السبت، يوليو 24، 2021

عن كتاب "نقد التقليد الكنسي"

لست باحثا في مجال الأديان، ولا أنوي أن أكون، ولم أعرف بكتاب "نقد التقليد الكنسي" إلا من خلال التحريض الكنسي عليه، وهو التحريض الذي استجاب له السيسي فصدر الأمر بمصادرة الكتاب!

وأول ما سمعتُه عن الكتاب كان هو هذا التحريض الكنسي لأحد آباء الكنيسة المصرية "أغاثون، أسقف المنيا" واستفزني منه عبارتان على وجه التحديد، وهما:

1. قوله: أن هذا الكتاب لا يمكن أن يكتبه مسلم، لأنه لا يمكن للمسلم أن يحيط بهذه التفاصيل!

2. قوله: هذا الكتاب جعل الكنيسة المصرية صفرا وهدم كل ما قامت عليه!

ثم هدد بأن بقاء الكتاب قد يشعل فتنة طائفية، ولأن السيسي يمكن أن يفرط في أي شئ إلا في بقاء الكنيسة قوة في ظهره فقد استجاب سريعا

وهكذا ترى عزيزي المسلم في مصر أن الكتب التي تسب الإسلام تُطبع طباعة فاخرة، بما في ذلك كتب التنصير التي تطبعها الكنيسة نفسها، وكتب الإلحاد، بل إنك لتجد كبار العلمانيين والملحدين والمشككين في القرآن والسنة والصحابة أصحاب برامج على القنوات المصرية.. بينما باحث مسلم يتخوف من مصادرة كتابه إذا كتب في نقد المسيحية، دين الأقلية التي لا تتجاوز 5%.

بالمناسبة: من الضروري يا أيها القارئ أن تتذكر جيدا أن كاتب هذا الكتاب ليس سلفيا وهابيا، وليس إخوانيا معارضا، إنه أزهري.. نعم، كما تقرأ الآن، أزهري ينتسب إلى الأزهر الشريف.. هذا الأزهر الذي لطالما استعملته السلطة كغطاء لها في حرب الإسلام، فألبسته ثياب الاعتدال والوسطية كأنهما حكر عليه ولا يخرجان عنه!!

فكاتب الكتاب أزهري، وممن قدَّموا له أستاذ بالأزهر..

ولكن، لا قيمة للأزهر -قلعة الوسطية والاعتدال والاستنارة- إذا غضبت الكنيسة، فليُصادر الكتاب ولو كان كاتبه أزهريا، ولو كان الذي يزكيه من أساتذة الأزهر!!

قصة الأقباط في مصر قصة طويلة ومريرة ولا يتسع لها المقام، إنهم حقا أسعد أقلية في العالم.. ومن رأى منكم دولة تُصادَر فيها الكتب العلمية لأنها تغضب الأقلية، فليخبرنا مشكورا مأجورا.

لنعد إلى غرض هذا المنشور.. وغرضه أني قرأت من الكتاب مائة صفحة، وهي حوالي ربع الكتاب.. وهو غاية ما أستطيعه في ظل انشغالي بأمور أخرى، ولولا استفزاز هذا الكاهن ما تحمست لقراءته!

ولقد كنتُ منتبها في قراءته لأمريْن؛ أولهما: لغة الكاتب وهل يمكن أن يتطرق الشك لكون الكاتب ليس هو نفسه؟ وثانيهما: هل يمكن أن يبلغ كتاب من الخطورة بحيث يكون تهديدا وهدما لكل الكنيسة المصرية؟!

فأما لغة الكتاب فلا شك عندي في أن صاحب الكتاب هو صاحبها، فللأزهريين لغة معروفة، فيها مسحة أصيلة من علم الكلام الذي يدرسونه، وطريقة صياغاتهم في التعبير عن المعاني لا تزال واضحة.. وهي تفارق -بوضوح- طريقة الباحثين من غير الأزهريين ممن تخرجوا في الجامعات المدنية! وهذا أمر لا أستطيع التعبير عنه، ولكنه أمر يتذوقه بسهولة من يمارس الكتب والبحوث!

ثم إن المؤلف كان حريصا على اللغة العلمية الهادئة، فلم ينجرف إلى السخرية والاستهزاء، مع أن بعض المواطن تشد القارئ شدًّا لكتابة تعليق ساخر.. بل كان الرجل من الحساسية بحيث أنه لما نقل نقلا عن الأستاذ علي الريس تحفظ على كلمة ساخرة قالها علي الريس في الحاشية!!!

ومع أصالة لغة المؤلف التي تظهر فيها طريقته الأزهرية، فإن المؤلف قليلا بل نادرا ما تكلم.. إن الكتاب هو حشد من الاقتباسات، ومن المراجع الكنسية المعتمدة، وما فعل هو إلا أن ربط بينها بعبارة أو بعض عبارة!!

وأما أن الكتاب يهدم الكنيسة -كما قال أغاثون- فأمرٌ يكاد يكون صحيحا.. وإنما أقول "يكاد" لأني لست من أهل هذا المجال وأتحفظ أن أدخل فيما ليس لي به علم!!

ولكنني مع كل صفحة من الكتاب أزداد اندهاشا..

إن النقد العلماني والاستشراقي المتوجه لعلم الحديث النبوي الشريف، قد أجبرنا أن نخوض بعض الحوارات في شأن الحديث وطريقة روايته وأسانيده وعلله.. وفي كل مرة كان يثبت بغير شك أن علم الحديث بناء شامخ صلب متين، وأن نقد العلماء المسلمين للمرويات وطرائقهم في تصحيح الحديث وتنقيحه هي غاية ما يمكن أن يصل إليه عقل بشر أو مجهودهم.. وأبسط دليل على هذا هو أننا لو عاملنا الأخبار التاريخية بمنهج المحدثين لانهار التاريخ كله ولم تصح منه رواية واحدة!!!

ولذلك لا يمكن كتابة أي تاريخ وفقا لمنهج المحدثين.. بل إنني أحيانا يداخلني الغيظ من هذا التشدد الحديثي!!

عندما قرأت كتاب "نقد التقليد الكنسي" كنت أهتف من أعماق قلبي: أين العلمانيون والمستشرقون من هذا؟!.. أين هم من هذه المعلومات المتناثرة التي لا يصلح لها حتى أن توصف بالروايات المهلهلة.. إن أصول الدين نفسها معرضة للنقد بسهولة، فصاحب الإنجيل لا يُعرف من هو على وجه التحديد، ولا يعرف تاريخ مولده ولا وفاته على وجه التحديد، ولا يعرف هل زار مصر أم لا، ولا يعرف هل هو من الرسل السبعين ليسوع أم لا.. وكل المعروف عنه معلومتان أو ثلاثة، ثم بُنِي حولهما بناء ضخم.. مع الأخذ في الاعتبار أنه لا يمكن الجزم بأن هاتين المعلومتين يخصان مرقص كاتب الإنجيل، فربما كانتا عن مرقص آخر!!

إن الكتاب يصيب بالدوار حقا..

ومن الغريب أن الكاتب لا يتكلم من تلقاء نفسه، بل يحشد المقولات المسيحية من المراجع المعتمدة المشهورة التي تؤخذ منها أصالة هذه المعلومات.. وبعض هذه المراجع التي أخذ منها هي المراجع التي توصي الكنيسة بقراءتها!!

وبعض النقاشات والأقوال هي لرؤوس الكنيسة الذين تولوا كرسي البطريركية مثل الراحل شنودة!

إن الكتاب يضع المسيحي في محنة حقا.. ولكن الأهم من هذا أنه دليل جديد يُرسِّخ في وعي المسلم أن كبار أهل الكتاب وعلماءهم يعرفون مقدار ما هم عليه من الباطل، ويدركون هشاشة ما يستندون عليه من الأدلة، فما هي إلا ظنون أو أوهام!

على العلماني أو المستشرق أو التنصيري الذي يأتي ليجادل المسلمين في علم الحديث وتدقيقهم في المصادر، أن يأخذ جولة عند النصارى إن كان يهمه بالفعل طلب الحق والوصول إلى الحقيقة.. أما أن يترك الخشبة التي في عينيه ويأتي ليبصر الذي يظنه قذى عندنا فهو دليل على أن طلب الحق هو آخر ما يريد!!


الجمعة، يوليو 09، 2021

سنن تاريخية في تحرير بيت المقدس


 

يمكن إيجاز تاريخ بيت المقدس في العصر الإسلامي في ست مراحل كبرى فاصلة:

1.    مرحلة الفتح التي كانت في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صدر الإسلام، في العقد الثاني من القرن الأول الهجري، وبالتحديد في ربيع الآخر 16ه.

2.    ثم مرحلة الاحتلال الصليبي التي جرت في أواخر القرن الخامس الهجري، وبالتحديد في 492ه.

3.    ثم مرحلة التحرير التي جرت على يد السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي أواخر القرن السادس الهجري بعد تسعين عاما من الاحتلال الصليبي، وبالتحديد في رجب 583ه.

4.    ثم مرحلة الضياع مرة أخرى التي جرت على يد الأيوبيين المتأخرين: الملك الكامل الأيوبي –وهو ابن أخي صلاح الدين- ثم الناصر داود وهو ابن أخي الملك الكامل، وذلك في النصف الأول من القرن السابع الهجري، وبالتحديد في 624ه، و641ه على التوالي.

5.    ثم مرحلة استرجاعه مرة أخرى على يد الملك الصالح نجم الدين أيوب بالتحالف مع الجيش الخوارزمي بعد سنة من ضياعه، وبالتحديد في 642ه.

6.    ثم مرحلة الضياع مرة أخرى في العصر الحديث على يد قوات الاحتلال الإنجليزي بعد سبعة قرون، وبالتحديد في 1917م ( = 1366ه)، ثم الاجتياح الإسرائيلي للنصف الشرقي من المدينة المقدس 1967م ( = 1387ه).

ولم يزل المسلمون ينتظرون المرحلة السابعة، مرحلة التحرير من الاحتلال الصهيوني، نسأل الله أن يكون قريبا، وأن نكون من جند هذا التحرير.

ومن أبرز ما يُلاحَظ، من خلال التأمل في هذا التاريخ، أن بيت المقدس يبدو كدُرَّة التاج، أو كالقلب من الضلوع، لا يمكن الوصول إليها ولا الظفر بها إلا بعد المرور بالعواصم المهمة المحيطة بها، بمعنى أن احتلال بيت المقدس أو تحريره إنما هو الثمرة الأخيرة لتاريخ من الكفاح والنضال للسيطرة على العواصم السياسية المهيمنة على بيت المقدس.

 

أولا: الفتح

لما خرجت الجيوش الإسلامية الفاتحة إلى الشام، وكانوا خمسة جيوش، كانوا يستهدفون بهذه القسمة تشتيت جيش الروم الضخم وتقسيمه إلى خمسة كذلك، فقد كان جيش الروم عشرة أضعاف الجيش المسلم، ولهذا حاول أبو بكر من خلال توجيه خمسة جيوش أن يستدرج هرقل –قيصر الروم- إلى إخراج خمسة جيوش مقابلة لكي ينكسر هذا التفوق العددي الهائل، ولكن هرقل فطن لهذه الخطة فأرسل قطعة من جيشه في مقابلة جيش عمرو بن العاص في جنوب فلسطين، وأبقى بقية الجيش ككتلة واحدة، ولم يكن هذا الجيش يستهدف استرجاع المناطق التي فتحها المسلمون، وإنما استهدف تطويق الجيش المسلم، فكان يتوغل إلى الجنوب، وهو الأمر الخطير الذي كان يُجبر المسلمين على ترك ما فتحوه والعودة جنوبا حتى لا يجري تطويقهم وقطع الطريق عليهم، ولهذا تكررت في فتوح الشام أن يفتح المسلمون البلد أكثر من مرة، وأن يعيدوا الجزية التي أخذوها من أهل هذا البلد، كما تكرر أيضا أن ينتقض بعض البلاد على المسلمين حين يتصورون أن انسحابهم كان ضعفا.

ما يهمنا في سياقنا هذا أن عاصمة الشام دمشق فُتِحَت قبل فتح بيت المقدس بعاميْن، فقد كان فتح دمشق (الأحد: 15 رجب 14 هـ = 5 سبتمبر 635م)، بينما كان فتح بيت المقدس (ربيع الآخر 16هـ = مايو 637م).

وبعدما فتح المسلمون دمشق، اضطروا للانسحاب منها لئلا يطوقهم الروم، ثم خاضوا المعركة الكبرى مع جيش الروم الرئيسي، وهي اليرموك بعد عام من فتح دمشق (رجب 15ه)، ولما نصرهم الله النصر الكبير فيها انفتح الطريق إلى بيت المقدس وفُتِحت بعد اليرموك بتسعة أشهر.

لو كان الصحابة مجموعة من الدراويش لكان حرصهم على فتح بيت المقدس أشد من حرصهم على فتح دمشق، فبيت المقدس هي القبلة الأولى ومسرى النبي وفيها صلى النبي بالأنبياء، إلا أنهم كانوا أهل عقل وحكمة وسياسة وتدبير، وقد عرفوا أن الطريق إلى بيت المقدس لا بد أن يمر بدمشق.

 

ثانيا: التحرير

وفي التحرير الصلاحي لبيت المقدس سنرى ذات السنة جارية مضطردة، فقد انبعث عماد الدين زنكي واستطاع أن يستقطع لنفسه إمارة في منطقة الموصل ثم حلب، ومن هذه البقعة بدأت معركة تحرير بيت المقدس مع الصليبيين، واستطاع عماد الدين زنكي أن يقضي على واحدة من الإمارات الصليبية، وهي إمارة الرها، ولكنه لم يستطع أن يفعل أكثر من ذلك.. لسبب بسيط، أنه لا بد له من دمشق! وهو الأمر الذي قُتِل قبل أن يحققه، ثم استطاع بعده ابنه نور الدين أن يحقق هذه الأمنية ويستولي على دمشق في عمليةٍ أشبه بالثورة الشعبية والانقلاب الناعم، وذلك في (549ه)، أي قبل أربع وثلاثين سنة من تحرير بيت المقدس.

واشتعلت بعدئذ معركة محمومة بين المسلمين بقيادة نور الدين وبين الصليبيين للسيطرة على القاهرة، وكانت آنئذ أثرى بلاد المسلمين وأغناها، وكانت تحت حكم العبيديين (الفاطميين)، وكان واضحا للجميع أن من استطاع أخذ مصر فقد حسم المعركة لصالحه، وجرت فصول عديدة انتهت بقدرة نور الدين السيطرة على مصر في (564هـ) أي قبل تسع عشرة سنة من تحرير بيت المقدس. وفي القاهرة استطاع نائب نور الدين –أسد الدين شيركوه، ثم صلاح الدين- إنهاء الدولة الفاطمية وتوحيد مصر والشام (567ه) أي قبل ست عشرة سنة من تحرير بيت المقدس.

ولكن نور الدين تُوفي، وجرت فصول كثيرة هددت الشام بالعودة إلى التمزق مرة أخرى، وحينئذ ردَّت مصر جميل الشام، فانطلق منها صلاح الدين ليعيد الوحدة المهددة، واستطاع أن يكون سيد الشام وأن يحرر دمشق من أمرائها الفاسدين الذين عادوا للتحالف مع الفرنجة (570ه) أي قبل ثلاث عشرة سنة من تحرير بيت المقدس.

عندئذ صارت مسألة بيت المقدس مجرد وقت، وهو ما تحقق فعلا وتحررت (رجب 583ه) على يد سلطان مصر والشام الملك الناصر أبو المظفر صلاح الدين الأيوبي.

ما كان بالإمكان أن تتحرر بيت المقدس دون عواصم مصر والشام: القاهرة ودمشق، وما كان ممكنا إخراج جيش التحرير وفي الشام أمراء يسيطرون على مدنها ومواردها ورجالها ويستطيعون عقد العهود والاتفاقيات مع الصليبيين، فيأكلون أموال البلاد والعباد ويجندونها في خدمة مصالحهم بل وفي خدمة الصليبيين.

لقد قضى صلاح الدين الأيوبي وحده في رحلة تحرير بيت المقدس عشرين عاما، كانت ثلاثة أرباعها في تحرير الديار الإسلامية من الأمراء الفاسدين والمتعاونين مع الصليبيين في مصر والشام، وذلك أنه وصل إلى مصر ضمن جيش عمه أسد الدين (564ه) فقضى خمس سنوات في إصلاح حالها، ومنها تمدد إلى برقة والمغرب الأدنى وإلى اليمن كذلك، ثم جاءت وفاة نور الدين (569ه) لتهدد ما جرى إنجازه على يد أمراء الشام الذين أعادوا التواصل مع الصليبيين بل وأطلقوا لهم الأسرى وبذلوا لهم الجزية مرة أخرى، فنهض صلاح الدين من مصر ليعيد توحيد الشام، وظل في شغل بهذا الأمر لمدة أحد عشر عاما حتى (580ه)، ولم يستغرق أمر فتح بيت المقدس بعد ذلك إلا ثلاث سنوات فقط، ثم قضى بقية عمره في التصدي للحملة الصليبية الثالثة حتى صدَّها ثم مات رحمه الله.

في المقال القادم إن شاء الله تعالى، نتعرض لتاريخ ضياع بيت المقدس في الحملات الصليبية، ثم ضياعه في الاحتلال الغربي المعاصر، لنرى اضطراد هذه السنة التي تجعل بيت المقدس كدرة التاج أو كموضع القلب من الضلوع، لا يُخلَص إليها إلا عبر منافذها من العواصم العربية المحيطة بها.

نشرت في مجلة المجتمع الكويتية، يوليو 2021