، ولكن جيش العباسيين صمد للهجمة القوية، فنزل القادة عن خيولهم خوفا من انجفال الخيول الذي إن حدث فسيسبب الهزيمة، فقَدَّموا الرَّجالة على الفرسان وكَتَّلوهم بحيث لا تصير بينهم فراغات ومعهم الرماح يشرعونها، ومن ورائهم حملة السهام يرمون بها، ونزل عبد الله بن علي عن فرسه وأخذ يثير حماستهم صارخا: يارب حتى متى نُقتل فيك؟ يا أهل خراسان.. يا شارات الإمام .. يا محمد.. يا منصور، ويخطب فيهم ويثير حماستهم، فانكسرت هجمة الأمويين، وبدأت تنعكس المواقف بتقهقر الأمويين أمام هذا التكتل، ولم يُفلت عبد الله بن علي الفرصة، فبدأ في الهجوم، واشتد القتال جدا، وبدا أن العباسيين يحققون النصر.

وهنا أمر مروان بن محمد باقي الفرق في جيشه بالنزول، وبدا كأوضح ما يكون كيف هيمنت العصبية على الجيش الأموي فأفسدته، أرسل مروان إلى إلى قضاعة يأمرهم بالنزول فقالوا: قل لبني سليم فلينزلوا، وأرسل إلى السكاسك أن احملوا فقالوا: قل لبني عامر أن يحملوا، فأرسل إلى السكون أن احملوا فقالوا: قل إلى غطفان فليحملوا. فقال لصاحب شرطته: انزل. فقال: لا والله لا أجعل نفسي غرضا. قال: أما والله لأسوءنك. قال: وددت والله لو قدرت على ذلك.

وما بين جيش متماسك مندفع يقاتل جيشا مضطربا مترددا تسكنه العصبية، كان طبيعيا أن تؤول المعركة الفاصلة إلى النتيجة المحتومة: هُزِم جيش الشام، وفَرَّ الشاميون يتبعهم الجيش العباسي فيأسر ويقتل، ولكي ينجو مروان بنفسه فإنه ما إن عبر حتى قطع الجسر من خلفه فترك كثيرا من الجنود لم يعبروا فحلت الهزيمة ومعها اليأس أيضا، واقتحم الجنود النهر يريدون عبوره سباحة فغرق منهم كثيرون، حتى لقد غرق من الشاميين أكثر مما قُتِل، ولم تنفع الجيش كثرته إذ سكنته العصبية!

ومن أبلغ ما يُروى في الهزيمة النفسية التي حلت بجيش مروان ما يحكيه جندي منهم عن نفسه، قال: "شهدت وقعة كشاف مع مروان بن محمد، ومعي سيفي، وعليَّ درع قد ورثتها عن أبي وجدي منذ زمن الجاهلية، وتحتي فرس من نتاج قومي، وما ضربتُ شيئا قط إلا هتكته، فحملت على رجل من أصحاب أبي عون (قائد ميسرة العباسيين) فضربته فما عمل سيفي فيه شيئا، ثم حمل عليَّ رجل من أصحاب أبي عون فضربني بعصا كانت في يده فأبلغ –والله- إليَّ[2]، فانصرفت ووقفت هُنَيَّة، تم حملت على آخر فضربته على رأسه، فوالله ما عمل سيفي قليلا ولا كثيرا، ثم حمل عليَّ رجل فضربني بعصا فكدت –والله- أقع عن فرسي، فقلت: إن أمرهم لمُقْبِل، وإن أمرنا لَمُدْبِر، فولَّيْتُ منهزما". فهذا كلام رجل هُزم في نفسه أولا حتى تمكنت منها الأوهام والخيالات قبل أن يُهزم في ميدان المعركة.

وانسحب مروان بن محمد نحو حران، ومنها إلى قنسرين، ثم إلى حمص، وهناك قاتله أهلها فانتصر عليهم ثم توجه إلى دمشق وتركها في عهدة زوج ابنته الوليد بن معاوية بن مراون، ثم انطلق باتجاه مصر، وهناك لم يستطع مروان البقاء طويلا في دمشق حيث انقسم إلى قسمين بين مؤيد للأمويين ومعارض لهم، بل إن بعض القبائل اليمانية أقسمت يمين الولاء لبني هاشم.

سقوط دمشق

تساقطت مدن الشام واحدة تلو الأخرى، وقد اتبع عبد الله بن علي طريق هرب مروان بن محمد، ومع تساقط مدن الشام كانت تأتي جيوش عباسية أخرى مددا إلى عبد الله بن علي، ثم اجتمعت الجيوش العباسية أمام العاصمة الأموية، فوزعها عبد الله بن علي لتكون كل فرقة أمام باب من أبواب دمشق، وبعد حصار استمر عدة أيام اقتحمها الجيش، وقد ساعد في هذا أن دمشق منقسمة على نفسها بين اليمانية والمضرية، فاليمانية بايعوا العباسيين وانحازوا لهم، كما أن عبد الله بن علي كان له دور في تحريضهم على ذلك بقوله "إنكم وإخوتكم من ربيعة كنتم بخراسان شيعتنا وأنصارنا، فانصرفوا وخلُّوا بيننا وبين مضر" فأبان أنهم إنما قدموا لمحاربة المضرية فحسب وأن اليمانية هم أنصار الدولة، ولا شك أن قولا كهذا في مجتمع انقسم على نفسه قبليا في لحظة حرب لابد أن يلهب الأوضاع، فاشتعل القتال بينهم واستحرَّ حتى انتصر اليمانية وقتلوا من المضرية مقتلة عظيمة كان منها والي دمشق الوليد بن معاوية ثم فتحوا الأبواب للعباسيين.

لقد كانت دمشق نفسها كحال جيش مروان في معركة الزاب، منقسمة ومهزومة من داخلها، وقد بلغت فيها الاحتقان القبلي مبلغا كبيرا، بل لقد ورد ما يفيد بأن الحال قد بلغ أن القوم كانوا لا يصلُّون معًا، فكان في الجامع الأموي قِبْلتيْن ومنبريْن وإماميْن يخطبان الجمعة في نفس الوقت.

نهاية مروان بن محمد

سقطت دمشق حين كان مروان بن محمد في فلسطين، فواصل هربه إلى مصر، وبقي عبد الله بن علي أميرا للشام، وأتى التكليف من أبي العباس أن يستمر صالح بن علي في مطاردة مروان بن محمد على رأس قوة أغلبها من اليمانية، وهم من الحانقين على الأمويين، وكذلك من أهل الموصل وهم الذين خذلوا مروان بن محمد وكانوا من خصومه، وهذا دليل على حسن سياسة أبي العباس، فهو من ناحية يكافئهم ويقوي مركزهم بأن يعهد إليهم بمثل هذه المهمات الكبار، ومن ناحية أخرى يستفيد من الخصومات القديمة في توجيه أكثر الناس عداوة للقيام بالمهمة على خير وجوهها.

ومن فلسطين إلى سيناء ثم الصحراء الشرقية إلى الجيزة على الضفة الغربية من النيل، مروان يواصل هروبه وصالحُ بن علي في أثره بكل الإصرار، ووقعت أحيانا مناوشات بين فرق من العباسيين مع فرق من الأمويين كان النصر فيها للعباسيين، ثم استطاعت سرية يقودها عامر بن إسماعيل أن توقع بمروان بن محمد مع مجموعة من فرسانه فدرات بينهما معركة قُتل فيها مروان بن محمد (27 ذي الحجة 132 هـ) في قرية "أبو صير" التابعة الآن لمحافظة بني سويف في مصر.

وبمقتل مروان بن محمد انتهت الدولة الأموية الكبيرة.. إلى الأبد!

نشر في المركز العربي للدراسات والأبحاث



[1] أي ستظل الخلافة فينا حتى نزول عيسى بن مريم في آخر الزمان!

[2] أبلغ إليَّ: المراد أصابني إصابة قوية ومحكمة.