الخميس، أبريل 02، 2026

لماذا جاءت سورة الروم بعد سورة العنكبوت: تأمل في انسجام البناء القراني العجيب!


بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله..

تلك كانت كلمة ألقيتها في المعتكف، ليلة السابع والعشرين من رمضان، ثم استحسنها بعض السامعين، ورغب بعضهم في كتابتها.. فها أنذا أفعل، والله المستعان..

ولقد رُزِقنا بقارئ متقن حسن الصوت، تلا علينا في الركعات الأربعة الأولى هاتيْن السورتيْن، وفتح الله عليه فيهما، فوقع في خاطري هذا المعنى الذي يجمع بين السورتين ويؤلف بينهما على نحو لم أنتبه له من قبل..

سنبدأ الكلام عن مختصر سورة العنكبوت، ثم مختصر سورة الروم، ثم نتكلم في الانسجام بينهما، وفي العلاقة التي تؤلف بين موضوعيهما..

 

(1) سورة العنكبوت

من قرأ سورة العنكبوت ظهر له فيها ملمح واضح، وهي أنها سورة "الابتلاء".. فهي تأخذ في بيان أن الابتلاء سنة من سنن الله، تقع على المؤمنين لتميز الصادق من الكاذب، ولتفصل بين المُدَّعي من المخلص!

ولذا تراها تبدأ على هذا النحو:

{أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفْتَنون؟!

ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين.

أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا؟! ساء ما يحكمون.

من كان يرجو لقاء الله فإن أَجَل الله لآتٍ، وهو السميع العليم.

ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه، إن الله لغني عن العالمين}

وتمضي الآيات على هذا الخط، فتذكر أول بلاء ينزل بالمؤمن، وهو الذي يأتيه من أهله.. أبيه وأمه وعائلته.. وكيف أن المؤمن مأمور بأن يثبت على الحق الذي عرفه مهما كان ضغط أهله عليه، وفي نفس الوقت يجب أن يكون ثباته هذا منضبطا بغاية التأدب والتهذب والمصاحبة بالمعروف، لعِظَم حق أهله عليه..

{والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرنّ عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون. ووصينا الإنسان بوالديه حُسنا، وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون}

وتقف الآيات عند حقيقة الابتلاء، وكيف أنه الاختبار العملي لحقيقة الإيمان.. فالمؤمن حقا هو من يستهين ويستخف بعذاب الناس لأنه يؤمن أن عذاب الله أشد وأعظم، وأما غير المؤمن فيظهر منه ذلك إذا وقع به الأذى من الناس.. اسمع:

{ومن الناس من يقول آمنا بالله. فإذا أُوذي في الله، جعل فتنة الناس كعذاب الله}

وكثير ممن يدّعي الإيمان يحاول أن يظل ممسكًا بالطرفين، فهو يظهر حين تأتي المكاسب وينتصر المؤمنون

{ولئن جاء نصر من ربك ليقولُنّ: إنا كنا معكم. أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين؟ وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين}

ثم تأخذ الآيات في وصف بلاء الأنبياء: نوح وكيف لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، ثم إبراهيم، ثم لوط، ثم شعيب، ثم موسى..

ثم ابتلاء محمد صلى الله عليه وسلم، كيف أنه قد كُذِّب مع أن قومه يعلمون تمام العلم أنه لم يكن يكذب، ولا كان يعرف القراءة ولا الكتابة، وأن الذي جاء به من الآيات يُدهش العقول..

ولم يقتصر تكذيبه هذا على قومه، بل كذَّبه أيضا أولى الناس أن يؤمنوا به، وهم أهل الكتاب، وذلك لما عندهم من العلم بالكتاب..

{وكذلك أنزلنا إليك الكتاب، فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به، ومن هؤلاء من يؤمن به، وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون.

وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك، إذًا لارتاب المبطلون.

بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون}

ثم تأخذ السورة في طمأنة المؤمنين:

طمأنتهم بأن العذاب سيحل بالكافرين {يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين}

وطمأنتهم بأن في الأرض متسعا إذا ضاقت بهم بلدهم  {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون}

وطمأنتهم بأن الموت سيأتي على الجميع {كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون}

وطمأنتهم بأن الجنة في انتظارهم {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا، تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها، نعم أجر العاملين}

وطمأنتهم أن الرزق مكفول.. فالله يرزق الدواب مهما ضعفت {وكأين من دابة لا تحمل رزقها، الله يرزقها وإياكم}..

ثم تختم السورة بالتأكيد على أن الجهاد سبيل المؤمنين، به تنفتح معهم سبل الهداية، وبه يتغير الحال، وينقلب البلاء إلى تمكين {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}

 

(2) سورة الروم

وأما سورة الروم، فحديثها حافل عن آيات الله في كونه.. وكأن قارئها قد انغمر في مشهد كوني هائل من الآيات التي بثها الله في عباده.. فهم يرونها ويعيشونها وإن غفلوا عنها..

وهذه الآيات الحافلة الكثيرة المنهمرة.. يبصر المرء فيها أمورا واضحة تشير إليها:

الأول: أنها دالة على الله ووجوده وحكمته وإحاطة علمه وإحكامه لخلقه وتدبير أمورهم.. فما يكاد يتعرض المرء لهذه الآيات بقلبه حتى يشهد أنه مخلوق ضعيف ضئيل عاجز أمام مشهد عظيم هائل، لا يصنعه إلا الإله العظيم العليم.

الثاني: أنها حافلة بمشاهد التقلب والتغير والتبدل.. فالليل ينقلب نهارا، والتراب يصير بشرا، والحي يخرج من الميت، والميت يخرج من الحي، والأرض التي كانت جدباء نزل عليها الماء فأنبتت، والسماء التي كانت صافية انبثت فيها الغيوم ونزل منها المطر.. أمورٌ لا تكف عن التبدل والتنقل والتحول!!

الثالث: أنها كلها ذات أجل.. ما تلبث أن تنتهي مهما طالت، وما تلبث أن تنقضي مهما بدا أنها استقرت واستمرت.. فسائر أمور الدنيا مهما كانت ضخمة وقوية وراسخة فإنها لحظات سريعة في عمر التاريخ.. ستطوى صفحتها وإن غرَّت الناس باستقرارها..

وهكذا ترى سورة الروم تأخذ في هذا المسار منذ آيتها الأولى وحتى الأخيرة..

تبدأ بمشهد انتصار الفرس على الروم، والذي بدا في وقته انتصارا كاسحا ساحقا.. لقد اكتسح الفرس أرض الروم حتى حاصروا عاصمتهم القسطنطينية، فما من أحدٍ عاش في ذلك الزمن إلا وظنّ أنه يكتب الصفحة الأخيرة من تاريخ الإمبراطورية البيزنطية..

فلما نزل القرآن يقول بأن الأمر سينقلب، كان ذلك مدهشا بل هو يشبه الجنون، حتى قال المؤرخ الشهير إدوارد جيبون وهو يصف تلك اللحظة: «تنبأ محمد في خضم الانتصارات الفارسية بأن رايات الرومان ستعود ترفرف مرة أخرى، وفي ذلك الوقت لم يكن شيء أبعد من تحقق هذه النبوءة».

ثم تأخذ الآيات في إدانة من ينخدعون بالمظاهر {وعد الله، لا يخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا}

فتأمل كيف وصفهم بالعلم ووصفهم بالجهل معًا.. فهم جهال لأن علمهم مقتصر على "ظاهر" الحياة الدنيا.. وبذلك صاروا "لا يعلمون" مع أنهم "يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا".

وتأتي على ذلك بالأدلة.. الأدلة من النفس، والأدلة من التاريخ..

{أولم يتفكروا في أنفسهم، ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق (وأجل مسمى) وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون؟!

أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، كانوا أشد منهم قوة، وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها}

فأين ذهب هذا كله؟.. لقد انقضى وانتهى..

هذه الحياة القصيرة، حياة النفس الواحدة، تتمثل فيها ذات السنة التي تحكم الحياة الطويلة، حياة الحضارات.. كل شيء في هذه الحياة له (أجلٌ مسمى).. ومهما بلغ قومٌ من القوة والهيمنة والتمكن وإقامة العمران الهائل، فإنهم لم يستطيعوا أن يخرقوا هذه السنة، ولا أن يطيلوا في أعمارهم.. بل مات الجميع، وانقضت الحضارات!!!

ثم يأتي دفق الآيات منهمرا.. {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون}

وتبدأ مجموعة منها بقوله {ومن آياته}.. فتأخذ الأنظار نحو الحي الذي يخرج من الميت، والميت الذي يخرج من الحي، والأرض التي تخصب من بعد جدب..

وهذا الرجل الذي يبدو قويا ويستطيع الحياة بنفسه كيف لا تسكن نفسه ولا تستقر إلا إذا اتخذت زوجة أنثى تبدو ضعيفة، فهو في حاجة إليها كمثل –أو بأكثر من- حاجتها إليه!

وهذه السموات والأرض، وهذه اللغات الكثيرة..

وهذا الاتفاق بين البشر مهما تباعدت ديارهم واختلفت طباعهم وثقافاتهم على النوم بالليل والسكون فيه، وعلى العمل بالنهار والسعي فيه..

وهذا البرق الذي يجتمع فيه، في اللحظة الواحدة: الخوف والرجاء.. الخوف من صعقة الموت، والرجاء في أنه مقدمة للمطر الذي يحيي الأرض..

وتستمر الآيات القرآنية في وصف الآيات الكونية: السفن التي تسير في البحر، الرياح التي تدفعها، السحب التي تتجمع لتنزل المطر، الإنسان الذي يبدأ ضعيفا ثم يقوى ثم يضعف مرة أخرى..

وفي ثنايا هذه الآيات حديث عن الإنسان وإفساده في الأرض {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون}

وحديث عما هو فيه من النزق والجزع {وإذا مسَّ الناس ضرٌّ دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون}، {وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها، وإن تصبهم سيئة بما قدَّمت أيديهم إذا هم يقنطون}، {ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون}..

وهكذا.. ترى سورة الروم وهي تأخذ أنظار الناس إلى هذه الدنيا الحافلة بآيات الله.. تدل على علمه وحكمته، كما تدل على قدرته وهيمنته، كما تدل على أن هذا كله إنما يتبدل ويتحول ويتغير..

وتُختم السورة بخلاصتيْن:

1.    خلاصة عن الكافرين، أنهم مهما تعددت المشاهد والآيات أمامهم فإنهم لا يؤمنون، ولذلك طبع الله على قلوبهم.

2.    وخلاصة هي توجيه للمؤمنين ألا تغرهم المظاهر، وألا تضغط عليهم كثرة هؤلاء الماديين المنخدعين بها، ولا يستسلموا لسطوتهم.. اسمع:

{ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل، ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون. كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون. فاصبر إن وعد الله حق، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون}

 

(3) التناغم والانسجام بين سورتي العنكبوت والروم

بقي الآن أن ننظر في هذا الترابط والتآلف بين سورتي العنكبوت والروم..

نبدأ من آيتيْن في السورتيْن، هما قريبتان من بعضهما جدًّا، حتى في اللفظ.. وذلك قوله تعالى في سورة العنكبوت {ليكفروا بما آتيناهم، وليتمتعوا، فسوف يعلمون}.. وقوله في سورة الروم {ليكفروا بما آتيناهم، فتمتَّعوا، فسوف تعلمون}.

إن في العديد من سور القرآن آيات متشابهة جدا، تستحق أن تكون موضوعات للبحث في باب التناغم والانسجام في بناء القرآن.. ولا أدري إن كان أحدٌ اهتم بهذا الأمر أم لا.. ولكنه يبدو بابا ثريا وعميقا..

هاتان الآيتان معناهما ظاهر: هذه الحياة الدنيا ابتلاء، وفيها يعطي الله الناس ويؤتيهم من النعم والإمكانيات والقدرات ما يكون اختبارا لهم، فإذا بهذه النعم حين يكفر بها أصحابها ويتخذونها للمتعة العاجلة وحدها، تكون سببا للعذاب..

فتأمل هنا كيف ارتبط معنى الابتلاء بالنعم على الوجهيْن اللتيْن تناولتهما السورتان..

1.    في العنكبوت التي هي سورة الابتلاء.. أشير إلى أن النعم أيضا ابتلاء!

2.    وفي الروم التي هي سورة النعم والآيات.. أشير إلى أن الغرق في هذه النعم والتمتع بها دون فهم ما وراءها من الإله القادر الحكيم، هو من التعلق بالمظاهر الخداعة، وهو من الاغترار بالدنيا!

ثم تأمل أيضا كيف أن صيغة الخطاب في سورة العنكبوت، وهي التي تخاطب المؤمنين، كانت صيغة الغائب.. فهي حديث عن القوم الكافرين {وليتمتعوا، فسوف يعلمون}.. بينما صيغة الخطاب في سورة الروم، التي تخاطب بالأساس المتعلقين بالمظاهر كانت بالمُخاطَب {فَتَمتَّعوا، فسوف تعلمون}.

وقريب من هاتين الآيتين في التشابه أيضا، قوله تعالى في العنكبوت {والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يأسوا من رحمتي، وأولئك لهم عذاب أليم} وفي سورة الروم {وأما الذين كفروا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون}..

فتأمل كيف كان حضور الآخرة ولقاء الله مناسبا لأهل الإيمان والابتلاء ليتصبروا في الدنيا وليستهينوا بما فيها من العنت فلا ييأسوا من رحمة الله في الدنيا ولا في الآخرة.. وكان كذلك تحذيرا لأهل التعلق بالدنيا والانشغال بها من أنهم يغفلون عنه، وأنهم يعرضون أنفسهم للعذاب!

وفي السورتيْن خطٌّ ناظمٌ عامٌ، وهو: الزمن.. كيف ذلك؟!

إنك إن تأملت رأيت سورة العنكبوت تفيد معنى واضحا يقول: البلاء مهما بدا طويلا فإنه قصير.. والطغاة الجبابرة مهما تمكنوا زمنا فإنه في الحقيقة ضئيل..

فسورة العنكبوت تبث في نفس قارئها أن آلة الزمن تعمل بسرعة.. ما يلبث الطغاة أن ينتقلوا ويتبدلوا ويذهبوا مع ريح الزمان وتنطوي صفحاتهم مع التاريخ..

وأما سورة الروم، فهي تضرب المثل بهؤلاء الذين لم يفهموا هذا المعنى وتعلقوا، أو بالأحرى: وعلقوا بزمنهم الحاضر ولحظتهم الآنية، فغفلوا عن الزمن، فاغتروا وخُدِعوا، ولن يستفيوا إلا يوم القيامة حين تكون الصدمة الصاعقة..

تأمل في سورة العنكبوت تجد أنها على هذا النحو..

حكايات سريعة عن الأنبياء، ليس فيها حوار بين الأنبياء وأقوامهم، وليس فيها أخذ ورد وجدال.. إلا عبارة أو عبارتيْن مع إبراهيم ولوط!

حتى نوح، أطول الأنبياء عمرا، انطوت حكايته كلها في آيتين {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون . فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين}

كيف انطوت ألف سنة في عبارتيْن سريعتيْن هكذا؟!.. ذلك الذي أقوله لك في معنى الزمن كما يظهر في سورة العنكبوت.. آلة زمن سريعة، وصورٌ متتابعة!

{وإلى مدين أخاهم شعيبا، فقال: يا قوم اعبدوا الله وارجو اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين . فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين}

ثم تتابع الصور.. الحكايات الطويلة توجز في كلمات..

{وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم، فصدَّهم عن السبيل وكانوا مستبصرين.

وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين}

حتى العقوبات التي نزلت بالمكذبين، جاءت على هذا النحو من السرعة..

{فكلًا أخذنا بذنبه، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خسفنا بهم الأرض، ومنهم من أغرقنا، وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}

حتى قصة إبراهيم، لا تذكر الآيات حوارا، بل يقول إبراهيم ما عنده من الرسالة، ثم تأخذ الآيات في إدانة الذين غفلوا عن مبتدأ الخلق ومنتهاه {أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده، إن ذلك على الله يسير . قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلقَ، ثم الله ينشيء النشأة الآخرة، إن الله على كل شيء قدير}.

ثم تُختم قصص الأنبياء بهذه الآية العجيبة {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون . إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم. وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون}

هكذا إذن.. سائر ما فعله هؤلاء الطغاة من الحضارات والعلوم والعمران والقصور المشيدة والآثار المهيبة، ليس في ميزان الزمن الحقيقي عند الله إلا كبيت العنكبوت!!

العنكبوت الذي يرهق نفسه في تشييد بيته، فهو يعمل فيه ليل نهار، فما تلبث أن تأتي نسمة من الهواء، أو غمزة إصبع من طفل، حتى تطيح ببنيانه كله في غمضة عين، إنما هو {أوهن البيوت}!!

وكان الشيخ عبد الحميد كشك، رحمه الله، كتب في مذكراته يقول: سمّى الله السورة التي ذكر فيها الطغاة بسورة العنكبوت، ليدل على هذا المعنى!

فالقصد هنا أن قارئ سورة العنكبوت -التي تتحدث عن الابتلاء- يرى نفسه إزاء مشهد الزمان الذي سرعان ما ينتقل ويتغير، والطغاة الذين يتتابعون في آية وبعض آية.. فما هم إلا كالعناكب التي اجتهدت أن تبني بيوتها، وهي تحسبها خالدة تالدة، فما هي حتى صاروا أحاديث، وطويت صفحات حضاراتهم، وصار عمرانهم بين مهدوم ومطمور ومطموس ومخرب.. وحتى ما بقي منه شاخصا، إنما بقي آية ودليلا وعبرة، تخبر الناس أن بناة هذا كله قد بادوا وماتوا، ولم يستطيعوا أن يخلدوا ولا أن يتمتعوا بما صنعوه!

وأما سورة الروم.. فهي تتوقف عند القوم الذين علقوا في لحظتهم الحاضرة وغفلوا عن الحياة الآخرة.. فالزمن متضخم في أذهانهم وضمائرهم، يحسبون أنه كل الزمن، ويحسبون الحياة الدنيا هي كل الحياة.. فلذلك أخذت السورة تلفت نظرهم إلى ما في هذه الحياة الحاضرة نفسها من آيات ضخمة يجب أن تدلهم على أنها حياة فانية ومتحولة، وأنها تدلهم على خالق حكيم عليم قد صنع هذه الآيات..

{أولم يتفكروا في أنفسهم، ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى؟! وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون.

أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها؟! وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.

ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون.

الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه تُرجعون}

ولذلك جاءت الآيات الكونية صريحة في أن الله هو الخالق {فسبحان الله.. يخرج الحي.. ويخرج الميت.. ومن آياته.. خلقكم.. خلق لكم.. يريكم.. وله من في السموات والأرض.. يبدأ الخلق ثم يعيده.. له المثل الأعلى.. الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم}.. وهكذا!

وحتى الإشارة إلى أن الربا مما يكرهه الله (لاحظ أن سورة الروم مكية، ولم يكن الربا قد حرم) جاءت على هذه الصيغة {وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس، فلا يربوا عند الله}.. فتأمل في أن القرآن، ومنذ العهد المكي، ينصب ميزانيْن: ميزان الدنيا وميزان الله.. فالمال الذي يبدو كثيرا في ميزان الدنيا ليس كذلك في ميزان الله، بل العكس صحيح {وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله، فأولئك هم المُضْعِفون}.. فالذي يقرض بالربا لن يجد ذلك في الآخرة، ولكن الذي يتصدق فيبدو كأنه خسر ماله في الدنيا فهذا الذي سيجده مضاعفا يوم القيامة!

حتى من ظنَّ أن الانشغال بالدنيا سينتج عمارتها ونهضتها، تأتيه الآية فتقول {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون}.. فصلاح الدنيا وعمارة الأرض على الحقيقة لن تكون صحيحة ونافعة إلا لو كانت على يد الذين ينشغلون بالآخرة!!

لقد صوَّر الله المنشغلين بالدنيا تصويرا غريبا.. صَوَّرهم كالموتى! وكالعُمْي الذين ينطلقون هاربين، وكالصُمِّ الذين لا يسمعون {فإنك لا تُسمع الموتى، ولا تُسمع الصمّ الدعاء إذا ولَّوْا مدبرين . وما أنت بهادِ العمي عن ضلالتهم، إن تُسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون}.

ثم تأتي الآية التي تقرب صورة الحياة كلها بأقرب تشبيه.. فالدنيا كلها مثل الإنسان الواحد، {الله الذي خلقكم من ضعف، ثم جعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة}.. قانون الزمن لا يقف له أحد..

لو كان أحدٌ يملك أن يقبض على الدنيا لكان أهون عليه أن يقبض على أيامه هو، وأن يمنع فِعْل الزمن في نفسه هو.. لو أنه استطاع أن يمنح جسده القوة ليكبر، أو يمنع جسده من أن ينحط إلى الشيخوخة بعدما كبر، لو أنه استطاع ذلك فلربما كان مفهوما أن يفكر في أن يحتفظ بالدنيا ويقبض عليها.. ولكن هيهات!

من عجز عن تدبير أمر نفسه وجسده فهو عما فوقها أعجز وأصغر وأضأل وأقل!

ولقد سمعت بعض إخواننا ومشايخنا يذكر أن سر تسمية هذه السورة بسورة الروم هو هذا المعنى: الغربيون (وهم الروم) هم أصحاب الحضارة المادية التي غرقت في متع الدنيا وملذاتها، ولم تحفل كثيرا بالدار الآخرة.. فطالما أنهم أقوياء متمكنون فهم يتشربون الدنيا ويترعون بها، ولا يفكرون في الآخرة.. منذ اليونان والرومان وحتى نسختهم الحديثة المعاصرة!

وهذا القول لمع في ذهني حين لاحظت أن سورة الروم هي السورة الوحيدة في كتاب الله التي جاءت فيها آية تقرن العلم بالإيمان، لأن العلم وحده بغير إيمان إنما يكون سببا في الغفلة والانشغال بالدنيا، فحين يتفاجأ المنشغلون في الدنيا بيوم القيامة يسمعون هذه العبارة {وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون}

وهنا يتذكر المرء الآية التي في أول السورة {ولكن أكثر الناس لا يعلمون . يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا}.. فهؤلاء الذين أوتوا العلم بالدنيا، ولم يكن عندهم إيمان فوجئوا بالحقيقة الصادمة الصاعقة.. يوم البعث..

ولكن، كيف شعروا ساعتها؟!

هذا ما تخبرنا به الآية السابقة: {ويوم تقوم الساعة، يُقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة}..

ها هي الآن حقيقة الزمن.. الزمن في ميزان الدنيا، والزمن الحقيقي.. سيكتشف الذين انشغلوا بالدنيا أنها كانت قصيرة.. قصيرة جدا جدا.. بل إنهم سيُقسمون على ذلك! ويا لها من صدمة ومن صعقة ومن هول رهيب وموقف شديد شديد شديد!!

وهكذا يأتي الختام {فاصبر إن وعد الله حق. ولا يستخفنك الذين لا يوقنون}..

تلك الحياة هي معركة بين الذين يوقنون، والذين لا يوقنون.. من يوقنون بأن الزمن أوسع من اللحظة الحاضرة، وأن المنتهى في يوم القيامة، ولهذا فهم يصبرون على البلاء ولا تغرهم الحياة ولا يستخفنهم سطوة الذين علوا في الأرض..

إن حقيقة البلاء وحقيقة الصبر مكنونة في حقيقة الإيمان بأن هذه الدنيا ساعات، وأن هذا البلاء ساعات، وأن الأجر يقينًا موجود في يوم القيامة.. وكما قال الإمام ابن القيم: بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين، كما قال تعالى {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا، وكانوا بآياتنا يوقنون}.


نشر في مجلة أنصار النبي ﷺ - إبريل 2026م

الثلاثاء، مارس 03، 2026

انقلاب رمضان!!

 يكفي دليلا على عِظَم الجريمة التي تقترفها الأنظمة الحاكمة المعاصرة هذا الذي تفعله في رمضان! لقد انقلب رمضان -على أيديهم وتحت رعايتهم ودعمهم- من موسم لعبادة الله وطاعته والاستكثار من الحسنات، إلى موسم لمحاربة الله ورسوله وأوليائه، والاستكثار من المعاصي والفجور والخلاعة!

حتى في زمن وباء كورونا الذي اتخذته السلطات ذريعة للتضييق على المساجد والقيام والاعتكاف وإطعام الطعام، لم تتوقف موجة المسلسلات والبرامج الخليعة، كأن الفيروس لا يوجد في غير المساجد ومواطن الطاعات، وكأنه يتجنب مواطن الفواحش والمعاصي!!

وفي هذه السنوات الأخيرة زاد هؤلاء المجرمون إلى إجرامهم عادة جديدة، وهي مسلسلات تعدّ خصيصا في هذا الشهر الكريم للإساءة والطعن في المسلمين وأهل الدين، فما يكاد رمضانٌ يخلو من مسلسل أو أكثر غرضه تشويه الإسلاميين ورموزهم وتشويه حركات المقاومة، يكفي أن تُلصق على الأمر لافتة "الإرهاب" ليصير المحظور مباحا! وكأنما "الحرب على الإرهاب" لا تحلو إلا في شهر الصيام والقيام والطاعات!

ولم يقتصر التشويه على الرجال، بل تعداه إلى النساء، وحتى إلى أعراضهن، وجرى عرض المسلسلات التي تزعم استهتار الإسلاميين بالأعراض وشأنها، حتى كأن نساءهن يُبِحْن أعراضهن لمن شاء، بأمر الأمير أو بغير أمره، (كما عرضه من قبل مسلسل: بطلوع الروح)! وأعجب ما في الأمر وأغربه أن اللاتي يقمن بهذه الأدوار هن الممثلات اللاتي كُنّ أعمدة الفجور والفاحشة، وكُنَّ رموز الفئة التي تحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا!!!

وصدق الذي قال:

فيا موت زُر إن الحياة كئيبة .. ويا نفس جدي إن دهرك هازل!

قد صار حقا ما كان يقال في الزمان القديم استهزاء وسخرية! العاهرات يخطبن عن الشرف وينعين على المصونات المحصنات المؤمنات الغافلات، وخونة الأوطان يخطبون عن الوطنية ويرمون أبناءها بالخيانة والجاسوسية!!!

ثم زاد الطين بلة أخرى إذ خرج علينا الزنادقة المشهورين بالفواحش والفجور يقدمون برامج دينية!! ويقول قائلهم: من آمن بالنبي كمن لم يؤمن به! ومحمد لم يكن خاتم الأنبياء فقد بُعث بعده نبي آخر هو البهاء ويصدقه سبعة ملايين! ويجب على المسلمين احترام هذه الملايين السبعة والكف عن الاعتناق بأن محمدا هو خاتم الأنبياء.. ولولا أني لا أريد تلويث قلمي ولا تلويث صفحات المجلة لذكرت اسمه! وذكرت بعضا من تاريخه، وهو تاريخ مدنس منجس حافل بأقوال الكفر والزندقة! فضلا عما هو حافل به من العمالة الرخيصة لأجهزة الأمن، ومن الريادة الحقيرة للصحافة الصفراء!

وقرينه في ذلك الكميت الأحمت ذي الحمالات الذي يواصل تقيؤ الكفر من فمه، ويتقيؤه فجا غليظا قميئا، كأن البلد قد فرغت من الدين وأهله، وكأنها قد خلت ممن يغضب لحرمة النبي وآله وصحبه! وكأنها لم تكن يوما بلد الأزهر الشريف، ولا عاصمة الخلافة الإسلامية، ولا كنانة المسلمين!

على أن هذا كله هو أعراض المرض الأصيل، المرض المتوطن الثقيل، وهذا المرض هو أنظمة الحكم نفسها، فلولا رضاها ودعمها ورعايتها لهذا كله ما تجرأ واحدٌ من هؤلاء أن يتفوه بشيء منه، فالحقُّ أنها مهمّتم التي يعرفون أنهم مكلفون بها.. مهمة الطعن في الدين وشيطنة المتدينين والترويج للتصهين والإلحاد والدين الجديد المرتقب.. دين الإبراهيمية الذي ينطلق من الإمارات المتصهينة! والتي بشرتنا الأخبار قريبا أنها بصدد إنشاء حي يهودي فيها! لتكون تلك أول عودتهم العلنية بعد إجلاء عمر بن الخطاب ليهود خيبر!

***

يجب أيضا أن يُقال بأن هذا "الانقلاب الرمضاني العنيف"، وهذا التحول الهائل من موسم الطاعات إلى موسم الكفر والفجور، لا يؤتي ثمرته ولا يصيب إلا من أراد التعرض له.. فإن الحريص على الطاعة والعبادة والتعرض لنفحات الله في هذا الشهر يُجنب نفسه أن يمكث أمام هذه القاذروات! لا سيما وقد أنعم الله علينا في هذا الزمن بكثرة المواد النافعة والمفيدة، إن كانت في الفضائيات أو كانت في الانترنت.. وتلك نعمة كانت الأجيال السابقة محرومة منها حين لم يكن بالإمكان مشاهدة غير قناة أو قناتيْن حكوميتين!

فالذي يترك تلال المواد النافعة والبرامج الرمضانية المتنوعة على سائر القنوات والمنصات ثم يختار أن يتابع هذا العفن فلا يلومن إلا نفسه!

وقد وصف الله تعالى أن زخارف شياطين الإنس والجن إنما تجد طريقها إلى نوع فاسد من القلوب، كما في قوله تعالى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 112، 113].

فمن عرَّض نفسه للفساد دلَّ هذا منه على فساد في داخله!

وأما الذين يحبون أن يتوب الله عليهم في رمضان فلا يسمحون لأنفسهم بتضييع أوقات الشهر الكريم في الهذر والتفاهة، فضلا عن الزندقة والفجور والخلاعة!

بل إن صاحب العقل النظيف الذي يحفظ عقله من أن يتلوث ويتدنس يصون عقله من التعرض لأعمال هو يعرف أن الذي كتبها كذاب، وأن الذي يمثلها فاجر، وأن الذي يمولها وينتجها ويدعمها خائن كفور!

ومن ها هنا فإن رمضان كما هو انقلاب في حياة المؤمن، فهو كذلك انقلاب في حياة الفاسق الخبيث.. هذا يزداد إيمانا ورفعة وقربا من الله، وهذا يزداد طغيانا ونفورا وقربا من الشيطان.. فيخرج كلاهما من رمضان، وقد اقترب كلٌّ منهما من مصيره!

ويصدق في كليهما قول الله تعالى {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه: 123 - 127].

***

مما يجب التنبيه عليه في هذا الموطن أن الله تبارك وتعالى مثلما يضاعف الأجر في الأوقات الفاضلة والمواطن الفاضلة، فإنه أيضا يضاعف الوزر فيها..

فكما أن الطاعة في رمضان مضاعفة الثواب، فالمعصية في رمضان مضاعفة العقاب.. وقد أخذوا ذلك من قوله تعالى عن البيت الحرام {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25].. فمجرد إرادة الإلحاد في البيت الحرام (وهو المكان الفاضل) قد توعد الله صاحبه بالعذاب الأليم!

وقاسوا على ذلك ما جاء في رمضان من النصوص التي تشرفه وتعظم قدره وتبين مكانه وفضله، وبه يتبين أن انتهاك حرمة هذا الشهر بالمعاصي هو أشد في الإثم من المعصية في غيره.

ومن هذه النصوص حديث النبي المشهور: "الصلوت الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر".. فتصوَّر من يُقدم على المعصية ويتجرأ عليها وهو في الصلاة، أو وهو في الجمعة.. لا ريب أن هذا هو أشد في الإثم من اقتراف المعصية فيما سواها، فكذلك في رمضان!

ولا ريب أن هذا الفجور المنهمر على الناس في رمضان هو حرام في هذا الشهر وفي غيره، والواجب على المسلم تجنبه في كل الشهور، لكن من كان مُصِرًّا على مشاهدة هذا الفجور، أو كان لا يملك نفسه عنه، فأقل الأمر أن يؤجل ذلك إلى ما بعد رمضان، وليتعرض في هذا الشهر إلى الخير والطاعة والعبادة، وعسى ذلك أن يصرفه عن الشر في رمضان وفيما بعد رمضان. لكن إن لم يقدر على نفسه فليختر أهون الشرور!

إن الإقدام على العصيان في رمضان يضع الإنسان في قلب الخطر، فإن الله تعالى إنما جعل مواسم الطاعات ليتقرب العباد إليه وليغفر لهم بذلك فيها، فعصيان الله في هذه المواسم والأوقات هو اجتراء على الله وإساءة للأدب معه، فليحذر المسلم من ذلك.

***

ثم نسأل الله تعالى أن يهيئ لهذا الدين أمر رشد يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته، ويُحكم فيه بكتابه، وأن يمنّ علينا فنعيش رمضان كما عاشه أسلافنا من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وحتى إلى وقت قريب، قبل أن تكون للدولة ووسائل إعلامها هذه القوة والهيمنة، حيث كان رمضان في سائر الديار شهر المواعظ والخير، ومجالس الذكر والصلوات والقربات وأنواع الطاعات..

ولا ننسى أن نذكر إخواننا وأحبابنا بأهمية العشر الأواخر من رمضان، وأهمية ليلة القدر، والحرص على اعتكاف هذه الأيام وقيام هذه الليالي.

إن الانخلاع من الدنيا ولو لأيام هو عمل عظيم الأهمية، لإنقاذ هذه النفوس التي نشبت مخالب الدنيا فيها حتى لم تعد تستطيع الانفلات منها.. لا بد للمرء من عزلة أيام يستعيد فيها نفسه وروحه وينظر فيها في شأنه، ويفكر فيها في آخرته، ويعيد فيها تقييم مسيرته في دنياه، وماذا عساه يفعل إذا دهمه الموت يوما ما!

انعزال أيام يتعرض فيها المرء للآيات والمواعظ قد يكون نقطة انقلاب رمضاني هائلة في حياته كلها، فإن الإنسان إذا آوى إلى نفسه وتفكر في شأنه وراجع حياته وتأمل في مستقبله، فإنه يعلم علم اليقين أن الدنيا أيام زائلة وأن المستقبل الحقيقي في الآخرة، وأن هذه الطاحونة الهائلة وهذه الماكينة الهادرة ليست إلا الصخب والضجيج الخادع الذي يصرف عن حقيقة المصير الكبير!

ومن يدري؟.. لعل دعاء مستجابا في ليلة القدر يكون سببا في النجاة العظمى يوم القيامة! وما ذلك على الله بعزيز.

نشر في مجلة أنصار النبي - مارس 2026م

الثلاثاء، فبراير 03، 2026

فقدوا رمضان!!

 

هذا باب من الكلام مؤلم ومرير، ومع هذا فمن النافع المفيد أن نعرفه ونتأمله ونستزيد منه، فهو من الأبواب المغفول عنها في كتب الرقائق والتزكية، ثم هو من الأبواب المغفول عنها في التعريف بشهر رمضان وقدره!

ها نحن نتهيأ لاستقبال شهر رمضان، ونُقدم على أيامه فرحين مسرورين، لا يخطر لنا شيء من أنواع المشقة.. فكيف إذا عرفنا أن بعض المسلمين كان يضحي بحياته لكي يتمكن من صيام رمضان وقيامه؟!

سنعرف حين نعرض لقصص هؤلاء المسلمين أن شهر رمضان نعمة عظمى، وأنه ليس يشعر بها إلا من فقدها..

ويكفينا لتقدير هذه النعمة ومعرفة عظمتها أن نتوقف أمام هذا الوصف النبوي له بأنه "نفحة ربانية"، ولعل الذي يتعرض لها فتصيبه ألا يشقى بعدها أبدا!

وقبل أن ندخل في حكاية الذين فقدوا رمضان، والذين ضحوا بحياتهم من أجله، أحب أن أذكر سريعا بثلاثة أمور في هذا الشهر الكريم، أو بالأحرى: ثلاث فرص غالية، كل واحدة منها تكفر الذنوب الماضية، فقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم:

1.    من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه

2.    ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه

3.    ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه

وتكفير الذنوب أمرٌ لا يقدره حق قدره إلا المؤمنون، وإذا أردنا تقريبه لأذهاننا التي تلوثت وتلطخت بالصبغة المادية، فهو يشبه لدى المدين "إسقاط كافة الدين"، ويشبه لدى الغارم "العفو عن كل الغرامات".. وهكذا!

وإذا كنا سنفتح صفحات التاريخ، فإن أعظم دروس التاريخ على الإطلاق أن كل الناس تموت، وأن الدنيا زائلة.. كل الذين سنذكرهم الآن ماتوا، ومات أبناؤهم وأحفادهم، وأحفاد أحفادهم، وأحفاد أحفاد أحفادهم.. كل الذين على هذه الأرض الآن لم يكونوا موجودين قبل مائة عام.. وكل الذين عليها الآن لن يكونوا موجودين بعد مائة عام قادمة.. سيتبدل الناس، وسيصير الجميع في القبور.. وكل هؤلاء لا يتمنى الواحد فيهم أكثر من أن يغفر له ذنبه، أو أن يزداد من العمل الصالح!

وأنت في هذه اللحظات التي بدأت تقرأ فيها هذه السطور، وحتى وصلت إلى هذه الكلمة.. هل تدري أنه قد مات ملايين الناس، ذلك أن الدقيقة الواحدة يموت فيها قرابة سبعين مليون شخص؟!.. كل هؤلاء الآن قد واجهوا حقيقة هذه الدنيا، وكلهم يتمنى أن لو عمل في حياته عملا صالحا يحسن به مصيره الحقيقي في الآخرة.

والآن تعالوا أحكي لكم القصة..

أحدثكم اليوم عن قصة المسلمين الأندلسيين بعد سقوط الأندلس، أولئك القوم الذين ضربوا مثالا أسطوريا في محاولة الحفاظ على دينهم، تحت ظروف في غاية القسوة، ظروف لا ترحم.

بثت قناة قناة الجزيرة فيلما وثائقيا قبل أكثر من عشر سنوات، بعنوان "المساء الأخير"، وفيه عرضت قصة إسباني دخل في الإسلام، وبينما هو يصلي رأته أمه، فسألته: ماذا تفعل؟ قال: هذه هي الصلاة في الإسلام. فقالت له أمه المسنة: لقد كنت وأنا صغيرة، أرى جدي يصحو قبل شروق الشمس، فيغسل أعضاءه بالماء مثلما تفعل الآن، ثم يفعل نفس هذه الحركات!

وهنا كانت المفاجأة: لقد اكتشف الإسباني الذي أسلم، أنه من عائلة مسلمة، وأن جدّ أمه ظل يحافظ على الصلاة حتى ستين سنة مضت! أي أن من المسلمين من ظل متمسكا بدينه أكثر من أربعة قرون سرًّا!!

ويا لها من أسطورة!!

وقد احتفظت لنا صفحات التاريخ ببعض وجوه العظمة التي كان عليها أجدادنا الأندلسيون.. وإليك طرفا منها!

لما سقطت الأندلس، وزال حكم الإسلام منها، ونقض الإسبان ما كانوا قد عاهدوا المسلمين عليه من ترك الحرية الدينية لهم، وجد المسلمون أنفسهم تحت حملة في غاية الشراسة والشدة، استمرت معلنة أكثر من مائة سنة، ثم استمرت سرًّا ثلاثة قرون أخرى!

كان محرما على المسلمين أن يبقوا مسلمين: إما التنصر وإما الموت، وفي أوقات بسيطة سُمح لهم بخيار ثالث هو: مغادرة الأندلس. وحين كان يتاح هذا الخيار كانوا يُهرعون إليه، إلا أنهم إذا اختاروا الرحيل ومغادرة الأندلس كانوا يُحرمون من أبنائهم فكان الإسبان ينتزعون منهم أطفالهم باعتبار أن الأطفال نصارى، ويتخلون عن أملاكهم، ويكونون تحت رحمة البحارة النصارى الذين ربما غدروا بهم وباعوهم عبيدا في فرنسا أو إيطاليا أو ألقوا بهم عبيدا في الأمريكتين!!

وكان هذا العصر هو عصر محاكم التفتيش.. تلك المحاكم الجهنمية التي كانت تجعل نفسها رقيبة على الضمائر والقلوب، فتبذل جهدها بوسائل الترهيب والتعذيب في التحقق مما إن كان هذا المتهم لا يزال في صدره بعض إسلام أم لا.. فإن كان كذلك فمصيره ميتة بشعة، بأدوات تعذيب شيطانية! وإن لم يكن فيكفيه أنه نجا بحياته بعد أن يكون قد خسر أمواله وممتلكاته كذلك.

صفحات تاريخ رهيبة كتبت فيها كثير من المؤلفات، وكثير من هذه المؤلفات كتبها باحثون إسبان وأوربيون أيضا.

ما يهمنا الآن هي قصة المسلمين الذين اجتهدوا ليصوموا رمضان في مثل هذه الظروف القاسية!

في كتاب "دولة الإسلام في الأندلس" للمؤرخ المصري محمد عبد الله عنان، يذكر لنا في المجلد الأخير "نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين" أنه بعد مائة عام من سقوط الأندلس، ومن خلال سجلات محاكم التفتيش، أن قرية مسلاته الموريسكية[1]، المهم أن هذه القرية اتُّهم فيها أربعون أسرة بصيام شهر رمضان[2]!

فهنا ترى أن المسلمين ظلوا يورثون أبناءهم عبادات الإسلام بعد مائة عام!! حتى أنهم اكتشفوا في قرية واحدة أربعين أسرة تصوم.. هذا بخلاف ما لم يكتشفوه، بخلاف ما هو في سائر القرى!

وفي سجلات محاكم التفتيش تظهر بعض البلاغات التي أبلغ فيها النصارى عن المسلمين، التي نرى منها حجم تشوق المسلمين لشهر رمضان، وحجم انتشاره الصوم فيهم، فمثلا تم الإبلاغ عن مسلمة سُمِعت تقول لمسلم آخر إنها ذهبت إلى فضاء القرية لترى الهلال. وكذلك أبلغ عن مسلم نقَّاش رآه أحدهم يتطلع في السماء فسأله: ماذا تفعل؟ وما الذي جاء بك إلى هنا؟ فقال النقاش المسلم إنه جاء لرؤية الهلال، فقال الشاهد: تريد أن تصوم؟ فقال النقاش: أجل، فهناك في أراغون (منطقة في إسبانيا الآن) يصوم الجميع"[3]!

وهنا يبدو أن المسلم ظن نفسه يكلم مسلما، أو ربما كان المُبَلِّغ أحد المسلمين الخونة، فهذا الصنف يظهر في أوقات الشدة ليتقرب إلى أعداء المسلمين.

من أهم الكتب التي تناولت أحوال المسلمين الأندلسيين بعد السقوط في جزئية عباداتهم الدينية تحديدا: كتابان على وجه التحديد، الكتاب الأول هو كتاب الباحثة الإسبانية مرثيدس جارثيا أرينال "محاكم التفتيش والموريسيكيون"، وهو مترجم وصادر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة، وكتاب المؤرخ الإسباني بيدرو لونجاس "حياة الموريسكيين الدينية"، وهذا الكتاب يعتمد على المخطوطات المكتشفة من تراث الموريسكيين أنفسهم، والتي كانوا يكتبونها للمحافظة على الدين وتعاليمه!

في كتاب مرثيدس أرينال تذكر معلومة مهمة جدا، تقول: "بشكل رئيسي فإن العبادات الأكثر رسوخا في حياة الموريسكيين، والتي يرد ذكرها في كل المحاضر تقريبا، هي صيام رمضان، والطهارة، والصلاة"[4].

وتضيف أيضا: "بدون أدنى شك، صيام رمضان هو العبادة الدينية الأكثر تأصلا في حياة المسيحي الجديد[5]، وفي الغالب هي أكثر عبادة يحافظ عليها الجميع. ويمكن القول بأنه آخر مظهر إسلامي من حيث التلاشي... وإضافة إلى كونه شعيرة دينية، إلا أنه سيتحول إلى ملمح للتميز الثقافي، ويصبغ الشخص الذي يحافظ عليه بصبغة خاصة... طابعه الجماعي يجعل منه العبادة الأكثر تأصلا، وبالتالي الأكثر تميزا"[6].

بل حافظ المسلمون على وسيلة المسحراتي، فكان بعض المتطوعين المنظمين يخرجون ليطرقوا على الأبواب ليلا حتى يرد ساكنوها عليهم[7].. وهذا نوع من المخاطرة!

ولا ريب أن المرء حينما يطالع مثل هذه الأخبار، يحزن ويتحسر أن بعض المسلمين يهملون أمر الصيام وهم في مجتمعات مسلمة، وكيف أنهم يتخلون عن آخر شيء تخلى عنه أجدادهم المسلمون في أشد البيئات قسوة وشدة.

لم يحافظ المسلمون على الصيام فحسب، بل كانوا يصومون أيضا الأيام الستة من شوال، ويسمونها الستة البيض، ويحافظون على احتفال عيد الفطر بارتداء الثياب الجديدة أو النظيفة وإخراج الصدقات على فقرائهم.. وكانوا يصومون أيضا من الأيام العشر من ذي الحجة، ويوم عاشوراء، بل منهم من كان يصوم صيام داود، يصوم يوما ويفطر يوما.. ومنهم من كان يحافظ على الاعتكاف لتسعة أيام[8].

ثمة من المسلمين من قُبِض عليه أثناء استطلاعه لهلال رمضان، وذات مرة قبض على نصف قرية لهذا السبب، تقول أرينال: "كان هناك قلق عند انتظار الهلال ومراقبته، وكانوا ينقلون خبر ظهوره بين القرى المجاورة، ويتناقشون حوله. وتسبب هذا الاهتمام بهلال رمضان في محاكمة عدد ليس بالقليل من الموريسكيين. ففي عام 1570، تم القبض على نصف القرية لأنهم خرجوا إلى أماكن الفضاء لرؤية ظهور هلال رمضان، ولما دار جدل حول ما إذا كان الهلال ظهر أم لا انقسموا إلى جماعات متفرقة، وبدأت كل جماعة تدافع عن موقفها بصوت عال، وبالتالي علمت السلطات وقبضت عليهم"[9]!

ولأن المصير كان هو الموت حرقا وتعذيبا، فقد كانت للمسلمين تحايلات كثيرة، وبعض هذه التحايلات كانت تتعلق بالعبادة نفسها، وتقصير وقتها، أو تعويضها في أيام أخرى، ومنها ما فعلوه طبقا لفتاوى من علماء المغرب، أو حتى أفتى بعضهم لبعض بها (مع مراعاة تناقص وانقراض العلماء تدريجيا في بيئة الموريسكيين)..

فمن هذه التحايلات أنهم كانوا يعوضون صيام أيام رمضان في مواسم جني العنب، حيث يخرجون من بيوتهم في القرية، إلى البيوت التي أنشؤوها في الحقول والمزارع، حيث يتجنبون المراقبة اللصيقة بهم، بحجة أنهم يعملون الزبيب. يذكر المؤرخ الإسباني خوليو كارو باروخا، أنه في بداية القرن السابع عشر، يعني بعد حوالي 120 سنة من سقوط الأندلس أن المسلمين كانوا يتحايلون على السلطات الإسبانية، وفي بيوتهم تلك يصومون رمضان ويحتفلون بعيد الفطر، وأنهم كانوا يفرحون ويستبشرون بالمولود الذي يولد في تلك الفترة، لأنهم يتجنبون بهذا تعميدهم في الكنيسة[10].

ومن هذه التحايلات أنهم لم يكونوا يتمّون صيام شهر رمضان كله، بل كانت الأكثرية تكتفي بصيام نصف الشهر أو اثني عشر يوما منه، أو تستغل فترة السفر، فتصوم طوال مدة السفر، لأن هذا يجنبهم المراقبة والوشايات التي يمكن أن تصدر عن جيرانهم إذا لاحظوا امتناعهم عن الطعام والشراب[11].

ومن فتاوى هذه الحقبة، أن يدفع المسلم الكفارة إن كان لا يستطيع الصوم، كأن يكون عاملا في بيت مسيحي ولا يستطيع إلا أن يأكل في الأوقات التي يأكل فيها سيده، فعليه أن يطعم فقيرا، ومثل ذلك من كان مسجونا في سجن محكمة التفتيش أو مأسورا عند بعض المسيحيين.

وكذلك المسلمين الذين يعملون في النقل، وقد كان هؤلاء كثرة، فهذا إذا اضطر إلى صحبة مسيحي في سفر أقل من العذر الشرعي، وعرض عليه المسيحي الطعام، وخاف المسلم أنه إذا لم يأكل أن يثير الريبة فيبلغ عنه، فله أن يأكل أقل الممكن ويبقى صومه قائما، ونيته منعقدة على إكمال اليوم.. فإذا أكل كثيرا فعليه الكفارة!

والموريسكي إذا مات قبل أن يقضي الأيام التي اضطر إلى فطرها، فعلى أقاربه التصدق عنه أو الصيام بديلا عنه.

لا يتسع المقام لمزيد بسط عن أحوال الأندلسيين في زمن اضطهادهم، وما كانوا يفعلونه للحفاظ على الصيام، فضلا عما كانوا يفعلونه من التمسك بالعبادات الأخرى كالوضوء والصلاة والزكاة والزواج والولادة وحتى الدفن، وكيف اجتهدوا ببسالة عظيمة في حفظ دينهم وتعليمه، لكني أرجو القارئ وأوصيه كثيرا أن يقرأ تاريخ هؤلاء، فإنه تاريخ يزيد المؤمن إيمانا، وهو يزكي نفسه ويطهر قلبه، بما يرى من أفعال هؤلاء!

وفي الوقت نفسه، يجب ألا ننسى أشباه هؤلاء في عالمنا المعاصر الآن، وأقصد بهم المسلمين في تركستان الشرقية، والمسلمين في بعض مناطق الهند، والمسلمين في بعض المناطق الإفريقية.. هؤلاء المسلمون لا يتمكنون من صيام رمضان لأن السلطات تجبرهم على الإفطار، ولأن البيئة المحيطة بهم تترصد لهم وتبلغ عنهم إذا عرفوا أنهم يصومون.. طبعا نحن نرى بوضوح ما يحصل من اضطهاد بسبب الحجاب لأنه ظاهر، أما ما يحصل من الاضطهاد بسبب الصيام فيكون أكثر خفوتا.. فأرجو أن يهتم المسلم بحال إخوانه في هذه البلاد.. يهتم لحالهم لمصلحة نفسه، فهو حين يطلع على أحوالهم يزداد إيمانا وتمسكا بدينه، ثم يهتم لحالهم لواجب الأخوة الذي فرضه الله علينا وألزمنا به.

نشر في مجلة أنصار النبي - فبراير 2026م


[1] الموريسكيون هو التعبير المشهور عن المسلمين في هذه الفترة، ومعناها المسلمون الأذلاء أو المسلمون المستضعفون.

[2]  محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس، ط4 (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1997 م)، 6/380.

[3] مرثيدس غارثيا أرينال، محاكم التفتيش والموريسكيون: محاضر محكمة كوينكا، ترجمة: خالد عباس، (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2004م)، ص66.

[4] أرينال، محاكم التفتيش، ص65.

[5] وهي تعني بالمسيحي الجديد: المسلم الذي أجبر على التنصر، فاضطر للتنصر ظاهرا.

[6] أرينال، محاكم التفتيش، ص66.

[7] بيدرو لونجاس، حياة الموريسكيين الدينية، ترجمة: د. جمال عبد الرحمن، (القاهرة، المركز القومي للترجمة، 1993م)، ص209، 214.

[8] أرينال، محاكم التفتيش، ص67؛ بيدور لونجاس، حياة الموريسكيين، 210.

[9] أرينال، محاكم التفتيش، ص66.

[10] خوليو كارو باروخا، مسلمو مملكة غرناطة بعد عام 1492م، ترجمة: د. جمال عبد الرحمن، (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2003م)، ص129، 146.

[11] أرينال، محاكم التفتيش، ص66.