الثلاثاء، سبتمبر 21، 2021

في مثل هذا اليوم 21 سبتمبر

في هذا اليوم (21 سبتمبر) تمر بنا عدد من الذكريات المثيرة للشؤون والشجون!!

 1. تشير بعض المصادر إلى أن هذا اليوم هو اليوم الذي وصل فيه نبينا صلى الله عليه وسلم إلى قباء، أي أنه يوم بدء الدولة الإسلامية، وهو ذكرى حدث الهجرة النبوية المشرفة التي هي أخطر لحظة في تاريخ الإسلام، بها صارت الدعوة دولة، وصار المسلمون أمة، وبها انطلقت حضارتهم العظيمة.. وربما يختلف التاريخ يوما أو يومين بحسب الخلل الذي يقع في حساب التوافق بين التواريخ الهجرية والميلادية.

 2. وفي مثل هذا اليوم من عام 717م، توفي الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك، وهو واحد من أولئك الخلفاء الذين لم يطل بهم العمر ولم تطل لهم مدة الخلافة ولكنه ترك إنجازات عظيمة..

 فقد توفي وهو في الخامسة والأربعين، ومدة خلافته سنتان وثمانية أشهر..

 ولكنه كان بداية التصحيح العظيم في مسار بني أمية، إذ ابتدأ خلافته بعزل ولاة الحجاج ورجاله، وقرب إليه الصالحين كرجاء بن حيوة وعمر بن عبد العزيز، وهو الذي عهد بالخلافة من بعده لعمر بن عبد العزيز -أفضل خلفاء بني أمية بعد معاوية رضي الله عنه- وظن البعض من صلاحه واعتدال الزمان في أيامه أنه المهدي.

 ومن أعظم مآثره أنه عزم على فتح القسطنطينية، وجهز لها جيشا ضخما أنفق فيه كل موارد الدولة، وجعل قيادته لابنه ولأخيه، ونقل مقره إلى مرج دابق لتكون مركز عمليات متقدم لمتابعة الفتح، ثم أقسم بالله ليفتحن القسطنطينية أو ليموتن قبل ذلك.. وقد وفى بقسمه، فقد عاجله الموت وما يزال المسلمون في حصار القسطنطينية، في واحدة من أقوى المحاولات التي بذلها المسلمون لفتح القسطنطينية.

 3. وفي مثل هذا اليوم من عام 1556 توفي شارل الخامس ملك إسبانيا الشنيع، وهو الذي يعده الإسبان من أعظم ملوكهم إذ كان أقوى ملوك أوروبا في وقته، وكان سيد العالم الكاثوليكي.

 والمهتمون بتاريخ الأندلس يعرفون هذا الإمبراطور جيدا، كيف لا وقد كان صاحب أكبر عملية تنصير للمسلمين الأندلسيين، وقد غدر بالعهود التي بذلها بعدم تنصيرهم أو طردهم، وقد حكم سبعا وثلاثين سنة كانت جحيما على الأندلسيين، وازدهرت فيها محاكم التفتيش الرهيبة الرعيبة.. واستطاع أن يفلت من هزيمة محققة على يد السلطان العثماني سليمان القانوني عند أسوار فيينا! وكان هو وسليمان القانوني أعظم ملوك ذلك العصر، ويتوقع المؤرخون أن لو تأخر أو تقدم زمن أحدهما عن الآخر لكان التاريخ قد تحول مجراه حتما!

 ولا تقتصر شناعة هذا الملك على ما نزل بالمسلمين في الأندلس أو في الشمال الإفريقي، بل إن الأسطول الإسباني كان يتوحش على طول السواحل الإفريقية -فضلا عن السواحل الأمريكية التي كانت عالما جديدا آنذاك- والتي كانت، أي السواحل الإفريقية، حافلة بالممالك المسلمة التي أدخلها هذا الإمبراطور في عصر الإذلال والاستعباد.. وهو العصر الذي يسمونه تهذبا وتلطفا عصر الكشوف الجغرافية، ويستحق أن يسمى بجدارة عصر التوحش الأوروبي!!

 4. وفي مثل هذا اليوم من عام (1840) وُلِد السلطان العثماني مراد الخامس.. وهو السلطان الذي لم يبق في السلطنة إلا تسعين يوما، ثم قيل بأنه يعاني من الجنون، فعُزِل واختير بعده أخوه السلطان العثماني الشهير عبد الحميد الثاني.

 ويعد عصر مراد الخامس عصرا تراجع فيه قوة السلاطين، إذ قُتِل قبله عمه السلطان عبد العزيز، ونُصِّب هو بعد انقلاب من رجال الدولة النافذين، ثم عُزِل كذلك بأمرهم، فكاد نفوذ السلاطين يذهب تماما لولا أن أخاه الذي بعده -عبد الحميد الثاني- أمسك بتلابيب التاريخ، وأجَّل هذا المسار ثلاثين سنة أخرى!

 5. ومن عجائب القدر أن عبد الحميد الثاني وُلِد في نفس يوم مولد أخيه، (21 سبتمبر أيضا) لكن بعد عامين من ولادته (في 1842)، وهو السلطان المشهور، الذي حاول تجديد الخلافة، وهو آخر السلاطين الأقوياء من بني عثمان، ويعد الانقلاب عليه في 1909 هو النهاية الفعلية للدولة العثمانية الإسلامية، وهو بداية دخول الدولة العثمانية في العلمنة والتتريك واتباع الغرب عن قناعة ورغبة من رجال الدولة لا عن اضطرار أو بنية الاقتباس من التقدم الغربي.

 وعبد الحميد الثاني أشهر من أن يُتَكَلَّم عنه في هذه السطور، ولكن يمكن القول بأنه آخر خلفاء المسلمين على الحقيقة، ومن ذلك الوقت لم يعد للمسلمين خليفة يفكر في أمرهم وشؤونهم، ولم يعد للمسلمين مركز قوة يدافع عنهم أو يستندون إليه.

 6. وفي مثل هذا اليوم من عام (1866) وُلد المؤرخ البريطاني الشهير هربرت جورج ويلز، وهو أديب وعالم اجتماع، وعرف بكتابه موجز تاريخ العالم، وفيه أنصف التاريخ الإسلامي في عدد من المواضع، منها

  قوله عن الفتوحات الإسلامية: "أعجب قصص الفتوح التي مرت على مسرح تاريخ الجنس البشري"

 وقوله عن التراث الإسلامي "لقد قذفت المقادير بالذكاء العربي في طول العالم وعرضه بصورة أسرع وأروع مما فعلت بالعقل اليوناني قبل ذلك بألف سنة خلت، لذا عظمت إلى أقصى حد الاستثارة الفكرية التي أحدثها وجودها للعالم أجمع غربي بلاد الصين، كما اشتد تمزيق الأفكار القديمة وتطور أخرى جديدة ... كان العلم يثب على قدميه وثبا في كل موضع وطئته قدم الفاتح العربي"

 7. وفي مثل هذا اليوم من عام (1911) توفي البطل الإسلامي العربي الكبير، أحمد عرابي، زعيم الثورة العرابية، وآخر قائد للجيش المصري ينحاز للشعب ضد الاستبداد والاحتلال.. وهو زعيم الثورة التي أثبتت لأول مرة أن الأنظمة المحلية العميلة تستند في وجودها وبقائها إلى القوى الأجنبية، ولهذا نزل الإنجليز بأنفسهم لاحتلال مصر لكي لا تنجح ثورة عرابي..

 كان عرابي زعيما على طول العالم الإسلامي وعرضه، وكان المسلمون في الهند والمغرب يتابعون أخباره وقت أن لم يكن ثمة وسيلة إعلام إلا صحيفة رسمية وحيدة، وصحف محلية نادرة في مصر فحسب.. وكان الناس إذا لقوه في منفاه يقبلون يده ويلمسون ثيابه.. لقد كان زعيما تخوفت فرنسا أن يجدد نجاحه من جديد عصر الأبطال المسلمين القدامى كصلاح الدين الأيوبي.

 ولولا بعض الأخطاء التي وقعت منه لطبيعة كونه جنديا في الدولة الحديثة والجيش الحديث، لما استطاعت بريطانيا أن تحتل مصر.. وهو أمر فصلناه في مقالات سابقة يمكن الرجوع إليها.

 8. وفي مثل هذا اليوم من عام (1916م) استطاعت قوات ما تسمى بـ "الثورة العربية" المدعومة بقوات الإنجليز أن تهزم الحامية العثمانية في الطائف.. ليبدأ في عالمنا العربي عصر دول التجزئة والتفتيت.. حيث أسماء وألقاب الملوك والأمراء وأصحاب الفخامة والجلالة والسمو، وهم لا يساوون في السياسة العالمية حمل بعير!!

 لقد فضل الشريف حسين وقواته المدعومة إنجليزيا أن تكون الحجاز ومدنها المقدسة تحت الهيمنة البريطانية ولا أن تكون تحت الحكم العثماني.. ثم لم تلبث بريطانيا أن أسلمتهم لعبد العزيز فاكتسحهم، ولم يبق لهم من الملك إلا قطعة في صحراء الأردن، ثم مات الشريف حسين منفيا في قبرص، كأنه جندي مخطئ معاقب ولم يكن ذات يوم حليفا ينادون بألفاظ التعظيم والإجلال!!

 ومن عجائب القدر أن هذا اليوم نفسه (21 سبتمبر) من عام 1970 شهد بدء القمة العربية في القاهرة لمحاولة معالجة أحداث أيلول الأسود، حين هجمت القوات الأردنية على الفلسطينيين.. وهو نفس اليوم الذي بدأت فيه قمة الطائف (1989م) لتحل مشكلة الحرب الأهلية اللبنانية..

 ولا تزال هذه الملفات عالقة حتى الآن.. فلا نحن بقيت لنا خلافة جامعة، ولا هذه الدول استطاعت أن تنفع نفسها ولا أن تحل نزاعا بين شعوبها.. وإنما ظل بأسهم بينهم شديدا، وظلوا عبيدا عند القوى الأجنبية التي تحتلبهم وتستنزف أموالهم ومواردهم وبلادهم!!


الأحد، سبتمبر 05، 2021

لو لم أكن مسلما، لوددت أن أكون مسلما

 

في خطابه، بتاريخ 31 أغسطس 2021 قال بايدن بأن 18 شخصا من قدماء المحاربين ينتحرون يوميا في أمريكا!!

هذا مع أن قدماء المحاربين هؤلاء يتمتعون بالعديد من المزايا والمخصصات في المجتمع الأمريكي، ويُنظر إليهم بنوع من التقدير والتوقير.

1. الجوع والشبع!

يبدو واضحا إذن، أن القوة المفرطة لم تجلب السعادة، وأن المحاربين القدماء الذين لطالما تمتعوا بشعور القوة الطاغية، وأعيد تمجيدهم مرارا في الأفلام الأمريكية، لم يحصلوا على ما يجعلهم يتمسكون بالحياة، وفضَّلوا عليها الانتحار!!

تكفي هذه الظاهرة وحدها للتعبير عن إفلاس الحداثة، وعن فقر المادية الغربية في تلبيتها لمطالب الإنسان، بالأحرى: لمطالبه الروحية!!

لقد غذت الحداثة والمادية سائر الغرائز الإنسانية، أبو معنى أصح: الغرائز الحيوانية، وتفننت في إشباع الشهوات: الأكل والشرب والجنس والشهرة والنفوذ والقوة والهيمنة.. ولكنها ظلت تدفع بالناس إلى الانتحار في قوافل تزداد طولا!

سيظل الإنسان باحثا عن المعنى، عن شبع الروح، عن الطمأنينة النفسية، وتلك أمور لا ينالها من سكن القصور الذهبية، واستطاع تدمير القرى بضغطة زر كأنه يلعب على الكمبيوتر!!

وهذا البحث الإنساني الحثيث عن المعنى والطمأنينة هو نفسه المقاومة الإنسانية للعلمانية والمادية، وهو نفسه الرفض الإنساني لانحصار الدين في دار العبادة وحدها.. وكما قال المسيري: لا يمكن أن نصل إلى جيل مكتمل العلمنة لأن طبيعة الإنسان ترفض ذلك ولا تقبله.

والانتحار هو أبلغ تعبير عن الرفض، لأنه رفضٌ تام وشامل، رفض لا يتسامح مع العلمانية الضاغطة الغالبة، حتى مع عجزه التام عن مقاومتها.. نعم، الانتحار هروب، وهروبٌ جبانٌ لا يليق بالإنسان الذي كرَّمه الله ومنحه قوة نفسية كما منحه نعمة التعلق به، ولكن إذا فقد الإنسان تعلقه بالله وانهارت نفسه فسيظل إنسانا كذلك، فيه تلك الروح التي أودعها الله فيه والتي لا تقبل أن يمسحها الجسد ويمحو وجودها، تظل تلك الروح تقاوم، حتى إذا أفلست وعجزت ولم يكن لها من الله مدد، حملت هي هذا الجسد إلى الانتحار ليتخلصا معا من هذه الحياة.

إن الروح الجائعة تحمل الجسد المتخم شبعا إلى الموت لأن جوعها أقوى من شبعه، وفراغها سلطان على امتلائه!!

نعم، إن العالم يحتاج إلى الإسلام.. إلى الروح التي توصله بالله، بسر هذا الكون، بأصل هذه الفطرة، بنور السموات والأرض!! وتبقى مهمة المسلمين في أن يزيحوا تلك القلاع التي أنشأها الباطل لتحجب الحق عن هؤلاء البشر التعساء!

2. عودة إلى الجندي!

يبدو أنها مهما تسارعت المخترعات الحديثة وتراكمت، فإن الجندي نفسه لا يزال هو الأساس في كل حرب. كأنما نعود لقول الشاعر

وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا .. إذا لم يكن فوق الكرام كرامُ

لقد وفرت التقنيات الحديثة ما يجعل الحرب في بعض وجوهها نوعا من الألعاب الإلكترونية، وقد تسربت مقاطع فيديو لطيارين يقصفون القرى وهم يتصايحون كأنهم في لعبة فعلا، بينما هم يحرقون البشر حرفيا!!

لقد أتاح فارق القوة الضخم للجنود أن يهيمنوا على غيرهم من البشر، حتى استطاعوا أن يتلاعبوا بالرجال والنساء والصبيان والفتيات، استعبادا، واغتصابا، وتعذيبا، وقتلا.. بل تفننا في وسائل القتل!

إن التفنن في وسائل التعذيب والقتل هو نفسه تعبير عن طغيان شهوة السلطة والهيمنة، إنها البذرة الفرعونية التي يحملها الإنسان، فإذا كان فاسدا تضخمت وتكثفت حتى صارت أسوأ من الشيطان، فلم يجرؤ الشيطان أن يقول: أنا ربكم الأعلى، ولكن جرأ عليها فرعون من بني البشر!

وإذن، تحقق الطغيان للجندي، وفعل بعدوه المقهور ما شاء.. ولكن قوته النفسية ظلت هشة وضعيفة ومعرضة للانكسار والتحطم.. لقد وفرت له الآلة قوة جسمية مفرطة، ولكنها لم توفر له أية قوة نفسية!!

ترى كم رجلا في حركة مقاومة سواء في أفغانستان أو العراق أو غيرها انتهى أمره بالانتحار؟!

سيظل الإنسان هو العنصر الذي تتوقف عليه مصائر الحروب، فالآلات العمياء مهما توحشت وأمطرت حممها على الناس، فهي عاجزة أن تروي صاحبها بقطرة من الطمأنينة!

3. لماذا ينتحرون؟

إذا كان الجندي قد أشبع شهوته من القوة والطغيان والهيمنة.. فلماذا إذن ينتهي شأنه بالانتحار؟!!

ربما يكون هذا عذاب الضمير؟

وربما يكون خوفا متمكنا نتج عن معارك ضارية نجا منها بأعجوبة؟

ويقول المتدينون: ربما يكون هذا هو الدعاء، دعاء المظلوم الذي أقسم الله ليستجيبن له ولو بعد حين.

فلئن كان هذا هو عذاب الضمير فقد تبيّن أن الظلم والتجبر ليس علاجا، بل هو ينقلب على صاحبه يوما ما، حتى لو كان هذا بعد خروجه على المعاش! فالمظلوم لم تنته قصته بالموت أو الأسر، بل لقد ترك طعنة غائرة في ضمير ظالمه ستقتله ولو بعد حين!

ولئن كان هذا خوفا سكنه وانبعث فيه جراء المعارك الضارية، فقد تبين إذن أن المظلوم الذي يُقاوم الاحتلال قادر على إصابة المحتل الظالم في كل الأحوال، فإما أصابه في جسده، وإما ترك شيئا من الرعب في قلبه، لا يزال يفزعه من نومه، ويؤرقه في نهاره حتى يقضي عليه!

ولئن كان هذا هو إجابة الله للدعاء، فما يزيدنا هذا إلا إيمانا وتسليما!!

في كل الأحوال: المقاومة مثمرة.. منها ما ثمرته عاجلة، ومنها ثمرة آجلة.

فلا يحسبن الظالم ولا المظلوم أن القصة انتهت، فليس ثمة قصة قصيرة، بل هي قصة طويلة.. وما لا ينتهي منها في الدنيا فسينتهي منها يوم القيامة.

4. الحساب المنقوص

إذا كان المنتحرون 18 يوميا، أي أنهم يصلون إلى 6570 في السنة الواحدة.. ونحن لا ندري على وجه التحديد كم سنة حصل فيها هذا التعداد، فلو أنه حصل في سنتين لكان المنتحرون أكثر من 13 ألفا، ولو أنه كان في عشر سنوات لكان المنتحرون 65 ألفا!!

ثم هؤلاء في أمريكا وحدها، بخلاف بقية الدول التي قاتلتنا في أراضينا.

وهذا بخلاف من لم تصل أمراضهم النفسية إلى الانتحار.. ثم هو بخلاف القتلى والجرحى.

إن هذا الرقم الضخم لا يوضع حقيقة في حساب الخسائر العسكرية.. ولكنه إذا وُضِع فسيظهر أن فارق التكنولوجيا الضخم الهائل بين الأفغان وبين الحلف الدولي ذي الثماني والثلاثين دولة لم يؤد إلى فارق مكافئ في الخسائر والمكاسب.

إننا أمام مشهد يتجسد فيه قول الله تعالى (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم)

وإذا كان الأفغان قد فعلوا هذا وحدهم، بل فعله شطر منهم.. فكيف إذا كانت الأمة كلها في حال مقاومة وثورة وكفاح؟! ترى كم نستطيع أن نبلغ منهم؟!

إن الأمريكان إذن ليسوا بهذه الضخامة ولا بهذا الطغيان الذي نتصوره.. إن هزيمتهم ممكنة أقرب مما نتصور!!

إن هذا الرقم يجب أن يوضع في حساب الفقيه عندما يقيس المصالح والمفاسد، قبل أن يكون هو بفتواه سببا في إذلال الأمة.. كما قال علي رضي الله عنه "الناس من خوف الذل في ذل.. والناس من خوف الفقر في فقر"

وهو القول الذي صاغه الشهيد سيد قطب حين تكلم عن ثمة العبودية، وأن الذين يقبلون بها خوفا من تكاليف الحرية يدفعون فيها أعلى مما يدفعه الأحرار من الثمن!

آيتان في سورة النساء ذكر الله فيهما ضعف الباطل وبأسه.. قال تعالى

(الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت، فقاتلوا أولياء الشيطان. إن كيد الشيطان كان ضعيفا)

(فقاتل في سبيل الله، لا تكلف إلا نفسك، وحرض المؤمنين، عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا، والله أشد بأسا وأشد تنكيلا)

فكأنه جل وعلا يخبرنا أن الكيد ضعيف وإن كانوا ذوي بأس.. وحتى بأسهم هذا فإنه ضئيل أمام بأس الله وتنكيله!

لا بد من تثوير تلك المعاني ونشرها وبثها في أمتنا، أمتنا المحبوسة في حظائرها التي تسمى أوطانا، الحظائر المغلقة بمن يدعون حكاما.. أمتنا التي تمزقت حتى صار لا يشعر أحدهم بالآخر وقد كانوا جسدا واحدا إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد!

إن أمتنا الممزقة تثبت لنا أن أشلاءها يمكن أن تقاوم، هذه أفغانستان قاومت حتى انتصرت بعد عشرين سنة وصارت رعبا وعذابا ينتحر لأجله حتى من نجا منها بنفسه!

وهذا الشام الباسل الصامد وقف وحده أمام الجيوش والصواريخ والبراميل وكيد الشرق والغرب.. ومنطقة صغيرة لا تكاد ترى على الخريطة مثل درعا توقفت على بابها قوى كبرى شهورا، ودرعا محاصرة بلا مدد!!

إذا كانت أشلاؤنا وهي ممزقة قادرة على أن تقاوم بهذه البسالة.. فكيف يكون حال الجسد إذا اتصل فقام وثار.. أكاد أتصور الرعب الذي يسكن أعداء الأمة إذا دار هذا المشهد في خيالهم!!

إن الذي يشرق بشربة الماء كيف يتصور أن يشرب النهر، وإن الذي صابر عشرين سنة فعجز عن ابتلاع عظمة فلفظها وهرب منها كيف يتصور أن يأكل الأسد؟!!

لو لم أكن مسلما، لوددت أن أكون مسلما!

الجمعة، سبتمبر 03، 2021

تلك العتمة الباهرة



ليس من أحد يسير في طريق الحق في هذا الزمن إلا وهو يتخوف على نفسه السجن والأسر والتعذيب، ويكون هذا من أشد هواجسه وأدومها وأكثرها إلحاحا على نفسه!

ولا أعرف أحدا يفضل السجن على الموت، بل كل من أعرف يفضل الموت على السجن!!

وفي ظل هذه الهواجس يثور السؤال المتكرر: ما كان لك ولهذا؟!.. أما كان خيرا لك أن تسكت وتصمت وتعيش مثل الناس؟!.. ماذا لو نزل بك السجن الآن، فكيف يكون حال أبيك وأمك؟ كيف تفعل زوجك؟ كيف سيتربى أبناؤك؟!!

تلك الأسئلة التي ينثرها الشيطان في روعك تزيد ضراوة وشراسة إذا ضاق الخناق عليك، وشعرت بالخطر..

يهرع المؤمن ليتلو على نفسه آيات (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) وأحاديث (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك).. وبقدر ما في زاد الرجل من إيمان بقدر ما يطمئن قلبه بهذه الآيات والأحاديث!

يعين على هذه الطمأنينة أن الطغاة لا يغفرون، ولا يصدر عنهم العفو.. إن الاسم حين يسكن سجلات الطغيان لا يُمحى.. الطاغية نفسه يخبرك ألا سبيل أمامك إلى التراجع، فلا عفو هنا ولا توبة.. ولئن كان الطاغية يتصرف كأنه إله، فإنه لا يفكر أبدا أن يكون كالإله في عفوه ورحمته وقبوله التوبة وإحسانه إلى التائب!

وحيث قد أغلق الطاغية الطريق من جهته، فلم يبق أمامك -أخي الذي اختار طريق الحق- إلا أن تواصل الطريق.. فانظر كيف كان الطاغية من أسباب الثبات والتقدم!!

فلقد أقسمتُ أن لو كان الطغاة يغفرون ويقبلون التوبة، لعاد إليهم كثيرون.. ولكن الله ذو رحمة بعباده الصالحين!

لكن أمرا آخر، غير متوقع أيضا، عرفته من أسباب الثبات.. ذلك هو محنة من لم يكن له في الأمر نقير ولا قطمير.. فإنك حين ترى السجون حافلة بمن لم يفكر يوما في المواجهة أو المقاومة، وترى ما ينزل بهم من العذاب والنكال والإذلال، يندفع إلى رأسك فورا تفكير عنيف يسأل مفترسا: كيف هذا؟ ولماذا؟

ثم لن تجد جوابا إلا ما يندفع إلى قلبك بأنه: لا فرار من القدر، فما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك.. فالقدر فوق الأسباب.. وما كل من سار في الطريق لقي الأذى، ولا كل من ابتعد عنه نجا..

وهكذا، يكون الفرار هو الفرار إلى الله..

تذكرتُ هذا الأمر، إذ قرأت "تلك العتمة الباهرة" للطاهر بن جلون.. وهي من أشهر أعمال أدب السجون في العالم العربي، كتبها صاحبها عن قصة حقيقية لمعتقل قضى ثمانية عشر عاما في سجن تزمامارت المغربي الرهيب، الذي هو علامة على عصر الملك الحسن الثاني.

وقد شاء الله أن تعالى، وذلك من حكمته، أن يبقى اسم تزمامارت علما على هذه الحقبة برغم كل ما بذله ملك المغرب لمحو هذا السجن من سجلات التاريخ.. عدد من المذكرات والأفلام الوثائقية والحلقات التلفازية التي أحيت ذكرى تزمامارت حتى صار عصيا على النسيان.

فمن لم يكن من أهل القراءة فلقد تيسر له أن يستمع، ومن لم يكن من أهل السرد فقد تيسرت له الدراما.. وهكذا يضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء!

وبعيدا عن تزمامارت الآن، فإن أكثر ما جذبني في تلك الرواية أن الذين قضوا في تزمامارت ثمانية عشر عاما لم يفكروا لا في المقاومة ولا المواجهة ولا التمرد، كانوا مجرد جنود، وكانوا ينفذون الأوامر.. بل إن بعضهم ركب السيارات العسكرية لمجرد أن يصل إلى المدينة أو لمجرد أنه نُسِي في إجازة سابقة، فخرج معهم لمجرد أنها وسيلة مواصلات!!

وهكذا إذن، شاب لا يفهم في السياسة ولا يعرف شيئا عن الدين، فهو بين مدرسته العسكرية في أهرمومو وبين بيت الدعارة وبين بيت أهله.. وجد نفسه فجأة مدانا في محاولة انقلاب، دفع ثمنها ثمانية عشرة سنة من عمره!

الجنون والموت من الغيظ هو نتيجة منطقية لاختلال المنطق وانعكاس كل شيء.. وقد مات عدد منهم بالجنون والقهر بالفعل.. ستون سجينا مات نصفهم بالفعل.

لئن كان في مناهضة الطغاة شيء من السلوى، فهي تلك السلوى.. إن الأسير الذي أغاظهم فسجنوه ليس مضطرا لمواجهة هذا الجنون، على الأقل هو يعرف أنه يدفع ثمن الطريق.. وتلك سلوى عظيمة لا يعرف قدرها إلا من اصطدم لأول مرة بالفرعونية والطغيان فتفاجأ بكل هذا الطوفان من الوحشية اللا منطقية واللا معقولة واللا مفهومة والتي لا يمكن حتى التصرف معها بحال!

تلك العتمة الباهرة..

لن أحدثك كثيرا عنها، فإنها من أشهر الروايات، وستجد آلاف المراجعات والمقالات المنشورة عنها.. يهمني أن أشير إلى ما أرى أنه يغيب ذكره..

كنت قد حدثتك أخي القاريء، وربما تكون مللت مني في هذا، أن أدب السجون من ثلاثة فروع أرشحها دائما لمن يحبون قراءة الروايات، وهي: كتب المذكرات والسير الذاتية، كتب الرحلات والأسفار، أدب السجون.. ذلك أنها كتب تجمع بين كونها حقيقية -لا خيالية- وبين كونها خفيفة غير ثقيلة ولا جافة كما هي كتب العلوم الأكاديمية.

إن كتب المذكرات تبسط لنا علوم السياسة والحرب والتاريخ والاجتماع وعلم النفس أيضا، بحسب كاتبها.. وكتب الرحلات والأسفار تبسط لنا علوم التاريخ والحضارة والثقافة والسياسة والاجتماع.. وأدب السجون تبسط لنا علوم النفس والاجتماع والتاريخ!

وربما أقسم أن الذي يعكف على تلك الكتب تدبرا وتأملا، يستطيع أن يستفيد منها ما لا يستفيده الدارس الأكاديمي الذي يقرأ تلك العلوم في أثواب صفيقة غليظة وتصنيفات صارمة جامدة تنسف الانسجام الإنساني الكائن في تلك العلوم، فتجعلها تحليلا جافا لجزئيات متناثرة.

تلك العتمة الباهرة.. كتاب يخوض في علم النفس فحسب!!

هو لا يهتم بالتاريخ ولا بالحديث عن المغرب ولا الملك ولا الانقلاب وأسبابه.. إنما هو تعمق طويل في أساليب النفس حين تواجه محنة ضخمة لا فكاك منها!!

صاحبنا صاحب الرواية كانت له طريقته في ذلك، الاستسلام التام، النسيان التام، الطرد التام للأفكار والماضي، الطرد التام للمستقبل، محاربة الأمل، محاربة الكراهية.. سيبذل جهدا عظيما لكي لا يكره جلاديه، ليس من أجلهم، بل خوفا أن تكون هذه الكراهية هي النار التي ستأكله وتقتله.. سيعكف طويلا على نفسه وتأملاته وصمته الطويل، يحاول بذلك أن ينسحب من نفسه ويحلق في عالم الروح.. نجح أحيانا ووصل لما يمكن أن نسميه مقامات روحية عالية، ولما قد يسميه آخرون تهيؤات وهلاوس..

كان يلح علي طوال القراءة في هذا النمط سؤال يقول: هل هذه أيضا هي طريقة شعوبنا المقهورة في مواجهة محنتها؟.. إن الهرب إلى المخدرات أو إلى كرة القدم أو إلى الشهوة أو إلى الانغماس في عمل الخير أو إلى التصوف المنسحب.. كل هذا أليس هربا؟!

أليست محاولات التماس الأعذار للسلطة والجلادين هو هرب أيضا من مواجهة الحقيقة المرة التي يكون الاعتراف بها محنة بلا حل؟!

هل يكون علم النفس هو صورة مصغرة لعلم الاجتماع؟!

على كل حال، سواءٌ أعجبتك طريقة صاحبنا هذا في مواجهة محنته أم لم تعجبك.. فالمؤكد أنك ستتوقف طويلا أمام أنواع الموت في تزمامارت..

هناك من مات بالإمساك، تراكمت فضلاته في جوفه، تُرك بلا علاج حتى مات.. وهناك من مات بالإسهال، نزف كل ما في جسده حتى مات.. وهناك من مات باحتقان البول!

هناك من مات بالطعام الجيد، فحين تحسنت الأحوال في الشهور الاخيرة -لأن نظام المغرب أُحرج بانتشار فضيحة تزمامارت- لم يتحمل جسد أحدهم الطعام الجيد بعد ثمانية عشر عاما من الطعام الرديء.. فمات!

وهناك من مات من الجنون.. ومن المأساة في تزمامارت أن كلبا عضَّ أحد الجنرالات -فيما يبدو- فحكم عليه بالسجن خمس سنوات في تزمامارت.. لم يتحمل الكلب أسابيع، زمجر وغضب أول الأمر، ثم استكان وأنَّ وبكى ثانيا، ثم جُنَّ وهاج حتى خافه السجانون فلم يجرؤوا على إطعامه، فمات..

وهناك أنواع موت مبتكرة، فهناك من مات بسبب فقد الحِكاية.. كانت الحكاية سلواه، فلما مرض الذي يحكي فسكت وغشي عليه، مات الذي فقد سلواه!!

لكن موتا شدّني جدا.. لقد مات أحدهم من الشكّ..

في كل قصة سجن ستجد قصة معركة بين المساجين، إن الهزيمة تثير الإحباط، وتثير الشك في الطريق، ستقرأ قصة كهذه في كل عمل عن أدب السجون.. وفي قصتنا هنا اشتعلت مشادة بين سجينيْن لحسين وسليم على النحو التالي:

قال لحسين لسليم: أنت ابن زنا، أبوك نديم الملك وسميره، فلولا أنه يعرف أنك لست ابنه لتوسط لك ليعفو عنك!

ردَّ سليم، وقد بلغ منه الاستفزاز مبلغه، بواقعة قديمة خلاصتها أن لحسين استطاع -قبل أن يأتي لتزمامارت- أن يلتقي بزوجته في مستشفى سجن القنيطرة، فوقع بينهما ما وقع بين الرجل وامرأته، فحملت منه، فولدت ولدا.

لم يجد سليم إلا أن يستفزه فيقول له: كيف تصدق أن هذا ولدك؟!.. لقد أنجبته من آخر.. ما الذي يدريك؟!

وهنا انهار لحسين.. لقد وقع في نفسه الشك.. ومع أن سليما بذل كل جهد فيما بعد لينزع عنه هذا الشك وليعتذر عنه بأنها ساعة غضب قال فيها زورا، إلا أن لحسين لم يرجع عن شكه.. لقد حطم تزمامارت نفسيته، وجعلها هشة ضعيفة.. وما زال في شكه حتى مات!!

تلك الواقعة تحديدا قد تفسر لماذا تنتشر بين شعوبنا الشائعات الفجة الحقيرة التي تضرب اطمئنان الناس في أوثق صلاتهم الاجتماعية، إن حياتنا تحت ظل الاستبداد القاهر هي التي تنتج شكوكا فظيعة بين الرجل وزوجه، وبين الرجل وابنه، وبين الرجل وأخيه.. ولذلك تكثر حوادث القتل بشبهة الخيانة!!

الوضع القاهر يهيئ النفس لتصديق كل الشكوك، فإذا كان الفقر مصحوبا بالانحلال الأخلاقي والاجتماعي، فإنه ليس بعيدا أن تكون الجرائم والفواحش هي الحلول الأقرب لتفسير كل شيء.

قبل عقود لم يكن سهلا تصديق أن تزني المرأة بدافع الفقر، أو بدافع الحب.. كانت المجتمعات قوية متماسكة متعارفة.. فللمرأة آلاف السبل لتأكل دون أن تفرط في نفسها، وأمامها آلاف الخواطر والتهديدات لو فكرت في الخروج عن النظام الاجتماعي والمخاطرة بالتفريط في شرفها.. الآن ليس الوضع كذلك.. الآن يسهل تصديق هذا في المجتمع الذي اجتمع فيه الفقر والانحلال.. ولهذا يسهل جدا الإيقاع بين الأسرة الواحدة، ولهذا تكثر الجريمة، ويكثر الانتحار!!

أحد الحراس في تزمامارت بدأ في التعاون مع السجناء، فصار يهرب لهم العقاقير المسكنة أو الفيتامينات.. سأل أحدهم: أي نوع تريد؟ فقال السجين:

أريد أي نوع من العقاقير فعندي كل الأوجاع

نعم.. هكذا كان.. وهكذا هي مجتمعاتنا الآن.. نحن الآن في حاجة لأية عقاقير، ولأي نوع من العلاج، نحن نحتاج كل التخصصات، كل المسعفين، كل الأطباء، كل علماء النفس والاجتماع والدعاة والوعاظ والعلماء..

لقد منع عنا الطغيان والاستبداد كل أنواع الدواء، في الوقت الذي فتح فيه علينا كل أنواع المرض.. وصرنا نحتاج لكل قطرة جهد وكل كلمة حق وكل دعوة خير..

علينا أن نتعامل مع أمتنا بهذه النفسية: نحن بحاجة إلى أية أنواع من العقاقير، لدينا كل الأوجاع!!


الاثنين، أغسطس 23، 2021

درس طالبان: هل يكون الجمود حلا؟!

 يختلف الباحثون حول التوقيت الدقيق الذي تدخلت فيه أمريكا فمدَّت يد المساعدة للمجاهدين الأفغان ضد الاتحاد السوفيتي. 


لكن المؤكد أن هذه المساعدة لم تكن منذ البداية بل كانت بعدما تفاجأ العالم أن الإمبراطورية السوفيتية تتعثر في أفغانستان!! كان هذا مدهشا، ومن هنا فكّرت الأطراف السياسية في أن الدخول على خط هذه الحرب قد يسهم في هزيمة السوفيت.


لولا الصمود المرير والسنوات الطويلة التي صبرها الأفغان وحدهم، ما فكّر أحد في أن يراهن عليهم.


وهذه المساعدة الأمريكية تعرضت للفساد والسمسرة في أروقة الأنظمة المصرية والخليجية والباكستانية، وكانت لها قصة مريرة وحدها..


ومع هذا ترى كثيرا من المسلمين يُرجع السبب في نصر الأفغان وهزيمة الروس إلى الأمريكان وحدهم، كأنما لم يكن ثمة أفغان يحاربون ويصبرون ويلعقون الجراح ويكتمون الألم كالجبال!


وهؤلاء الناس تفاجؤوا أكثر فأكثر من النصر الحالي الذي حققته طالبان، فلئن صح أن لصواريخ ستنجر بعض النصيب في هزيمة السوفيت، فإن العالم الآن ليس فيه منافس لأمريكا وليس فيه مناصر لعدوها!!


لقد كان النصر أفغانيا خالصا.. وربما يصح القول "كان طالبانيا" خالصا، فإن قسما من الفصائل الأفغانية شاركت المحتل في جرائمه، وشكلت الحكومة العميلة التي وضعها فكان لها غطاء وسندا، وكانت له أداة وطليعة في قهر شعبها.


ولا يزال المرء يرى في كتابات هؤلاء وأقوالهم ما يعبر عن حيرتهم ومحنتهم.. لقد بلغت الهزيمة النفسية حدًّا لا يصدق فيها الواحد منهم أن المستضعف قد ينتصر.. كأنما لم يقرأ يوما قوله تعالى "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين".


كان بعض المشايخ والأصحاب في مصر، من الأزهريين يقولون: "سر قوة الأزهر في جموده".. ويستخدمون هذا اللفظ "الجمود" عامدين، يقصدون بذلك أن الضعف والهزيمة يبدأ من التشكك في التراث وفقدان الثقة فيه، وقلما جاء متشكك بنصر!


وفي كلامهم هذا وجاهة، ولولا أن المقام هنا ليس مقام تفصيل فيه، لرأيتني أجادل عن هذا الرأي حتى كأنني أتبناه.. ولكن المقصود هنا أن نموذج طالبان يمثل دليلا لصحة هذه المقولة.


طالبان -التي يحاول الجميع التأكيد على أنها تغيرت- يظهر لنا تباعا أن قياداتها لهم مؤلفات دينية في الفقه والأصول، يبدو من عناوين هذه الكتب وطبيعتها أنها من تلك التي تُوصَف بأنها "جامدة"..


أي أن القوم لا زالوا يشربون من المعين القديم! المعين الذي لم تكدره الحداثة! الحداثة التي دخلت على أفكار الإسلاميين العرب فأصابت منهم شطرا عظيما، حتى صار بعضهم الآن يعبد الدولة من دون الله! ويجاهد في سبيل الديمقراطية لا في سبيل الشريعة!


وبعض المقاطع المرئية التي خرجت عن بعض عناصر طالبان وقياداتهم الوسيطة تكشف عن هذا.. سُئل أحدهم هل ستسمحون بانتخابات سياسية تترشح فيها المرأة لرئاسة الجمهورية.. فلم يملك نفسه من الضحك وأوقف التسجيل!!


موقف يخبرك عن أن الرجل يحتفظ بالعزة الأولى والأفكار الأولى، حتى إن السؤال الحداثي يثير ضحكه!!


هذا السؤال الحداثي في عالمنا العربي أنتج الإسلاميون فيه تلالا من الكتب والأبحاث والدراسات، وسالت فيها بحار ومحيطات من التصريحات والحوارات، ووقف فيه الإسلاميون في قفص المحاكمة الفكرية ولطالما هتفوا أنهم يوافقون على هذا باعتباره من حقوق المرأة، بل باعتباره من دلائل انفتاحهم.


لست هنا بوارد المناقشة الفكرية للرأي الفقهي.. إنما أتحدث عن فارق النفسية التي يصدر عنها الطرفان!!


يخبرني أحد الأصدقاء أن متحدثا آخر لطالبان سُئل: ما رأيكم في الديمقراطية؟ فقال ببساطة: ما معنى الديمقراطية؟ فقالت له المذيعة: معناه أن يحكم الشعب نفسه بنفسه. فقال بنفس البساطة: نحن أصلا نريد أن يحكم الشعب نفسه بنفسه!!


يبدو المشهد عبثيا، وكأنه حوار طرشان.. لا يفهم المسؤول حقيقة سؤال السائل.. وهذا عين ما أعنيه من أن القوم لم يتلطخوا بالحداثة بعد.. ولو صحَّ أن الرجل يفهم حقيقة السؤال واختار أن يجيب بهذه الإجابات فهو عندي أعزّ منه إن كان لم يفهم، فهو إذ ذاك يركل الأسس الحداثية للفسلفة السياسية دون أن تطرف له عين!!


بينما مثل هذا السؤال قد أجيب عنه بما لا يُحصى في عالمنا العربي.. ومع ذلك لم يغفر النظام الدولي لأحد ممن أثبتوا انفتاحهم على أفكاره بل وأثبتوا قدرتهم على تطويع الإسلام لها!


إن الانقلاب على الغنوشي في نفس الوقت الذي تنتصر فيه طالبان هو حكمة ربانية عظيمة غامرة.. إن المقارنة تفرض نفسها فرضا على كل متابع في هذه اللحظة!


ما أحسب العالم الإسلامي يمكن أن يخرج رجلا أكثر تنازلا من الغنوشي.. أصلا نحن إذا سألنا ماذا كان بوسع الغنوشي أن يفعل أكثر مما فعل ليرضوا عنه، لما عرفنا الجواب.


تثبت طالبان أن ممارسة التفاوض والسياسة والحرب لا تستلزم أبدا تقديم تنازلات فكرية أو شرعية.. ربما يمكن تقديم تنازلات سياسية لتحقيق مصلحة أعلى أو درء مفسدة أشد.. وهذا التنازل نفسه إنما يوزن بحقائق الأمور وموازين القوى.. هذه الحقائق وتلك الموازين يكون حسابها وتقديرها عند المعتز بنفسه مختلفا تماما عن حسابها عند المنهزم نفسيا!


يقول أحدهم -نسيت اسمه الآن- إن طالبان انتصرت لأنه ليس لديهم تلفاز، فلم يتكون عندهم الرعب من أبطال الأفلام الأمريكية.


فلئن كان هذا صحيحا.. فلكم نحن بحاجة إلى بذل مجهود ضخم ضخم ضخم في تنقية ما تشربته نفوسنا من الصور والأفكار والمشاعر التي ضخَّمت في نفوسنا هذا العالم الغربي وقائدته أمريكا.


ترى من أين نبدأ؟!


فكروا معنا في هذا السؤال عبر التعليقات.

السبت، أغسطس 21، 2021

عبادة الأصنام المكسورة

قالوا: السعيد من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ بنفسه

يريدون بذلك أن العاقل يرى ما يحدث لغيره فيفهم ويتعظ ويهتدي، وأما غير العاقل فلا يفهم العظة والعبرة إلا إذا وقع في المصيبة، فيتعظ بنفسه!

وقد وصف النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- المؤمن بأنه "لا يُلدغ من جحر مرتين".. فعرفنا بذلك أن الذي يُلدغ من الجحر الواحد مرتين لا يستقيم له وصف الإيمان.

إلا أن صنفا ثالثا من الناس حدثنا عنه القرآن الكريم.. هو أعجب من الصنفين السابقيْن.. إنه صنف لا يتعظ أبدا.. وهذا الصنف لا يستيقظ إلا في الآخرة.. في العذاب الأليم!

قال تعالى (إن الذين حقّت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم)

هناك في العذاب ستذهب السكرة والغفلة والعناد والإصرار، ثم تأتي الحسرات وترتفع النداءات:

نداء يطلب الموت: (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك، قال: إنكم ماكثون)

ونداء يطلب العودة إلى الدنيا وإعطاء فرصة أخرى: (ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين * ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون)

إلا أن الله سبحانه وتعالى ذكر لنا سرًّا خطيرا عن هؤلاء، سرٌّ مُحَيِّر ومثير للدهشة.. ذكر أن هؤلاء إذا عادوا إلى الدنيا مرة أخرى فسيفعلون نفس ما فعلوا ولن يتعظوا أبدا.. لن يتعظوا حتى بأنفسهم

(ولو ترى إذ وُقِفوا على النار فقالوا: يا ليتنا نُردُّ ولا نكذّب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين * بل بدا لهم ما كانوا يُخفون من قبل، ولو رُدُّوا لعادوا لما نُهُوا عنه، وإنهم لكاذبون)

يستحق المرء منا أن يتسمّر أمام هذه الآية بالساعات ليحاول تأملها وفهم هذه النفسية التي إذا أخرجت من النار عادت لما كانت عليه.. فحتى دخول النار لم يكن لها واعظا.. إنه أمر صاعق حقا.. يستحق أن يجعل كل واحد فينا يقف متأملا في نفسه ومفتشا فيها متسائلا ما إن كانت نفسه تنطوي على تلك البذرة الخبيثة التي تجعله غير قابل للاتعاظ ولا للتعلم مهما كانت الدلائل بل مهما كانت التجارب!!

وقد ضرب الله لنا مثلا واقعيا على هذا الصنف في قصة سيدنا إبراهيم.. ذلك أن قوم إبراهيم عادوا من حفلتهم فوجدوا آلهتهم كلها مكسورة إلا كبير الآلهة لا يزال منصوبا وقد تعلق في رقبته الفأس!!

وبتلقائية عجيبة بحثوا عن الفاعل!! وبدؤوا عملية التحقيق وتحديد المشتبه فيهم، فتوصلوا إلى إبراهيم.. فذلك هو الذي صدرت عنه تصريحات سيئة في حق الآلهة!

لقد بحثوا عن الفاعل دون أن يتوقفوا لينظروا في حال تلك الآلهة التي تحطمت حتى دون أن تقاوم.. ولا إلى هذا الإله الكبير الذي ظل متفرجا ثم حاملا لسلاح "الجريمة"!!

لقد انصرفت عقولهم عن الأسئلة المنطقية التي يجب أن تكون في تلك اللحظة أسئلة حاضرة وحارقة وخارقة: ماذا فعلت تلك الآلهة لنفسها أمام من أرادها بسوء؟!

المهم، ذهبت دورية عسكرية وأحضرت إبراهيم، ووقف أمامهم فسألوه: (أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟!)

لا يستطيع المرء أن يكتم ضحكته أمام هذه العبارة المتناقضة، "فعلت هذا بآلهتنا".. من الذي يفعل بمن؟ الآلهة أم العبيد؟!!

المهم أن إبراهيم -عليه السلام- ضغط على الجانب الذي يخفونه ويتهربون منه، (قال: بل فعله كبيرهم هذا، فاسألوهم إن كانوا ينطقون)

ويبدو المشهد ساخرا تماما.. أبسط مبادئ المنطق أن هذا الإله الكبير الذي لم يتحطم، والذي يحمل سلاح الجريمة، هو الذي كسَّر بقية هذه الآلهة.. أو على الأقل: هو شاهد عيان على الجريمة.. فهو أولى الناس أن يكشف عما حصل!!

ومع أن الأمر يبدو منطقيا تماما، إلا أنه كان بالنسبة لهم كالمفاجأة المدوية، وهي المفاجأة التي أيقظت بعض أسلاك العقل (فرجعوا إلى أنفسهم، فقالوا: إنكم أنتم الظالمون).

ما الذي يحملنا على القبض على الفتى، إن كان بالإمكان سؤال شاهد العيان هذا، والذي يحمل سلاح الجريمة!!

لكن هذه الاستفاقة لم تلبث إلا لحظات، ثم انقضت عليهم شهواتهم وتقاليدهم وعاداتهم وتعلقهم بآلهتهم (ثم نُكِسوا على رؤوسهم: لقد علمتَ ما هؤلاء ينطقون).

فزاد إبراهيم -عليه السلام- في ضغطه وفضحه لحقيقة آلهتهم الهشة، ولحقيقة خرافاتهم التي يتعلقون بها (أُفٍّ لكم، ولما تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون؟!)

ثم صدر قرار القضاء الشامخ: (قالوا: حرِّقوه، وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين)

هكذا حَكَموا على إبراهيم لا بالحرق، بل بالتحريق (المبالغة في الإحراق).. وذلك أنهم يريدون الانتصار لآلهتهم!!

الانتصار.. للآلهة المكسورة..

وهكذا ترى -عزيزي القارئ- كيف أن بعض الناس لا يتعظ أبدا.. فالآلهة التي تحطمت وتكسرت وانهارت.. وثبت بالدليل أنها لا تملك أن تدفع عن نفسها شيئا، بل ولا تملك أن تُخبر عما فُعِل بها.. هذه الآلهة، وجدت من يدافع عنها حتى بعد أن تكسرت وانهارت!

ترى، هل لا يزال بعضنا يعتنق أصناما مكسورة؟!

إن إغلاق العين والقلب عن الآيات البينات، وعن التجارب والوقائع، والإصرار على عدم التعلم منها هو عكوف عند الأصنام.. بل عند الأصنام المكسورة!!

إن الله يقيم حجته على عباده، وما من إنسان في هذه الحياة إلا وتضخ له الأيام من الأحداث ما تقوم له به العظة والعبرة.

ولكن كثيرا من الناس يُعَطِّلون حواسهم: سمعهم وبصرهم وفؤادهم.. يغلقونها على ما اعتادوا عليه.. فيهم شبه من الذين قالوا (بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) حتى لو كان الذي جاءهم (أهدى مما وجدتم عليه آباءكم).

فتش عن صنمك المكسور..