‏إظهار الرسائل ذات التسميات تدوينات سريعة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تدوينات سريعة. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، أبريل 24، 2023

من فضل الله الذي تم علينا في رمضان

يسَّر الله تعالى، بفضله وكرمه وجميل عطائه، إنتاج برنامجين في شهر رمضان الماضي.. ولقد لقيت فيهما من تيسير الله ما لا أحسن وصفه.. فلله المنة والفضل الجزيل.


(1)

أولهما: برنامج "قصة الفتنة الكبرى" التي تتناول ما وقع من الخلاف والقتال بين الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين، منذ بداية التمرد على عثمان رضي الله عنه، وحتى استشهاد علي رضي الله عنه.. وقد استفزني إلى سرعة إخراج هذا البرنامج ما أعلنته قناة MBC عن بث مسلسل "معاوية"، وهو ما ردَّت عليه جهات شيعية في العراق ولندن ببث فيلمين عن "أبي لؤلؤة المجوسي" -لعنه الله- وعن السيدة عائشة -رضي الله عنها-.. ثم قضى الله وقدَّر وأوقف بث هذه جميعا.

لقد يسر الله في هذا البرنامج كل شيء، جرى تصويره في أربعة أيام متتالية، بإمكانيات بسيطة، وكنت حينها ما أزال أعاني من أثر الأنفلونزا، ثم تطوّع بالمونتاج له أخ فاضل قدير، ترك ما بيده من عمله وشأنه ليتوفر عليه، وجرى تيسير عجيب في انتقاء كلمات لنشيد التتر ثم تلحينه وتسجيله صوتيا، وكان هذا التتر كله إهداء من قناة التناصح التي رحبت إدارتها بالبرنامج بحفاوة كبيرة، ثم جرى بثه على بعض القنوات الفضائية مثل: مكملين (مصرية) والتناصح (ليبية) والأنيس (جزائرية)، فضلا عن منصات يوتيوب مثل القناة المتميزة "شؤون إسلامية".

وتم فضل الله تعالى بأن لقي البرنامج ما لم يلقه شيء قبله من القبول، وكان أعظم ما أدهشني أن بعض العلماء والباحثين المتخصصين في الفتنة والذين تتلمذت على كتاباتهم، كانوا يتابعونه يوميا، ويمدونني بالملاحظات والتعقيبات بعد كل حلقة، ويثنون عليه ثناء ما خطر ببالي أن يكون أبدا!! والحمد لله أن أغلب هذه الملاحظات كانت في أمور دقيقة جدا وتخصصية -مثل ضبط الألفاظ وأسماء الرواة- لا تؤثر على المادة أو الأفكار.. وانتفعت بذلك أيما انتفاع، وهو ما سأستفيد منه حين يخرج كتابي عن الفتنة إن شاء الله.

وهنا أعيد الشكر والثناء لكافة من أرسلوا إلي تعليقاتهم على منصات التواصل الاجتماعي أو على بريدي أو على وسائل التواصل المختلفة، وأعتذر لهم أني لم أستطع التفاعل مع هذه الرسائل والتعليقات، ولكني قرأت كثيرا منها.. وإذا يسر الله تعالى في الأيام القادمة، فقد نفرد بعض الحلقات أو الجلسات لمتابعة ما ورد من أسئلة وتعقيبات.. فلا تنسونا من صالح دعائكم بعلو الهمة والبركة في الوقت، وأن يرزقنا الله وإياكم الإخلاص في القول والعمل.

وبالأمس، تفضل علي أخي "مصطفى الشرقاوي" بكرم جديد.. وقد تطوع قبل ذلك بأنه يعيد مونتاج الحلقة لضبط بعض الفنيات الدقيقة المتعلقة بالصوت قبل أن يبثها عنده، أسأل الله أن يجزيه عن ذلك.. ثم أتم فضله هذا بأن صنع ملفا واحدا للحلقات كلها (31 حلقة) لتكون في فيديو واحد بمدة 12 ساعة.

رابط السلسلة: https://cutt.ly/I5hPcro

رابط السلسلة في حلقة واحدة: https://youtu.be/QWCvPVya7fk

 

(2)

وثانيهما: برنامج "في أروقة رمضان"

فلئن كان البرنامج الأول صعبا وثقيلا، فهذا برنامج طريف لطيف، كنا نتوقف في كل يوم من رمضان عند حدث وافق حصوله ذكرى هذا اليوم.. فكان كالحديقة أو المتحف، يوما مع ابن خلدون ويوما مع المقريزي ويوما مع المنصور بن أبي عامر ويوما مع ابن ماجه ويوما مع أسامة بن منقذ ويوما مع علي بن أبي طالب ثم مع ابنه الحسن بن علي..

ويوما مع فتح مكة وفتح الأندلس وفتح الإسكندرية وفتح حارم ومعركة البويب وإنقاذ بغداد من الدولة البويهية..

ولم يخل الأمر من أحداث مريرة ومؤلمة قصدنا به أن ننظر في العبرة والعظة منها كالحديث عن الباطنية والقرامطة والمغول وفتنة بابك وثورة إبراهيم بن المهدي العباسي!

وهذه أيضا ثلاثين حلقة جرى تصويرها في سبعة أيام، صحبت فيها الفريق المتميز لقناة "الرافدين" العراقية، والذين لقيت منهم انضباطا واحتراما وحفاوة فوق ما كان منهم من التميز الفني وحسن المتابعة، فالشكر لهم جميعا من المدير العام إلى المدير التنفيذي إلى فريق التصوير والمونتاج.

رابط البرنامج: https://cutt.ly/R5hDHIe


(3)

ثم تفضلت قناة التناصح مرة ثالثة فأعادت -في رمضان أيضا- عرض البرنامج الأخير الذي كان عندهم، هو برنامج "ويبقى الأثر - الموسم الثاني".. وفيه تناولنا مذكرات بعض الساسة والزعماء والأدباء، توقفا عابرا، نلتقط منها بعض المواقف المهمة التي تنير لنا بعض الإفادات التاريخية الثمينة، استفادة من خلاصات مسيرتهم الحافلة!

وسائر هذه الحلقات تجدونها على قناتي على يوتيوب ( youtube.com/melhamy ) أو على منصات هذه القنوات المشار إليها.

أكتب هذا المنشور اعترافا بفضل الله ومنته أولا.. ثم شكرا لكل من ساعد وبذل شيئا في إتمام هذه الأعمال، ومنهم من لا أعرفه ومن لا أستطيع أن أوفيه، ثم شكرا وامتنانا لكل من تابع ووفر من وقته ليستمع وينتفع، ولكل من نفعني بتعليق أو ملاحظة أو دعاء..

وأسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المتعاونين على الخير المجتمعين في طاعة الله، ثم في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته!

الاثنين، مايو 02، 2022

الرئيس التافه!

 

يبدو أن مسلسل #الاختيار3 لم يحقق هدفه المنشود، رغم ميزانيته التي تساوي ميزانية 10 مسلسلات!! فجاءت البرامج التلفازية لتدعمه بعد كل حلقة!! ثم المنصات الإخبارية!!

في مشهد يحدث في التاريخ لأول مرة على حد علمي.. مشهد عبثي من أوله إلى آخره، فنحن لسنا الآن إزاء "المنتصر الذي يكتب التاريخ" من خلال السياق الطبيعي والنفوذ الطبيعي في مؤسسات التعليم والإعلام والثقافة..

نحن الآن أمام حاكم عسكري يعلن أنه أمسك بقلم التاريخ ويكتبه.. ثم إنه يجبر الناس على تمثيله.. ثم يجبرهم على الاستماع إليه.. ثم يريد أن يجبرهم على تصديقه!!!

فبعد كل ما حدث، اصطنع #السيسي_عدو_الله احتفالا جديدا، وأتى بالذين جسّدوا هذا التاريخ -مجبرين بسيف المعز وذهبه- ليخطب فيهم مؤكدا أنهم قاموا بعمل عظيم ومهم ومؤثر وأمين!!!

إذا لم يكن هذا المجنون قد اتخذ قرارا بإعدام بعض قيادات الإخوان فهو الآن يمهد له بذلك، لكان في حقيقة الحال مجنونا بنفسه، بل ويستحق أن يوضع تحت أجهزة الفحص لفهم طبيعته النفسية المحمومة التي تصوّر له أن إطعام الناس للمعلومات بهذه الطريقة الفجة لا يأتي بالفائدة المطلوبة!!

كيف لرئيس دولة يحترم نفسه أن يجلس بنفسه ليصنع مسلسلا يتابع كتابته واختيار ممثليه ثم يمارس التأكيد على أهميته بنفسه!! وذلك في وقت تعاني فيه البلاد انهيارا شاملا، وتقف على شفير إعلان الإفلاس!!

هذا أمر يُحَقِّر من شأنه حتى بميزان المنطق الدولتي السلطوي الرسمي الذي يحرص دائما على بقاء صورة الدولة كيانا متساميا ورفيعا وفوق الصراعات.. ولهذا فإن مثل هذه المعارك تترك لصغار الصحافيين والإعلاميين "الشوارعية"، بينما يحتفظ المسؤولون في الدولة، فضلا عن رئيسها، بصورة كبير البلد، والشخصية الرسمية المحترفة التي لا تصدر عنها الصغائر ولا تتلوث بالدخول في المهاترات!!

ثم هذه الكلمة البائسة التي ألقاها في هذا الاحتفال، يؤكد فيها على صدق المسلسل وأمانته، يريد فيها أن يغير التاريخ الذي ما زلنا نعيشه، بل نحن ضحاياه.. وهو التاريخ الذي لم تعد السلطة منفردة بكتابته، بل تفيض به الصور والمرئيات والتسريبات التي تفضح كم كان خنوعا ذلولا خاشعا أمام مرسي، بل أمام وزرائه ومساعديه!!

إن ما يرويه شهود العيان عن تذلل السيسي لهم مدهش مثير، وهم لا زالوا أحياء، وشهادات كثير منهم منشورة من قبل هذا المسلسل!!

ذكرتني هذه الكلمة البائسة بموقف أبي جهل وحيي بن أخطب.. موقفان يعبران عن حقد نفسي عميق، يطلب تغيير التاريخ بل تغيير الكتب المقدسة لتوافق هواه (كتبت عن هذين الموقفين هنا: https://t.me/melhamy/1961 )

عبد الفتاح السيسي لم يعد منذ زمن طويل عدوا للإسلاميين وحدهم، وهو لم يكن أصلا عدوا للإسلاميين فحسب، هو منذ اللحظة الأولى عدو للشعب كله.. لأنه ابن العسكر الذين أذلوا هذا الشعب وقهروه وقتلوه وأفقروه.. وفي اللحظة التي استطاع فيها هذا الشعب أن يتنفس بعض الحرية، كان السيسي هو ممثل المنظومة المجرمة لإعادة الشعب مرة أخرى إلى حظيرة الذل والفقر!

لكنه الآن صار عدوا حتى للسلطويين الدولتية الذين يؤمنون بالدولة إلها من دون الله، ويحرصون على قداستها وقوتها وتفوقها وسطوتها.. هذا الرجل لا يستطيع الدولتي أن يدافع عنه وهو ينزل بمقام رئيس الدولة إلى المحلل الفني والناقد السينمائي، ويتحدث عن كلام جرى بينه وبين أسير لا يملك أن يرد عن نفسه.. رئيس دولة يقسم في الجلسة الواحدة عشر مرات كالذي يعرف في قرارة نفسه أنه مجرم مذنب مخطئ، ويعرف أيضا أن الناس لا تصدقه!!

السيسي في هذه اللحظة خطر على الدولة بمنطق الدولة نفسها، وميزان الدولة نفسها!!

نحن في لحظة عجيبة مدهشة! وما كان المرء يتوقع أن يصل الحال إلى هذا العار الذي تتناقل فيه مواقع الأخبار تصريحات متكررة لرئيس دولة عن مسلسل درامي!!!

ولا حول ولا قوة إلا بالله!

الثلاثاء، أبريل 19، 2022

فاتن أمل حربي، مأساة صنعتها الدولة والقانون


لئن تصفدت شياطين الجن في رمضان، فلقد انطلقت شياطين الإنس، يفتنون الناس عن دينهم..

 لقد اخذت هذه الأنظمة الحاكمة على عاتقها أن تُفسد على المسلمين دينهم ودنياهم، وجعلت جرعة الإفساد في شهر رمضان مكثفة، تعويضا عما ينقص هذا العالم من شرور الشياطين في هذا الشهر.. فنعم أولياء الشيطان حقا!

 وفي مصر، تولت السلطة إفساد أفكار الناس وتصوراتهم على سائر المستويات، فدفقات من الشهوات تقذف بها البرامج والمسلسلات والحفلات، ودفقات من الشبهات تقذف بها مسلسلات صنعتها السلطة على عينها.

 فإن كنت من أهل الاهتمام بالشأن العام فها قد جاءك الجزء الثالث من مسلسل الاختيار الذي بلغت ميزانيته أكثر من ميزانية عشر مسلسلات!!

 (ويجب أن تتذكر كلمات طبيب الفلاسفة: احنا فقرا أوي.. كده خربانة وكده خربانة.. قولوا لي اعمل ايه.. حد يقول لي اجيب فلوس منين.. يا رب احنا وضعنا صعب أوي... إلخ!)

 وهدف هذا المسلسل في نهاية الأمر أن يُقنعك أن ما أنت فيه من الفقر والقهر والذل والعبودية إنما هو نعيم الوطنية.. فأنت الآن تعيش في الإنجاز الكبير الذي صنعه عبد الفتاح السيسي الذي أنقذ مصر!!..

 وفي الواقع فليست الخطورة في هذه "الشهوة الوطنية" التي يوقظك فيها هذا المسلسل لتعيش مغفلا وتموت مغفلا وأنت تعتقد أن مؤسسات الدولة مؤسسات وطنية ملائكية محترفة.. لا لا.. ليس هذا هو الأخطر.. الأخطر حقا هو ما يتسرب إلى وعيك ويتكون في ضميرك من الوثنية، نعم.. وثنية "الدولة" وصنم "الوطن"!.. ستخرج من المسلسل وقد تشكل في ضميرك إله جديد تشرك به مع الله، وهو هذا الإله الذي اسمه الدولة أو الوطن..

 (إذا كان لديك وقت، وأحببت التعرف على هذا الوثن، فتجول هنا:

https://melhamy.blogspot.com/2014/06/blog-post_21.html

 https://melhamy.blogspot.com/2014/07/blog-post.html

 https://t.me/melhamy/5262)

 فإذا لم تكن من محبي السياسة، فلقد ادخرت لك السلطة مسلسلات أخرى، يقوم على كتابتها أمثال إبراهيم عيسى.. وبينما أنت تتابع قصة اجتماعية لامرأة مظلومة مهضومة، فما هو إلا أن تجد نفسك قد خرجت من المسلسل، وقد نفرت من المشايخ الجهلاء، والفقه الظالم، والدين المُخْتَرَع، وتسرب إلى ذهنك أن أبا هريرة والبخاري وابن تيمية والأزهر مسؤولون عن ضياع المرأة والأطفال في عصر الملاك البريئ عبد الفتاح السيسي!!

 وبدلا من أن تفكر في حل طبيعي منطقي لإنقاذ المرأة والأطفال في هذا الواقع المعاصر، إذا بالمسلسل يأخذك لتعديل دينك، وخوض معركة مع المحدثين والفقهاء والمشايخ، بل والصحابة والسنة، لتجد نفسك في مواجهة الدين، وفي مواجهة فقه يتمدد على طول أربعة عشر قرنا، وعلى عرض الديار الإسلامية من الصين حتى الأندلس!!

 في المشهد الشهير الذي ذاع وانتشر حول حضانة الأم لأطفالها، وهو المشهد البائس علميا وفنيا معا، كان الحوار فجًّا ومباشرا وقبيحا انتهى بقول الشيخ: هو ده اللي أنا حافظه، وبقول المرأة: ربنا أرحم من إنه يقول كده!!

 وقد شاهدت بعض الردود القوية عليه، ولن أكرر ما قالوه، فقد أفادوا وأجادوا، ويمكنك أن ترجع إليها هنا:

 رد الشيخ عبد الله رشدي | https://youtu.be/x2CWRRgbcSM

 رد الأستاذ معاذ عليان | https://youtu.be/zwV2HnPXDAQ

 رد الأستاذ حسام عبد العزيز | https://youtu.be/a8n8VtG8g4s

 رد الشيخ ياسر النجار | https://youtu.be/HOMTT4Q3q3U

 لكن أمرًا واحدًا لم يتطرق إليه أحد، اللهم إلا الشيخ ياسر النجار في التفاتة سريعة، أرى أنه في الغاية القصوى من الأهمية، وأحب أن ينتبه له سائر القارئين، وأن يدلي بدلوهم فيه سائر الرادّين على هذا المسلسل وأشباهه.

 ذلك هو أن مأساة المرأة والأطفال في واقعنا المعاصر، هي النتيجة المباشرة لتنحية الشريعة وإلغاء القضاء الشرعي، بل ولا مبالغة إذا قلنا أيضا بأنه من آثار تقنين الشريعة.

 باختصار شديد:

 القاضي في النظام الإسلامي له مساحة اجتهاد واسعة في النظر وفي القرار، وذلك كالتالي:

 1. القاضي لا يحكم بقانون أنتجته الدولة، بل يستمد أحكامه من كتب الفقه الإسلامي، وهذه الكتب أنتجها علماء المسلمين بغير تدخل من السلطة ولا تأثير فيها.

 2. لأن النصوص -مهما اتسعت- محدودة، فإن مساحة الاجتهاد أمام القاضي واسعة.. هذا ما وفَّره له الفقه الإسلامي نفسه.. فللقاضي أن يحكم في القضية المعروضة أمامه بما يناسبها من أقوال الفقهاء داخل مذهبه، أو حتى يحكم فيها بقول من مذهب آخر يرى أنه الأنسب في هذه الحالة.

 3. مسألة حضانة الطفل في كتب الفقه، مهما اتفق فيها العلماء أو اختلفوا، فالخط الثابت الواضح فيها أن المقصود من النقاش فيها هو: مصلحة الطفل نفسه. أو اختيار الطفل.. فقد يُحكم بالحضانة لأبيه أو لأمه أو لأم أمه أو لخالته أو لعمته.. على حسب ما تكون مصلحة الطفل واختياره.

 وتقدير مصلحة الطفل، ومشاهدة اختياره، أمرٌ يراه القاضي الذي ينظر في القضية.

 فتخيل معي الآن، أيهما أنفع للطفل: قاضٍ يختار من بين النصوص الفقهية الكثيرة القول الأنسب لحالة القضية التي أمامه، أم القاضي الذي نزل عليه من الدولة نصٌّ قانوني لا يستطيع أن يتعداه، فهو مُجبر على القضاء به حتى لو كان يرى بعينه أن الطفل سيضيع إذا أوكلت حضانته لأمه؟!

 4. القاضي المسلم في القضاء الشرعي كان شيخا، هو يرى في نفسه أنه مكلف بإقامة الدين في الناس، ومكلف بالتزام التقوى والأخلاق في نفسه، على هذا تربى ونشأ، وعلى هذا يحاسبه المجتمع! فالقاضي الشرعي يخدشه أنه لا يصلي الصبح حاضرا في جماعة، أو أنه يتفوه بالكلام الساقط، أو أنه يدخن، أو أنه يأتي عملا من خوارم المروءة.

 بينما القاضي المعاصر هو في أحسن الأحوال مستقيم اجتماعيا، كأن لا يكون ممن يرتشي أو ممن يظهر انحلاله الأخلاقي!

 والفارق هائل وضخم بين من يرى نفسه شيخا من ورثة الأنبياء والناس يتوقعون منه استقامة دينية فوق الاستقامة الاجتماعية.. وبين من أعلى أحواله الاستقامة الاجتماعية وحدها.

 مثلما أن الفارق ضخم بين من يرى نفسه مُكَلَّفا بالقضاء وفق ما يُرضي الله تعالى ويحقق مصلحة العباد، وبين من يرى نفسه مكلفا بإنفاذ القانون وإرضاء الدولة.. إنه الفارق بين عبد الله وعبد الدولة!

 فأما إن كان القاضي المعاصر في مصر المعاصرة، فنحن أمام نموذج آخر.. نحن أمام منظومة قضائية مبنية على الفساد والانحلال الأخلاقي، ومبنية على استبعاد العناصر الصالحة.. فالقضاء في مصر هو تركة يتوارثها الفاسدون، يدخلون إليها بالرشوة والمحسوبيات، ويشيع فيها تلقي الرشاوى والانحلال الأخلاقي، وهم يُفرزون فيصعدون ويُستبعدون بناء على تقييم السلطة لخضوعهم لها وتنفيذهم لرغباتها..

 القوانين التي تنظم عمل القضاة والمحاكم موضوعة أصلا لتحقيق هدف تطويع القضاء والقضاة للسلطة الحاكمة!

 وفي السنوات العشرين الأخيرة، فتحت السلطة بابا في القضاء يجعل ضابط أمن الدولة اليوم هو القاضي غدا!! وتأمل في حال منظومة قضائية يسودها عمالقة التعذيب والفساد والانخلاع من الدين!!

 5. والخلاصة التي أريد التركيز عليها عزيزي القارئ الصبور، الذي أشكره أن وصل معي إلى هذا السطر، أن مأساة المرأة والطفل في عصرنا هذا، هي فرع من مأساة ابتعادنا عن الدين وعن الشريعة، وهي فرع من مأساة إلغاء القضاء الشرعي وتقنين الشريعة.. ذلك التقنين الذي -هو في أحسن أحواله- نزع عن الشريعة إهابها الأخلاقي والروحي فأحالها نصوصا قانونية جامدة، يقوم على تنفيذها قضاة فاسدون مختلون، يعبدون القانون!

 فالمأساة المعاصرة هي الثمرة المباشرة للنظام العلماني لهذه الدولة الحديثة، وهذا النظام الطغياني الفرعوني المجرم.

 وإذا كان لديك وقت آخر.. فهذه بعض روابط عن الفارق بين الشريعة والقانون وعن تقنين الشريعة وعن ضعف العلماء:

 https://melhamy.blogspot.com/2011/10/blog-post.html

 https://youtu.be/K6VoJYEPWXc

 https://youtu.be/c4IRlQs9Pjw

 https://youtu.be/mkIHMWmTUMU 

الجمعة، نوفمبر 26، 2021

هل يمكن تفسير سلوك السيسي بالعقل؟!

 

من أظهر الأمور التي لا يمكن تفسيرها بالعقل في سلوك #السيسي هذا الاهتمام الشديد بأحجار الفراعنة، فحملات الترميم والمواكب الاحتفالية وبناء متحف ضخم للآثار المصرية، هو هدر سفيه غير معقول في بلد هش، لا تستطيع السلطة فيه الإنفاق على جهازها الإداري، وتلجأ لاختراع أنواع من الضرائب ومحاسبة الناس على بناء بيوتهم منذ عشرين سنة، ثم تتعكز الدولة -مؤخرا- على ودائع دولارية من حليفها السعودي.

هذا السفه الشديد، وغير المفيد، لا يمكن تفسيره بالعقل والمصلحة، بل يجب أن نبحث في علم النفس لتفسيره:

هل هو تعلق من السيسي بالفرعنة والطاغوتية والجبروت، فهو يحب أن يحيي تراث الفراعين الذين ضرب بهم المثل في القسوة والظلم وتسخير الشعب!

إن بناء الأهرامات الضخمة يظل دليلا قائما على قدرة الفرعون على تسخير الناس لأعوام طويلة لبناء قبر ضخم!! إنه شاهد على الظلم والطغيان الذي خيم على ذلك العصر!

أم يا ترى هو جزء من نفسيته المبغضة للإسلام؟!.. فهذا الرجل الذي لا يتورع ولا يتردد في هدم عشرات المساجد، هو نفسه الذي يقنن الكنائس المبنية المخالفة للقانون، وهو نفسه الذي يجدد -على نفقه الدولة- المعابد اليهودية التي لا يعرفها أحد ولا يزورها أحد.. فهل إحياؤه الوثنية الفرعونية هو جزء من هذا الخط؟!!

بالأمس توفي النائب البرلماني حمدي حسن، كان سجينا في سجن العقرب منذ 2014، ولم يره أهله منذ 5 سنوات!!

وهذا ليس حاله فحسب، بل هو حال كل النازلين في العقرب: الشيخ حازم أبو إسماعيل، د. محمد بديع، م. خيرت الشاطر، د. باسم عودة، د. محمد البلتاجي، د. سعد الكتاتني ... وآخرين!!

ومن اتفاق المناسبات أن عبد الله الحداد كان قد كتب مقالا عن أبيه السجين بالعقرب، يكشف فيه أنه صار عند كل رنة هاتف من والدته يتوقع سماع خبر وفاة أبيه.. وأبوه هو: د. عصام الحداد مستشار الرئيس الشهيد مرسي للعلاقات الخارجية!!

وهؤلاء كانوا نجوم المجتمع، ولهم علاقاتهم الواسعة بكثير من الدول والمنظمات، لطبيعة مكانتهم المرموقة.. هناك آخرون ينزل بهم كل هذا أو أشد، ولكن لا يعرف ذلك أحد، لأنه لا يهتم بهم أحد، طوابير أخرى في السجون العسكرية ومن المتهمين في قضايا "عنف" كما يسميها النظام!! وتلك قضايا يتهرب الجميع من ذكرها والدفاع عن أصحابها!

في مقال عبد الله يبدو واضحا أن سجن هؤلاء، والتعامل معهم على هذه الصورة لا يمكن تبريره بأي منطق عقلاني.. فهؤلاء السجناء من القيادات المحجوبة عن العالم كله وعن أهاليهم قد تقدم بهم العمر، ثم إنه قد تغيرت البيئة التي يمكن أن تمثل أي تهديد للنظام القائم، وبالتالي فالإفراج عنهم لن يمثل أي خطر أو ضرر على النظام القائم، لكنه يمثل إغلاقا لصفحة أليمة في تاريخ أهاليهم وأبنائهم.. بل ربما كان الإفراج عنهم مكسبا يوضع في صالح النظام.. فلماذا لا يفرج النظام عنهم؟

إذا أضفنا إلى ما قاله عبد الله الحداد، أن جماعة الإخوان، أعلنت (فعليا) استسلامها منذ زمن طويل، وقام المستسلمون منها بمحاربة من ذهبوا إلى المقاومة ورفع الغطاء عنهم، بل وتسليمهم في بعض الأحيان.. إذا كان ذلك كذلك، وهو أمر يعرفه النظام جيدا، فكيف يمكن تفسير هذا الأسلوب بالعقل؟!

السجون مليئة بالغرائب والعجائب، عدد لا يمكن إحصاؤه يُحاكم على "جرائم" حدثت وقت أن كان سجينا بالفعل، وهناك عدد غير معروف على وجه التحديد ممن سُجِنوا لأن قريبا لهم لم يستطع النظام اعتقاله، أبرزهم علا ابنة الشيخ القرضاوي وزوجها، وإخوة الإعلامي المعروف عبد الله الشريف، وهؤلاء عُرِفوا لأن ذويهم من المشاهير، بينما طابور طويل من الأقارب المسجونين لا يعرفهم أحد!!

هذا كله فضلا عن طرائف الأعمى المتهم بالتدريب على القنص، ومريض الأعصاب المتهم بمحاولة اقتحام قسم شرطة، والطفل الصغير المتهم بالاعتداء على مجموعة من رجال الأمن... إلخ!!

تلك الأمور كلها لا يمكن تفسيرها بمنطق مصلحة الدولة، ولا بتحليل عقلاني كما يتوهم بعض الناس أن الأمور تجري بالحساب والتدبير.. هذه أمور لا تفسر إلا بشهوة التجبر والطغيان التي تسكن نفوس المجرمين!!

هذا الذي وصفه ربنا تبارك وتعالى في كتابه فقال:

{كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة}

{إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم}

{قد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر}

{قال: ربي الذي يحيي ويميت، قال: أنا أحيي وأميت}

{آمنتم له قبل أن آذن لكم؟! ... فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف، ولأصلبنكم في جذوع النخل، ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى}

{يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري}

وهذه قصة فيها عبرة، كيف يشعر الفرعون بالطعنة الهائلة في جبروته ولو من امرأة واحدة!

https://melhamy.blogspot.com/2019/12/blog-post_5.html


الاثنين، أغسطس 23، 2021

درس طالبان: هل يكون الجمود حلا؟!

 يختلف الباحثون حول التوقيت الدقيق الذي تدخلت فيه أمريكا فمدَّت يد المساعدة للمجاهدين الأفغان ضد الاتحاد السوفيتي. 


لكن المؤكد أن هذه المساعدة لم تكن منذ البداية بل كانت بعدما تفاجأ العالم أن الإمبراطورية السوفيتية تتعثر في أفغانستان!! كان هذا مدهشا، ومن هنا فكّرت الأطراف السياسية في أن الدخول على خط هذه الحرب قد يسهم في هزيمة السوفيت.


لولا الصمود المرير والسنوات الطويلة التي صبرها الأفغان وحدهم، ما فكّر أحد في أن يراهن عليهم.


وهذه المساعدة الأمريكية تعرضت للفساد والسمسرة في أروقة الأنظمة المصرية والخليجية والباكستانية، وكانت لها قصة مريرة وحدها..


ومع هذا ترى كثيرا من المسلمين يُرجع السبب في نصر الأفغان وهزيمة الروس إلى الأمريكان وحدهم، كأنما لم يكن ثمة أفغان يحاربون ويصبرون ويلعقون الجراح ويكتمون الألم كالجبال!


وهؤلاء الناس تفاجؤوا أكثر فأكثر من النصر الحالي الذي حققته طالبان، فلئن صح أن لصواريخ ستنجر بعض النصيب في هزيمة السوفيت، فإن العالم الآن ليس فيه منافس لأمريكا وليس فيه مناصر لعدوها!!


لقد كان النصر أفغانيا خالصا.. وربما يصح القول "كان طالبانيا" خالصا، فإن قسما من الفصائل الأفغانية شاركت المحتل في جرائمه، وشكلت الحكومة العميلة التي وضعها فكان لها غطاء وسندا، وكانت له أداة وطليعة في قهر شعبها.


ولا يزال المرء يرى في كتابات هؤلاء وأقوالهم ما يعبر عن حيرتهم ومحنتهم.. لقد بلغت الهزيمة النفسية حدًّا لا يصدق فيها الواحد منهم أن المستضعف قد ينتصر.. كأنما لم يقرأ يوما قوله تعالى "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين".


كان بعض المشايخ والأصحاب في مصر، من الأزهريين يقولون: "سر قوة الأزهر في جموده".. ويستخدمون هذا اللفظ "الجمود" عامدين، يقصدون بذلك أن الضعف والهزيمة يبدأ من التشكك في التراث وفقدان الثقة فيه، وقلما جاء متشكك بنصر!


وفي كلامهم هذا وجاهة، ولولا أن المقام هنا ليس مقام تفصيل فيه، لرأيتني أجادل عن هذا الرأي حتى كأنني أتبناه.. ولكن المقصود هنا أن نموذج طالبان يمثل دليلا لصحة هذه المقولة.


طالبان -التي يحاول الجميع التأكيد على أنها تغيرت- يظهر لنا تباعا أن قياداتها لهم مؤلفات دينية في الفقه والأصول، يبدو من عناوين هذه الكتب وطبيعتها أنها من تلك التي تُوصَف بأنها "جامدة"..


أي أن القوم لا زالوا يشربون من المعين القديم! المعين الذي لم تكدره الحداثة! الحداثة التي دخلت على أفكار الإسلاميين العرب فأصابت منهم شطرا عظيما، حتى صار بعضهم الآن يعبد الدولة من دون الله! ويجاهد في سبيل الديمقراطية لا في سبيل الشريعة!


وبعض المقاطع المرئية التي خرجت عن بعض عناصر طالبان وقياداتهم الوسيطة تكشف عن هذا.. سُئل أحدهم هل ستسمحون بانتخابات سياسية تترشح فيها المرأة لرئاسة الجمهورية.. فلم يملك نفسه من الضحك وأوقف التسجيل!!


موقف يخبرك عن أن الرجل يحتفظ بالعزة الأولى والأفكار الأولى، حتى إن السؤال الحداثي يثير ضحكه!!


هذا السؤال الحداثي في عالمنا العربي أنتج الإسلاميون فيه تلالا من الكتب والأبحاث والدراسات، وسالت فيها بحار ومحيطات من التصريحات والحوارات، ووقف فيه الإسلاميون في قفص المحاكمة الفكرية ولطالما هتفوا أنهم يوافقون على هذا باعتباره من حقوق المرأة، بل باعتباره من دلائل انفتاحهم.


لست هنا بوارد المناقشة الفكرية للرأي الفقهي.. إنما أتحدث عن فارق النفسية التي يصدر عنها الطرفان!!


يخبرني أحد الأصدقاء أن متحدثا آخر لطالبان سُئل: ما رأيكم في الديمقراطية؟ فقال ببساطة: ما معنى الديمقراطية؟ فقالت له المذيعة: معناه أن يحكم الشعب نفسه بنفسه. فقال بنفس البساطة: نحن أصلا نريد أن يحكم الشعب نفسه بنفسه!!


يبدو المشهد عبثيا، وكأنه حوار طرشان.. لا يفهم المسؤول حقيقة سؤال السائل.. وهذا عين ما أعنيه من أن القوم لم يتلطخوا بالحداثة بعد.. ولو صحَّ أن الرجل يفهم حقيقة السؤال واختار أن يجيب بهذه الإجابات فهو عندي أعزّ منه إن كان لم يفهم، فهو إذ ذاك يركل الأسس الحداثية للفسلفة السياسية دون أن تطرف له عين!!


بينما مثل هذا السؤال قد أجيب عنه بما لا يُحصى في عالمنا العربي.. ومع ذلك لم يغفر النظام الدولي لأحد ممن أثبتوا انفتاحهم على أفكاره بل وأثبتوا قدرتهم على تطويع الإسلام لها!


إن الانقلاب على الغنوشي في نفس الوقت الذي تنتصر فيه طالبان هو حكمة ربانية عظيمة غامرة.. إن المقارنة تفرض نفسها فرضا على كل متابع في هذه اللحظة!


ما أحسب العالم الإسلامي يمكن أن يخرج رجلا أكثر تنازلا من الغنوشي.. أصلا نحن إذا سألنا ماذا كان بوسع الغنوشي أن يفعل أكثر مما فعل ليرضوا عنه، لما عرفنا الجواب.


تثبت طالبان أن ممارسة التفاوض والسياسة والحرب لا تستلزم أبدا تقديم تنازلات فكرية أو شرعية.. ربما يمكن تقديم تنازلات سياسية لتحقيق مصلحة أعلى أو درء مفسدة أشد.. وهذا التنازل نفسه إنما يوزن بحقائق الأمور وموازين القوى.. هذه الحقائق وتلك الموازين يكون حسابها وتقديرها عند المعتز بنفسه مختلفا تماما عن حسابها عند المنهزم نفسيا!


يقول أحدهم -نسيت اسمه الآن- إن طالبان انتصرت لأنه ليس لديهم تلفاز، فلم يتكون عندهم الرعب من أبطال الأفلام الأمريكية.


فلئن كان هذا صحيحا.. فلكم نحن بحاجة إلى بذل مجهود ضخم ضخم ضخم في تنقية ما تشربته نفوسنا من الصور والأفكار والمشاعر التي ضخَّمت في نفوسنا هذا العالم الغربي وقائدته أمريكا.


ترى من أين نبدأ؟!


فكروا معنا في هذا السؤال عبر التعليقات.

السبت، أغسطس 21، 2021

عبادة الأصنام المكسورة

قالوا: السعيد من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ بنفسه

يريدون بذلك أن العاقل يرى ما يحدث لغيره فيفهم ويتعظ ويهتدي، وأما غير العاقل فلا يفهم العظة والعبرة إلا إذا وقع في المصيبة، فيتعظ بنفسه!

وقد وصف النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- المؤمن بأنه "لا يُلدغ من جحر مرتين".. فعرفنا بذلك أن الذي يُلدغ من الجحر الواحد مرتين لا يستقيم له وصف الإيمان.

إلا أن صنفا ثالثا من الناس حدثنا عنه القرآن الكريم.. هو أعجب من الصنفين السابقيْن.. إنه صنف لا يتعظ أبدا.. وهذا الصنف لا يستيقظ إلا في الآخرة.. في العذاب الأليم!

قال تعالى (إن الذين حقّت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم)

هناك في العذاب ستذهب السكرة والغفلة والعناد والإصرار، ثم تأتي الحسرات وترتفع النداءات:

نداء يطلب الموت: (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك، قال: إنكم ماكثون)

ونداء يطلب العودة إلى الدنيا وإعطاء فرصة أخرى: (ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين * ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون)

إلا أن الله سبحانه وتعالى ذكر لنا سرًّا خطيرا عن هؤلاء، سرٌّ مُحَيِّر ومثير للدهشة.. ذكر أن هؤلاء إذا عادوا إلى الدنيا مرة أخرى فسيفعلون نفس ما فعلوا ولن يتعظوا أبدا.. لن يتعظوا حتى بأنفسهم

(ولو ترى إذ وُقِفوا على النار فقالوا: يا ليتنا نُردُّ ولا نكذّب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين * بل بدا لهم ما كانوا يُخفون من قبل، ولو رُدُّوا لعادوا لما نُهُوا عنه، وإنهم لكاذبون)

يستحق المرء منا أن يتسمّر أمام هذه الآية بالساعات ليحاول تأملها وفهم هذه النفسية التي إذا أخرجت من النار عادت لما كانت عليه.. فحتى دخول النار لم يكن لها واعظا.. إنه أمر صاعق حقا.. يستحق أن يجعل كل واحد فينا يقف متأملا في نفسه ومفتشا فيها متسائلا ما إن كانت نفسه تنطوي على تلك البذرة الخبيثة التي تجعله غير قابل للاتعاظ ولا للتعلم مهما كانت الدلائل بل مهما كانت التجارب!!

وقد ضرب الله لنا مثلا واقعيا على هذا الصنف في قصة سيدنا إبراهيم.. ذلك أن قوم إبراهيم عادوا من حفلتهم فوجدوا آلهتهم كلها مكسورة إلا كبير الآلهة لا يزال منصوبا وقد تعلق في رقبته الفأس!!

وبتلقائية عجيبة بحثوا عن الفاعل!! وبدؤوا عملية التحقيق وتحديد المشتبه فيهم، فتوصلوا إلى إبراهيم.. فذلك هو الذي صدرت عنه تصريحات سيئة في حق الآلهة!

لقد بحثوا عن الفاعل دون أن يتوقفوا لينظروا في حال تلك الآلهة التي تحطمت حتى دون أن تقاوم.. ولا إلى هذا الإله الكبير الذي ظل متفرجا ثم حاملا لسلاح "الجريمة"!!

لقد انصرفت عقولهم عن الأسئلة المنطقية التي يجب أن تكون في تلك اللحظة أسئلة حاضرة وحارقة وخارقة: ماذا فعلت تلك الآلهة لنفسها أمام من أرادها بسوء؟!

المهم، ذهبت دورية عسكرية وأحضرت إبراهيم، ووقف أمامهم فسألوه: (أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟!)

لا يستطيع المرء أن يكتم ضحكته أمام هذه العبارة المتناقضة، "فعلت هذا بآلهتنا".. من الذي يفعل بمن؟ الآلهة أم العبيد؟!!

المهم أن إبراهيم -عليه السلام- ضغط على الجانب الذي يخفونه ويتهربون منه، (قال: بل فعله كبيرهم هذا، فاسألوهم إن كانوا ينطقون)

ويبدو المشهد ساخرا تماما.. أبسط مبادئ المنطق أن هذا الإله الكبير الذي لم يتحطم، والذي يحمل سلاح الجريمة، هو الذي كسَّر بقية هذه الآلهة.. أو على الأقل: هو شاهد عيان على الجريمة.. فهو أولى الناس أن يكشف عما حصل!!

ومع أن الأمر يبدو منطقيا تماما، إلا أنه كان بالنسبة لهم كالمفاجأة المدوية، وهي المفاجأة التي أيقظت بعض أسلاك العقل (فرجعوا إلى أنفسهم، فقالوا: إنكم أنتم الظالمون).

ما الذي يحملنا على القبض على الفتى، إن كان بالإمكان سؤال شاهد العيان هذا، والذي يحمل سلاح الجريمة!!

لكن هذه الاستفاقة لم تلبث إلا لحظات، ثم انقضت عليهم شهواتهم وتقاليدهم وعاداتهم وتعلقهم بآلهتهم (ثم نُكِسوا على رؤوسهم: لقد علمتَ ما هؤلاء ينطقون).

فزاد إبراهيم -عليه السلام- في ضغطه وفضحه لحقيقة آلهتهم الهشة، ولحقيقة خرافاتهم التي يتعلقون بها (أُفٍّ لكم، ولما تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون؟!)

ثم صدر قرار القضاء الشامخ: (قالوا: حرِّقوه، وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين)

هكذا حَكَموا على إبراهيم لا بالحرق، بل بالتحريق (المبالغة في الإحراق).. وذلك أنهم يريدون الانتصار لآلهتهم!!

الانتصار.. للآلهة المكسورة..

وهكذا ترى -عزيزي القارئ- كيف أن بعض الناس لا يتعظ أبدا.. فالآلهة التي تحطمت وتكسرت وانهارت.. وثبت بالدليل أنها لا تملك أن تدفع عن نفسها شيئا، بل ولا تملك أن تُخبر عما فُعِل بها.. هذه الآلهة، وجدت من يدافع عنها حتى بعد أن تكسرت وانهارت!

ترى، هل لا يزال بعضنا يعتنق أصناما مكسورة؟!

إن إغلاق العين والقلب عن الآيات البينات، وعن التجارب والوقائع، والإصرار على عدم التعلم منها هو عكوف عند الأصنام.. بل عند الأصنام المكسورة!!

إن الله يقيم حجته على عباده، وما من إنسان في هذه الحياة إلا وتضخ له الأيام من الأحداث ما تقوم له به العظة والعبرة.

ولكن كثيرا من الناس يُعَطِّلون حواسهم: سمعهم وبصرهم وفؤادهم.. يغلقونها على ما اعتادوا عليه.. فيهم شبه من الذين قالوا (بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) حتى لو كان الذي جاءهم (أهدى مما وجدتم عليه آباءكم).

فتش عن صنمك المكسور..


السبت، يوليو 24، 2021

عن كتاب "نقد التقليد الكنسي"

لست باحثا في مجال الأديان، ولا أنوي أن أكون، ولم أعرف بكتاب "نقد التقليد الكنسي" إلا من خلال التحريض الكنسي عليه، وهو التحريض الذي استجاب له السيسي فصدر الأمر بمصادرة الكتاب!

وأول ما سمعتُه عن الكتاب كان هو هذا التحريض الكنسي لأحد آباء الكنيسة المصرية "أغاثون، أسقف المنيا" واستفزني منه عبارتان على وجه التحديد، وهما:

1. قوله: أن هذا الكتاب لا يمكن أن يكتبه مسلم، لأنه لا يمكن للمسلم أن يحيط بهذه التفاصيل!

2. قوله: هذا الكتاب جعل الكنيسة المصرية صفرا وهدم كل ما قامت عليه!

ثم هدد بأن بقاء الكتاب قد يشعل فتنة طائفية، ولأن السيسي يمكن أن يفرط في أي شئ إلا في بقاء الكنيسة قوة في ظهره فقد استجاب سريعا

وهكذا ترى عزيزي المسلم في مصر أن الكتب التي تسب الإسلام تُطبع طباعة فاخرة، بما في ذلك كتب التنصير التي تطبعها الكنيسة نفسها، وكتب الإلحاد، بل إنك لتجد كبار العلمانيين والملحدين والمشككين في القرآن والسنة والصحابة أصحاب برامج على القنوات المصرية.. بينما باحث مسلم يتخوف من مصادرة كتابه إذا كتب في نقد المسيحية، دين الأقلية التي لا تتجاوز 5%.

بالمناسبة: من الضروري يا أيها القارئ أن تتذكر جيدا أن كاتب هذا الكتاب ليس سلفيا وهابيا، وليس إخوانيا معارضا، إنه أزهري.. نعم، كما تقرأ الآن، أزهري ينتسب إلى الأزهر الشريف.. هذا الأزهر الذي لطالما استعملته السلطة كغطاء لها في حرب الإسلام، فألبسته ثياب الاعتدال والوسطية كأنهما حكر عليه ولا يخرجان عنه!!

فكاتب الكتاب أزهري، وممن قدَّموا له أستاذ بالأزهر..

ولكن، لا قيمة للأزهر -قلعة الوسطية والاعتدال والاستنارة- إذا غضبت الكنيسة، فليُصادر الكتاب ولو كان كاتبه أزهريا، ولو كان الذي يزكيه من أساتذة الأزهر!!

قصة الأقباط في مصر قصة طويلة ومريرة ولا يتسع لها المقام، إنهم حقا أسعد أقلية في العالم.. ومن رأى منكم دولة تُصادَر فيها الكتب العلمية لأنها تغضب الأقلية، فليخبرنا مشكورا مأجورا.

لنعد إلى غرض هذا المنشور.. وغرضه أني قرأت من الكتاب مائة صفحة، وهي حوالي ربع الكتاب.. وهو غاية ما أستطيعه في ظل انشغالي بأمور أخرى، ولولا استفزاز هذا الكاهن ما تحمست لقراءته!

ولقد كنتُ منتبها في قراءته لأمريْن؛ أولهما: لغة الكاتب وهل يمكن أن يتطرق الشك لكون الكاتب ليس هو نفسه؟ وثانيهما: هل يمكن أن يبلغ كتاب من الخطورة بحيث يكون تهديدا وهدما لكل الكنيسة المصرية؟!

فأما لغة الكتاب فلا شك عندي في أن صاحب الكتاب هو صاحبها، فللأزهريين لغة معروفة، فيها مسحة أصيلة من علم الكلام الذي يدرسونه، وطريقة صياغاتهم في التعبير عن المعاني لا تزال واضحة.. وهي تفارق -بوضوح- طريقة الباحثين من غير الأزهريين ممن تخرجوا في الجامعات المدنية! وهذا أمر لا أستطيع التعبير عنه، ولكنه أمر يتذوقه بسهولة من يمارس الكتب والبحوث!

ثم إن المؤلف كان حريصا على اللغة العلمية الهادئة، فلم ينجرف إلى السخرية والاستهزاء، مع أن بعض المواطن تشد القارئ شدًّا لكتابة تعليق ساخر.. بل كان الرجل من الحساسية بحيث أنه لما نقل نقلا عن الأستاذ علي الريس تحفظ على كلمة ساخرة قالها علي الريس في الحاشية!!!

ومع أصالة لغة المؤلف التي تظهر فيها طريقته الأزهرية، فإن المؤلف قليلا بل نادرا ما تكلم.. إن الكتاب هو حشد من الاقتباسات، ومن المراجع الكنسية المعتمدة، وما فعل هو إلا أن ربط بينها بعبارة أو بعض عبارة!!

وأما أن الكتاب يهدم الكنيسة -كما قال أغاثون- فأمرٌ يكاد يكون صحيحا.. وإنما أقول "يكاد" لأني لست من أهل هذا المجال وأتحفظ أن أدخل فيما ليس لي به علم!!

ولكنني مع كل صفحة من الكتاب أزداد اندهاشا..

إن النقد العلماني والاستشراقي المتوجه لعلم الحديث النبوي الشريف، قد أجبرنا أن نخوض بعض الحوارات في شأن الحديث وطريقة روايته وأسانيده وعلله.. وفي كل مرة كان يثبت بغير شك أن علم الحديث بناء شامخ صلب متين، وأن نقد العلماء المسلمين للمرويات وطرائقهم في تصحيح الحديث وتنقيحه هي غاية ما يمكن أن يصل إليه عقل بشر أو مجهودهم.. وأبسط دليل على هذا هو أننا لو عاملنا الأخبار التاريخية بمنهج المحدثين لانهار التاريخ كله ولم تصح منه رواية واحدة!!!

ولذلك لا يمكن كتابة أي تاريخ وفقا لمنهج المحدثين.. بل إنني أحيانا يداخلني الغيظ من هذا التشدد الحديثي!!

عندما قرأت كتاب "نقد التقليد الكنسي" كنت أهتف من أعماق قلبي: أين العلمانيون والمستشرقون من هذا؟!.. أين هم من هذه المعلومات المتناثرة التي لا يصلح لها حتى أن توصف بالروايات المهلهلة.. إن أصول الدين نفسها معرضة للنقد بسهولة، فصاحب الإنجيل لا يُعرف من هو على وجه التحديد، ولا يعرف تاريخ مولده ولا وفاته على وجه التحديد، ولا يعرف هل زار مصر أم لا، ولا يعرف هل هو من الرسل السبعين ليسوع أم لا.. وكل المعروف عنه معلومتان أو ثلاثة، ثم بُنِي حولهما بناء ضخم.. مع الأخذ في الاعتبار أنه لا يمكن الجزم بأن هاتين المعلومتين يخصان مرقص كاتب الإنجيل، فربما كانتا عن مرقص آخر!!

إن الكتاب يصيب بالدوار حقا..

ومن الغريب أن الكاتب لا يتكلم من تلقاء نفسه، بل يحشد المقولات المسيحية من المراجع المعتمدة المشهورة التي تؤخذ منها أصالة هذه المعلومات.. وبعض هذه المراجع التي أخذ منها هي المراجع التي توصي الكنيسة بقراءتها!!

وبعض النقاشات والأقوال هي لرؤوس الكنيسة الذين تولوا كرسي البطريركية مثل الراحل شنودة!

إن الكتاب يضع المسيحي في محنة حقا.. ولكن الأهم من هذا أنه دليل جديد يُرسِّخ في وعي المسلم أن كبار أهل الكتاب وعلماءهم يعرفون مقدار ما هم عليه من الباطل، ويدركون هشاشة ما يستندون عليه من الأدلة، فما هي إلا ظنون أو أوهام!

على العلماني أو المستشرق أو التنصيري الذي يأتي ليجادل المسلمين في علم الحديث وتدقيقهم في المصادر، أن يأخذ جولة عند النصارى إن كان يهمه بالفعل طلب الحق والوصول إلى الحقيقة.. أما أن يترك الخشبة التي في عينيه ويأتي ليبصر الذي يظنه قذى عندنا فهو دليل على أن طلب الحق هو آخر ما يريد!!


الأحد، يونيو 20، 2021

هل السيسي حريص على الأزهر حقا؟!

 المسألة لا هي مسألة أزهر ولا مسألة تخصص، وإنما حقيقة الأمر أن السلطة تريد دينا على هواها ومزاجها


فالسلطة نفسها أعدمت 9 من شباب الأزهر بتهمة اغتيال النائب العام، وسلطت إعلامها على شيخ الأزهر نفسه لأنه "تعب السيسي" -قليلا-.. والدولة نفسها تسلط كلابها على عبد الله رشدي وتمنعه من الخطابة وهو أزهري!


ومن الجدير بالذكر أن الدولة تغضب على فكر عبد الله عزام وعمر عبد الرحمن -بل ومحمد حسان- والثلاثة حصلوا على الدكتوراة من الأزهر!!


وفي المقابل تفتح الدولة إعلامها وصحافتها لإبراهيم عيسى وخالد منتصر وإسلام البحيري وطابور طويل ممن لم يعرفوا الأزهر وهم يتكلمون في الإسلام كما شاءوا.. بل ويتسلط هؤلاء على أشهر رمز أزهري في مصر، وهو الشيخ الشعراوي، وكل هذا على قلب الدولة "زي العسل"!!


جدير بالذكر أن الأزهر حافل بالإخوان وبالسلفيين، أي أنه لا يمكن إيجاد خط فاصل أبدا بين الأزهري من جهة وبين الإخواني أو السلفي من جهة أخرى.. بل إن أشهر رمز أزهري مستقل في هذا العصر هو فقيه الإخوان المسلمين، وهو القرضاوي.. وثاني أشهر شيخ مصري في علم الحديث عند السلفيين أزهري وهو الشيخ مازن السرساوي.


المعادلة ببساطة: هل تقدم دينا يجعل السيسي إلها من دون الله، ويجعل رغباته شريعة دون الإسلام؟


إذا كنتَ هذا فأنت شيخ أزهري وسطي معتدل تحارب التطرف والإرهاب.. فإن لم تكن أزهريا فأنت أيضا مفكر وسطي معتدل تحارب الإرهاب ولن يسألك أحد عن التخصص!!


أما إن كنت غير هذا، فأنت متطرف.. أزهريا أو غير أزهري!!!


بل لئن كنتَ أزهريا، واستسلمت لحكم السيسي واعترفت به، ولكنك تحتفظ لنفسك ببعض الوقار والتحفظ  ولو في قضايا المرأة والأحوال الشخصية، فأنت كذلك في مرمى سهام الدولة، سواء كنتَ أحمد الطيب أو عبد الله رشدي.. فالدولة لا تبحث عن صحيح الإسلام.. الدولة تبحث عمن يُعبِّد الناس لها من دون الله!!


وأما الأزهر، فلا يختلف أحد على أنه كان قلعة الإسلام والمسلمين قرونا طويلة، حتى نزلت به نازلة الدولة العلمانية الحديثة منذ الجبار الطاغية محمد علي باشا، ولم يزل ينحدر وينحدر حتى وصل إلى بؤسه الحاضر.. ولن تجد عاقلا من المسلمين -سلفيا أو غير سلفي- إلا وهو يتمنى نهضة الأزهر واستقلاله وأن يعود إلى استئناف دوره التاريخي الحضاري من جديد.


وتراث الأزهر حافل زاخر بمواقف الأئمة والمشايخ ضد ظلم السلطة وإجرامها، وفتاوى الأزهر حافلة بما لو أعيد بعثه وبثه ونشره لكان فيها ما هو بميزان "الدولة" أشد تطرفا مما تجد عن السلفيين!!


يجب أن نعي شيئا مهما.. الشيء الذي تسميه الدولة "تطرفا وإرهابا" هو في الحقيقة مما اتفق عليه المسلمون أنه من الدين.. وهي الأمور التي يمكن لأي باحث أن يأتيك فيها بفتاوى من الأزهريين والسلفيين وعلماء الهند والمغرب، على اختلاف اتجاهاتهم من سلفية وأشعرية وصوفية وعلى اختلاف مذاهبهم الفقهية.


نحن الآن في عصر يستهدف صميم الدين، ولهذا فصميم الدين هذا هو ما يسمونه تطرفا وإرهابا.. لكنهم يضربون بعض الاتجاهات ببعض.. فتحت عنوان الأزهر يضرب السيسي الإخوان والسلفيين، ولو لم يوجد الأزهر لالتمس له عنوانا آخر.. وانظر إلى السعودية والإمارات والأردن والمغرب.. كلهم يضربون خصومهم باتخاذ عناوين الاعتدال وصحيح الدين والمنهج الأشعري والمذهب المالكي و... و... و... إلخ!!


ولست تجد فيهم واحدا يلتزم في نفسه وأهله وماله وتسيير الحكم في بلده لا بمذهب ولا بمعتقد، اللهم إلا مذهب الرئيس الأمريكي والحكومة الإسرائيلية!

الخميس، يونيو 17، 2021

موقف الشيخ محمد حسين يعقوب في المحاكمة أقرب إلى العزيمة

كان الشيخ #محمد_حسين_يعقوب حديث الليلة الماضية في مصر المحبوسة المخروسة، وذلك أن محكمة مصرية استدعته كشاهد نفي في قضية لا علاقة له بها، والواقع أنها أقامت له محكمة تفيش.. فلم يُسأَل عن متهم يعرفه، ولا سُئِل عن واقعة بعينها.


وأدنى من له علم بالاتجاهات الإسلامية يعرف أن اتجاه الشيخ محمد حسين يعقوب "السلفية العلمية" لا علاقة له بالفكر الجهادي ولا بداعش ولا بقاعدة، بل بينهما ما صنع الحداد.. ثم إن يعقوب تحديدا من بين الذين ركزوا على أبواب التزكية والتربية ولم يكن يخوض في أمور الدولة والسياسة.

 

كان الهدف، من خلال قراءة أسئلة القاضي، أن يعترف يعقوب بأن الفكر السلفي هو أساس فكر القاعدة وداعش، وأن الدعاة السلفيين حين يدعون إلى الله ويذكرون الناس به، فإنما يُفَرِّخون العناصر التي تنتهي إلى مقاومة "الدولة المصرية" أو مجاهدة الأمريكان والروس وغيرهم من المحتلين.

 

الطريف في هذه الجلسة أنها كانت بين طرفين: القاضي والشيخ.. وكان الوضع الطبيعي المنطقي أن يشتعل بعدها نقد عنيف لهذا القاضي الغبي الجاهل الذي يجهل مبادئ الموضوع الذي يقضي فيه، والذي صدرت عنه طرائف وعجائب وغرائب تدل على أنه مبتدئ في هذا الموضوع كله.. حتى إنه لا يستطيع أن ينطق اسم ابن عثيمين نطقا صحيحا..

 

ولكن عورة القاضي ظلت مستورة لأن الحملة الإعلامية برعاية الدولة، بينما انطلقت موجة الهجوم على الشيخ لأن هذا ما تريده الدولة وما يريده إعلامها.. وانساق خلف هذه الموجة كثيرٌ من العلمانيين والسيساوية -وهؤلاء مجرمون بطبعهم- ثم تبعهم آخرون لحسابات حزبية "جماعاتية"، بينما أشهد أن إجابات الشيخ يعقوب كانت أفضل بكثير من المتوقع، وسآتي لذلك فيما بعد.

 

لكني لا أريد أن أُفوت فرصة الحديث عن هذا القاضي الجاهل الغبي الذي يتحكم بأرواح الناس وأعمارهم، فيحكم بالإعدام وبالسجن على من لم يفهم شيئا من دوافعه ولم يعرف شيئا عن موضوعه.

 

فالقاضي لم يفهم أن كتاب ابن تيمية "مجموع الفتاوى" من سبعة وثلاثين مجلدا، كان يظنه كتابا واحدا، وظن حين سمع رقم 37 أنها مؤلفات ابن تيمية!! ثم إنه من فداحة جهله نقل عبارة قالها المتهم في التحقيقات ونسبها لابن تيمية، فكأنما صار ابن تيمية يكفر الدولة المصرية ورجال الجيش والشرطة ويحرض عليهم.. ولما اندهش الشيخ يعقوب وكرر عليه السؤال والاستفسار "ابن تيمية قال كده؟!" ظل القاضي الغبي مصرًّا على أنه قول ابن تيمية في مجموع الفتاوى.. وأخيرا قال يعقوب "أجزم أن هذا ليس كلام ابن تيمية"!!

 

القاضي الطريف أيضا يسأل يعقوب: ما حكم هدم المساجد والكنائس والأضرحة؟.. هكذا سؤالا واحدا كأنما حكم هدم المساجد كهدم الكنائس كهدم الأضرحة!! ويريد إجابة واحدة وسريعة وقاطعة!!

 

وحين قال له الشيخ يعقوب: أنا أكلم العوام بينما غيري يكلم الملتزمين وطلبة العلم، يقول له القاضي: ألم تخاطب مرة الشباب والنساء؟ (كأن الشباب والنساء شيء والعوام شيء آخر؟!!)

 

القاضي يسأل يعقوب عن شروط العالِم؟ ولا يفهم الفارق بين العالِم والمجتهد.. ولا يفهم كذلك الفارق بين أن يكون عالِما بكتاب الله وأن يكون حافظا لكتاب الله!!

 

يسأل القاضي أيضا عما هو "الفكر السلفي التكفيري"، ويزعم أن المتهم قال أنه تنقل من التدين العادي إلى الفكر السلفي إلى الفكر السلفي التكفيري.. يا أيها القاضي الأحمق، أخبر ضابط أمن الدولة الذي كتب هذا النص أنه لا يوجد أحد حتى من الجماعات التكفيرية يرى نفسه تكفيريا!!!

 

يسأل القاضي أيضا: ما حكم قتل رجال الجيش والشرطة؟ فيقول الشيخ يعقوب: قتل المسلم حرام.. فيقول القاضي: لا أسأل عن قتل المسلم، أسأل عن قتل الجيش والشرطة!!

 

لا أدري، هل يحسب هذا القاضي أن للجيش والشرطة فقه خاص بهم، مثلما لهم بنود خاصة ومميزات خاصة في قانونه الوضعي؟!! أم أنه يشهد عليهم أنهم غير مسلمين؟!!

 

لا يفهم القاضي معنى "باء بها أحدهما".. ولما فهم معناها يريد أن يُنْزِل على القائل حُكْم المرتد.. وبهذا فطالما قال إنسان لآخر أنت كافر فلا بد أن يُقتل أحدهما!!!.. ثم إنه لا يعرف وسيلة لتنفيذ القتل غير الإعدام؟!! ودخلته العصبية وهو يقول لكاتب الجلسة: "أنت تعطلني عن نقاش الشيخ، أنا أريد أن أبارزه وأناظره".. فهل هذا قاضي أم خصم؟!

 

يكون الإنسان في محنة حين يتسلط عليه جاهل كهذا، لا هو يحسن السؤال ولا هو يحسن الفهم، ثم إن له سلطة نافذة يأمر بها وينهى، ويتحكم بها ويقضي.. ولذلك استعاذ رسول الله من حكم "سفهاء الأحلام".

 

نأتي بعد ذلك لإجابات الشيخ يعقوب..

 

ولكي أريح القارئ المتصيد الذي يحب الصراحة، وأيضا للمخبرين الذين ينسخون الكلام ويكتبون التقارير، أقول: الشيخ يعقوب يمثل اتجاها علميا دعويا، وهذا الاتجاه حسنته الكبرى في أنه يعرف الناس بالدين ويذكرهم بالله ويهديهم إلى طريقه. ولكن سيئته الكبرى أنه يتوقف بهم عند كون الدين عبادة وتزكية وصدقة ودعوة.. وقد يُفضي به هذا التوقف ليكون طعنة في ظهور العاملين واتجاها توظفه أجهزة الأمن ضد من يُفَعِّلون الإسلام في أبواب السياسة والاقتصاد والاجتماع والمقاومة.. وهذا التوقف عند أبواب التزكية والدعوة يعزل أهل هذا الاتجاه عن متابعة الحياة فإذا هم أقل الناس فهما لطبيعة الصراع وتطوراته وطبيعة ما يُراد بالأمة وطبيعة الأفكار التي تغزوها والنوازل التي تنزل بها.

 

لذلك كثيرا ما تشتعل معركة فلا يساهمون فيها، يحسبون أنها لا تعنيهم ولن تؤثر عليهم نتائجها.. أو تلوح لهم فرصة فلا يستثمرونها ويظنون أنها لا تفتح لهم أبوابا عظيمة.. وكثيرا ما يُخدعون، ومنهم من يطول به الخداع دهورا، لا سيما إذا لبس الحاكم ثوب الدين كما هو الحال في السعودية.

 

ولقد كان يجب على هؤلاء أن تكون لهم وقفة ضخمة، بل معركة صفرية مع الانقلاب، لكنهم لم يشعروا أبدا أنها معركة حياة أو موت، وأن مصيرها قد يصيبهم.. وتلك الغفلة هي التي تسببت في شلل قطاعات كبيرة من الأمة كانت لتتحرك خلفهم لو تحركوا.

 

لا يمكن أن يقارن هؤلاء ببرهامي وأتباعه، ولا بالمداخلة، ولا بشيوخ السلطان كخالد الجندي وعلي جمعة وأسامة الأزهري وسعد الهلالي وأحمد الطيب

)وهنا أتوقف لأقول: لا أدري كيف يتسق مع نفسه ذلك الذي يحتفي بأدنى كلمة فيها شبهة حق يقولها أحمد الطيب، ثم هو لا يريد من يعقوب وحسان والحويني إلا موقف سيد الشهداء وسلطان العلماء؟؟!!!)

 

ومما لا أحبه في الشيخ يعقوب -تحديدا- تشدده في مسائل فروعية كثيرة، وجزمه فيما الخلاف فيه مشهور، وشدته على من يسأله، وتنقيصه من الاتجاهات الأخرى.. ومع ذلك فأنا أتذكر له جيدا موقفه الداعم للإسلاميين في مراحل الثورة (ليس كعمرو خالد أو معز مسعود أو غيرهم ممن وقف في كل مرحلة مع العلمانيين)، ونزوله إلى ميدان مصطفى محمود يوم فض رابعة، ودعمه لاعتصام رابعة طول فترته.. وهو رجل لا يُتَّهم في دينه والله حسيبه.

 

ثم أقول:

 

لو كانت إجابات الشيخ يعقوب أدنى وأقل وأسوأ مما قاله لكان معذورا.. فهذا الذي يؤتى به إلى محكمة في اليوم التالي لأحكام الإعدام على قيادات الإخوان كيف يكون حاله؟!

 

نعم، ينبغي أن يكون موقف الشيوخ موقف العزيمة لا الرخصة.. والواقع أن إجابات الشيخ يعقوب في هذه الشهادة كانت أقرب إلى العزيمة منها إلى الرخصة.. لقد كان يستطيع أن يكذب ويفجر وهو يتحدث عن الإخوان والقاعدة وداعش وحسن البنا وسيد قطب.. ولكنه لم يفعل! بل اختار السكوت!

 

ولو أنه قال ما يعتقده هو فيهم، وهو كلامه القديم من قبل الثورة، لأرضى هذا القاضي واستبرأ لنفسه، فهو لم يقل شيئا لا يعتقده.. ولكنه لم يفعل.. وهذه، في هذا الموطن، عزيمة.

 

إن حسن البنا وسيد قطب عندي من عظماء الإسلام الكبار.. وبغير أي انتقاص من الشيخ يعقوب أو من سواه، فإن أثر البنا وقطب لا يساويه ولا يدانيه مائة شيخ كيعقوب وحسان.

 

ومع ذلك فإني أتفهم جدا نقد الحالة السلفية لسيد قطب، هذه مدرسة علمية تكونت بشكل خاص لها معاييرها وأصولها، وبناء على هذه المعايير والأصول فسيد قطب وحسن البنا -في أحسن الأحوال- مخلصون قد اجتهدوا ولهم أخطاء.

 

وحين سئل الشيخ يعقوب عن البنا وقطب كان كلامه منضبطا وفق معاييره ونظرته، فهو حين يقول إن قطب لم يدرس على يد شيخ (على نحو ما هو في المدرسة السلفية) فهو لا يقصد الطعن فيه، بل سياق كلام يعقوب أنه يعذره، يعذر أنه أديب استخدم عبارات أدبية في معان شرعية.

 

وحتى حين قال يعقوب عن البنا إنه كان يريد الوصول إلى الحكم، لم يكن يقولها انتقاصا ولا طعنا.. بل كان سياقه واضحا جدا.. كان يقول: أراد أن يصل إلى الحكم ليعيد الخلافة، لأنه أسس جماعته بعد سقوط الخلافة.. إن هذه منقبة لحسن البنا، ولم يكن كلام يعقوب طعنا في البنا.

 

يجب أن نفرق دائما، وفي كل معركة، أين تقع سهامنا.. وهل يستعملنا العدو ليقضي علينا جميعا؟!.. إن الإسلاميين الذين انطلقوا طعنا في الشيخ يعقوب وقعوا في نفس ما وقع فيه المغفلون الجهلاء في 30 يونيو.. أولئك الذين استخفهم العسكر وركبهم ليكونوا غطاء شعبيا لغدره وانقلابه ومذابحه.

 

الآن، تريد الدولة في مصر رأس المشايخ، بل رأس الدين.. لا تريد رأس يعقوب وحسان والحويني.. ليس السيسي وليس قاضيه الغبي الجاهل ممن يبحث عن صحيح الإسلام.. بل أولئك يريدون النسخة العلمانية من الإسلام، النسخة التي يقدمها لهم خالد الجندي وسعد الهلالي وعلي جمعة!

 

لما سئل يعقوب عن حكم الانضمام للجماعات أجاب بعبارة جميلة لابن تيمية، ولأن القاضي لم يفهمها فقد مررها.. وهذه من مواطن أن يكون الغباء نعمة! ولا بد للناس من تنفيس!

 

أختم هذا الكلام الطويل بنقطتين ستقفزان إليّ في التعليقات حتما.. وهي:

 

1. يعقوب قال "غزوة الصناديق" وشوّه الإسلاميين، وقال "اللي مش عاجبه يهاجر كندا"، وكان من عوامل شق الصف!!

 

والجواب: أول من شق الصف وحرص على شقه وتوسيعه وتمزيقه هم العلمانيون، ووسائل إعلامهم انطلقت ضد الإسلاميين في اليوم التالي لتنحية مبارك كالكلاب المسعورة، واخترعت وقائع هدم الأضرحة وقطع أذن القبطي و... و... و... إلخ!

 

وكلمة "غزوة الصناديق" كلمة عادية جدا.. فكل الناس تتحدث عن الاستفتاء والانتخابات بعبارة "المعركة الانتخابية".. فالمعركة عند الناس هي الغزوة عند الإسلاميين.. ولكنكم قومٌ بُهت.

 

وأصلا هو كان يرد على ساويرس لما سُئل: ماذا ستفعل لو حكم الإخوان؟ فقال: سأهاجر إلى كندا.

 

2. يعقوب تزوج 22 مرة

 

والجواب: ولو تزوج خمسين أو مائة مرة.. فليس هذا عيبا، طالما أنه زواج شرعي.. ولو أخرجنا ملفات العلمانيين من أي جهاز أمني فسنجد لأقل واحد منهم 22 حالة علاقات خارج الزواج.. هذه التي تسمونها علاقات رضائية وحرية شخصية!!!

عرض معلومات أقل