الأربعاء، أبريل 18، 2018

الحرية أولا أم الشريعة


في عقد التسعينات والعقد الأول من الألفية الجديد شهدت الساحة الفكرية هذا السؤال الذي يُطرح على الإسلاميين: أيهما تريدون أولا، الحرية أم الشريعة؟

طرْح السؤال في البيئة العلمية الفكرية شيء، وطرحه في البيئة السياسية شيء آخر. فالبيئة العلمية الفكرية أقرب إلى المعمل الذي تُجرى فيه التجارب تحت ظروف خاصة ومجهزة بحيث يمكن رصد النتيجة بأعلى قدر من الدقة، فهو بحث موضوعي نظري. أما طرحه في البيئة السياسية فهو محاكمة مُبطَّنة، يجلس فيها القوي المسيطر موقع الخصم والحكم ويجلس فيها الضعيف في موقع المتهم، ويُطرح السؤال على صيغة: هل أنت من المؤيدين لحكمي الرشيد؟ أم أنك لا قدر الله من المعارضين؟! وهنا يتبارى المتهمون المستضعفون في تقديم إجابة توازن بين موقعهم الحقيقي من خريطة القوى وبين ما يؤمنون به من أفكار.

هذا السؤال: الحرية أولا أم الشريعة، هو سؤال الثقافة الغالبة على الثقافة المغلوبة. سؤال ثقافة الليبرالية التي هي إنتاج الحضارة الغربية على المعتنقين للثقافة الإسلامية المغلوبة.

وقد أجاب الإسلاميون على هذا السؤال بطيف واسع من الإجابات، فقال بعضهم: الديمقراطية كفر والشريعة أولا، وقال بعضهم: الديمقراطية هي جوهر الإسلام ومقصوده والحرية أولا.. وبين الإجابتين درجات كثيرة من إجابات تحاول إنتاج توازن بين مناطق التناقض والتعارض بين الحرية –كما تطرحها الليبرالية- والشريعة، ويجري تلوين كثير ومناورات كثيرة، فمنها ما يحاول إعادة تعريف الحرية في صورة تنسجم مع الإسلام، ومنها ما يحاول إعادة تعريف الشريعة في صورة تنسجم مع الليبرالية، وبينهما أطياف كذلك.

المهم المقصود من كلامنا الآن أن فريقا عريضا من الإسلاميين أجاب على السؤال بقوله: الحرية أولا. حتى لو كانت حرية علمانية ليبرالية كالتي نراها في المجتمعات الغربية، فإن الإسلام سينتشر في البيئة التي تتنفس الحرية، ويكفينا أن يتمتع الدعاة بحرية الدعوة وستعمل جاذبية الإسلام بنفسها وبمجهود الدعاة على أن تستثمر مناخ الحرية لنصل في النهاية إلى: الشريعة.

لقد اعتنقتُ لبضعة أعوام هذه الإجابة.. وإليك قصة نبذي لها وتخلصي منها، بل واعتباري إياها خرافة جاءت من خلط وتلبيس سأقصه عليك.

لم يكن السؤال المطروح على الإسلاميين سؤالا فكريا قادما من البيئة العلمية، بل كان سؤالا مطروحا في البيئة السياسية، وهو لم يُطرح أصالة على الفقهاء والمفكرين بل طُرِح على الحركيين، وحتى من تدخلوا فأجابوا من الفقهاء والمفكرين لم تكن إجابتهم حكما شرعيا بل كانت فتوى محكومة بظروف الزمان والمكان والحال.

كان سؤال الحرية والشريعة في وقته وظروفه معناه ببساطة: هل تقبلون يا معشر الإسلاميين بحاكم علماني ليبرالي على النمط الغربي بديلا عن المستبدين الذين يحكمونكم الآن؟ أم أن البديل الوحيد المقبول عندكم هو حاكم إسلامي يطبق الشريعة؟!

وحيث لم يكن للإسلاميين قوة ولا قدرة على نصب حاكم يطبق الشريعة، فقد قبلوا بصورة الحاكم العلماني الليبرالي الذي سيطلق الحريات العامة كمرحلة يثقون أنها ستوفر لهم الفرصة لنشر الدعوة وجذب الجماهير فينتقلون بعدها إلى المرحلة المنشودة: مرحلة الشريعة! الشريعة كثمرة من ثمرات الحرية واختيار الناس الحر النزيه.

فما المشكلة في هذا التصور؟

المشكلة بقدر ما هي بسيطة، بقدر ما هي فارقة وجوهرية وأصيلة.. المشكلة ببساطة هي في تَوَهُّم أن ثمة من قد يمنحك الفرصة للاختيار بين الحرية والشريعة!

سؤال الحرية والشريعة يمكن أن يستفيض الفقهاء والمفكرون في الكتابة عنه وبحثه، على مستوى النظر. أما على مستوى الواقع فإن الذي يملك القدرة على الحكم لا يُعطي خيارات لأحد! فالجهة التي تملك أن تخيرك بين نظامين هي الجهة التي تستطيع أن تفرض أحدهما، ولماذا تُقدم الخيار للضعيف إن كانت قادرة على إنفاذ خيارها المفضل لديها؟!

أي أن الإسلاميين، وأي مستضعف في أي مكان في العالم، لن يستطيع أن يختار لأنه –وبكل بساطة- لن يتمتع بوجود فرصة اختيار، من يملك أن يختار هو من يملك أن يفرض، فالقادر على الحرب هو من يحصل على السلام، ومن يملك القوة على الأرض هو من يملك قراره على مائدة المفاوضات.. بغير وجود القدرة على الاختيار تنعدم فرصة الاختيار نفسها.

ببساطة مخلة: يستطيع الإنسان أن يختار بين الطب والهندسة إن كان مجموعه بالأصل يُمَكِّنه من دخول هذه أو تلك، أما صاحب المجموع الضعيف فلا يملك الاختيار.. وبصورة أكثر واقعية: لا يملك الضعيف أن يختار بين شيئين لا يستطيع فرض أحدهما أو انتزاعه، وإنما يملك صاحب القوة أن يفرض ما يشاء بالقدر الذي تسمح له به قوته وقدرته.

لهذا فمهما تنازل المرء عن أفكاره وراوغ فيها وقدم المراجعات الفكرية فلن يمنحه أحد شيئا لا يستطيع انتزاعه بنفسه، ولعله لا يوجد من قدم تنازلات فكرية حاول بها حشر الإسلام في قالب الحداثة والحضارة الغربية مثلما فعل راشد الغنوشي بإخلاص مثير للشفقة والسخرية، ومع هذا لم يحصل على شيء في واقع السياسة، بل اضطر إلى تسليم الحكم بنفسه إلى النظام القديم الذي قامت ضده ثورة جاءت بالغنوشي نفسه إلى الحكم!

التنازلات الفكرية لم تؤد إلى مكاسب سياسية! لأن التنازلات الفكرية مهما عظمت لا تغير من موازين القوى في الواقع. والعكس صحيح أيضا: فلا السبسي ولا السيسي ولا حفتر ولا بشار قدموا رؤى فكرية عظيمة أو اقتربوا فكريا من الحداثة الغربية فكان ذلك سبب مكاسبهم السياسية، إنما حملتهم إلى مواقعهم خرائط القوى السياسية والعسكرية والمالية.

ولهذا تبدو سخافة الدعوات المتكررة إلى تقديم مراجعات فكرية ورؤى جديدة ونقد التراث وتجديد الأصول وإعادة النظر في مناهج التفكير.. و.. و.. و.. إلخ! فكل ذلك يتغافل عن حقيقة أن الفكرة المجردة لم تحق حقا ولم تبطل باطلا، ولقد كان الأنبياء يُقْتلون ويُذبحون وهم يملكون الحق المطلق وهم خير البشر قاطبة، فيقتلهم ويبقى في الحكم شرار الناس وأراذلهم.

الوعي المطلوب والمراجعات المطلوبة هي التي تحاول فهم سنن الكون والبشر وطبيعة السياسة والاجتماع لنبصر بها أين أخطأنا وكيف نمتلك القوة وكيف نستعملها برشد وحكمة ونحوطها بقوة سياسية واقتصادية وإعلامية، لنغالب بها الذين قهرونا واحتلونا وأكلوا لحومنا وشربوا دماءنا وهرسوا أطفالنا وأذلوا بناتنا.. الوعي المطلوب هو وعي السنن، وليس تقديم التنازلات من ديننا على مذبح الحداثة الغربية لننال منها بعض الرضا ثم نأمل في أن تنعم على بلادنا بحرية كالتي عندهم!

وليت شعري، كيف يتوهم عاقل أن يمنح العدوُّ عدوَّه أداة استقلاله وتحرره؟! كأن الغرب صار يوزع حرية وإنسانية في السوق العالمي للأعمال الخيرية!! والعجيب أن القائل بهذا هو الذي منذ وُلِد لم ير من الغرب في بلادنا إلا كل شر وجريمة!

كنت أظن أن الله أنعم على هذه الأمة بحفظ كتابه من التحريف والتبديل على يد الأمم الأخرى، ولكني أعرف حق المعرفة أن نعمة الله العظمى كانت بأنه حفظ كتابه من التحريف والتبديل الذي سيرتكبه المنهزمون نفسيا من هذه الأمة نفسها، فإن أولئك هم أقرب الناس وأجدرهم بارتكاب هذا.. وأبرز دليل على هذا أن التوراة والإنجيل حرفهما اليهود والنصارى بأنفسهم لا أعداؤهم من الوثنيين أو عباد النار أو عباد البقر! (فويلٌ للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون: هذا من عند الله، ليشتروا به ثمنا قليلا). [راجع: القرآن المحفوظ دليل المقاومة]

ولأن القرآن محفوظ، والسنة محفوظة، وقد تَكَوَّن حولهما تراث إسلامي ضخم وعريق، فإن محاولات تقديم تنازلات فكرية ترضي الحداثة الغربية وموازين القوى تثير من المشكلات داخل البيئة الإسلامية، فما هو إلا أن يتحول المجدد من سياسي يرى في نفسه الدهاء والمناورة إلى متهم لدى الجميع، فالغربيون يريدون منه مزيدا من الأدلة على أنه معتدل يتخلى عن العنف وله موقف صلب من المتطرفين، والمسلمون من ناحية أخرى يرونه منفلتا ضائعا منحرفا.. فما هو إلا أن يتحول من سياسي يدير معركة سياسية مع النظم المستبدة ومراكز التأثير الغربية إلى مفكر إصلاحي يدير معركته مع المسلمين وشيوخهم وتاريخهم وتراثهم!! فلا انتصر في سياسة ولا بقي له الدين!

الخلاصة: لم يكن الحل أن نختار بين أيهما أولا: الحرية أم الشريعة. الحل أن نملك القدرة على الاختيار أصلا، وحين نملك هذه القدرة سننتزع ما نريد بقوة الإمكانية والقدرة لا لأن أحدا سيُنعم علينا بإعطائنا ما نريد.

سؤال الحرية والشريعة مجرد سؤال نظري، يمكن الثرثرة حوله طويلا.. لكن سؤال الواقع هو: ما الذي يجبرني على الدخول معك في تفاهمات أصلا؟