‏إظهار الرسائل ذات التسميات رحيق الكتب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رحيق الكتب. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، أغسطس 25، 2023

مذكرات جندي مصري - أحمد حجي

 


هذا كتاب لطيف مؤثر ..

 يوميات متفرقة لجندي مصري طبيب على جبهة قناة السويس قبيل حرب أكتوبر (1973 م)، كتبها بين عامي 1969 و 1972 .. قبل أن يلحق بالشهداء في 1972 م.

 يطرب المؤرخون لمثل هذه اليوميات التي تكشف لهم حياة الناس والبسطاء المغمورين تحت سطح الحياة السياسية التي تتكدس فيها أخبار الساسة والقادة، فمثل هذه الكتابات تلقي الضوء على الأعماق الإنسانية البعيدة للأحداث الكبيرة والقرارات السلطوية .. فبينما أنت تقرأ في كتاب التاريخ نبأ الجيوش والشعوب كأنها بيادق وأدوات، تقرأ في مثل هذه المذكرات واليوميات نبأ الإنسان الذي كان رابضا في الخنادق، فيم كان يفكر وماذا كان يأمل ومم كان يعاني.

 صاحبنا مؤلف هذا الكتاب كتبه وهو في الثلاثين من عمره، ولكن لغته وأسلوبه يكشفان عن قصاص ذي موهبة سينمائية، فهو يرسم المشهد بينما يحكي الحكاية، ويصور الأجواء والظلال والألوان قبل وأثناء رواية المضمون، ويربط بين عناصر القصة رباطا سهلا غير متكلف، فلا تنتهي اليومية إلا وقد أجاب عن السؤال الذي أثاره لديك في ثنايا السياق.

 وأغرب ما في قصة هذا الكتاب أنه منع من النشر، ولا أدري السبب، يقول الذين منعوه: لأنه يحتوي على أسرار عسكرية قد تفيد العدو، ويقول الرافضون لهذا المنع: بل لأن الكتاب يثير قضية الجنود الذين دفعوا الثمن ولم يحصلوا على أي تقدير، فيم ذهبت المكاسب إلى من لم يعاين الخطب ولم يعان أهوال الحرب!

 وفي الكتاب حقا صفحات من هذه المأساة، ولكنها لا تبرر منعه، فكم نشرت في مصر كتب أشد خطرا من هذا، ولهذا يبدو لي المبرر غير مقنع، ولعل ثمة ما لا أعرفه!

 لكني حين بحثت عن الكتاب عثرت على نسخة إلكترونية، منقولة -كما قال الذي رفعها- عن النسخة التي صدرت عن "مختارات الكرمة" .. وبينما أقرأ فيها، إذ عثرت على نص رائع أثار في نفسي بعض الذكريات، فهرعت لكي أضعه في ضمن بحث أكتبه، فاضطررت للبحث عن نسخة مطبوعة لكي أوثق منها هذا النص بالصفحة والرقم والطبعة (كما هي تقاليد البحث الأكاديمي)، فعثرت على النسخة التي أصدرتها دار الفكر، لكنني فوجئت أن النص الذي أريده غير موجود!!!

 وإذن، فثمة تلاعب بنص المذكرات جرى في دار الفكر التي مقرها القاهرة وباريس ..

 يتحدث هذا النص المفقود عن معلومة مثيرة للتأمل، وهي أن الناس (المقاومة الشعبية) انهمروا كالسيل لدعم الجيش والمقاتلين في العدوان الثلاثي 1956، بينما لم يحدث هذا منهم في عام 1967 بل "إن الملل مثل الكابوس دخل كل بيت وتربع فيه".

 ذكرتني هذه الفقرة بالمقارنة التي عقدها عدد من المؤرخين والمفكرين بين مقاومة الشعب المصري للحملة الفرنسية، وهي المقاومة الهادرة التي انخرط فيها الجميع، وبين المقاومة الضعيفة الخافتة التي واجهوا بها الاحتلال الإنجليزي .. كان السبب في ذلك هو الانكسار العظيم الذي تعرض له الشعب على يد الطاغية الجبار محمد علي باشا وخلفاؤه، لقد كسر الطغيان روح الشعب وجرده من عوامل القوة، حتى سلمه هدية للاحتلال الإنجليزي.

 ما الفارق بين 1956 وبين 1967 إلا هذه الفترة الناصرية السوداء الكئيبة التي أعيد فيها كسر الشعب وقهره وإذلاله وتحطيم عوامل قوته؟! إنه ليس إلا هذا .. ومن هاهنا اندفع الشعب لمقاومة العوان الثلاثي دفاعا عن وطنه الذي يشعر أنه قد استرده، ولكنه بعد 11 سنة من البطش كان في حال آخر!

 لم أتتبع بالمقارنة ما إن كان هذا الفصل وحده هو المحذوف أم ثمة غيره .. لعل باحثا ينهض لمثل هذه المقارنة.

 من أهم فوائد هذا الكتاب أنه يثبت -عبر القصص الإنسانية والتفاصيل الصغيرة- تلك القاعدة المهمة في علم النفس الاجتماعي، وهي من طبائع الناس، أن الموقف أقوى من الفرد، بمعنى: أن الإنسان أكثر انسياقا مع البيئة المحيطة به، وغالبا ما ينهزم طبع المرء ونزوعه الأصيل أمام التيار الجارف الذي يحيط به. (لمن أراد مناقشة ضافية لكلا هاتين النزعتين، أنصح بكتاب: علم النفس السياسي - ديفيد باتريك هوتون)

 وهذه القاعدة هي التي عبر عنها الأقدمون بقولهم: الناس على دين ملوكهم، والناس أتباع من غلب .. ولها في ديننا تطبيقات عديدة، ومنها: نهي القرآن عن مجالسة الذين يخوضون في آيات الله، وأمره بالهجرة إلى دار الإسلام، ومنها أيضا: نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإقامة في ديار الكفار، ونهيه عن العمل لدى الحكام الظالمين (لا سيما في الشرطة والعسكر وجباية المال)، ونهيه عن مصادقة أصحاب السوء ... إلخ!

 في هذا الكتاب نماذج عديدة عن الذين تولد فيهم الشجاعة إذا خاضوا القتال، وكيف ينقلب المرء من جبان إلى بطل، وكيف يصدر عنه في حال الشدة من المواهب والقدرات ما يندهش لها هو نفسه، وكيف يسترخص الإنسان نفسه وحياته لإنقاذ غيره، وكيف تشيع البطولة في الجمع الكبير إذا شعروا بالحاضنة الشعبية من ورائهم .. وغير هذا كثير.

 يقول: "مع تصاعد الموقف يتزايد الرجال الشجعان وتشتد حماستهم للقتال".

ويقول أيضا: "إن المقاتل على الجبهة يثق بأن حل مشاكل الوطن الداخلية والصراع ضد الاستعمار هو بالمزيد من القتال".

 وفي الكتاب مآسي يصعب أن تنساها، منها:

 هذا الجندي الذي أمسك بالصحيفة فإذا فيها نعي للمقدم الفلاني، فتسائل الجنود المساكين المتكدسون في عربتهم: يموت منا كثيرون فلماذا لا يهتم أحد، فيجيب أحدهم: لا يهتمون إلا بالكبار، فلا يجد الجندي الذي يمسك بالجريدة ما يفعله إلا أن يمزق الصحيفة ويلقيها إلى الطريق!!

 ومنها هذا الجندي الذي فقد منهم، فسجلوه هاربا، وكان عارا لنفسه ولكتيبته، ثم يكتشف بعد أسابيع أنه قد استشهد وهو ممسك بسلاحه .. كيف اكتشفوه؟ .. رأوا كلبا يبحث في الأرض بإصرار .. ولولا هذا الكلب لظل الجندي عارا على نفسه وأهله وكتيبته!!

 مشهد يجبرك على الخيال: ترى كم بطلا لم يجد كلبا ينقذ سيرته فصار مكتوبا في سجل الهاربين؟! وكم كلبا جبانا تسلطت عليه وسائل الإعلام حتى غسلت سمعته وصار من الأبطال الكبار؟!

 ومنها هذا الجندي الذي جاءته برقية تقول: "تعال فورا، مات أبوك"، فلم يكن معه ثمن تذكرة السفر، فتعلق بالقطار وربض على سطحه، وبينما هو متشبث بالقطار على هذه الحالة الخطرة، إذ مرق القطار من تحت كوبري القناطر، فصدمه الحديد فهشم رأسه، فمات من فوره!!

 هذا الجندي أيضا لم يكن ليعرف أنه مات، لولا أن الله شاء له أن تسقط قطرات دمه على ذراع صاحبنا مؤلف اليوميات، والذي كان يحب الجلوس إلى جوار النافذة، فمن ها هنا انتبهوا إلى هذا المسكين القتيل الذي كان يحارب في سبيل الوطن!! الوطن الذي لم يوفر له ثمن تذكرة يرجع بها ليدفن أباه!!

 ومنها هذه الكتيبة التي لم يكن يوجد لها إلا مدافع قريبة المدى، فكانوا مجبرين على البقاء قريبا من خطوط العدو، لتؤثر في العدو مدافعهم .. فلأجل هذا كانوا عرضة دائمة لغارات العدو وأسلحته العنيفة والمتقدمة، ولم يكن أمامهم غير الصمود .. أو بالاحرى: لم يكن أمامهم إلا أن يدفعوا من أرواحهم ثمن فساد الساسة والقادة وتقصيرهم في الحصول على السلاح! وهو ما كان!

 هذا الكتاب ليس مجرد ذكريات .. إنه صفحة متكررة من حديث مستمر إلى يومنا هذا ..

 إنه مجرد سطر في موسوعة الجنود الذين يضحون بأنفسهم تضحية لا ينتفعون بها هم ولا أهليهم .. لم تكن تلك قصة حرب أكتوبر فحسب، والتي أنجزها الأبطال وانتفع بأثمانها الخونة والفسدة والعملاء .. بل هي حتى الآن قصة أهل اليمن الذين اجتاحهم الحوثي ولا يزال الذين يقاتلونه يفعلون هذا بأيديهم بلا غطاء من رئيس ولا جيش، لقد كان رئيسهم عبد ربه منصور هادي!!! .. وهي قصة ليبيا التي كان ثوارها يقاتلون حفتر وكان غطاؤهم السياسي فايز السراج!!.. وهي قصة السودان التي يقاتل المتطوعون فيها قوات حميدتي بينما قرارهم السياسي والعسكري رهين بهذا الصنم المتهالك المسمى عبد الفتاح البرهان!!!

 وقل مثل هذا في مواطن عديدة نعرفها جميعا ..

 لا تزال القصة مستمرة، ولا تزال المعضلة مستمرة .. متى يستطيع الأبطال أن ينجحوا في السياسة والقيادة كما نجحوا في القتال؟ ومتى يعرفون أن عدو الداخل ليس إلا صنيعة العدو الخارجي وواجهته ووكيله؟!

 وحتى نجيب عن السؤال الإجابة الصحيحة .. فسنقرأ كثيرا من اليوميات على هذه الشاكلة!

الأحد، يوليو 24، 2022

جيش الشرق

 


لو ليست لديك فكرة مسبقة عن الحملة الفرنسية فلن تفهم شيئا!

ولو كانت لديك فكرة مسبقة فالفائدة التي ستجنيها قليلة للغاية

في هذا الكتاب شيء غريب لا أحسن التعبير عنه، إنه يشبه المقبلات على مائدة الطعام، وجودها لطيف وغيابها غير مؤثر

وأحسن ما في الكتاب -بالنسبة لي- مقدمة المترجم التي تتحدث عن باعثه الأول للكتابة في الحملة الفرنسية، فتلك القبور التي أولاها أهل بني عدي في محافظة أسيوط عناية فائقة هي قبور شهدائنا الذين واجهوا الحملة الفرنسية حين غزت الصعيد.. لدي شغف عظيم بالتأريخ لمقاومة أمتنا الباسلة، وأكثر هذه الصفحات مجهول مطمور مغمور، ولن تنكشف هذه الحجب إلا حين تتحرر بلادنا من هذه الأنظمة العميلة، فتنبعث الفرق العلمية للتنقيب والكتابة وإعادة بناء هذه التواريخ المكبوتة والمكتومة!

إن الإنتاج الغربي عن مقاومة بلادنا أكثر وأعمق من إنتاجنا نحن عن هذه المقاومة.. مع الأسف الشديد! وأسباب ذلك معروفة لا حاجة للتطويل فيها.

من بين الفوائد القليلة والمهمة في هذا الكتاب، وهي تكتمل عند القارئ إن كان على اطلاع سابق بأحداث الحملة الفرنسية، اليقين بأن النتائج الكبرى في التاريخ قد يصنعها المقاتل البسيط.. أنا واحد ممن لا يزال يميل إلى أن نتائج حركة التاريخ لم تكن حتمية على النحو الذي يقدمها كثير من المؤرخين والفلاسفة..

إنك لو قرأتَ عشر كتب في الحملة الفرنسية -مثلا- لوجدت منها تسعة على الأقل تسوق الحكاية وكأن انتصار الفرنسيين كان محتوما، وستجد حشدا يفسر لك أسباب انتصار الفرنسيس وأسباب انهزام المماليك، وربما يكون كلها حق.. لكن عند التعمق في متابعة التفاصيل وروايات المعارك الصغيرة، ستجد أن المماليك كادوا في أكثر من مرة أن يهزموا الفرنسيين، بما في ذلك معركة إمبابة الرئيسية، وأن الفرنسيين لم ينتصروا عليهم كأنما كانوا في نزهة.. كل أسباب انتصار الفرنسيين وكل أسباب انهيار المماليك التي يرويها المؤرخون كان يمكن أن تختلف جذريا لو أن قائدا ما أو جنديا ما كان أكثر صبرا وصمودا هنا، أو كان أقل صبرا وصمودا هناك..

يمكنني تقريب المسألة لعموم الجمهور بالحديث عن مباراة الكرة.. فالمحللون الجالسون في الاستديو يفسرون لك كيف فاز الفريق الفلاني وكيف خسر الفريق الفلاني.. لو استمعت إليهم دون مشاهدة المباراة فستحسب أن فوز هؤلاء كان طبيعيا وربما حتميا تسوق إليه الأسباب التي يوردها أولئك المحللون: الخطة والدفاع والتبديل الفلاني في اللحظة الفلانية... إلخ! بينما إذا شاهدتَ المباراة نفسها تبين لك بوضوح أن الأمر لم يكن كذلك، وأن ذلك الفريق المهزوم لو كان سعيد الحظ في فرصة أو فرصتين لانقلبت نتيجة المباراة، وانقلب معها بالتالي التحليل الذي يقوله أولئك الخبراء في استديو التحليل.

هذا الكتاب، من خلال شهادات الجنود الفرنسيين عن المعارك، هو واحد من تلك التي تقرب القارئ من التفاصيل.. وسيرى فيها أن المماليك وهم في أوج ضعفهم وفسادهم كانوا قادرين على هزيمة أقوى جيوش أوروبا وهو في أشد لحظات عنفوانه لو أوتي بعضهم شيئا من الصمود والصبر وحسن التخطيط وحسن استعمال الطاقة البشرية الموجودة في الشعب.. بل إن رواية الجبرتي تجعل اتجاه هبوب الرياح ضد جيش المماليك من أسباب هزيمتهم!!

ماذا يعني هذا كله؟

يعني ببساطة أن الفرد الواحد يمكنه أن يغير نتائج تاريخية حاسمة، وهذا الأمر يزداد يقيني فيه كلما قرأت كتب المذكرات وشهود العيان.. بينما يبدو بعيدا إذا قرأت كتب المؤرخين الباحثين.


الجمعة، سبتمبر 03، 2021

تلك العتمة الباهرة



ليس من أحد يسير في طريق الحق في هذا الزمن إلا وهو يتخوف على نفسه السجن والأسر والتعذيب، ويكون هذا من أشد هواجسه وأدومها وأكثرها إلحاحا على نفسه!

ولا أعرف أحدا يفضل السجن على الموت، بل كل من أعرف يفضل الموت على السجن!!

وفي ظل هذه الهواجس يثور السؤال المتكرر: ما كان لك ولهذا؟!.. أما كان خيرا لك أن تسكت وتصمت وتعيش مثل الناس؟!.. ماذا لو نزل بك السجن الآن، فكيف يكون حال أبيك وأمك؟ كيف تفعل زوجك؟ كيف سيتربى أبناؤك؟!!

تلك الأسئلة التي ينثرها الشيطان في روعك تزيد ضراوة وشراسة إذا ضاق الخناق عليك، وشعرت بالخطر..

يهرع المؤمن ليتلو على نفسه آيات (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) وأحاديث (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك).. وبقدر ما في زاد الرجل من إيمان بقدر ما يطمئن قلبه بهذه الآيات والأحاديث!

يعين على هذه الطمأنينة أن الطغاة لا يغفرون، ولا يصدر عنهم العفو.. إن الاسم حين يسكن سجلات الطغيان لا يُمحى.. الطاغية نفسه يخبرك ألا سبيل أمامك إلى التراجع، فلا عفو هنا ولا توبة.. ولئن كان الطاغية يتصرف كأنه إله، فإنه لا يفكر أبدا أن يكون كالإله في عفوه ورحمته وقبوله التوبة وإحسانه إلى التائب!

وحيث قد أغلق الطاغية الطريق من جهته، فلم يبق أمامك -أخي الذي اختار طريق الحق- إلا أن تواصل الطريق.. فانظر كيف كان الطاغية من أسباب الثبات والتقدم!!

فلقد أقسمتُ أن لو كان الطغاة يغفرون ويقبلون التوبة، لعاد إليهم كثيرون.. ولكن الله ذو رحمة بعباده الصالحين!

لكن أمرا آخر، غير متوقع أيضا، عرفته من أسباب الثبات.. ذلك هو محنة من لم يكن له في الأمر نقير ولا قطمير.. فإنك حين ترى السجون حافلة بمن لم يفكر يوما في المواجهة أو المقاومة، وترى ما ينزل بهم من العذاب والنكال والإذلال، يندفع إلى رأسك فورا تفكير عنيف يسأل مفترسا: كيف هذا؟ ولماذا؟

ثم لن تجد جوابا إلا ما يندفع إلى قلبك بأنه: لا فرار من القدر، فما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك.. فالقدر فوق الأسباب.. وما كل من سار في الطريق لقي الأذى، ولا كل من ابتعد عنه نجا..

وهكذا، يكون الفرار هو الفرار إلى الله..

تذكرتُ هذا الأمر، إذ قرأت "تلك العتمة الباهرة" للطاهر بن جلون.. وهي من أشهر أعمال أدب السجون في العالم العربي، كتبها صاحبها عن قصة حقيقية لمعتقل قضى ثمانية عشر عاما في سجن تزمامارت المغربي الرهيب، الذي هو علامة على عصر الملك الحسن الثاني.

وقد شاء الله أن تعالى، وذلك من حكمته، أن يبقى اسم تزمامارت علما على هذه الحقبة برغم كل ما بذله ملك المغرب لمحو هذا السجن من سجلات التاريخ.. عدد من المذكرات والأفلام الوثائقية والحلقات التلفازية التي أحيت ذكرى تزمامارت حتى صار عصيا على النسيان.

فمن لم يكن من أهل القراءة فلقد تيسر له أن يستمع، ومن لم يكن من أهل السرد فقد تيسرت له الدراما.. وهكذا يضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء!

وبعيدا عن تزمامارت الآن، فإن أكثر ما جذبني في تلك الرواية أن الذين قضوا في تزمامارت ثمانية عشر عاما لم يفكروا لا في المقاومة ولا المواجهة ولا التمرد، كانوا مجرد جنود، وكانوا ينفذون الأوامر.. بل إن بعضهم ركب السيارات العسكرية لمجرد أن يصل إلى المدينة أو لمجرد أنه نُسِي في إجازة سابقة، فخرج معهم لمجرد أنها وسيلة مواصلات!!

وهكذا إذن، شاب لا يفهم في السياسة ولا يعرف شيئا عن الدين، فهو بين مدرسته العسكرية في أهرمومو وبين بيت الدعارة وبين بيت أهله.. وجد نفسه فجأة مدانا في محاولة انقلاب، دفع ثمنها ثمانية عشرة سنة من عمره!

الجنون والموت من الغيظ هو نتيجة منطقية لاختلال المنطق وانعكاس كل شيء.. وقد مات عدد منهم بالجنون والقهر بالفعل.. ستون سجينا مات نصفهم بالفعل.

لئن كان في مناهضة الطغاة شيء من السلوى، فهي تلك السلوى.. إن الأسير الذي أغاظهم فسجنوه ليس مضطرا لمواجهة هذا الجنون، على الأقل هو يعرف أنه يدفع ثمن الطريق.. وتلك سلوى عظيمة لا يعرف قدرها إلا من اصطدم لأول مرة بالفرعونية والطغيان فتفاجأ بكل هذا الطوفان من الوحشية اللا منطقية واللا معقولة واللا مفهومة والتي لا يمكن حتى التصرف معها بحال!

تلك العتمة الباهرة..

لن أحدثك كثيرا عنها، فإنها من أشهر الروايات، وستجد آلاف المراجعات والمقالات المنشورة عنها.. يهمني أن أشير إلى ما أرى أنه يغيب ذكره..

كنت قد حدثتك أخي القاريء، وربما تكون مللت مني في هذا، أن أدب السجون من ثلاثة فروع أرشحها دائما لمن يحبون قراءة الروايات، وهي: كتب المذكرات والسير الذاتية، كتب الرحلات والأسفار، أدب السجون.. ذلك أنها كتب تجمع بين كونها حقيقية -لا خيالية- وبين كونها خفيفة غير ثقيلة ولا جافة كما هي كتب العلوم الأكاديمية.

إن كتب المذكرات تبسط لنا علوم السياسة والحرب والتاريخ والاجتماع وعلم النفس أيضا، بحسب كاتبها.. وكتب الرحلات والأسفار تبسط لنا علوم التاريخ والحضارة والثقافة والسياسة والاجتماع.. وأدب السجون تبسط لنا علوم النفس والاجتماع والتاريخ!

وربما أقسم أن الذي يعكف على تلك الكتب تدبرا وتأملا، يستطيع أن يستفيد منها ما لا يستفيده الدارس الأكاديمي الذي يقرأ تلك العلوم في أثواب صفيقة غليظة وتصنيفات صارمة جامدة تنسف الانسجام الإنساني الكائن في تلك العلوم، فتجعلها تحليلا جافا لجزئيات متناثرة.

تلك العتمة الباهرة.. كتاب يخوض في علم النفس فحسب!!

هو لا يهتم بالتاريخ ولا بالحديث عن المغرب ولا الملك ولا الانقلاب وأسبابه.. إنما هو تعمق طويل في أساليب النفس حين تواجه محنة ضخمة لا فكاك منها!!

صاحبنا صاحب الرواية كانت له طريقته في ذلك، الاستسلام التام، النسيان التام، الطرد التام للأفكار والماضي، الطرد التام للمستقبل، محاربة الأمل، محاربة الكراهية.. سيبذل جهدا عظيما لكي لا يكره جلاديه، ليس من أجلهم، بل خوفا أن تكون هذه الكراهية هي النار التي ستأكله وتقتله.. سيعكف طويلا على نفسه وتأملاته وصمته الطويل، يحاول بذلك أن ينسحب من نفسه ويحلق في عالم الروح.. نجح أحيانا ووصل لما يمكن أن نسميه مقامات روحية عالية، ولما قد يسميه آخرون تهيؤات وهلاوس..

كان يلح علي طوال القراءة في هذا النمط سؤال يقول: هل هذه أيضا هي طريقة شعوبنا المقهورة في مواجهة محنتها؟.. إن الهرب إلى المخدرات أو إلى كرة القدم أو إلى الشهوة أو إلى الانغماس في عمل الخير أو إلى التصوف المنسحب.. كل هذا أليس هربا؟!

أليست محاولات التماس الأعذار للسلطة والجلادين هو هرب أيضا من مواجهة الحقيقة المرة التي يكون الاعتراف بها محنة بلا حل؟!

هل يكون علم النفس هو صورة مصغرة لعلم الاجتماع؟!

على كل حال، سواءٌ أعجبتك طريقة صاحبنا هذا في مواجهة محنته أم لم تعجبك.. فالمؤكد أنك ستتوقف طويلا أمام أنواع الموت في تزمامارت..

هناك من مات بالإمساك، تراكمت فضلاته في جوفه، تُرك بلا علاج حتى مات.. وهناك من مات بالإسهال، نزف كل ما في جسده حتى مات.. وهناك من مات باحتقان البول!

هناك من مات بالطعام الجيد، فحين تحسنت الأحوال في الشهور الاخيرة -لأن نظام المغرب أُحرج بانتشار فضيحة تزمامارت- لم يتحمل جسد أحدهم الطعام الجيد بعد ثمانية عشر عاما من الطعام الرديء.. فمات!

وهناك من مات من الجنون.. ومن المأساة في تزمامارت أن كلبا عضَّ أحد الجنرالات -فيما يبدو- فحكم عليه بالسجن خمس سنوات في تزمامارت.. لم يتحمل الكلب أسابيع، زمجر وغضب أول الأمر، ثم استكان وأنَّ وبكى ثانيا، ثم جُنَّ وهاج حتى خافه السجانون فلم يجرؤوا على إطعامه، فمات..

وهناك أنواع موت مبتكرة، فهناك من مات بسبب فقد الحِكاية.. كانت الحكاية سلواه، فلما مرض الذي يحكي فسكت وغشي عليه، مات الذي فقد سلواه!!

لكن موتا شدّني جدا.. لقد مات أحدهم من الشكّ..

في كل قصة سجن ستجد قصة معركة بين المساجين، إن الهزيمة تثير الإحباط، وتثير الشك في الطريق، ستقرأ قصة كهذه في كل عمل عن أدب السجون.. وفي قصتنا هنا اشتعلت مشادة بين سجينيْن لحسين وسليم على النحو التالي:

قال لحسين لسليم: أنت ابن زنا، أبوك نديم الملك وسميره، فلولا أنه يعرف أنك لست ابنه لتوسط لك ليعفو عنك!

ردَّ سليم، وقد بلغ منه الاستفزاز مبلغه، بواقعة قديمة خلاصتها أن لحسين استطاع -قبل أن يأتي لتزمامارت- أن يلتقي بزوجته في مستشفى سجن القنيطرة، فوقع بينهما ما وقع بين الرجل وامرأته، فحملت منه، فولدت ولدا.

لم يجد سليم إلا أن يستفزه فيقول له: كيف تصدق أن هذا ولدك؟!.. لقد أنجبته من آخر.. ما الذي يدريك؟!

وهنا انهار لحسين.. لقد وقع في نفسه الشك.. ومع أن سليما بذل كل جهد فيما بعد لينزع عنه هذا الشك وليعتذر عنه بأنها ساعة غضب قال فيها زورا، إلا أن لحسين لم يرجع عن شكه.. لقد حطم تزمامارت نفسيته، وجعلها هشة ضعيفة.. وما زال في شكه حتى مات!!

تلك الواقعة تحديدا قد تفسر لماذا تنتشر بين شعوبنا الشائعات الفجة الحقيرة التي تضرب اطمئنان الناس في أوثق صلاتهم الاجتماعية، إن حياتنا تحت ظل الاستبداد القاهر هي التي تنتج شكوكا فظيعة بين الرجل وزوجه، وبين الرجل وابنه، وبين الرجل وأخيه.. ولذلك تكثر حوادث القتل بشبهة الخيانة!!

الوضع القاهر يهيئ النفس لتصديق كل الشكوك، فإذا كان الفقر مصحوبا بالانحلال الأخلاقي والاجتماعي، فإنه ليس بعيدا أن تكون الجرائم والفواحش هي الحلول الأقرب لتفسير كل شيء.

قبل عقود لم يكن سهلا تصديق أن تزني المرأة بدافع الفقر، أو بدافع الحب.. كانت المجتمعات قوية متماسكة متعارفة.. فللمرأة آلاف السبل لتأكل دون أن تفرط في نفسها، وأمامها آلاف الخواطر والتهديدات لو فكرت في الخروج عن النظام الاجتماعي والمخاطرة بالتفريط في شرفها.. الآن ليس الوضع كذلك.. الآن يسهل تصديق هذا في المجتمع الذي اجتمع فيه الفقر والانحلال.. ولهذا يسهل جدا الإيقاع بين الأسرة الواحدة، ولهذا تكثر الجريمة، ويكثر الانتحار!!

أحد الحراس في تزمامارت بدأ في التعاون مع السجناء، فصار يهرب لهم العقاقير المسكنة أو الفيتامينات.. سأل أحدهم: أي نوع تريد؟ فقال السجين:

أريد أي نوع من العقاقير فعندي كل الأوجاع

نعم.. هكذا كان.. وهكذا هي مجتمعاتنا الآن.. نحن الآن في حاجة لأية عقاقير، ولأي نوع من العلاج، نحن نحتاج كل التخصصات، كل المسعفين، كل الأطباء، كل علماء النفس والاجتماع والدعاة والوعاظ والعلماء..

لقد منع عنا الطغيان والاستبداد كل أنواع الدواء، في الوقت الذي فتح فيه علينا كل أنواع المرض.. وصرنا نحتاج لكل قطرة جهد وكل كلمة حق وكل دعوة خير..

علينا أن نتعامل مع أمتنا بهذه النفسية: نحن بحاجة إلى أية أنواع من العقاقير، لدينا كل الأوجاع!!


السبت، يوليو 24، 2021

عن كتاب "نقد التقليد الكنسي"

لست باحثا في مجال الأديان، ولا أنوي أن أكون، ولم أعرف بكتاب "نقد التقليد الكنسي" إلا من خلال التحريض الكنسي عليه، وهو التحريض الذي استجاب له السيسي فصدر الأمر بمصادرة الكتاب!

وأول ما سمعتُه عن الكتاب كان هو هذا التحريض الكنسي لأحد آباء الكنيسة المصرية "أغاثون، أسقف المنيا" واستفزني منه عبارتان على وجه التحديد، وهما:

1. قوله: أن هذا الكتاب لا يمكن أن يكتبه مسلم، لأنه لا يمكن للمسلم أن يحيط بهذه التفاصيل!

2. قوله: هذا الكتاب جعل الكنيسة المصرية صفرا وهدم كل ما قامت عليه!

ثم هدد بأن بقاء الكتاب قد يشعل فتنة طائفية، ولأن السيسي يمكن أن يفرط في أي شئ إلا في بقاء الكنيسة قوة في ظهره فقد استجاب سريعا

وهكذا ترى عزيزي المسلم في مصر أن الكتب التي تسب الإسلام تُطبع طباعة فاخرة، بما في ذلك كتب التنصير التي تطبعها الكنيسة نفسها، وكتب الإلحاد، بل إنك لتجد كبار العلمانيين والملحدين والمشككين في القرآن والسنة والصحابة أصحاب برامج على القنوات المصرية.. بينما باحث مسلم يتخوف من مصادرة كتابه إذا كتب في نقد المسيحية، دين الأقلية التي لا تتجاوز 5%.

بالمناسبة: من الضروري يا أيها القارئ أن تتذكر جيدا أن كاتب هذا الكتاب ليس سلفيا وهابيا، وليس إخوانيا معارضا، إنه أزهري.. نعم، كما تقرأ الآن، أزهري ينتسب إلى الأزهر الشريف.. هذا الأزهر الذي لطالما استعملته السلطة كغطاء لها في حرب الإسلام، فألبسته ثياب الاعتدال والوسطية كأنهما حكر عليه ولا يخرجان عنه!!

فكاتب الكتاب أزهري، وممن قدَّموا له أستاذ بالأزهر..

ولكن، لا قيمة للأزهر -قلعة الوسطية والاعتدال والاستنارة- إذا غضبت الكنيسة، فليُصادر الكتاب ولو كان كاتبه أزهريا، ولو كان الذي يزكيه من أساتذة الأزهر!!

قصة الأقباط في مصر قصة طويلة ومريرة ولا يتسع لها المقام، إنهم حقا أسعد أقلية في العالم.. ومن رأى منكم دولة تُصادَر فيها الكتب العلمية لأنها تغضب الأقلية، فليخبرنا مشكورا مأجورا.

لنعد إلى غرض هذا المنشور.. وغرضه أني قرأت من الكتاب مائة صفحة، وهي حوالي ربع الكتاب.. وهو غاية ما أستطيعه في ظل انشغالي بأمور أخرى، ولولا استفزاز هذا الكاهن ما تحمست لقراءته!

ولقد كنتُ منتبها في قراءته لأمريْن؛ أولهما: لغة الكاتب وهل يمكن أن يتطرق الشك لكون الكاتب ليس هو نفسه؟ وثانيهما: هل يمكن أن يبلغ كتاب من الخطورة بحيث يكون تهديدا وهدما لكل الكنيسة المصرية؟!

فأما لغة الكتاب فلا شك عندي في أن صاحب الكتاب هو صاحبها، فللأزهريين لغة معروفة، فيها مسحة أصيلة من علم الكلام الذي يدرسونه، وطريقة صياغاتهم في التعبير عن المعاني لا تزال واضحة.. وهي تفارق -بوضوح- طريقة الباحثين من غير الأزهريين ممن تخرجوا في الجامعات المدنية! وهذا أمر لا أستطيع التعبير عنه، ولكنه أمر يتذوقه بسهولة من يمارس الكتب والبحوث!

ثم إن المؤلف كان حريصا على اللغة العلمية الهادئة، فلم ينجرف إلى السخرية والاستهزاء، مع أن بعض المواطن تشد القارئ شدًّا لكتابة تعليق ساخر.. بل كان الرجل من الحساسية بحيث أنه لما نقل نقلا عن الأستاذ علي الريس تحفظ على كلمة ساخرة قالها علي الريس في الحاشية!!!

ومع أصالة لغة المؤلف التي تظهر فيها طريقته الأزهرية، فإن المؤلف قليلا بل نادرا ما تكلم.. إن الكتاب هو حشد من الاقتباسات، ومن المراجع الكنسية المعتمدة، وما فعل هو إلا أن ربط بينها بعبارة أو بعض عبارة!!

وأما أن الكتاب يهدم الكنيسة -كما قال أغاثون- فأمرٌ يكاد يكون صحيحا.. وإنما أقول "يكاد" لأني لست من أهل هذا المجال وأتحفظ أن أدخل فيما ليس لي به علم!!

ولكنني مع كل صفحة من الكتاب أزداد اندهاشا..

إن النقد العلماني والاستشراقي المتوجه لعلم الحديث النبوي الشريف، قد أجبرنا أن نخوض بعض الحوارات في شأن الحديث وطريقة روايته وأسانيده وعلله.. وفي كل مرة كان يثبت بغير شك أن علم الحديث بناء شامخ صلب متين، وأن نقد العلماء المسلمين للمرويات وطرائقهم في تصحيح الحديث وتنقيحه هي غاية ما يمكن أن يصل إليه عقل بشر أو مجهودهم.. وأبسط دليل على هذا هو أننا لو عاملنا الأخبار التاريخية بمنهج المحدثين لانهار التاريخ كله ولم تصح منه رواية واحدة!!!

ولذلك لا يمكن كتابة أي تاريخ وفقا لمنهج المحدثين.. بل إنني أحيانا يداخلني الغيظ من هذا التشدد الحديثي!!

عندما قرأت كتاب "نقد التقليد الكنسي" كنت أهتف من أعماق قلبي: أين العلمانيون والمستشرقون من هذا؟!.. أين هم من هذه المعلومات المتناثرة التي لا يصلح لها حتى أن توصف بالروايات المهلهلة.. إن أصول الدين نفسها معرضة للنقد بسهولة، فصاحب الإنجيل لا يُعرف من هو على وجه التحديد، ولا يعرف تاريخ مولده ولا وفاته على وجه التحديد، ولا يعرف هل زار مصر أم لا، ولا يعرف هل هو من الرسل السبعين ليسوع أم لا.. وكل المعروف عنه معلومتان أو ثلاثة، ثم بُنِي حولهما بناء ضخم.. مع الأخذ في الاعتبار أنه لا يمكن الجزم بأن هاتين المعلومتين يخصان مرقص كاتب الإنجيل، فربما كانتا عن مرقص آخر!!

إن الكتاب يصيب بالدوار حقا..

ومن الغريب أن الكاتب لا يتكلم من تلقاء نفسه، بل يحشد المقولات المسيحية من المراجع المعتمدة المشهورة التي تؤخذ منها أصالة هذه المعلومات.. وبعض هذه المراجع التي أخذ منها هي المراجع التي توصي الكنيسة بقراءتها!!

وبعض النقاشات والأقوال هي لرؤوس الكنيسة الذين تولوا كرسي البطريركية مثل الراحل شنودة!

إن الكتاب يضع المسيحي في محنة حقا.. ولكن الأهم من هذا أنه دليل جديد يُرسِّخ في وعي المسلم أن كبار أهل الكتاب وعلماءهم يعرفون مقدار ما هم عليه من الباطل، ويدركون هشاشة ما يستندون عليه من الأدلة، فما هي إلا ظنون أو أوهام!

على العلماني أو المستشرق أو التنصيري الذي يأتي ليجادل المسلمين في علم الحديث وتدقيقهم في المصادر، أن يأخذ جولة عند النصارى إن كان يهمه بالفعل طلب الحق والوصول إلى الحقيقة.. أما أن يترك الخشبة التي في عينيه ويأتي ليبصر الذي يظنه قذى عندنا فهو دليل على أن طلب الحق هو آخر ما يريد!!


الثلاثاء، يوليو 06، 2021

موجز تاريخ الإسلام - كارين أرمسترونج

 


§        الكتاب: موجز تاريخ الإسلام

§        المؤلف: كارين أرمسترونج

§        المترجم: أسامة شفيع السيد

§        الناشر: منتدى العلاقات العربية والدولية

§        سنة النشر: 2021

§        عدد الصفحات: 239

 صدرت قبل أيام الترجمة العربية لكتاب "موجز تاريخ الإسلام" للباحثة البريطانية المعروفة كارين أرمسترونج، وهذه الترجمة كانت -على حد ما أعلم- آخر شيء كتبه الدكتور أسامة شفيع السيد رحمه الله، الذي فارق دنيانا إلى رحاب الله في رمضان الماضي، متأثرا بفيروس كورونا.

وهي الوفاة التي هزَّت أوساط الشباب والباحثين في مصر، فلقد كان د. أسامة ممن تعقد عليه الآمال، وكان كما وُصِف بحق "نابغة الشباب"، وقد كان على مستوى رفيع من الأخلاق يناظر ما هو عليه من التميز العلمي.

وهذه الترجمة -وقد أتيح لي الاطلاع عليها قبل صدور الكتاب بأشهر- دليل صدق، وذلك أنها لغة سلسة سهلة مع كونها رصينة عالية، لا تصدر إلا عن ذائقة أديب، وفير الحصيلة من الأمثلة والتراكيب العربية.

ويشعر المرء إذ يقرأ الكتاب أن المترجم -رحمه الله- كان منشطرا بين الدقة العلمية وأمانة النقل التي يلتزم بها الباحث، وبين التصرف في التركيب الذي يقتضيه تحويل المعنى إلى اللفظ العربي، لذلك كثيرا ما كتب العبارة ثم فتح قوسا كتب فيه [حرفيا: كذا]، يشير إلى الفارق بين الترجمة الحرفية وبين اللفظ الذي سبكه للتعبير عن المعنى.

والإقدام على ترجمة كتاب لكارين أرمسترونج فيه روح التحدي، وذلك أنها من أشهر اللذين تترجم كتبهم إلى العربية، بل قد تعددت ترجمة الكتاب الواحد لها مثل كتابها "سيرة النبي محمد" وهو هو نفسه "محمد نبي لزماننا"، وكذا كتابها "معارك في سبيل الله" وهو نفسه "النزعات الأصولية في اليهودية والمسيحية والإسلام".. وغيرها.

كذلك فقد سبق إلى ترجمة كتب كارين أرمسترونج عريقون في الترجمة مثل محمد عناني الذي ترجم كتبها "سيرة النبي محمد"، وكتابها "القدس: مدينة واحدة وعقائد ثلاث" وكتابها "معارك في سبيل الله".. وكذلك محمد الجورا الذي ترجم "الإسلام في مرآة الغرب" و"النزعات الأصولية" و"الله والإنسان". وللصديق الشاب المترجم الواعد أسامة غاوجي تجربة في الترجمة لها، حيث ترجم كتاب "حقول الدم: الدين وتاريخ العنف".

وهذه العوامل تثير إحجام المترجم عادة لأن المقارنة حاضرة، ولكن د. أسامة -رحمه الله- كان على قدر التحدي، مع أنه يصف نفسه في سيرته الذاتية بأن إتقانه للإنجليزية جيد لا أكثر، بينما هو أقدر على الترجمة من الفرنسية.

أجمل ما في هذا الكتاب أنه سلس مختصر، يأخذ بعضه بزمام بعض حتى نهايته، وهذا ما دفع المترجم إلى الإقبال على نقله إلى العربية، مع أنه صدر لأول مرة في عام 2000 أي قبل عشرين سنة! وهي عشرون سنة تدفقت بالأحداث التي تصب بشدة في صلب الكتاب.

وبرأيي فإن هذا الكتاب هو أضعف كتب أرمسترونج، وتكمن قيمته في أنه يفسر تصور الكاتبة عن الإسلام أو عن الأديان عموما، وهو التصور الذي يتوقف أمامه القارئ لكتب أرمسترونج، لا سيما: سيرة النبي محمد، والقدس، والله لماذا..

لئن كان كتاب سيرة النبي محمد مشبعا برائحة مونتجمري وات، فأشعر أن هذا الكتاب مشبع برائحة مارشال هودجسون. أقول: أشعر، لأنها صرَّحت بنقلها عن مونتجمري في بداية كتابها "سيرة النبي محمد" وكنتُ قد قرأت كتابي مونتجمري "محمد في مكة" و"محمد في المدينة" فصدَّق الخبر النظر.. ولكنها لم تصرح في هذا الكتاب بنقلها عن هودجسون كما أني لم أُنْهِ بعد كتابه "مغامرة الإسلام" فيظل كلامي في مجال الظن والحدس.

للكاتبة قصة في الانتقال من الرهبانية المسيحية إلى الخروج من دائرة الأديان والنظر إليها نظرا موضوعيا كما يفعل العلماني، لكنها مع ذلك شديدة التعلق بالروحانية والروحانيات، بل كانت بداية قصتها مع الإسلام الروحانيةُ التي شعرت بها في زيارة إلى سمرقند.

ولهذا، فمجمل أفكارها الرئيسية، وهي التي دارت عليها كتبها، تتلخص في أن الأديان ضرورة للإنسانية، وأن الإنسان لا غنى له عن الروحانيات والأخلاق التي توفرها الدين، وأن كل ما تقوله العلمانية عن العنف الديني وتاريخه الدموي قد فعلته العلمانية بأعتى وأوسع وأشرس مما فعله تاريخ الدين، بل إن العلمانية -مع ذلك- خربت حياة الإنسان الروحية وأظلمت علاقاته الاجتماعية!

ولهذا، فهي بقدر ما تدافع عن الإسلام أمام الصورة المشوهة التي صنعها الغرب، فهي تريد من الإسلام أن ينسجم مع تصورها للروحانية.. ويفلت منها الزمام تماما حين تعالج مسائل السياسة والجهاد والنبوة، إنها تريد من الدين أن يكون الرائحة الجميلة التي تعبق الحياة الإنسانية، بشرط أن تبقى رائحة غازية، أو عطرا سائلا.. ويصيبها التوتر إذا كان الدين شيئا صلبا له رأي وتوجه وطريقة لإدارة الحياة.. هنا تحاول بقوة أن تفسر "تصلب الدين" بأوضاع اجتماعية واقتصادية وتاريخية!!

إنها ذات وجه مشرق فيما يخص الدفاع عن الإسلام مقابل التشويه الغربي له، وتحسن للغاية في تذكير الغرب بما أعطاه الإسلام للإنسانية من إنجاز حضاري ومن روحانية، وفي تذكيره بما اقترفته المسيحية والعلمانية من جرائم وخطايا عبر تاريخها، وفي تذكيره بأن هذه الجرائم والخطايا لها نصيب قوي في نشأة "التطرف" (أو: الأصولية)، فالأصولية هي ردة فعل الأديان وأهلها على الحداثة العلمانية، وهي موجودة في كل الأديان.. فلماذا تتخوفون من الإسلام وحده؟

ولكنها ذات وجه آخر حين تتحدث عن ضرورة أن ينتج المسلمون أفكارا إسلامية جديدة تتكيف مع الحداثة ومع المجتمع الصناعي (ففي تصورها أنه دين مناسب للمجتمعات الزراعية)، وهي تنزع أيضا إلى إدانة ما تراه تطرفا وإرهابا حتى لو أنها ساقت الظروف التي أنتجته وأثارته.

ولهذا كله فهي حفية بنموذج ابن عربي، وجلال الدين الرومي، وإلى حد ما بالغزالي.. وتنفر من نماذج ابن تيمية وسيد قطب، بل تنفر من الفقهاء الذين تراهم حوَّلوا الدين إلى مؤسسة دينية ظاهرية حرفية افتقدت الروح.

وهي ترى في عصور التفكك الإسلامي (ما بعد العصر العباسي الثاني) روحا أقرب إلى الإسلام من عصور الوحدة (الدولة العثمانية مثلا)، وذلك لأن الدين في تلك الفترات كان شأنا شخصيا أو شأنا شعبيا أو شأنا يرعاه العلماء، بينما كان حاضرا بقوة في بلاط الدولة وسياستها كما هو في العصر العثماني.

لقد كان أفضل فصول كتابها هذا "موجز تاريخ الإسلام" هو الفصل الأخير، وهو الفصل الذي تحدثت فيه عن الهجوم الاستعماري الغربي على العالم الإسلامي، وردة الفعل الإسلامية.. لقد كان هذا الفصل أقرب إلى أفكارها وأبحاثها وعالمها الذي تفهمه.. بينما كثرت أخطاؤها في الفصول الأولى التي تتناول التاريخ.

ومع أن المترجم د. أسامة -رحمه الله- أمسك أعصابه كثيرا في التعليق على أخطائها إلا أنه اضطر اضطرارا لكي يعلق على أخطاء شديدة الوضوح، فقد زعمت أن العدالة الاجتماعية في الإسلام أهم من الاعتقاد بالله. وأن الأنبياء كانوا يبنون رسالاتهم على الموروثات الجاهلية لأقوامهم. وأن الفتوحات كانت بغرض الغنيمة أو تحت ضغط الحاجة الاقتصادية. وأن الإسلام لم يهتم بنقد العقائد الأخرى بل اهتم بنقد السلوك الفاسد فحسب.

ولما نالت المؤلفة شيئا من التصوف لم يطق د. أسامة صبرا، فقد كان متصوفا، وانطلق قلمه في تعليق طويل، هو أطول ما في الكتاب من اعتراضاته عليها.

وفي الكتاب أخطاء أخرى واضحة تجاوز المترجم التعليق عليها، مثل: زعمها أن المسلمين أحجموا عن استكمال الفتوح في أوروبا لأنهم اكتشفوا فقرها وبرودة جوها وضعف غنائمها (ص68)، وهي في هذا متأثرة بنظرة جوستاف لوبون في كتابه "حضارة العرب" وجاك ريسلر في كتابه "الحضارة العربية". وزعمها أن حرب الأمين والمأمون دليل على سيطرة الروح العلمانية على القصر العباسي (ص79). وقد فهمت من فعل المؤرخين المسلمين -كالطبري- بإيرادهم جميع الروايات أنهم يضعونها كلها في مرتبة واحدة من الأهمية رغم تضاربها (ص100) وهذا هو عكس مقصودهم تماما، وإلا لما اهتموا بالإسناد!!. وزعمت أيضا أن المغول كانوا يتخذون من ثقافة الشعوب التي احتلوها ما يبنون عليه سياستهم (ص112) وهذا أمر ظاهر الخطأ.

كما فيه أخطاء من جهة المعلومات المشهورة كقولها إن آخر خلفاء بني أمية هو "المنصور" الثاني (ص71) والواقع أنه "مروان" ولم يلقب بالمنصور. أو أن بيبرس هو الذي انتصر في عين جالوت (ص111) والمشهور أنه قطز.

 

ويكفي هذا في باب ضرب المثال.

ومع هذا، فيجب القول أن في الكتاب نظرات جميلة، وتعليقات ذكية، وتحليلات جيدة، وسلاسة في الانتقال بين الأفكار، وإنصاف للإسلام وتاريخه.

ولكنه -مع هذا- لا يقارن في الجودة بأشباهه من الكتب الغربية ككتاب تاريخ الشعوب الإسلامية لكارل بروكلمان أو تاريخ المجتمعات الإسلامية للابيدوس أو تاريخ الشعوب العربية لألبرت حوراني.. فهذه الكتب أجود كثيرا جدا.

وإن محاولة الإقدام على تلخيص تاريخ أمة وحضارة هي محاولة كبيرة يتهيبها المتخصص الذي شاب شعره في هذا الباب وحده، ولا أدري لم استسهلت المؤلفة ذلك.. فهي لم تكتف بالتاريخ السياسي -وإن غلب هذا على كتابها- بل خاضت في التاريخ الفكري الفلسفي والصوفي والفقهي والمذهبي أيضا.. فكانت تأتي بالعجائب كحال من يتكلم في غير فنه.

الاثنين، مارس 15، 2021

نبذة في انحلال العلم




تقديمٌ لكتاب "مما قرأت" للصديق الأستاذ أحمد حمدان

رابط تحميل الكتاب: https://t.me/ibn889/196

فاجأني صديق ظريف ذات يوم على صفحته في الفيس بوك بقوله:

"قال الذي اخترع المسدس: الآن لم يعد من فارق بين الجبان والشجاع! وقال الذي اخترع الفيس بوك: الآن لم يعد من فارق بين الحمار والفيلسوف"!!

عبارة لاذعة في توصيف معنى انحلال العلم، حيث صار لكل قائل منبر، وصار لكل قولٍ مُعْجَبون ومشجعون، ولربما كتب المرء كلمة على سبيل المزاح أو كزفرة غضب وهو يعلم أنها نوع من المبالغة والزفرة، فإذا بالتعليقات المؤيدة والمستحسنة –بل والمهاجِمة- تجعل هذه الكلمة نظرية فكرية ومذهبا اجتماعيا، فإذا بالذي قالها يعتقد في نفسه أنه ينطق بالحكمة ويقول ما يطرب له الناس ويحسب أنهم مفتقدون لذكائه مفتقرون لحكمته متشوفون لزعامته! وبهذا يولد فيلسوف جديد من لحظة مزاح أو لحظة غضب!

وهكذا كثر الفلاسفة في زماننا!!

لكن: متى بدأت ظاهرة "انحلال العلم"؟ ومتى بزغت الفوضى في إبداء الرأي والنظر قبل التأهل الواجب لهذا؟

كالعادة ستختلف الإجابات عند الحديث عن بذرة أي ظاهرة تاريخية، حتى لقد سادت بين المؤرخين مزحة تقول: "يقول المؤرخ كانت بداية الظاهرة الفلانية في العام كذا، فيستدرك آخر فيقول: بل جذورها موجودة قبل هذا في العام كذا، فيستدرك ثالث ويقول: بل بذورها موجودة قبل ذلك في العام كذا".. على أننا مهما اختلفت الإجابات فسنقف لا شك عند اللحظة التي حرَّم فيها العلماء المطبعة وجرموا طباعة الكتب الدينية.

تلك لحظةٌ يكثر فيها التشنيع على علماء الدولة العثمانية، ثم على علماء الأزهر فيما بعد، إذ نُسِب إلى كلا الفريقيْن تحريمهما للطباعة. لست الآن بصدد تحقيق هذه الحادثة التاريخية، حيث يدور حولها كثير من الأخذ والردّ، ولكن القدر المؤكد فيها أن من أهم الدوافع التي جعلت العلماء ينظرون إلى المطبعة بارتياب وإلى آثارها بتخوف وحذر هو هذا المعنى الذي نتحدث فيه، معنى: انحلال العلم.

كان العلم يؤخذ عن أهله، يجلس الطالب في حضرة الشيخ فيقرأ عليه الكتاب، فيصحح الشيخ قراءة القارئ ويصحح فهمه كذلك، ومنذ فجر تاريخنا الإسلامي حذر العلماء من أخذ العلم عن الكتب دون شيخ، وذكروا أقوالا كثيرة تدور حول معنى أن الأخذ من الكتب دون شيخ يكثر فيه الغلط والوهم.

انتشر النساخون والوراقون في حضارتنا الإسلامية انتشارا عظيما، وسجَّل المؤرخون والرحالة والمستشرقون كثرتهم كما سجلوا عظمة المكتبات وانتشارها، ولكن هذا لم يمنع أن تكون الوسيلة المعتمدة لتلقي العلم هي الأخذ عن الشيوخ وإجازاتهم، ولا يرتفع قدر العالِم باتساع قراءاته بل باتساع مشيخته.

فمن هاهنا تخوف العلماء حين قدوم هذا الاختراع الجديد (المطبعة) أن يؤثر على انحلال العلم، إذ ستلد المطبعة في الدفقة الواحدة من الكتب ما كان النساخون يسهرون فيه شهورا، وهو ما ستفيض به الكتب عن حاجة طلاب العلم فيقرؤها من لا يجلس إلى الشيوخ، فيَضِلّ ويُضِلّ، فيولد بهذا طبقة جديدة من "علماء" جدد كانت مشيختهم هي الكتب.

فكأن المطبعة لم تلد كتبا إلا وولدت معها طبقة من القارئين قد انحلّ عندهم العلم!

ناهيك عن أمور أخرى تخوف منها العلماء، كأن تستخدم هذه المطبعة في تحريف القرآن وما يتصل به من علوم التفسير والحديث والفقه، إذ مهما كان الرأي في النساخين فإنهم في عمومهم من طلبة العلم وأهله والمتصلون به، فهم من جملة البيئة العلمية، ثم هم ينقلون عن أصلٍ هو خط المؤلف العالِم أو عن نسخة قُرِأَت عليه وأجازها، وإذا وقع الخطأ والتصحيف في نسخةِ ناسخٍ أمكن له أن يتداركها في نسخة أخرى ولن يقع ذات الخطأ لدى ناس آخر.. أما المطبعيون فأهل حرفة صناعية لا تتصل بالعلم بل بمهارة استعمال الآلة، ثم إن هذه الآلة التي تلد عددا كبيرا من النُسَخ لن تترك مجالا للاستدراك عليها.

بهذا التصوّر لم يكن الوقوف ضد المطبعة خطأً وتخلفا، بل ربما عددناه من أبواب حراسة الدين وحماية الثغور وصيانة العلم.

على أن مسيرة المطبعة قد بلغت شأوًا لم يتوقعه أحد في زمن ظهورها، لقد صارت المطبعة عمليا آلة مسعورة لا بد لها أن تستمر وتواصل الطباعة! مما كان مؤديا ولا بد إلى انحلال العلم انحلال مريعا!

كيف ذلك؟!

إليك مختصر القصة المؤسفة!

لقد رافق اختراع المطبعة زمن بزوغ الدولة الحديثة، الدولة المركزية التي تعتني بالسيطرة التامة على كل ما فيها ومن فيها، وقد اخترتُ لفظ "رافق" الذي يدل على المصاحبة هروبا من النقاش الجدلي حول موضوع: هل كانت فكرة الدولة الحديثة ومطالبها هي التي دفعت لاختراع المطبعة؟ أم كان اختراع المطبعة بمثابة السلاح الذي وجدته أحلام السيطرة في يدها فأولعت بها؟!

لنبتعد عن هذا الجدال الآن، يكفينا منه أن الدولة الحديثة المركزية استثمرت المطبعة كما تستثمر سلاحا جديدا، إلا أن المطبعة سلاح ناعم، يُخضع لها الجماهير دون أن يستشعروا منه عنفا وخطرا مهددا. فبالمطبعة استطعت الدولة بسهولة تضخيم جهازها الإداري وتوحيد وثائقها وتكثير دفاترها التي صارت تستوعب كل التفاصيل، ومن بعد ما كان الحاكم مكتفيا بمتابعة الأمور الخطيرة والمهمة عبر رسائل الولاة أو عبر الوثائق التي تسجل الشؤون الكبيرة والإجمالية، صار بإمكانه أن يفتح الدفتر ليعرف تفاصيل التفاصيل، فزادت بهذا سيطرة الدولة على الناس واستيعابها لدقائقهم الخاصة بما في ذلك أحوال صحتهم ومرضهم وأعدادهم ومواردهم وأرزاقهم مهما كانت حقيرة، وإن كل ما تطورت إليه الأنظمة المعاصرة من المراقبة والمتابعة والتدقيق فإنه فرع عن الإمكانية التي أتاحتها المطبعة.

وأخطر مما سبق أن المطبعة وفَّرت للسلطة أداة إعلامية لا ينافسها فيه أحد، ويرى بندكت أندرسون أن المطبعة واحدة من ثلاث أو أربعة وسائل أنشأت المجتمعات الحديثة التي هي "جماعات متخيلة"، حيث استطاعت السلطة من خلال وسيلة المطبعة (كوسيلة إعلام) أن تُشَكِّل خيالا عاما، تصنع به انتماءًا مخصوصا لم يكن موجودا من قبل. فالدولة من خلال المطبعة أصدرت الصحيفة الرسمية، وهي الصحيفة التي تنشر القوانين الجديدة وتنشر التعليمات الرسمية كما تنشر ثقافتها ورسائلها وقِيَمَها التي تريد ترسيخها، هذه الصحيفة الرسمية ينشغل بها كل الذين وضعتهم هذه السلطة ضمن حدودها فهم الذين تُوَجِّه إليهم خطابها، وبهذا صُنِعت "جماعة مُتَخَيَّلة" حيث صار الذين في أقصى جنوب البلد يشعرون بانتمائهم إلى ذات الجماعة التي ينتمي إليها من هم في أقصى شمال البلد، رغم أنه ليس بينهم في الواقع أي تشابه ولا علاقة.

في مصر مثلا يشعر الذي يسكن في رفح -أقصى الشمال الشرقي- أنه مصري مثل الذي يسكن في السلوم –أقصى الشمال الغربي- مثل الذي يسكن في آخر أسوان –أقصى الجنوب- مع أن التشابه والصلة والعلاقة بين ساكن رفح وجيرانه في غزة أكبر بكثير مما بينه وبين ساكن السلوم، وكذا ما بين ساكن السلوم وجيرانه في ليبيا أكبر بكثير مما بينه وبين ساكن أسوان، وكذا ساكن أسوان فإن ما بينه وبين أهل السودان أكبر وأقوى مما بينه وبين هؤلاء. ومع ذلك فإن المطبعة –باعتبارها وسيلة إعلامية سلطوية- جذبت هذه الأطراف لتربطها بخطاب واحد ولتصنع لها انتماءا متخيلا واحدا. وبهذا طرأ وضع جديد على عالمنا الإسلامي، فلقد كانت الأمة متصلة ببعضها مهما تقسمت أرضها بين الأمراء والملوك، وأما الآن فقد اتخذت هذه القسمة طابعا اجتماعيا وثقافيا وصارت أمرا عميقا في الوجدان الشعبي.

يمكن أن نتحدث طويلا في الآثار الضخمة التي ترتبت على وجود آلة إعلام سلطوية قوية الصوت واسعة التأثير، لكن الذي يهمنا الآن هو جانب واحد منها، الذي نحن بصدده، وهو مسألة "انحلال العلم" وكثرة المتصدرين والكُتّاب!

لقد كثرت المطابع، وكثر ما تخرجه من الكتب، ثم كَثُر ما تُخرجه من الصحف.. ولقد تعددت مشارب الصحف واتجاهاتها الفكرية، إلا أنها محكومة دائما بالمساحة التي تتيحها لها السلطة، فإذا اتسع صدر السلطة لبعض الحرية كان خيرا، وإلا فإن الصحف تعرف جيدا كيف تتجنب ما يسخط السلطة لتبقى على قيد الحياة.

في تلك اللحظة بدأت المطبعة تتحول إلى هذه الآلة المسعورة، الآلة التي لا بد لها أن تطبع، ولا بد لها أن تنشر. هنا ظهرت طبقة جديدة ممن يقدمون العلم للناس ويوجهون أفكارهم، طبقة الكُتَّاب والمثقفين والصحافيين، طبقة لا هي معدودة في العلماء ذوي التكوين الأصيل الرصين الثقيل، ولا هي معدودة في العامة، طبقة في منزلة بين المنزلتين. ولأن الصحف تحتاج أن تبيع فقد كانت رشاقة القلم وحسن الأسلوب مقدما على جودة المضمون وقوة المادة العلمية.

وهكذا بدأ انحلال العلم..

صاحب العمود اليومي أو الأسبوعي مضطر لأن يكتب، فهذا مورد ارتزاقه، وهذه نافذته إلى جمهوره، وهذا باب شهرته بين المثقفين والمفكرين وأهل القلم.. وحيث أنه مضطر أن يكتب فلا بد أن يخوض فيما لا يعرف بعد أن استنفد ما يعرف، ولا بأس أن يكتب ما يعن له من الأفكار والخواطر وإن كانت لم تنضج ولم يُتَمَعَّن فيها، ثم لا بأس أن يقصَّ بعضا من ذكرياته وما يمر به من أحداث، وعليه أن يُبدي رأيه في أحداث السياسة وشؤون العلم وحوادث التاريخ وسائر ما يستهوي أن يكتب فيه ويبدي رأيا.

وقد ظلت تلك الطبقة تنمو وتتوسع مع توسع وسائل الإعلام حتى أنتجت الإعلاميين في الإذاعة والتلفاز، ثم بلغت أقصاها مع مواقع التواصل الاجتماعي حيث صار الكل يكتب ما يريد ويلقي ما يريد، ولا تسأل عن ضياع العلم في ظل هذه الفوضى المريعة.

ولأن المطبعة صارت تلد كثيرا من الكتب، وتلد كثيرا من الصحف، فقد ظهرت مع ذلك ظاهرة أخرى هي عروض الكتب والتعريف بها.. وهذه الظاهرة كانت تسد حاجة لا بد منها، لقد صارت الأعمار أقصر كثيرا من أن تستوعب فيضان الكتب الذي تنهمر به المطابع، واتسعت المعارف اتساعا اختفت معه الموسوعية العلمية التي كانت سائدة في العصور الإسلامية الوسيطة، وصار الذي يحب متابعة شأن العلوم والمعارف محتاجا إلى من يقدم له فكرة عن الكتاب وعرضا له يُعَرِّفه بموضوع الكتاب وغرضه وأبوابه. وفي نفس الوقت فإن المؤلف نفسه، وكذا دار النشر، صار حريصا على أن يُنشر مقال عن كتابه ليعرف به، في ظل فيضان الكتب المستمر، ففي هذا غرض تسويقي للكتاب ومؤلفه.

وتوسعت هذه الظاهرة حتى صارت لعروض الكتب صحفا ومجلات متخصصة، وأحيانا صارت المجلات تتخصص في فرع واحد من فروع المعرفة تتابع ما يصدر فيه من الكتب. وأفرد كثير من المؤلفون كتبا يروون فيها أخبارهم مع الكتب والقراءة ويُبدون فيها آراءهم فيما قرؤوه منها، وبعضهم يضع أمانيه في كتب يحب أن تُؤَلَّف.

إن ظاهرة عروض الكتب هي في ألمع وجوهها نوعا من مقاومة "انحلال العلم"، فكأنها ارتياد أحدهم لمكان ما يستطلعه ويتبين معالمه، ثم يعود إلى قومه يخبرهم الخبر، كأن أولئك الذين يقرؤون ثم يرجعون لنا بالمراجعة كالطائفة التي نفرت من الفرقة تكفيهم عناء تجريب المُجَرَّب وارتياد المجهول.

لكم يكون المرء سعيدا حين يجد كاتبا مُجِيدا يقرأ الكتاب ثم يقدم له عرضا جميلا وافيا، فهذا يُوَفِّر عليه وقت استكشاف الكتاب وقراءته بنفسه، وربما كانت المراجعة بحد ذاتها سببا في انطفاء الشوق أو اشتعاله لقراءة كتاب، فهي سبب أصيل في قرار القارئ أن يقرأ أو يترك!

وكان هذا الباب هو سبب التعارف على الصديق العزيز الأستاذ أحمد الحمدان عبر مدونته التي احتوت مراجعاته للكتب، حيث ظللت شهورا أتابع مدونته وألتهم جديد مراجعاتها الطريفة المفيدة. وكانت العديد من مراجعته مما اكتفيت به عن قراءة كتاب ما أو شجعتني لقراءة كتاب ما. وقد استفدنا منه والحمد لله في مجلة "كلمة حق" حيث كان له مقال ثابت يستعرض فيه كتابا جديدا بأسلوبه الرشيق.

ولقد كنتُ واحدًا ممن تشوف وتشوق أن يجمع أخونا أحمد هذه المراجعات في كتاب واحد، ليكون ذلك سببا في اتساع الانتفاع بها، لا سيما بعد تكرر إغلاق حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي، وحين عرض عليَّ هذا الكتاب وجدتُ أنه فاتني من مراجعاته أكثر بكثير مما قرأته، ودخلت معه في رحلة لذيذة بين أروقة الكتب المتنوعة، من الدين إلى السياسة إلى التاريخ إلى الأمن إلى الروايات إلى المذكرات الشخصية إلى غير ذلك من فروع المعرفة.

ومن مزايا أخينا أحمد ومراجعاته أنه يربط كثيرا بين ما يقرؤه، فربما لفت نظره موقف رواه ابن حزم في طوق الحمامة مع موقف آخر يرويه رجل أمن معاصر في كتاب عن الجاسوسية، أو معلومة يرويها نسابة في كتاب أنساب قديم مع معلومة أخرى من كتاب في السياسة المعاصرة.. وهكذا!

إنه كتاب يغني عن كتب كثيرة، ويفتح الطريق لآفاق عديدة، ويُعَرِّف بنواحٍ ما كان ليتعرف عليها القارئ بنفسه لا سيما إن كان متخصصا في مجال بعينه، ولهذا فهو رحلة تجمع بين الجمال والمتعة وبين الفائدة والمنفعة.

أسأل الله تبارك وتعالى أن ينفع بها قارئها، وأن يتقبلها من كاتبها، وأن يكتب لها القبول، وأن يجعلها علما نافعا خالصا لوجهه الكريم.