الخميس، أبريل 02، 2026

لماذا جاءت سورة الروم بعد سورة العنكبوت: تأمل في انسجام البناء القراني العجيب!


بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله..

تلك كانت كلمة ألقيتها في المعتكف، ليلة السابع والعشرين من رمضان، ثم استحسنها بعض السامعين، ورغب بعضهم في كتابتها.. فها أنذا أفعل، والله المستعان..

ولقد رُزِقنا بقارئ متقن حسن الصوت، تلا علينا في الركعات الأربعة الأولى هاتيْن السورتيْن، وفتح الله عليه فيهما، فوقع في خاطري هذا المعنى الذي يجمع بين السورتين ويؤلف بينهما على نحو لم أنتبه له من قبل..

سنبدأ الكلام عن مختصر سورة العنكبوت، ثم مختصر سورة الروم، ثم نتكلم في الانسجام بينهما، وفي العلاقة التي تؤلف بين موضوعيهما..

 

(1) سورة العنكبوت

من قرأ سورة العنكبوت ظهر له فيها ملمح واضح، وهي أنها سورة "الابتلاء".. فهي تأخذ في بيان أن الابتلاء سنة من سنن الله، تقع على المؤمنين لتميز الصادق من الكاذب، ولتفصل بين المُدَّعي من المخلص!

ولذا تراها تبدأ على هذا النحو:

{أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفْتَنون؟!

ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين.

أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا؟! ساء ما يحكمون.

من كان يرجو لقاء الله فإن أَجَل الله لآتٍ، وهو السميع العليم.

ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه، إن الله لغني عن العالمين}

وتمضي الآيات على هذا الخط، فتذكر أول بلاء ينزل بالمؤمن، وهو الذي يأتيه من أهله.. أبيه وأمه وعائلته.. وكيف أن المؤمن مأمور بأن يثبت على الحق الذي عرفه مهما كان ضغط أهله عليه، وفي نفس الوقت يجب أن يكون ثباته هذا منضبطا بغاية التأدب والتهذب والمصاحبة بالمعروف، لعِظَم حق أهله عليه..

{والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرنّ عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون. ووصينا الإنسان بوالديه حُسنا، وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون}

وتقف الآيات عند حقيقة الابتلاء، وكيف أنه الاختبار العملي لحقيقة الإيمان.. فالمؤمن حقا هو من يستهين ويستخف بعذاب الناس لأنه يؤمن أن عذاب الله أشد وأعظم، وأما غير المؤمن فيظهر منه ذلك إذا وقع به الأذى من الناس.. اسمع:

{ومن الناس من يقول آمنا بالله. فإذا أُوذي في الله، جعل فتنة الناس كعذاب الله}

وكثير ممن يدّعي الإيمان يحاول أن يظل ممسكًا بالطرفين، فهو يظهر حين تأتي المكاسب وينتصر المؤمنون

{ولئن جاء نصر من ربك ليقولُنّ: إنا كنا معكم. أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين؟ وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين}

ثم تأخذ الآيات في وصف بلاء الأنبياء: نوح وكيف لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، ثم إبراهيم، ثم لوط، ثم شعيب، ثم موسى..

ثم ابتلاء محمد صلى الله عليه وسلم، كيف أنه قد كُذِّب مع أن قومه يعلمون تمام العلم أنه لم يكن يكذب، ولا كان يعرف القراءة ولا الكتابة، وأن الذي جاء به من الآيات يُدهش العقول..

ولم يقتصر تكذيبه هذا على قومه، بل كذَّبه أيضا أولى الناس أن يؤمنوا به، وهم أهل الكتاب، وذلك لما عندهم من العلم بالكتاب..

{وكذلك أنزلنا إليك الكتاب، فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به، ومن هؤلاء من يؤمن به، وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون.

وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك، إذًا لارتاب المبطلون.

بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون}

ثم تأخذ السورة في طمأنة المؤمنين:

طمأنتهم بأن العذاب سيحل بالكافرين {يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين}

وطمأنتهم بأن في الأرض متسعا إذا ضاقت بهم بلدهم  {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون}

وطمأنتهم بأن الموت سيأتي على الجميع {كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون}

وطمأنتهم بأن الجنة في انتظارهم {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا، تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها، نعم أجر العاملين}

وطمأنتهم أن الرزق مكفول.. فالله يرزق الدواب مهما ضعفت {وكأين من دابة لا تحمل رزقها، الله يرزقها وإياكم}..

ثم تختم السورة بالتأكيد على أن الجهاد سبيل المؤمنين، به تنفتح معهم سبل الهداية، وبه يتغير الحال، وينقلب البلاء إلى تمكين {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}

 

(2) سورة الروم

وأما سورة الروم، فحديثها حافل عن آيات الله في كونه.. وكأن قارئها قد انغمر في مشهد كوني هائل من الآيات التي بثها الله في عباده.. فهم يرونها ويعيشونها وإن غفلوا عنها..

وهذه الآيات الحافلة الكثيرة المنهمرة.. يبصر المرء فيها أمورا واضحة تشير إليها:

الأول: أنها دالة على الله ووجوده وحكمته وإحاطة علمه وإحكامه لخلقه وتدبير أمورهم.. فما يكاد يتعرض المرء لهذه الآيات بقلبه حتى يشهد أنه مخلوق ضعيف ضئيل عاجز أمام مشهد عظيم هائل، لا يصنعه إلا الإله العظيم العليم.

الثاني: أنها حافلة بمشاهد التقلب والتغير والتبدل.. فالليل ينقلب نهارا، والتراب يصير بشرا، والحي يخرج من الميت، والميت يخرج من الحي، والأرض التي كانت جدباء نزل عليها الماء فأنبتت، والسماء التي كانت صافية انبثت فيها الغيوم ونزل منها المطر.. أمورٌ لا تكف عن التبدل والتنقل والتحول!!

الثالث: أنها كلها ذات أجل.. ما تلبث أن تنتهي مهما طالت، وما تلبث أن تنقضي مهما بدا أنها استقرت واستمرت.. فسائر أمور الدنيا مهما كانت ضخمة وقوية وراسخة فإنها لحظات سريعة في عمر التاريخ.. ستطوى صفحتها وإن غرَّت الناس باستقرارها..

وهكذا ترى سورة الروم تأخذ في هذا المسار منذ آيتها الأولى وحتى الأخيرة..

تبدأ بمشهد انتصار الفرس على الروم، والذي بدا في وقته انتصارا كاسحا ساحقا.. لقد اكتسح الفرس أرض الروم حتى حاصروا عاصمتهم القسطنطينية، فما من أحدٍ عاش في ذلك الزمن إلا وظنّ أنه يكتب الصفحة الأخيرة من تاريخ الإمبراطورية البيزنطية..

فلما نزل القرآن يقول بأن الأمر سينقلب، كان ذلك مدهشا بل هو يشبه الجنون، حتى قال المؤرخ الشهير إدوارد جيبون وهو يصف تلك اللحظة: «تنبأ محمد في خضم الانتصارات الفارسية بأن رايات الرومان ستعود ترفرف مرة أخرى، وفي ذلك الوقت لم يكن شيء أبعد من تحقق هذه النبوءة».

ثم تأخذ الآيات في إدانة من ينخدعون بالمظاهر {وعد الله، لا يخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا}

فتأمل كيف وصفهم بالعلم ووصفهم بالجهل معًا.. فهم جهال لأن علمهم مقتصر على "ظاهر" الحياة الدنيا.. وبذلك صاروا "لا يعلمون" مع أنهم "يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا".

وتأتي على ذلك بالأدلة.. الأدلة من النفس، والأدلة من التاريخ..

{أولم يتفكروا في أنفسهم، ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق (وأجل مسمى) وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون؟!

أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، كانوا أشد منهم قوة، وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها}

فأين ذهب هذا كله؟.. لقد انقضى وانتهى..

هذه الحياة القصيرة، حياة النفس الواحدة، تتمثل فيها ذات السنة التي تحكم الحياة الطويلة، حياة الحضارات.. كل شيء في هذه الحياة له (أجلٌ مسمى).. ومهما بلغ قومٌ من القوة والهيمنة والتمكن وإقامة العمران الهائل، فإنهم لم يستطيعوا أن يخرقوا هذه السنة، ولا أن يطيلوا في أعمارهم.. بل مات الجميع، وانقضت الحضارات!!!

ثم يأتي دفق الآيات منهمرا.. {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون}

وتبدأ مجموعة منها بقوله {ومن آياته}.. فتأخذ الأنظار نحو الحي الذي يخرج من الميت، والميت الذي يخرج من الحي، والأرض التي تخصب من بعد جدب..

وهذا الرجل الذي يبدو قويا ويستطيع الحياة بنفسه كيف لا تسكن نفسه ولا تستقر إلا إذا اتخذت زوجة أنثى تبدو ضعيفة، فهو في حاجة إليها كمثل –أو بأكثر من- حاجتها إليه!

وهذه السموات والأرض، وهذه اللغات الكثيرة..

وهذا الاتفاق بين البشر مهما تباعدت ديارهم واختلفت طباعهم وثقافاتهم على النوم بالليل والسكون فيه، وعلى العمل بالنهار والسعي فيه..

وهذا البرق الذي يجتمع فيه، في اللحظة الواحدة: الخوف والرجاء.. الخوف من صعقة الموت، والرجاء في أنه مقدمة للمطر الذي يحيي الأرض..

وتستمر الآيات القرآنية في وصف الآيات الكونية: السفن التي تسير في البحر، الرياح التي تدفعها، السحب التي تتجمع لتنزل المطر، الإنسان الذي يبدأ ضعيفا ثم يقوى ثم يضعف مرة أخرى..

وفي ثنايا هذه الآيات حديث عن الإنسان وإفساده في الأرض {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون}

وحديث عما هو فيه من النزق والجزع {وإذا مسَّ الناس ضرٌّ دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون}، {وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها، وإن تصبهم سيئة بما قدَّمت أيديهم إذا هم يقنطون}، {ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون}..

وهكذا.. ترى سورة الروم وهي تأخذ أنظار الناس إلى هذه الدنيا الحافلة بآيات الله.. تدل على علمه وحكمته، كما تدل على قدرته وهيمنته، كما تدل على أن هذا كله إنما يتبدل ويتحول ويتغير..

وتُختم السورة بخلاصتيْن:

1.    خلاصة عن الكافرين، أنهم مهما تعددت المشاهد والآيات أمامهم فإنهم لا يؤمنون، ولذلك طبع الله على قلوبهم.

2.    وخلاصة هي توجيه للمؤمنين ألا تغرهم المظاهر، وألا تضغط عليهم كثرة هؤلاء الماديين المنخدعين بها، ولا يستسلموا لسطوتهم.. اسمع:

{ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل، ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون. كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون. فاصبر إن وعد الله حق، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون}

 

(3) التناغم والانسجام بين سورتي العنكبوت والروم

بقي الآن أن ننظر في هذا الترابط والتآلف بين سورتي العنكبوت والروم..

نبدأ من آيتيْن في السورتيْن، هما قريبتان من بعضهما جدًّا، حتى في اللفظ.. وذلك قوله تعالى في سورة العنكبوت {ليكفروا بما آتيناهم، وليتمتعوا، فسوف يعلمون}.. وقوله في سورة الروم {ليكفروا بما آتيناهم، فتمتَّعوا، فسوف تعلمون}.

إن في العديد من سور القرآن آيات متشابهة جدا، تستحق أن تكون موضوعات للبحث في باب التناغم والانسجام في بناء القرآن.. ولا أدري إن كان أحدٌ اهتم بهذا الأمر أم لا.. ولكنه يبدو بابا ثريا وعميقا..

هاتان الآيتان معناهما ظاهر: هذه الحياة الدنيا ابتلاء، وفيها يعطي الله الناس ويؤتيهم من النعم والإمكانيات والقدرات ما يكون اختبارا لهم، فإذا بهذه النعم حين يكفر بها أصحابها ويتخذونها للمتعة العاجلة وحدها، تكون سببا للعذاب..

فتأمل هنا كيف ارتبط معنى الابتلاء بالنعم على الوجهيْن اللتيْن تناولتهما السورتان..

1.    في العنكبوت التي هي سورة الابتلاء.. أشير إلى أن النعم أيضا ابتلاء!

2.    وفي الروم التي هي سورة النعم والآيات.. أشير إلى أن الغرق في هذه النعم والتمتع بها دون فهم ما وراءها من الإله القادر الحكيم، هو من التعلق بالمظاهر الخداعة، وهو من الاغترار بالدنيا!

ثم تأمل أيضا كيف أن صيغة الخطاب في سورة العنكبوت، وهي التي تخاطب المؤمنين، كانت صيغة الغائب.. فهي حديث عن القوم الكافرين {وليتمتعوا، فسوف يعلمون}.. بينما صيغة الخطاب في سورة الروم، التي تخاطب بالأساس المتعلقين بالمظاهر كانت بالمُخاطَب {فَتَمتَّعوا، فسوف تعلمون}.

وقريب من هاتين الآيتين في التشابه أيضا، قوله تعالى في العنكبوت {والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يأسوا من رحمتي، وأولئك لهم عذاب أليم} وفي سورة الروم {وأما الذين كفروا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون}..

فتأمل كيف كان حضور الآخرة ولقاء الله مناسبا لأهل الإيمان والابتلاء ليتصبروا في الدنيا وليستهينوا بما فيها من العنت فلا ييأسوا من رحمة الله في الدنيا ولا في الآخرة.. وكان كذلك تحذيرا لأهل التعلق بالدنيا والانشغال بها من أنهم يغفلون عنه، وأنهم يعرضون أنفسهم للعذاب!

وفي السورتيْن خطٌّ ناظمٌ عامٌ، وهو: الزمن.. كيف ذلك؟!

إنك إن تأملت رأيت سورة العنكبوت تفيد معنى واضحا يقول: البلاء مهما بدا طويلا فإنه قصير.. والطغاة الجبابرة مهما تمكنوا زمنا فإنه في الحقيقة ضئيل..

فسورة العنكبوت تبث في نفس قارئها أن آلة الزمن تعمل بسرعة.. ما يلبث الطغاة أن ينتقلوا ويتبدلوا ويذهبوا مع ريح الزمان وتنطوي صفحاتهم مع التاريخ..

وأما سورة الروم، فهي تضرب المثل بهؤلاء الذين لم يفهموا هذا المعنى وتعلقوا، أو بالأحرى: وعلقوا بزمنهم الحاضر ولحظتهم الآنية، فغفلوا عن الزمن، فاغتروا وخُدِعوا، ولن يستفيوا إلا يوم القيامة حين تكون الصدمة الصاعقة..

تأمل في سورة العنكبوت تجد أنها على هذا النحو..

حكايات سريعة عن الأنبياء، ليس فيها حوار بين الأنبياء وأقوامهم، وليس فيها أخذ ورد وجدال.. إلا عبارة أو عبارتيْن مع إبراهيم ولوط!

حتى نوح، أطول الأنبياء عمرا، انطوت حكايته كلها في آيتين {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون . فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين}

كيف انطوت ألف سنة في عبارتيْن سريعتيْن هكذا؟!.. ذلك الذي أقوله لك في معنى الزمن كما يظهر في سورة العنكبوت.. آلة زمن سريعة، وصورٌ متتابعة!

{وإلى مدين أخاهم شعيبا، فقال: يا قوم اعبدوا الله وارجو اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين . فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين}

ثم تتابع الصور.. الحكايات الطويلة توجز في كلمات..

{وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم، فصدَّهم عن السبيل وكانوا مستبصرين.

وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين}

حتى العقوبات التي نزلت بالمكذبين، جاءت على هذا النحو من السرعة..

{فكلًا أخذنا بذنبه، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خسفنا بهم الأرض، ومنهم من أغرقنا، وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}

حتى قصة إبراهيم، لا تذكر الآيات حوارا، بل يقول إبراهيم ما عنده من الرسالة، ثم تأخذ الآيات في إدانة الذين غفلوا عن مبتدأ الخلق ومنتهاه {أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده، إن ذلك على الله يسير . قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلقَ، ثم الله ينشيء النشأة الآخرة، إن الله على كل شيء قدير}.

ثم تُختم قصص الأنبياء بهذه الآية العجيبة {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون . إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم. وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون}

هكذا إذن.. سائر ما فعله هؤلاء الطغاة من الحضارات والعلوم والعمران والقصور المشيدة والآثار المهيبة، ليس في ميزان الزمن الحقيقي عند الله إلا كبيت العنكبوت!!

العنكبوت الذي يرهق نفسه في تشييد بيته، فهو يعمل فيه ليل نهار، فما تلبث أن تأتي نسمة من الهواء، أو غمزة إصبع من طفل، حتى تطيح ببنيانه كله في غمضة عين، إنما هو {أوهن البيوت}!!

وكان الشيخ عبد الحميد كشك، رحمه الله، كتب في مذكراته يقول: سمّى الله السورة التي ذكر فيها الطغاة بسورة العنكبوت، ليدل على هذا المعنى!

فالقصد هنا أن قارئ سورة العنكبوت -التي تتحدث عن الابتلاء- يرى نفسه إزاء مشهد الزمان الذي سرعان ما ينتقل ويتغير، والطغاة الذين يتتابعون في آية وبعض آية.. فما هم إلا كالعناكب التي اجتهدت أن تبني بيوتها، وهي تحسبها خالدة تالدة، فما هي حتى صاروا أحاديث، وطويت صفحات حضاراتهم، وصار عمرانهم بين مهدوم ومطمور ومطموس ومخرب.. وحتى ما بقي منه شاخصا، إنما بقي آية ودليلا وعبرة، تخبر الناس أن بناة هذا كله قد بادوا وماتوا، ولم يستطيعوا أن يخلدوا ولا أن يتمتعوا بما صنعوه!

وأما سورة الروم.. فهي تتوقف عند القوم الذين علقوا في لحظتهم الحاضرة وغفلوا عن الحياة الآخرة.. فالزمن متضخم في أذهانهم وضمائرهم، يحسبون أنه كل الزمن، ويحسبون الحياة الدنيا هي كل الحياة.. فلذلك أخذت السورة تلفت نظرهم إلى ما في هذه الحياة الحاضرة نفسها من آيات ضخمة يجب أن تدلهم على أنها حياة فانية ومتحولة، وأنها تدلهم على خالق حكيم عليم قد صنع هذه الآيات..

{أولم يتفكروا في أنفسهم، ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى؟! وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون.

أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها؟! وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.

ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون.

الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه تُرجعون}

ولذلك جاءت الآيات الكونية صريحة في أن الله هو الخالق {فسبحان الله.. يخرج الحي.. ويخرج الميت.. ومن آياته.. خلقكم.. خلق لكم.. يريكم.. وله من في السموات والأرض.. يبدأ الخلق ثم يعيده.. له المثل الأعلى.. الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم}.. وهكذا!

وحتى الإشارة إلى أن الربا مما يكرهه الله (لاحظ أن سورة الروم مكية، ولم يكن الربا قد حرم) جاءت على هذه الصيغة {وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس، فلا يربوا عند الله}.. فتأمل في أن القرآن، ومنذ العهد المكي، ينصب ميزانيْن: ميزان الدنيا وميزان الله.. فالمال الذي يبدو كثيرا في ميزان الدنيا ليس كذلك في ميزان الله، بل العكس صحيح {وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله، فأولئك هم المُضْعِفون}.. فالذي يقرض بالربا لن يجد ذلك في الآخرة، ولكن الذي يتصدق فيبدو كأنه خسر ماله في الدنيا فهذا الذي سيجده مضاعفا يوم القيامة!

حتى من ظنَّ أن الانشغال بالدنيا سينتج عمارتها ونهضتها، تأتيه الآية فتقول {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون}.. فصلاح الدنيا وعمارة الأرض على الحقيقة لن تكون صحيحة ونافعة إلا لو كانت على يد الذين ينشغلون بالآخرة!!

لقد صوَّر الله المنشغلين بالدنيا تصويرا غريبا.. صَوَّرهم كالموتى! وكالعُمْي الذين ينطلقون هاربين، وكالصُمِّ الذين لا يسمعون {فإنك لا تُسمع الموتى، ولا تُسمع الصمّ الدعاء إذا ولَّوْا مدبرين . وما أنت بهادِ العمي عن ضلالتهم، إن تُسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون}.

ثم تأتي الآية التي تقرب صورة الحياة كلها بأقرب تشبيه.. فالدنيا كلها مثل الإنسان الواحد، {الله الذي خلقكم من ضعف، ثم جعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة}.. قانون الزمن لا يقف له أحد..

لو كان أحدٌ يملك أن يقبض على الدنيا لكان أهون عليه أن يقبض على أيامه هو، وأن يمنع فِعْل الزمن في نفسه هو.. لو أنه استطاع أن يمنح جسده القوة ليكبر، أو يمنع جسده من أن ينحط إلى الشيخوخة بعدما كبر، لو أنه استطاع ذلك فلربما كان مفهوما أن يفكر في أن يحتفظ بالدنيا ويقبض عليها.. ولكن هيهات!

من عجز عن تدبير أمر نفسه وجسده فهو عما فوقها أعجز وأصغر وأضأل وأقل!

ولقد سمعت بعض إخواننا ومشايخنا يذكر أن سر تسمية هذه السورة بسورة الروم هو هذا المعنى: الغربيون (وهم الروم) هم أصحاب الحضارة المادية التي غرقت في متع الدنيا وملذاتها، ولم تحفل كثيرا بالدار الآخرة.. فطالما أنهم أقوياء متمكنون فهم يتشربون الدنيا ويترعون بها، ولا يفكرون في الآخرة.. منذ اليونان والرومان وحتى نسختهم الحديثة المعاصرة!

وهذا القول لمع في ذهني حين لاحظت أن سورة الروم هي السورة الوحيدة في كتاب الله التي جاءت فيها آية تقرن العلم بالإيمان، لأن العلم وحده بغير إيمان إنما يكون سببا في الغفلة والانشغال بالدنيا، فحين يتفاجأ المنشغلون في الدنيا بيوم القيامة يسمعون هذه العبارة {وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون}

وهنا يتذكر المرء الآية التي في أول السورة {ولكن أكثر الناس لا يعلمون . يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا}.. فهؤلاء الذين أوتوا العلم بالدنيا، ولم يكن عندهم إيمان فوجئوا بالحقيقة الصادمة الصاعقة.. يوم البعث..

ولكن، كيف شعروا ساعتها؟!

هذا ما تخبرنا به الآية السابقة: {ويوم تقوم الساعة، يُقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة}..

ها هي الآن حقيقة الزمن.. الزمن في ميزان الدنيا، والزمن الحقيقي.. سيكتشف الذين انشغلوا بالدنيا أنها كانت قصيرة.. قصيرة جدا جدا.. بل إنهم سيُقسمون على ذلك! ويا لها من صدمة ومن صعقة ومن هول رهيب وموقف شديد شديد شديد!!

وهكذا يأتي الختام {فاصبر إن وعد الله حق. ولا يستخفنك الذين لا يوقنون}..

تلك الحياة هي معركة بين الذين يوقنون، والذين لا يوقنون.. من يوقنون بأن الزمن أوسع من اللحظة الحاضرة، وأن المنتهى في يوم القيامة، ولهذا فهم يصبرون على البلاء ولا تغرهم الحياة ولا يستخفنهم سطوة الذين علوا في الأرض..

إن حقيقة البلاء وحقيقة الصبر مكنونة في حقيقة الإيمان بأن هذه الدنيا ساعات، وأن هذا البلاء ساعات، وأن الأجر يقينًا موجود في يوم القيامة.. وكما قال الإمام ابن القيم: بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين، كما قال تعالى {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا، وكانوا بآياتنا يوقنون}.


نشر في مجلة أنصار النبي ﷺ - إبريل 2026م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق