الأربعاء، مايو 06، 2026

الصمود الذي غيَّر التاريخ!

 


هذه سطور في فضائل الصمود، ليست حديثا نظريا، بل وقائع عملية مُختارة من صفحات التاريخ، نرى فيها كيف أن صمود رجل أو جماعة قليلة في لحظة ما، استطاعت تغيير مجرى التاريخ، وتسجيل نتائج حاسمة عاشت لقرون طويلة!

من هذه القلة الصامدة تبدأ التحولات التاريخية الكبيرة، مع أنهم في الأغلب لا يدركون بأنفسهم عظمة ما يصنعون ولا اتساع تأثيره ولا امتداد آثاره عبر القرون!

إن القدرة على المقاومة في لحظة الضعف وانتشار اليأس أمر لا يتمتع به إلا نوادر الناس. وأولئك هم الذين يكونون ملاذ الأمم وبذرة انتهاضها من جديد! هذا الصنف من الناس هم الذين يصمدون فيقاتلون ويقاومون مهما كانت الظروف، ومهما كانت موازين القوى.

وفي الذروة من هذا الصنف من البشر، أولئك الذين منحهم النبي ﷺ وسام “سيد الشهداء”، وهو الوسم الذي احتفظ به رجل يقاوم في الظرف المستحيل، قال ﷺ: “ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله”[1].

إنه الرجل الذي يجابه السلطان الجائر بكلمة الحق، وهو يعلم أنه سيموت.. الرجل الذي يقاوم ويعرف أنه سيدفع الثمن لا محالة، وربما يدفعه دون أثر كبير في المعادلة الكبرى.. الاستشهادي الذي سيكون هو أول شهيد في عمليته الفدائية.. الانغماسي الذي يُلقي بنفسه وسط العدو رجاء أن يُنكِّل بهم ويفتح طريقا لأصحابه من بعده.. أولئك الناس الذين يخرجون عن قانون البشر هم الذين يغيِّرون التاريخ أو يكونون بذرة تغييره!

ولمثل هذا تخشى السلطات والتقنيات الأمنية مما يسمونه “الذئب المنفرد”.. لهم تسميتهم ولنا تسمية نبينا بأنه “سيد الشهداء”! أولئك الذين يقاومون في الظروف المستحيلة، كان إيمانهم بقضيتهم أعلى من كل أمل مشهود أو منشود، وفي حالتنا نحن المسلمين، كان إيمانهم بالله وبوعد الآخرة وبالجنة أقوى من كل نتيجة مرتقبة في هذه الدنيا، ولهذا أُطلق على الذين يُقتلون في سبيل الله: شهداء.. أي أنهم شهدوا بأرواحهم على حقيقة الله واليوم الآخرة، وهو أسمى مراتب الإيمان واليقين، فالروح أغلى ما يملكه الإنسان.

أولئك الذين يقاومون في الظروف المستحيلة هم الذين يمهدون الطريق لمن بعدهم، ولذلك وصفهم النبي بالغرباء.. لأنهم غرباء بين الناس كأنهم ليسوا منهم.

إلا أن هؤلاء هم من يجدد الأمل في نفوس المغلوبين، ويجدد الفزع في نفوس الغالبين، يعلنون بأعمالهم هذه أن المعركة لم تنتهِ والاستسلام لم يقع، وما زال ثمة أمل للمغلوب، وما زال ثمة خطر يتهدد الغالب! فهم بتضحيتهم هذه يعلنون أن الأمل لم يمت، وأن اليأس لم يهيمن!

والإسلام يُجَهِّز أبناءه ليكونوا على أعلى قدر من الاستعداد والفعالية، لقد حفل القرآن الكريم والسنة النبوية بما ينتشل الإنسان من لحظة الضعف والهزيمة، حين ينهزم بالمعصية أمام نفسه وأمام الشيطان، أو حين ينهزم أمام عدوه من الكافرين، ويمتلئ القرآن بما ينتشل المسلم من اليأس والاستسلام، ويحفزه ويحضه ويحثه على الجهاد والصبر والمثابرة، كما في قوله تعالى ﴿لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [يوسف: 87]، ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 64]، ﴿يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ﴾ [الزمر: 53]، ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَٰلِحًا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٍ﴾ [الفرقان: 70]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]، ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: 286]، ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30].

وتكتظ السنة بهذه المعاني كذلك، فالجهاد ذروة سنام الإسلام[2]، والشهيد في أعلى درجات الجنة حتى ما من أحد يتمنى أن يعود إلى الدنيا بعد دخوله الجنة سوى الشهيد، يريد أن ينال شهادة أخرى[3]، وفي الحديث القدسي يقول ربنا: “يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم”[4]، وأخبر النبي عن ربه أنه لا يزال يغفر لعباده ما داموا يستغفرونه[5]، وأخبر أن الله “يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل”[6].

هذا هو الأمل الذي لولاه لما كان في المسلمين مجاهد ولا شهيد.. أملٌ عريقٌ راسخٌ من صميم الإيمان لا ينفلت عنه ولا ينفصم، ولهذا كان الإسلام هو الخطر الكبير على الجبابرة والمتكبرين، ولا تزال أحلامهم وآمالهم في تغيير نصوصه وتحريف معانيه وتأويل كلامه تسيطر على مجهودهم، يريدون أن يبدلوا كلام الله.

نضرب الآن أمثلة من التاريخ على ضرورة الصبر والصمود، وكيف أفضى هذا إلى نتائج فارقة وخطيرة، ليرى العامل لهذا الدين كيف يجب عليه أن يتسلح بالصبر والصمود، لا سيما ونحن الآن في أزمنة استضعاف وهزيمة لا بد لنا فيها من هذا الصبر والصمود.

 

(1)

أولى الناس بالصبر والصمود من أقاموا الأديان من الأنبياء والمرسلين، لا سيما أولي العزم من الرسل، ومثلهم في هذا الجانب أولئك الزعماء الكبار الذين أسَّسوا دولا وممالك، فإن هذا أمر لا يتم بغير عزيمة هائلة وصبر لا ملل معه ولا نكوص عنه، فما من مؤسس دولة ومملكة إلا وهو آية وقدوة في الصبر والصمود، وبذلك استطاع أن يقلب أوضاع زمنه وينشئ دولته، ويغير التاريخ في حياته ومن بعده!

وأعظم هؤلاء قاطبة: نبينا محمد ﷺ، إذ هو الوحيد في تاريخ البشر الذي أقام دينا عظيما، وأقام حضارة عظيمة أيضا، ولهذا وضعه مايكل هارت كأعظم رجال التاريخ، لأنه “نجح نجاحا مطلقا على المستوى الديني والدنيوي، وهو قد دعا إلى الإسلام، ونشره كواحد من أعظم الديانات، وأصبح قائدا سياسيا وعسكريا ودينيا، وبعد 13 قرنا من وفاته فإن أثر محمد ﷺ ما يزال قويا متجددا”[7].

وتتعدد مواقف صموده وصلابته ﷺ في سيرته، فمنها:

§     اشتد ضغط المشركين على أبي طالب ليكف النبي ﷺ، فأرسل إليه أبو طالب في شدة حر الظهيرة، فلما جاءه قال: إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم فانته عن أذاهم. فحلق رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء فقال: “ترون هذه الشمس؟”. قالوا: نعم. قال: “فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعلوا منها بشعلة”[8].

§     حديثه ﷺ لخباب بن الأرت حين جاء إليه يشكو ما نزل بهم من العذاب، فكأن النبي ﷺ رأى في كلامه بعض الضعف، فقال له: “كان الرجل فيمن قبلكم يُحْفَر له في الأرض، فيُجْعَل فيه، فيُجَاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيُشَقّ باثنتين، وما يصدّه ذلك عن دينه، ويُمَشَّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عَصَب، وما يصده ذلك عن دينه، والله لَيتِمَنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون”[9].

ومن ذلك ما قام به صاحبه وخليفته من بعده، والمؤسس الثاني لدولة الإسلام، أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وثباته وصلابته الهائلة في أحداث الردة، وهي الوقفة التي حفظ الله بها الإسلام والمسلمين، فقد أصرَّ رضي الله عنه على إنفاذ بعث أسامة، لأن النبي ﷺ أوصى بإنفاذه، وأصرَّ على مقاتلة المرتدين جميعا: من انخلع منهم من الإسلام بالكليّة، ومن منع منهم الزكاة، وقال مقالته الشهيرة: “والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها”، وكانت وقفته هذه من القوة والرسوخ بحيث قال عمر: “فما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر رضي الله عنه بالقتال فعرفت أنه الحق”[10].

 

(2)

كان انتصار الإسلام في موجة الفتوح الأولى كاسحا وهادرًا، ولم تزل قوة المسلمين عظيمة تلقي المهابة في نفوس الأعداء، ولم يحدث أن فكر الروم في استرجاع الشام من المسلمين إلا بعد ثلاثة قرون، ثم انتهت دون تحقيق كبير نجاح، حتى جاءت موجة الحملات الصليبية في القرن الخامس الهجري، فاستطاعت الحملة الصليبية الأولى أن تحتل الساحل الشامي، وأن تؤسس أربعة إمارات صليبية، كانت مراكزها في: الرها وأنطاكية وطرابلس وبيت المقدس.

وجاءت هذه الموجة في وقت عصيب انقسم فيه المسلمون بين خلافتيْن: الخلافة العباسية في بغداد، والخلافة العبيدية (الفاطمية) في القاهرة، وكان خط الاحتكاك بينهما في الشام الذي انقسم في الولاء بين العباسيين والعبيديين. ثم إن كلا الخلافتيْن كانتا قد دخلتا في طور من الضعف، فالعباسيون كانوا تحت السيطرة الفعلية للسلاجقة فيما عُرِف بعصر سيطرة السلاجقة، والعبيديين كانوا تحت السيطرة الفعلية لوزرائهم فيما عُرف بعصر الوزراء. ومما زاد في الخطورة أن دولة السلاجقة أيضا قد دخلت في انكسار مفاجئ بعد موت وزيرها الأقوى والأشهر نظام الملك الطوسي، وموت أميرها القوي السلطان ملكشاه في شهرين متتالين (رمضان وشوال 485ه)، فترتب على هذا انقسام الدولة السلجوقية الكبيرة إلى عدة دول، ثم انقسام ولايات الشام بين الأمراء السلاجقة الذين ضربهم التنازع.

في هذا الوضع الممزق جاءت الحملة الصليبية الأولى..

ومع ذلك، فإن النظر في تفاصيل ما جرى من المعارك يشير إلى أن بعض الأمراء لو بذل مزيدًا من الصمود والصبر، لكان مصير الحملة الصليبية هو الفشل، ولو فشلت هذه الحملة الأولى، لظل المسلمون قرنًا آخر على الأقل لا يجرؤ الروم على التفكير في استعادة الشام منهم، ولكن صبر الساعة المفقود هذا قد أورث الأمة قرنيْن من الكفاح الدامي، والذي كانت له نتائج فارقة في كل التاريخ الإنساني، فإن الحروب الصليبية هي واحدة من أهم الأحداث الفارقة في تاريخ هذا العالم.

لا يسعنا التوقف هنا عند كل اللحظات، ولكن اخترنا من بينها هذه اللحظة:

كان أمير أنطاكية يسمى ياغيسيان، وكان ذا ذكاء وبطولة، ولما سمع بتوجه الجيش الصليبي إليه، خشي من خيانة نصارى أنطاكية، فتحايل على إخراجهم منها حتى تمكن من ذلك، وجاء الجيش الصليبي فظلّ محاصرًا للمدينة تسعة أشهر لم يستطيعوا أن يفعلوا فيها شيئا لما أظهره ياغيسيان من القوة والمهارة، حتى هلك أكثرهم موتا وجوعا وعطشا، يقول ابن الأثير واصفا نتيجة هذا الصمود بأن الفرنجة “لو بقوا على كثرتهم التي خرجوا فيها لطبقوا بلاد الإسلام” أي لاحتلوا الكثير من البلدان وليس الشام فحسب.

ولكن الخيانة جاءت من حارس أحد الأبراج، استطاع الفرنجة أن يعدوه بالمال والإقطاع، فخان المسلمين، وفتح لهم الطريق، فانتهزوا فرصة فاقتحموا البلد من هذا المكان!

هنا انهار صمود ياغسيان دفعة واحدة، ففزع واستولى عليه الرعب، وفتح باب البلد وخرج هاربا هائما على وجهه، فكان هروبه هذا، كما يقول ابن الأثير، “معونة للفرنج، ولو ثبت ساعة لهلكوا”.

ومن شدة فزعه ورعبه، لم ينتبه إلى ما حصل إلا “لما طلع عليه النهار رجع إليه عقله، وكان كالولهان، فرأى نفسه وقد قطع عدة فراسخ، فقال لمن معه: أين أنا؟ فقيل: على أربعة فراسخ من أنطاكية، فندم كيف خلص سالما، ولم يقاتل حتى يزيلهم عن البلد أو يُقْتَل، وجعل يتلهف، ويسترجع على ترك أهله وأولاده والمسلمين، فلشدة ما لحقه سقط عن فرسه مغشيا عليه، فلما سقط إلى الأرض أراد أصحابه أن يركبوه، فلم يكن فيه مسكة فإنه كان قد قارب الموت فتركوه وساروا عنه، واجتاز به إنسان أرمني كان يقطع الحطب، وهو بآخر رمق، فقتله وأخذ رأسه وحمله إلى الفرنج بأنطاكية”[11].

وهكذا سقطت أنطاكية، وانفتح الطريق إلى بيت المقدس!

 

(3)

نجح صلاح الدين في سلسلة انتصارات قوية على جيوش الصليبيين، حتى توَّج ذلك بدرة انتصاراته في معركة حطين التي حطَّم فيها الجيش الرئيسي للصليبيين، ولم يبق بعدها إلا أن يفتح المدن والمعاقل، ففتح بيت المقدس، وسار من فتح إلى فتح، حتى اصطدم بمدينة صور، فحاصرها، وفشل في اقتحامها وتحريرها، لتكون أول إخفاق له بعد سلسلة طويلة من الانتصارات المظفرة!

كان أهم أسباب هذا الإخفاق ذلك الصمود الصلب الذي أظهره فارس صليبي باسل يدعى كونراد دي مونتفرات، حيث قاد فلول المهزومين من الصليبيين اللاجئين إلى صور، وحيث كان العفو الواسع الذي أصدره صلاح الدين عن فرسان الصليبيين وقادتهم –وهذه من أخطائه الفادحة- قد جعل كثيرا من هؤلاء يجددون القوة الصليبية من جديد، ويواجهون بها جيوش المسلمين، ومن هؤلاء كثيرون ذهبوا إلى صور وانضووا تحت قيادة كونراد دي مونتفرات.

أظهر كونراد قيادة ذكية، فأوقع بالأسطول الإسلامي الذي جاء يحاصره من البحر، فضمن بذلك خط إمداد بينه وبين الصليبيين، وصمد حتى دخل الشتاء الذي كان مطيرا باردًا، فاضطر صلاح الدين إلى فكّ الحصار[12]! وتحولت صور إلى مركز المقاومة الصليبية، ومنها انطلقت الأخبار والمبعوثين ليستنهضوا ملوك أوروبا في حملة صليبية جديدة[13]، حتى أثمرت جهودهم فجاءت الحملة الصليبية الثالثة ذات الجيوش الهائلة، وانقلب بها الموقف تماما!! وهكذا “فبفضل هذا الرجل القوي أضحى لصور، الناجية من نكبة الاجتياح الكبرى، في الأيام القادمة دور المنطلق لإعادة الغزو الفرنجي من جديد”[14].

ليس هذا فحسب، بل يقدر بعض المؤرخين أن صور التي أفلتت “بما يشبه المعجزة” من اجتياح صلاح الدين، كانت نقطة تحول في كل تاريخ الحملات الصليبية، بحيث أن صلاح الدين إذا استطاع فتحها فلم يكن ليقع حصار عكا، ولا حتى كانت الحملة الصليبية الثالثة قد استطاعت المجيء أصلا[15]!

 

(4)

كان صلاح الدين سخيا في العفو عن الأسرى، بمن في ذلك الملوك والقادة، وقد أتاح هذا لهم فرصة جديدة للانقلاب على عهودهم والتجمع مرة أخرى للانقضاض عليه، وقد دفع جراء ذلك ثمنا فادحا ومريرا مع الحملة الصليبية الثالثة، التي هي أقوى الحملات الصليبية قاطبة.

ومثلما كان صمود كونراد دي مونتفرات نقطة تحول في مسار الحروب الصليبية، فلقد كان صمود صلاح الدين أمام هذه الحملة الرهيبة نقطة تحول كذلك، ففيها اتحد ملوك أوروبا، وعلى رأسهم فريدريك ملك ألمانيا وفيليب ملك فرنسا وريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا، وأنفقت عليها أموال طائلة من بينها ضريبة خاصة جُمِعت على يد الباباوات، سُمِّيت “ضريبة صلاح الدين”.

استطاعت هذه الحملة استرداد سائر المدن الساحلية من عكا إلى يافا، واستطاعت إنقاذ المدن التي لم تسقط بعد مثل أنطاكيا وطرابلس، واستماتت في سبيل انتزاع بيت المقدس –الهدف الأساسي الذي خرجت من أجله- التي استمات صلاح الدين في الدفاع عنها، ثم انتهت إلى الصلح الشهير المعروف باسم “صلح الرملة”.

لو نظرنا إلى هذه النتائج بعين أوروبا الصليبية وفي ضوء قوة الحملة وضخامتها فهي نتائج ضئيلة، وإذا نظرنا إليها بعين المسلمين وفي ضوء موازين القوة فهي حملة خطيرة هددت كل نتائج الجهاد الإسلامي السابق في سبيل تحرير بيت المقدس، وكانت على وشك أن تسترد بيت المقدس مرة أخرى، لولا استماتة صلاح الدين في الدفاع عنها!

لقد أعادت هذه الحملة حالة التوازن من جديد بين المسلمين والصليبيين، من بعد ما كاد المسلمون يزيلون الوجود الصليبي كله، واستطاعت الحملة أن تمدّ في عمر الوجود الصليبي قرنا آخر من الزمان، وهذه النتائج الضخمة الفارقة يمكن أن نعود بها إلى لحظتيْ صمود: لحظة صمود كونراد دي مونتفرات وهو في قلة وضعف أمام قوة صلاح الدين العاتية، ثم لحظة صمود صلاح الدين وهو في قلة وضعف أمام جيوش أوروبا المتحدة!

 

(5)

أختم بهذا المثال الفارق في موضوع الصمود، وهو صمود القسطنطينية!

حين بُعث النبي ﷺ كانت القوى العالمية القائمة هي: فارس والروم، والروم المقصودون هنا هم الروم البيزنطيون، وهم القسم الشرقي من الإمبراطورية الرومانية، فلقد انقسمت الإمبراطورية الرومانية الضخمة إلى قسمين: القسم الشرقي وعاصمته القسطنطينية (اسطنبول الآن) وديانته المسيحية الأرثوذكسية ولغته اليونانية، والقسم الغربي وعاصمته روما وديانته المسيحية الكاثوليكية ولغته اللاتينية!

لكن القسم الغربي عصفت به الفوضى، وهاجمته قبائل الشمال، ودخل في طور من الضعف والتمزق، بينما بقيت قوة المسيحية السياسية والعسكرية والحضارية في القسم الشرقي الذي عاصمته القسطنطينية.

ولما بشَّر النبي ﷺ بفتح القسطنطينية ورومية كان يبشر بسيادة الإسلام على العالم المسيحي كله، ولهذا سأل الصحابة: أيها تفتح أولا؟ فقال: مدينة هرقل[16] (أي القسطنطينية). ولهذا اندفع المسلمون إلى فتح القسطنطينية، وقد كانت الأقرب إليهم جغرافيا، وظلوا يحاولون فتحها إلا أنها صمدت أمامهم ثمانية قرون، ولم يمكن فتحها إلا في منتصف القرن التاسع الهجري على يد السلطان محمد الفاتح في زمن الدولة العثمانية.

ماذا ترتب على صمود القسطنطينية ثمانية قرون؟!

ترتب على ذلك أنها وفَّرت الوقت والفرصة للغرب، القسم الغربي من الإمبراطورية الرومانية القديمة، الذي نسميه الآن: أوروبا الغربية، لينهض ويتقوى ويبزغ من جديد.. ومنذ ذلك الوقت، ونحن نعاني من هذا الغرب الويلات تلو الويلات!

لو أن القسطنطينية لم تصمد كل هذا الوقت، ولو أنها فُتِحت في موجة الفتوحات الأولى في زمن الخلافة الراشدة أو الدولة الأموية، لكان الإسلام قد عمَّ وانتشر في أوروبا كلها: شرقها وغربها، إذ لم يكن ثمة قوة أخرى يمكن أن تقف في وجه الجيوش الإسلامية آنذاك!

وذات الكلام يمكن أن يقال عن صمود فيينا أمام الجيوش العثمانية، لقد صمدت مرتين في عهد السلطان سليمان القانوني، وهو ذروة الدولة العثمانية، في عامي (1529، 1532م)، ومرة ثالثة في عهد السلطان محمد الرابع، في عام (1683م). وكان هذا الإخفاق الأخير في فتح فيينا هو بداية الانقلاب والتحول في قوة الدولة العثمانية، التي دخلت من بعد ذلك في طور الجمود! لقد كانت فيينا القلعة التي احتمت وراءها فرنسا وبريطانيا وبروسيا وإسبانيا، ووفَّر صمودها الوقت والفرصة لهذه القوى الصاعدة الناهضة لتؤسس أنظمتها السياسية والاقتصادية الجديدة التي ستجعل منها قوى عالمية ضخمة، ستبتلع فيما بعد الدولةَ العثمانيةَ ذاتَها!

فلو تصورنا أن فيينا قد فُتِحت في زمن سليمان القانوني أو في زمن محمد الرابع، لكان تاريخ الإسلام وأوروبا مختلفا تماما، ولكان الإسلام هو اليد العليا في أوروبا لقرن آخر على الأقل!

وحتى اللحظات الأخيرة في فتح القسطنطينية، كانت المدينة تبدو مستعصية، وقد هلك في فتحها عدد ضخم من الجنود العثمانيين، وعُرِض على السلطان الفاتح ما شاء من الأموال لكي يتراجع عن فتح المدينة، ولكن صموده وإصراره واستماتته في فتحها هو ما جعل الفتح ممكنًا، ولعل الله قد اطلع على إخلاصه وصدق عزيمته ففتح عليه بهذه الفكرة العسكرية العبقرية التي كانت سببا في الفتح، وهو تسيير السفن فوق الجبل في الخطة العسكرية المشهورة في فتح القسطنطينية، وأيده بهؤلاء الجنود الأشاوس الأبطال الذين تم على أيديهم النصر.

ولو تخيلنا أن القسطنطينية لم تُفْتَح في زمن الفاتح، لكانت النتائج أشد سوءا بكثير على مستوى انتشار الإسلام في شرق أوروبا، وعلى مستوى قوة الدولة العثمانية ونموها بالنسبة إلى بقية القوى الأوروبية الأخرى في ذلك الوقت.

تلك النتائج الفارقة التي نعيشها وتؤثر في تاريخ الإنسانية كله، كانت ثمرة صمود بذله الآحاد من الزعماء، أو العشرات من القادة!

نشر في مجلة أنصار النبي - مايو 20206



[1] الحاكم (4884) وقال: صحيح الإسناد. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (374).

[2] أحمد (22121)، الترمذي (2616)، وقال: حسن صحيح، النسائي (11394)، ابن ماجه (3973)، وصححه الألباني.

[3] البخاري (2642)، مسلم (1877).

[4] مسلم (2577).

[5] أحمد (11255) بإسناد حسن، الحاكم (7672) وصححه ووافقه الذهبي

[6] مسلم (2759).

[7] مايكل هارت، الخالدون مائة أعظمهم محمد ﷺ، ص13.

[8] الألباني، صحيح السيرة النبوية، ص144؛ إبراهيم العلي، صحيح السيرة النبوية، ص57. وجاءت رواية أخرى ضعيفة السند بذات المعنى ولكنها مشتهرة، وهي ما روى عنه ﷺ أنه قال: "يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته".

[9] البخاري (6544).

[10] البخاري (1388)، مسلم (20).

[11] ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 9/14 وما بعدها.

[12] ابن شداد، النوادر السلطانية، ص137، 138، 156 وما بعدها.

[13] ابن شداد، النوادر السلطانية، ص208؛ ستيفان رنسيمان، تاريخ الحروب الصليبية، ترجمة: السيد الباز العريني، (بيروت: دار الثقافة، 1997م)، 3/19 وما بعدها.

[14] رنيه غروسيه، موجز تاريخ الحروب الصليبية، ترجمة: د. أحمد إيبش، ط1 (أبو ظبي، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، 2014م)، ص66.

[15] ستانلي لين بول، تاريخ مصر في العصور الوسطى، ترجمة: د. أحمد سالم سالم، (القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 2014م)، ص402، 403.

[16] أحمد (6645)، والدارمي (486)، والحاكم (8301) وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

الخميس، أبريل 02، 2026

لماذا جاءت سورة الروم بعد سورة العنكبوت: تأمل في انسجام البناء القراني العجيب!


بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله..

تلك كانت كلمة ألقيتها في المعتكف، ليلة السابع والعشرين من رمضان، ثم استحسنها بعض السامعين، ورغب بعضهم في كتابتها.. فها أنذا أفعل، والله المستعان..

ولقد رُزِقنا بقارئ متقن حسن الصوت، تلا علينا في الركعات الأربعة الأولى هاتيْن السورتيْن، وفتح الله عليه فيهما، فوقع في خاطري هذا المعنى الذي يجمع بين السورتين ويؤلف بينهما على نحو لم أنتبه له من قبل..

سنبدأ الكلام عن مختصر سورة العنكبوت، ثم مختصر سورة الروم، ثم نتكلم في الانسجام بينهما، وفي العلاقة التي تؤلف بين موضوعيهما..

 

(1) سورة العنكبوت

من قرأ سورة العنكبوت ظهر له فيها ملمح واضح، وهي أنها سورة "الابتلاء".. فهي تأخذ في بيان أن الابتلاء سنة من سنن الله، تقع على المؤمنين لتميز الصادق من الكاذب، ولتفصل بين المُدَّعي من المخلص!

ولذا تراها تبدأ على هذا النحو:

{أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفْتَنون؟!

ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين.

أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا؟! ساء ما يحكمون.

من كان يرجو لقاء الله فإن أَجَل الله لآتٍ، وهو السميع العليم.

ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه، إن الله لغني عن العالمين}

وتمضي الآيات على هذا الخط، فتذكر أول بلاء ينزل بالمؤمن، وهو الذي يأتيه من أهله.. أبيه وأمه وعائلته.. وكيف أن المؤمن مأمور بأن يثبت على الحق الذي عرفه مهما كان ضغط أهله عليه، وفي نفس الوقت يجب أن يكون ثباته هذا منضبطا بغاية التأدب والتهذب والمصاحبة بالمعروف، لعِظَم حق أهله عليه..

{والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرنّ عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون. ووصينا الإنسان بوالديه حُسنا، وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون}

وتقف الآيات عند حقيقة الابتلاء، وكيف أنه الاختبار العملي لحقيقة الإيمان.. فالمؤمن حقا هو من يستهين ويستخف بعذاب الناس لأنه يؤمن أن عذاب الله أشد وأعظم، وأما غير المؤمن فيظهر منه ذلك إذا وقع به الأذى من الناس.. اسمع:

{ومن الناس من يقول آمنا بالله. فإذا أُوذي في الله، جعل فتنة الناس كعذاب الله}

وكثير ممن يدّعي الإيمان يحاول أن يظل ممسكًا بالطرفين، فهو يظهر حين تأتي المكاسب وينتصر المؤمنون

{ولئن جاء نصر من ربك ليقولُنّ: إنا كنا معكم. أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين؟ وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين}

ثم تأخذ الآيات في وصف بلاء الأنبياء: نوح وكيف لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، ثم إبراهيم، ثم لوط، ثم شعيب، ثم موسى..

ثم ابتلاء محمد صلى الله عليه وسلم، كيف أنه قد كُذِّب مع أن قومه يعلمون تمام العلم أنه لم يكن يكذب، ولا كان يعرف القراءة ولا الكتابة، وأن الذي جاء به من الآيات يُدهش العقول..

ولم يقتصر تكذيبه هذا على قومه، بل كذَّبه أيضا أولى الناس أن يؤمنوا به، وهم أهل الكتاب، وذلك لما عندهم من العلم بالكتاب..

{وكذلك أنزلنا إليك الكتاب، فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به، ومن هؤلاء من يؤمن به، وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون.

وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك، إذًا لارتاب المبطلون.

بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون}

ثم تأخذ السورة في طمأنة المؤمنين:

طمأنتهم بأن العذاب سيحل بالكافرين {يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين}

وطمأنتهم بأن في الأرض متسعا إذا ضاقت بهم بلدهم  {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون}

وطمأنتهم بأن الموت سيأتي على الجميع {كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون}

وطمأنتهم بأن الجنة في انتظارهم {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا، تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها، نعم أجر العاملين}

وطمأنتهم أن الرزق مكفول.. فالله يرزق الدواب مهما ضعفت {وكأين من دابة لا تحمل رزقها، الله يرزقها وإياكم}..

ثم تختم السورة بالتأكيد على أن الجهاد سبيل المؤمنين، به تنفتح معهم سبل الهداية، وبه يتغير الحال، وينقلب البلاء إلى تمكين {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}

 

(2) سورة الروم

وأما سورة الروم، فحديثها حافل عن آيات الله في كونه.. وكأن قارئها قد انغمر في مشهد كوني هائل من الآيات التي بثها الله في عباده.. فهم يرونها ويعيشونها وإن غفلوا عنها..

وهذه الآيات الحافلة الكثيرة المنهمرة.. يبصر المرء فيها أمورا واضحة تشير إليها:

الأول: أنها دالة على الله ووجوده وحكمته وإحاطة علمه وإحكامه لخلقه وتدبير أمورهم.. فما يكاد يتعرض المرء لهذه الآيات بقلبه حتى يشهد أنه مخلوق ضعيف ضئيل عاجز أمام مشهد عظيم هائل، لا يصنعه إلا الإله العظيم العليم.

الثاني: أنها حافلة بمشاهد التقلب والتغير والتبدل.. فالليل ينقلب نهارا، والتراب يصير بشرا، والحي يخرج من الميت، والميت يخرج من الحي، والأرض التي كانت جدباء نزل عليها الماء فأنبتت، والسماء التي كانت صافية انبثت فيها الغيوم ونزل منها المطر.. أمورٌ لا تكف عن التبدل والتنقل والتحول!!

الثالث: أنها كلها ذات أجل.. ما تلبث أن تنتهي مهما طالت، وما تلبث أن تنقضي مهما بدا أنها استقرت واستمرت.. فسائر أمور الدنيا مهما كانت ضخمة وقوية وراسخة فإنها لحظات سريعة في عمر التاريخ.. ستطوى صفحتها وإن غرَّت الناس باستقرارها..

وهكذا ترى سورة الروم تأخذ في هذا المسار منذ آيتها الأولى وحتى الأخيرة..

تبدأ بمشهد انتصار الفرس على الروم، والذي بدا في وقته انتصارا كاسحا ساحقا.. لقد اكتسح الفرس أرض الروم حتى حاصروا عاصمتهم القسطنطينية، فما من أحدٍ عاش في ذلك الزمن إلا وظنّ أنه يكتب الصفحة الأخيرة من تاريخ الإمبراطورية البيزنطية..

فلما نزل القرآن يقول بأن الأمر سينقلب، كان ذلك مدهشا بل هو يشبه الجنون، حتى قال المؤرخ الشهير إدوارد جيبون وهو يصف تلك اللحظة: «تنبأ محمد في خضم الانتصارات الفارسية بأن رايات الرومان ستعود ترفرف مرة أخرى، وفي ذلك الوقت لم يكن شيء أبعد من تحقق هذه النبوءة».

ثم تأخذ الآيات في إدانة من ينخدعون بالمظاهر {وعد الله، لا يخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا}

فتأمل كيف وصفهم بالعلم ووصفهم بالجهل معًا.. فهم جهال لأن علمهم مقتصر على "ظاهر" الحياة الدنيا.. وبذلك صاروا "لا يعلمون" مع أنهم "يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا".

وتأتي على ذلك بالأدلة.. الأدلة من النفس، والأدلة من التاريخ..

{أولم يتفكروا في أنفسهم، ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق (وأجل مسمى) وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون؟!

أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، كانوا أشد منهم قوة، وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها}

فأين ذهب هذا كله؟.. لقد انقضى وانتهى..

هذه الحياة القصيرة، حياة النفس الواحدة، تتمثل فيها ذات السنة التي تحكم الحياة الطويلة، حياة الحضارات.. كل شيء في هذه الحياة له (أجلٌ مسمى).. ومهما بلغ قومٌ من القوة والهيمنة والتمكن وإقامة العمران الهائل، فإنهم لم يستطيعوا أن يخرقوا هذه السنة، ولا أن يطيلوا في أعمارهم.. بل مات الجميع، وانقضت الحضارات!!!

ثم يأتي دفق الآيات منهمرا.. {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون}

وتبدأ مجموعة منها بقوله {ومن آياته}.. فتأخذ الأنظار نحو الحي الذي يخرج من الميت، والميت الذي يخرج من الحي، والأرض التي تخصب من بعد جدب..

وهذا الرجل الذي يبدو قويا ويستطيع الحياة بنفسه كيف لا تسكن نفسه ولا تستقر إلا إذا اتخذت زوجة أنثى تبدو ضعيفة، فهو في حاجة إليها كمثل –أو بأكثر من- حاجتها إليه!

وهذه السموات والأرض، وهذه اللغات الكثيرة..

وهذا الاتفاق بين البشر مهما تباعدت ديارهم واختلفت طباعهم وثقافاتهم على النوم بالليل والسكون فيه، وعلى العمل بالنهار والسعي فيه..

وهذا البرق الذي يجتمع فيه، في اللحظة الواحدة: الخوف والرجاء.. الخوف من صعقة الموت، والرجاء في أنه مقدمة للمطر الذي يحيي الأرض..

وتستمر الآيات القرآنية في وصف الآيات الكونية: السفن التي تسير في البحر، الرياح التي تدفعها، السحب التي تتجمع لتنزل المطر، الإنسان الذي يبدأ ضعيفا ثم يقوى ثم يضعف مرة أخرى..

وفي ثنايا هذه الآيات حديث عن الإنسان وإفساده في الأرض {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون}

وحديث عما هو فيه من النزق والجزع {وإذا مسَّ الناس ضرٌّ دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون}، {وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها، وإن تصبهم سيئة بما قدَّمت أيديهم إذا هم يقنطون}، {ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون}..

وهكذا.. ترى سورة الروم وهي تأخذ أنظار الناس إلى هذه الدنيا الحافلة بآيات الله.. تدل على علمه وحكمته، كما تدل على قدرته وهيمنته، كما تدل على أن هذا كله إنما يتبدل ويتحول ويتغير..

وتُختم السورة بخلاصتيْن:

1.    خلاصة عن الكافرين، أنهم مهما تعددت المشاهد والآيات أمامهم فإنهم لا يؤمنون، ولذلك طبع الله على قلوبهم.

2.    وخلاصة هي توجيه للمؤمنين ألا تغرهم المظاهر، وألا تضغط عليهم كثرة هؤلاء الماديين المنخدعين بها، ولا يستسلموا لسطوتهم.. اسمع:

{ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل، ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون. كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون. فاصبر إن وعد الله حق، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون}

 

(3) التناغم والانسجام بين سورتي العنكبوت والروم

بقي الآن أن ننظر في هذا الترابط والتآلف بين سورتي العنكبوت والروم..

نبدأ من آيتيْن في السورتيْن، هما قريبتان من بعضهما جدًّا، حتى في اللفظ.. وذلك قوله تعالى في سورة العنكبوت {ليكفروا بما آتيناهم، وليتمتعوا، فسوف يعلمون}.. وقوله في سورة الروم {ليكفروا بما آتيناهم، فتمتَّعوا، فسوف تعلمون}.

إن في العديد من سور القرآن آيات متشابهة جدا، تستحق أن تكون موضوعات للبحث في باب التناغم والانسجام في بناء القرآن.. ولا أدري إن كان أحدٌ اهتم بهذا الأمر أم لا.. ولكنه يبدو بابا ثريا وعميقا..

هاتان الآيتان معناهما ظاهر: هذه الحياة الدنيا ابتلاء، وفيها يعطي الله الناس ويؤتيهم من النعم والإمكانيات والقدرات ما يكون اختبارا لهم، فإذا بهذه النعم حين يكفر بها أصحابها ويتخذونها للمتعة العاجلة وحدها، تكون سببا للعذاب..

فتأمل هنا كيف ارتبط معنى الابتلاء بالنعم على الوجهيْن اللتيْن تناولتهما السورتان..

1.    في العنكبوت التي هي سورة الابتلاء.. أشير إلى أن النعم أيضا ابتلاء!

2.    وفي الروم التي هي سورة النعم والآيات.. أشير إلى أن الغرق في هذه النعم والتمتع بها دون فهم ما وراءها من الإله القادر الحكيم، هو من التعلق بالمظاهر الخداعة، وهو من الاغترار بالدنيا!

ثم تأمل أيضا كيف أن صيغة الخطاب في سورة العنكبوت، وهي التي تخاطب المؤمنين، كانت صيغة الغائب.. فهي حديث عن القوم الكافرين {وليتمتعوا، فسوف يعلمون}.. بينما صيغة الخطاب في سورة الروم، التي تخاطب بالأساس المتعلقين بالمظاهر كانت بالمُخاطَب {فَتَمتَّعوا، فسوف تعلمون}.

وقريب من هاتين الآيتين في التشابه أيضا، قوله تعالى في العنكبوت {والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يأسوا من رحمتي، وأولئك لهم عذاب أليم} وفي سورة الروم {وأما الذين كفروا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون}..

فتأمل كيف كان حضور الآخرة ولقاء الله مناسبا لأهل الإيمان والابتلاء ليتصبروا في الدنيا وليستهينوا بما فيها من العنت فلا ييأسوا من رحمة الله في الدنيا ولا في الآخرة.. وكان كذلك تحذيرا لأهل التعلق بالدنيا والانشغال بها من أنهم يغفلون عنه، وأنهم يعرضون أنفسهم للعذاب!

وفي السورتيْن خطٌّ ناظمٌ عامٌ، وهو: الزمن.. كيف ذلك؟!

إنك إن تأملت رأيت سورة العنكبوت تفيد معنى واضحا يقول: البلاء مهما بدا طويلا فإنه قصير.. والطغاة الجبابرة مهما تمكنوا زمنا فإنه في الحقيقة ضئيل..

فسورة العنكبوت تبث في نفس قارئها أن آلة الزمن تعمل بسرعة.. ما يلبث الطغاة أن ينتقلوا ويتبدلوا ويذهبوا مع ريح الزمان وتنطوي صفحاتهم مع التاريخ..

وأما سورة الروم، فهي تضرب المثل بهؤلاء الذين لم يفهموا هذا المعنى وتعلقوا، أو بالأحرى: وعلقوا بزمنهم الحاضر ولحظتهم الآنية، فغفلوا عن الزمن، فاغتروا وخُدِعوا، ولن يستفيوا إلا يوم القيامة حين تكون الصدمة الصاعقة..

تأمل في سورة العنكبوت تجد أنها على هذا النحو..

حكايات سريعة عن الأنبياء، ليس فيها حوار بين الأنبياء وأقوامهم، وليس فيها أخذ ورد وجدال.. إلا عبارة أو عبارتيْن مع إبراهيم ولوط!

حتى نوح، أطول الأنبياء عمرا، انطوت حكايته كلها في آيتين {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون . فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين}

كيف انطوت ألف سنة في عبارتيْن سريعتيْن هكذا؟!.. ذلك الذي أقوله لك في معنى الزمن كما يظهر في سورة العنكبوت.. آلة زمن سريعة، وصورٌ متتابعة!

{وإلى مدين أخاهم شعيبا، فقال: يا قوم اعبدوا الله وارجو اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين . فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين}

ثم تتابع الصور.. الحكايات الطويلة توجز في كلمات..

{وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم، فصدَّهم عن السبيل وكانوا مستبصرين.

وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين}

حتى العقوبات التي نزلت بالمكذبين، جاءت على هذا النحو من السرعة..

{فكلًا أخذنا بذنبه، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خسفنا بهم الأرض، ومنهم من أغرقنا، وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}

حتى قصة إبراهيم، لا تذكر الآيات حوارا، بل يقول إبراهيم ما عنده من الرسالة، ثم تأخذ الآيات في إدانة الذين غفلوا عن مبتدأ الخلق ومنتهاه {أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده، إن ذلك على الله يسير . قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلقَ، ثم الله ينشيء النشأة الآخرة، إن الله على كل شيء قدير}.

ثم تُختم قصص الأنبياء بهذه الآية العجيبة {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون . إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم. وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون}

هكذا إذن.. سائر ما فعله هؤلاء الطغاة من الحضارات والعلوم والعمران والقصور المشيدة والآثار المهيبة، ليس في ميزان الزمن الحقيقي عند الله إلا كبيت العنكبوت!!

العنكبوت الذي يرهق نفسه في تشييد بيته، فهو يعمل فيه ليل نهار، فما تلبث أن تأتي نسمة من الهواء، أو غمزة إصبع من طفل، حتى تطيح ببنيانه كله في غمضة عين، إنما هو {أوهن البيوت}!!

وكان الشيخ عبد الحميد كشك، رحمه الله، كتب في مذكراته يقول: سمّى الله السورة التي ذكر فيها الطغاة بسورة العنكبوت، ليدل على هذا المعنى!

فالقصد هنا أن قارئ سورة العنكبوت -التي تتحدث عن الابتلاء- يرى نفسه إزاء مشهد الزمان الذي سرعان ما ينتقل ويتغير، والطغاة الذين يتتابعون في آية وبعض آية.. فما هم إلا كالعناكب التي اجتهدت أن تبني بيوتها، وهي تحسبها خالدة تالدة، فما هي حتى صاروا أحاديث، وطويت صفحات حضاراتهم، وصار عمرانهم بين مهدوم ومطمور ومطموس ومخرب.. وحتى ما بقي منه شاخصا، إنما بقي آية ودليلا وعبرة، تخبر الناس أن بناة هذا كله قد بادوا وماتوا، ولم يستطيعوا أن يخلدوا ولا أن يتمتعوا بما صنعوه!

وأما سورة الروم.. فهي تتوقف عند القوم الذين علقوا في لحظتهم الحاضرة وغفلوا عن الحياة الآخرة.. فالزمن متضخم في أذهانهم وضمائرهم، يحسبون أنه كل الزمن، ويحسبون الحياة الدنيا هي كل الحياة.. فلذلك أخذت السورة تلفت نظرهم إلى ما في هذه الحياة الحاضرة نفسها من آيات ضخمة يجب أن تدلهم على أنها حياة فانية ومتحولة، وأنها تدلهم على خالق حكيم عليم قد صنع هذه الآيات..

{أولم يتفكروا في أنفسهم، ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى؟! وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون.

أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها؟! وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.

ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون.

الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه تُرجعون}

ولذلك جاءت الآيات الكونية صريحة في أن الله هو الخالق {فسبحان الله.. يخرج الحي.. ويخرج الميت.. ومن آياته.. خلقكم.. خلق لكم.. يريكم.. وله من في السموات والأرض.. يبدأ الخلق ثم يعيده.. له المثل الأعلى.. الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم}.. وهكذا!

وحتى الإشارة إلى أن الربا مما يكرهه الله (لاحظ أن سورة الروم مكية، ولم يكن الربا قد حرم) جاءت على هذه الصيغة {وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس، فلا يربوا عند الله}.. فتأمل في أن القرآن، ومنذ العهد المكي، ينصب ميزانيْن: ميزان الدنيا وميزان الله.. فالمال الذي يبدو كثيرا في ميزان الدنيا ليس كذلك في ميزان الله، بل العكس صحيح {وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله، فأولئك هم المُضْعِفون}.. فالذي يقرض بالربا لن يجد ذلك في الآخرة، ولكن الذي يتصدق فيبدو كأنه خسر ماله في الدنيا فهذا الذي سيجده مضاعفا يوم القيامة!

حتى من ظنَّ أن الانشغال بالدنيا سينتج عمارتها ونهضتها، تأتيه الآية فتقول {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون}.. فصلاح الدنيا وعمارة الأرض على الحقيقة لن تكون صحيحة ونافعة إلا لو كانت على يد الذين ينشغلون بالآخرة!!

لقد صوَّر الله المنشغلين بالدنيا تصويرا غريبا.. صَوَّرهم كالموتى! وكالعُمْي الذين ينطلقون هاربين، وكالصُمِّ الذين لا يسمعون {فإنك لا تُسمع الموتى، ولا تُسمع الصمّ الدعاء إذا ولَّوْا مدبرين . وما أنت بهادِ العمي عن ضلالتهم، إن تُسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون}.

ثم تأتي الآية التي تقرب صورة الحياة كلها بأقرب تشبيه.. فالدنيا كلها مثل الإنسان الواحد، {الله الذي خلقكم من ضعف، ثم جعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة}.. قانون الزمن لا يقف له أحد..

لو كان أحدٌ يملك أن يقبض على الدنيا لكان أهون عليه أن يقبض على أيامه هو، وأن يمنع فِعْل الزمن في نفسه هو.. لو أنه استطاع أن يمنح جسده القوة ليكبر، أو يمنع جسده من أن ينحط إلى الشيخوخة بعدما كبر، لو أنه استطاع ذلك فلربما كان مفهوما أن يفكر في أن يحتفظ بالدنيا ويقبض عليها.. ولكن هيهات!

من عجز عن تدبير أمر نفسه وجسده فهو عما فوقها أعجز وأصغر وأضأل وأقل!

ولقد سمعت بعض إخواننا ومشايخنا يذكر أن سر تسمية هذه السورة بسورة الروم هو هذا المعنى: الغربيون (وهم الروم) هم أصحاب الحضارة المادية التي غرقت في متع الدنيا وملذاتها، ولم تحفل كثيرا بالدار الآخرة.. فطالما أنهم أقوياء متمكنون فهم يتشربون الدنيا ويترعون بها، ولا يفكرون في الآخرة.. منذ اليونان والرومان وحتى نسختهم الحديثة المعاصرة!

وهذا القول لمع في ذهني حين لاحظت أن سورة الروم هي السورة الوحيدة في كتاب الله التي جاءت فيها آية تقرن العلم بالإيمان، لأن العلم وحده بغير إيمان إنما يكون سببا في الغفلة والانشغال بالدنيا، فحين يتفاجأ المنشغلون في الدنيا بيوم القيامة يسمعون هذه العبارة {وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون}

وهنا يتذكر المرء الآية التي في أول السورة {ولكن أكثر الناس لا يعلمون . يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا}.. فهؤلاء الذين أوتوا العلم بالدنيا، ولم يكن عندهم إيمان فوجئوا بالحقيقة الصادمة الصاعقة.. يوم البعث..

ولكن، كيف شعروا ساعتها؟!

هذا ما تخبرنا به الآية السابقة: {ويوم تقوم الساعة، يُقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة}..

ها هي الآن حقيقة الزمن.. الزمن في ميزان الدنيا، والزمن الحقيقي.. سيكتشف الذين انشغلوا بالدنيا أنها كانت قصيرة.. قصيرة جدا جدا.. بل إنهم سيُقسمون على ذلك! ويا لها من صدمة ومن صعقة ومن هول رهيب وموقف شديد شديد شديد!!

وهكذا يأتي الختام {فاصبر إن وعد الله حق. ولا يستخفنك الذين لا يوقنون}..

تلك الحياة هي معركة بين الذين يوقنون، والذين لا يوقنون.. من يوقنون بأن الزمن أوسع من اللحظة الحاضرة، وأن المنتهى في يوم القيامة، ولهذا فهم يصبرون على البلاء ولا تغرهم الحياة ولا يستخفنهم سطوة الذين علوا في الأرض..

إن حقيقة البلاء وحقيقة الصبر مكنونة في حقيقة الإيمان بأن هذه الدنيا ساعات، وأن هذا البلاء ساعات، وأن الأجر يقينًا موجود في يوم القيامة.. وكما قال الإمام ابن القيم: بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين، كما قال تعالى {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا، وكانوا بآياتنا يوقنون}.


نشر في مجلة أنصار النبي ﷺ - إبريل 2026م