الأحد، يناير 16، 2022

لماذا تضعف ثقافة المقاومة ضد السيسي وأمثاله؟!

 

 

لا يزال #السيسي_عدو_الله مستمرًا في سياسة هدم المباني والمنازل.. وهو يتفنن في أسباب هدمها:

فهو يهدمها أحيانا لرغبة إسرائيلية كما فعل في رفح حتى استطاع تحقيق الخنق الكامل للمقاومة!

ويهدمها أحيانا بحثا عن أموال في ظل أزمته المالية، فلقد أنفق كل الأموال التي انهمرت عليه في لذائذه الخاصة كالقصور الشاسعة والطائرات الرئاسية الفارهة ومؤتمراته الأسبوعية، والمسلسلات التي يخدر بها الناس، والسجون التي يبنيها لمن يعترض!!.. وهذا هو الذي فعله في القرى والمدن بدعوى أنها بُنِيت على الأرض الزراعية.. فصار الذي بنى بيته يسدد ثمنه مرتين: مرة لأخذ الترخيص الأول، ومرة باسم "المصالحة"!

وأما البيوت التي بُنِيَت في قلب المدن وبإجراءات قانونية تامة، فهو يهدمها من أجل المشاريع الاستعمارية والاحتلالية، بدعوى المنفعة العامة، فمما لا يعرفه كثير من الناس، ولكن يعرفه الباحثون في تاريخ الحداثة وقصة الاقتصاد أن التوسع في إنشاء الطرق والكباري والمحاور في الدول الضعيفة سياسيا وصناعيا ليس إلا وسيلة للتحكم الأمني (بتسهيل انتقال قوات السلطة لضرب الناس والسيطرة على المناطق) وللاستنزاف الاقتصادي (بتقصير زمن وتكلفة نقل البضائع من مصادرها إلى المواني أو المصانع ضمن منظومة اقتصادية يستفيد منها الأجانب والطبقة الرأسمالية ولا تعود بالنفع على المواطنين).

وعبد الفتاح السيسي زاد على ذلك فجعل استعمال هذه الطرق وسيلة ليستصفي منها أموالا جديدة.. ويدل على ذلك قوله مع كامل الوزير قبل أسبوعين، حتى إن كامل الوزير قال له: لتحقيق الاستقرار الأمني، فقال عدو الله: لا، بل لجلب الأموال!!

والآن يتعرض سكان القلب في مناطق القاهرة لمشروعات الهدم والإزالة، مثلما تعرض لها قبل سنين سكان الأحياء المحيطة بالحرم، وقبلها سكان الجزر الموجودة في قلب النيل.. فالأطماع الاستعمارية (يسمونها: الاستثمارية) لا تتوقف عند حد!! وحين يأخذ الحاكم المجرم رشوة عظيمة من مستثمر أجنبي، أو يكون شريكا له، فإنه لا ينظر إلى الناس على أنهم مجرد حشرات ومخلفات يجب إزالتها، بدعوى "المنفعة العامة"!!

أجد هذه اللحظة، لحظة مناسبة، للتذكير بأمر مهم، ولكنه يغيب في أي نقاش حالي..

إن السيسي يُقدم على تدمير حياة الناس بلا تردد ولا رحمه، ولكن من أهم ما يساعده على ذلك الثقافة السائدة التي تتمثل في أنه "دولة".. فمخالفة السيسي هي في ذات الوقت مخالفة "الدولة"، إنها خروج على القانون والدستور!!

والقانون والدستور مجرد أداة في يد السيسي.. فالفارق بين المجرم الذي يتولى السلطة، والمجرم الذي يسرح في الشارع، أن المجرم الأول يجعل رغبته قانونا، فيجعل جريمته تنفيذا للقانون، ويجعل الذي يقاوم هذه الجريمة خارجا عن القانون، فتدور آلة الدولة كلها لسحقه وسجنه.. فالدولة هي جهاز الإجرام الأكبر.

بينما المجرم الذي يسرح في الشارع حتى وإن تمكن من الإفلات من عقوبة القانون، فهو يواجه ثقافة سائدة تجعله مجرما، وتجعل الذي يقاوم جريمته بطلا، وتجعل التعاون بين الناس على مقاومته عملا عظيما!

إن امتلاك الحق في التشريع وكتابة القانون والدستور هي أم المصائب التي سببت أعظم البلايا في تاريخ البشرية كلها، بها امتلك الفراعين والأكاسرة والقياصرة والأباطرة القدرة على تحقيق رغباتهم مهما كانت مجرمة.. بها امتلكوا القدرة على تقسيم الناس وجعل أنفسهم آلهة أو شبه آلهة ثم جعل الناس عبيدا لهم بلا حقوق.. وبها امتلكوا القدرة على تكوين الثقافة السائدة، فما أحبوه جعلوه حلالا وفضيلة، وما كرهوه جعلوه حراما ورذيلة، ومن نافسهم في شيء من نفوذهم أو نادى بتحقيق العدالة أو خرج عليهم يقاوم ظلمهم فهو المجرم الأكبر الذي يجوز لهم أن يسحقوه!!

وفي كل إمبراطورية وجد الفرعون عددا من الكُهَّان والأحبار وعلماء السوء والقانونيين والدستوريين من يُفصِّل رغبته في قوانين ودساتير، فيجعلون مقاومة ظلمه خروجا على القانون والناموس والأحكام!

وهنا تأتي المزية العظيمة للإسلام، أن الإسلام انتزع حق التشريع من الحاكم، فالمشرع هو الله، والنصوص الأساسية المصدرية للشريعة هي نصوص لم يضعها حاكم، بل جاءت في القرآن والسنة.. وعلى القرآن والسنة بُنِي الفقه بعيدا عن ضغوط الحكام ورغباتهم.. فلم يستطع حاكم إضافة حرف أو حذفه في قرآن أو في سنة، وأعلام الفقهاء الذين انتشرت مذاهبهم لم يكن واحد فيهم مقربا من السلطة، بل كل واحد فيهم كانت له محنة معها سُجِن أو ضُرب بسبب موقفه منها.

وفي الإسلام وحده كان الدخول على السلاطين من أسباب الطعن في العالِم وعدم الثقة فيه، بينما لن تجد في أي نظام آخر -بما فيها النظام الديمقراطي المعاصر- إلا أن القرب من السلطة مما يضفي الاحترام والتقدير على صاحبه، فالقانوني الذي تولى منصب وزير أو رئيسا لمحكمة دستورية في النظام الديمقراطي، فإنما هذا مما يزيد قدره في مجاله!!

والمقصود أن الشريعة حين تكونت بعيدا عن رغبة الحاكم، في مصادرها الأصلية وفي فروعها، قد أثمرت عددا من النتائج الخطيرة والفارقة:

1. أن الشريعة صارت هي المرجعية العليا التي لا يملك تغييرها ولا تعطيلها، بل إن خروجه على الشريعة يجيز للناس الخروج عليه.. وإن معصيته لله ورسوله يحرض الناس على معصيته.. فطاعته مقيدة مخصوصة مشروطة بطاعة الله وقيامه بحكم الشريعة. وهو يُطاع في المعروف لا يطاع على طول الخط!

2. ضيق مساحة تصرف الحاكم بالقوانين، إذ صار محكوما بحدود لا يستطيع أن يتعداها.. فإذا أراد أن يتعداها تكلف أن يتمحك ويتأول ويتكلف التفسير.. ويكون حينئذ مفضوحا منبوذا، هو وعلماء السوء الذين وافقوه على ذلك.

3. أن الشريعة لا يحتكر أحدٌ تفسيرها، لا فرد ولا مؤسسة، ومن ثم فليس قول عالِم السلطان ولا تفسيره للشريعة ملزما.. بينما قانون الدولة الحديثة ملزم للجميع، وتحتكر المحاكم تفسيره.

4. أن كل فرد في المجتمع، بما في ذلك شرطة السلطان وعسكره، لا يجوز لهم طاعته في المعصية، ولا يجوز لهم تنفيذ ما يأمر به إن كان مخالفا للشريعة.. وهذه الثقافة تعطي حصانة قوية للمجتمع، وقدرة على رفض الظلم والتعدي، فهي ثقافة عامة تجعل مقاومة الحاكم عملا بطوليا.

وكل ما سبق، إنما يجب أن يُفهم في ضوء أصل أكبر.. وهو أن النظام الإسلامي يبني مجتمعا قويا يقوم على تحديد وتضييق صلاحيات السلطة، في مقابل تقوية وتوسيع نشاط المجتمع.

وهذا النظام العام في العلاقة بين السلطة والمجتمع، المسنود بثقافة فقهية قوية وتقاليد اجتماعية راسخة وهيمنة أخلاقية شاملة، يجعل الحاكم غير مطلق اليد في الاعتداء على المجتمع والناس، وهو ما جعل تاريخنا حافلا بالثورات، وهو ما جعل كثيرا من الملوك العظماء في تاريخنا مطعونا فيهم لأنهم قتلوا معارضا أو كانوا قساة في إخماد ثورة أو أنه ظلم عالِمًا أمره بالمعروف ونهاه عن المنكر... إلى آخر هذه الأمور التي كانت في ثقافتنا شيئا عظيما يُخدش به تاريخ السلطان العظيم، بينما هي في تصورنا الآن من التفاهات التي لا يتوقف أحد عندها!!

حتى مفهوم المنفعة العامة وضع له الفقهاء عبر العصور ضوابط وقيود وشروط، مبنية على نصوص القرآن والسنة، تجعل الحاكم غير مطلق اليد في تقدير المنفعة العامة التي يضطر لأجلها من إزالة بيت أو تجريف أرض أو تغوير بئر أو ردم نهر!!

الخلاصة: إن ثقافة الدولة والقانون والحاكم الذي يملك التشريع هي في صلب الأزمات التي نعيشها الآن، ونحن الآن نعيش في زمن كثرت مصائبه حتى يجب علينا التذكير الدائم بما في الشريعة من فضائل تغل يد الحاكم عن مثل هذه التصرفات!

ولعلها لحظة مناسبة يُفْهَم فيها موقف الإسلاميين الرافضين للديمقراطية، لأنها تعطي حق التشريع للناس من دون الله، فتجعلها معقودة بنواب أو بسلطة لا يملكون المعرفة بالدين ولا حتى يتعهدون بالالتزام بأصوله وثوابته!! إن الذين يرفضون الديمقراطية من منطلق إسلامي لا يرفضون معنى الشورى الذي فيها، ومعنى حق الناس في الاختيار والمراقبة والعزل، فكل هذه حقوق جاء بها الإسلام.. إنما يرفضون كونها تجعل حق السيادة والتشريع لغير الله وشرعه.

هذه روابط لمزيد تفصيل لمن أراد:

https://melhamy.blogspot.com/2020/07/blog-post_27.html

https://melhamy.blogspot.com/2017/10/blog-post_15.html

https://t.me/melhamy/1665

https://www.youtube.com/watch?v=zJjkYHGJMfg

https://www.youtube.com/watch?v=TaPeWMhfsGU

https://www.youtube.com/watch?v=ikfGGWK3BUI

https://www.youtube.com/watch?v=HEg-ax7G-xs

https://www.youtube.com/watch?v=frfOeFdOWIU

الجمعة، يناير 14، 2022

دراسة حالة السيسي الطبية!

 

في كثير من المواقف يبدو #السيسي_عدو_الله كأنه إنسان متخلف عقليا، يحتاج بحق إلى فحص طبي بالفعل.

مثلا في الموقف الشهير الذي قال فيه "أنا لو ينفع أتباع لاتباع"، كان يتكلم بكل الجدية، بينما الكلمة لا يمكن أن يفهمها أحد إلا على سبيل المزاح الثقيل.. يعني إذا عُرض هذا المشهد دون أن نعرف صاحبه ومناسبته، فسنتخيل أنه مقطع كوميدي، ولن يتصور أحد أن رئيس دولة ما كان يرى الحل في بيع الناس بمن فيهم رئيس البلد نفسه لحل مشكلة البلد!!

ومثل ذلك قوله لصحافية: مش هناكل يعني.. مش هناكل، بس نبني بلدنا.. أهم حاجة نبقى كده!!.. انتِ خايفة ليه؟ ده أنا لما اشوفك بتفاءل!!

ومثل ذلك قوله لشاب سأله عن الذين يريدون البقاء في الحكم إلى الأبد، فأجابه ببراءة: ليس هناك من يبقى في الحكم للأبد، لأن كل شخص سيموت!!

انظر إلى براءة الإجابة، كأنه يخبرك عن حكمة عميقة، أو يكتشف اكتشافا جديدا.. كأنما كان السائل لا يعرف أن الحاكم سيموت في نهاية الأمر!!

ومثل ذلك موقفه في المؤتمر الصحافي الشهير مع ماكرون، حين سُئل عن أوضاع حقوق الإنسان في مصر، فقال منفعلا: لماذا لا تسألني عن الصحة؟ ليست لدينا صحة جيدة. لماذا لا تسألني عن التعليم؟ ليس لدينا تعليم جيد. لماذا لا تسألني عن الإسكان؟ ليس لدينا إسكان جيد.

وهذا وحده موقف تنتحر عنده علامات التعجب، فالطبيعي أن الطاغية المجرم حين يريد حرف الأنظار عن جرائمه في القتل والسجن أن يتحدث عن إنجازه في التعليم والصحة والإسكان.. أما هذا، فإنه يعترف على نفسه علنا بأنه لم يفعل شيئا لا في الصحة ولا في التعليم ولا في الإسكان.. مع أنه ينتهك حقوق الإنسان أيضا؟!!

حتى إن نظرات ماكرون له كانت استغرابية، ويلوح لي أنه ظن أن الترجمة خاطئة!! إذ لا يمكن لعاقل أن يقول مثل هذا الكلام!!

ويتكرر نفس هذا الموقف في ختام منتدى الشباب، فقد واجه سؤالا عن حقوق الإنسان، فانطلق يقول ذات الكلام عن أن حقوق الإنسان لا تقتصر على حقوقه السياسية وعلى حرية التعبير بل تشمل أيضا حقه في المسكن والدخل الجيد.. ومع ذلك، فهو يعترف على نفسه بأن الشعب المصري لا يجد ما يتنزه به لأنه لا يجد ما يعيش به حياة الكفاف!!

بعد تسع سنين من التمكين التام، بصحبة أجهزة أمن متوحشة بلا رحمة، وأجهزة إعلام لا تستحيي من الكذب الفاجر، وأنهار أموال تدفقت عليه من الخليج ومن القروض الأجنبية.. بعد هذا كله، يعترف السيسي على نفسه أنه لم يحقق للإنسان في مصر لا صحة ولا تعليم ولا سكن ولا حتى أبقى له كرامته.. فهو يقتلهم ويسجنهم ويعذبهم من أجل حياة ليس فيها معنى الحياة!!

هذه المواقف وحدها ينبغي أن تدفع إلى التفكير في المستوى العقلي لهذا السفاح!! هذه الكلمات التي يقولها لا ينطق بها عاقل.. نحن أمام حالة تتفوق على القذافي الذي كان مضرب المثل في الهذيان والتخريف والتفوه بما لا يُعقل!

فكيف إذا وضعناها إلى جانب مواقف أخرى مناقضة لها تماما؟!!

فالسيسي نفسه يتحدث عن الشعب الذي يكنز الأموال ويخزنها بعيدا عن يد الدولة! ويتحدث عن المليارات التي أصبحت "زي الكوتشينة"، ويتحدث عن إلغاء التموين لكل من استطاع أن يتزوج، فالزواج عنده دليلٌ على الغنى!! ويتحدث عن رفع الدعم عن رغيف الخبز!!

ومؤتمراته شبه اليومية التي تكون على هامش افتتاح ما يسميه مشاريع لا يرى أحد لها ثمرة، هي المؤتمرات التي يؤكد فيها أن البلد في نهوض وصعود وتطور، وأن ما حدث فيها ما كان ممكنا أن يحدث ولو في عشرين سنة، وأن ما أنجزه هو بدون دراسات جدوى لو كان قد نفذه بعد دراسة جدوى ما استطاع تحقيق ربعه أو خمسه!!

السيسي يغني على هذه النغمة نهارا، ثم يواصل فريق إعلامه الغناء عليها ليلا!! في مشهد يشبه تماما مشهد الحكاية الخرافية التي يُروى فيها أن منافقا استطاع أن يقنع الملك أنه قد نسج له ثوبا من خيوط الشمس والقمر، حتى خرج الملك عاريا، والكل يتأمل ويتغنى بجمال ثوبه من الشمس والقمر، لا يجرؤ أحد أن يتحدث عن حقيقة أنه عريان، لولا أن أفسد المشهد رجل مخبول صاح قائلا: إني أرى الملك عاريا!!

السيسي يتحدث عن الفقر بعد يوم واحد من تصريحه أنه أنفق 400 مليار جنيه للخروج بالبلد من متاهة الفقر!

ويتحدث أن المياه التي تصل إلينا من إثيوبيا 10% وأن البلد دخلت مرحلة الفقر المائي، وهو نفسه في مؤتمرات سابقة قال بكل ثقة: بلاش هري، عيشوا حياتكوا، بلدكم في أمان.. وقال قبلها: هو أنا ضيعتكم قبل كده علشان أضيعكم؟!!

وأرجوك -عزيزي القارئ- لا تنسى أهم مشهد في أزمة السد، المشهد الذي يمثل تجسيدا ممتازا للتخلف العقلي.. مشهد "قول والله والله والله.. لن نقوم بأي ضرر.. للمياه في مسر"!!!

وأرجوك لا تنسى أيضا أن هذا الشخص، كما قال هو بنفسه، لديه ثلاثة فلاتر، يعبر عليها كلامه قبل أن يخرج من فمه!!!

الخلاصة أن الوضع يحتاج إلى تفكير حقيقي حول قدرة هذا الشخص على الحكم، ومستوى إدراكه العقلي.. إنه في الموقف الواحد يعبر عن حالة مثيرة للاستغراب.. فإذا جمعنا موقفه هذا مع مواقفه السابقة نرى تناقضا لا يمكن حله..

والمسألة هنا ليس لها علاقة بكونه عميلا أو وطنيا، فحتى العميل يمكنه أن يحقق ما يريده من الضرر بكفاءة، أما هذا فحالة تستحق الدراسة حول طبيعة تفكيره!!

ولا تنس أن هذا الذي يفعل كل ما سبق يرى نفسه قد أوتي فهما نادرا كفهم سليمان، وأنها نعمة اختصه الله بها، وأن الله خلقه طبيبا يستطيع توصيف الحالة، وأنه بلغ في العبقرية حدًّا أن الفلاسفة يستمعون إليه ويوصون به، وأنه قرأ كل مقالات الصحف المصرية منذ كان في التاسعة!!!

قل لي بربك: أليست هذه حالة تستحق أن يعكف عليها الأطباء النفسيون ليدرسوها؟!


الجمعة، نوفمبر 26، 2021

هل يمكن تفسير سلوك السيسي بالعقل؟!

 

من أظهر الأمور التي لا يمكن تفسيرها بالعقل في سلوك #السيسي هذا الاهتمام الشديد بأحجار الفراعنة، فحملات الترميم والمواكب الاحتفالية وبناء متحف ضخم للآثار المصرية، هو هدر سفيه غير معقول في بلد هش، لا تستطيع السلطة فيه الإنفاق على جهازها الإداري، وتلجأ لاختراع أنواع من الضرائب ومحاسبة الناس على بناء بيوتهم منذ عشرين سنة، ثم تتعكز الدولة -مؤخرا- على ودائع دولارية من حليفها السعودي.

هذا السفه الشديد، وغير المفيد، لا يمكن تفسيره بالعقل والمصلحة، بل يجب أن نبحث في علم النفس لتفسيره:

هل هو تعلق من السيسي بالفرعنة والطاغوتية والجبروت، فهو يحب أن يحيي تراث الفراعين الذين ضرب بهم المثل في القسوة والظلم وتسخير الشعب!

إن بناء الأهرامات الضخمة يظل دليلا قائما على قدرة الفرعون على تسخير الناس لأعوام طويلة لبناء قبر ضخم!! إنه شاهد على الظلم والطغيان الذي خيم على ذلك العصر!

أم يا ترى هو جزء من نفسيته المبغضة للإسلام؟!.. فهذا الرجل الذي لا يتورع ولا يتردد في هدم عشرات المساجد، هو نفسه الذي يقنن الكنائس المبنية المخالفة للقانون، وهو نفسه الذي يجدد -على نفقه الدولة- المعابد اليهودية التي لا يعرفها أحد ولا يزورها أحد.. فهل إحياؤه الوثنية الفرعونية هو جزء من هذا الخط؟!!

بالأمس توفي النائب البرلماني حمدي حسن، كان سجينا في سجن العقرب منذ 2014، ولم يره أهله منذ 5 سنوات!!

وهذا ليس حاله فحسب، بل هو حال كل النازلين في العقرب: الشيخ حازم أبو إسماعيل، د. محمد بديع، م. خيرت الشاطر، د. باسم عودة، د. محمد البلتاجي، د. سعد الكتاتني ... وآخرين!!

ومن اتفاق المناسبات أن عبد الله الحداد كان قد كتب مقالا عن أبيه السجين بالعقرب، يكشف فيه أنه صار عند كل رنة هاتف من والدته يتوقع سماع خبر وفاة أبيه.. وأبوه هو: د. عصام الحداد مستشار الرئيس الشهيد مرسي للعلاقات الخارجية!!

وهؤلاء كانوا نجوم المجتمع، ولهم علاقاتهم الواسعة بكثير من الدول والمنظمات، لطبيعة مكانتهم المرموقة.. هناك آخرون ينزل بهم كل هذا أو أشد، ولكن لا يعرف ذلك أحد، لأنه لا يهتم بهم أحد، طوابير أخرى في السجون العسكرية ومن المتهمين في قضايا "عنف" كما يسميها النظام!! وتلك قضايا يتهرب الجميع من ذكرها والدفاع عن أصحابها!

في مقال عبد الله يبدو واضحا أن سجن هؤلاء، والتعامل معهم على هذه الصورة لا يمكن تبريره بأي منطق عقلاني.. فهؤلاء السجناء من القيادات المحجوبة عن العالم كله وعن أهاليهم قد تقدم بهم العمر، ثم إنه قد تغيرت البيئة التي يمكن أن تمثل أي تهديد للنظام القائم، وبالتالي فالإفراج عنهم لن يمثل أي خطر أو ضرر على النظام القائم، لكنه يمثل إغلاقا لصفحة أليمة في تاريخ أهاليهم وأبنائهم.. بل ربما كان الإفراج عنهم مكسبا يوضع في صالح النظام.. فلماذا لا يفرج النظام عنهم؟

إذا أضفنا إلى ما قاله عبد الله الحداد، أن جماعة الإخوان، أعلنت (فعليا) استسلامها منذ زمن طويل، وقام المستسلمون منها بمحاربة من ذهبوا إلى المقاومة ورفع الغطاء عنهم، بل وتسليمهم في بعض الأحيان.. إذا كان ذلك كذلك، وهو أمر يعرفه النظام جيدا، فكيف يمكن تفسير هذا الأسلوب بالعقل؟!

السجون مليئة بالغرائب والعجائب، عدد لا يمكن إحصاؤه يُحاكم على "جرائم" حدثت وقت أن كان سجينا بالفعل، وهناك عدد غير معروف على وجه التحديد ممن سُجِنوا لأن قريبا لهم لم يستطع النظام اعتقاله، أبرزهم علا ابنة الشيخ القرضاوي وزوجها، وإخوة الإعلامي المعروف عبد الله الشريف، وهؤلاء عُرِفوا لأن ذويهم من المشاهير، بينما طابور طويل من الأقارب المسجونين لا يعرفهم أحد!!

هذا كله فضلا عن طرائف الأعمى المتهم بالتدريب على القنص، ومريض الأعصاب المتهم بمحاولة اقتحام قسم شرطة، والطفل الصغير المتهم بالاعتداء على مجموعة من رجال الأمن... إلخ!!

تلك الأمور كلها لا يمكن تفسيرها بمنطق مصلحة الدولة، ولا بتحليل عقلاني كما يتوهم بعض الناس أن الأمور تجري بالحساب والتدبير.. هذه أمور لا تفسر إلا بشهوة التجبر والطغيان التي تسكن نفوس المجرمين!!

هذا الذي وصفه ربنا تبارك وتعالى في كتابه فقال:

{كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة}

{إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم}

{قد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر}

{قال: ربي الذي يحيي ويميت، قال: أنا أحيي وأميت}

{آمنتم له قبل أن آذن لكم؟! ... فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف، ولأصلبنكم في جذوع النخل، ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى}

{يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري}

وهذه قصة فيها عبرة، كيف يشعر الفرعون بالطعنة الهائلة في جبروته ولو من امرأة واحدة!

https://melhamy.blogspot.com/2019/12/blog-post_5.html


الأربعاء، نوفمبر 17، 2021

لماذا تنخفض الفائدة البنكية فتنخفض العملة في تركيا؟!

اختصار مخل جدا في مسألة الفائدة، بمناسبة انهيار الليرة التركية، وتصريحات أردوغان التي يُصِرّ فيها على خفض الفائدة البنكية.

وهذا الاختصار كلام بدائي جدا في باب الاقتصاد، ولكن المشكلة أن الألفاظ الفخمة الضخمة والمصطلحات الاقتصادية بعيدة عن الفهم لدى أغلب الناس، فكثيرا ما أكتشف أن الأمر يحتاج للكلام فيه.

بداية وقبل كل شيء، فإن فوائد البنوك هي الربا المحرم، وهذا الأمر بمثابة الإجماع العلمي، ولا يُعرف عالِمٌ معتبر أجاز فوائد البنوك دون شبهة اضطرار أو إكراه.. فالمسلم يلتزم بهذا الأمر الإلهي وإن لم يعرف حكمته وأبعاده الاقتصادية، وإنما هو يعرف بمقتضى إيمانه أن الربا خطير ومضر ومستجلب لغضب الله.

وبالمناسبة، فهذا الأمر، أي التزام المسلم بدينه دون معرفة الحكمة من الحكم الشرعي، هو من أقوى وأرسخ عوامل نجاح الإسلام وقوة الأمة الإسلامية.. إذ يكفي في معركة التحرر أن يُقال للناس: فوائد البنوك حرام، وهي الربا الذي يستجلب غضب الله ويأذن بحربه، فيمتنع كل متدين عن اقتراف هذه الجريمة.. ولولا هذا الدين لاحتجنا في إقناع الناس إلى كلام كثير كثير وتفصيل طويل طويل، وأغلب الناس لن يفهمه.

إذا تلقى المرء معرفة اقتصادية بدائية سيعرف أن الربا من أشد وسائل استعباد الناس واستنزافهم لحساب القلة الغنية المترفة، وهو مفسد للغني والفقير، فأما ضرره على الفقير فمعروف، وأما ضرره على الغني فإنه يزيده جشعا وطمعا وكسلا وتآمرا على الفقير، إن الربا يدمر أخلاق الإنسان ويجعله آلة مادية نهمة وشرسة!

وأما ربا البنوك فهو أشد بكثير من ربا المعاملات الفردية، فالبنوك الآن هي شرايين النظام العالمي المالي، وهي مؤسساته التي لا تقل خطرا عن القواعد العسكرية، وهي محمية ومسلحة بالقوانين وبالجيوش، ومهمتها ليس استعباد الأفراد وحدهم، بل استعباد الشعوب كاملة.. فالبنوك في كل بلد من البلاد الضعيفة هي الوسيلة التي تمنعها من النمو والنهوض، وتحافظ على عملية امتصاص أموالها!

البنوك -بتبسيط شديد- هي أداة شفط الأموال من عموم الناس، لوضعها في يد القلة الغنية المترفة، فإذا بددها الأغنياء دفع الفقراء الثمن!

يتم هذا عبر منظومة معقدة، ومتخفية تحت ألفاظ رنانة براقة ومصطلحات لا يفهمها عموم الناس.. كيف ذلك؟

حين تكون الفائدة البنكية مرتفعة، فإن هذا يدفع كل من لديه بعض الأموال أن يضعها في البنك، لأن الفائدة المرتفعة ستأتي له بربح عال بلا أدنى مخاطرة.. فإذا كان لديك مبلغ من المال وتحتار هل تستثمره في مشروع يتوقع أن يأتي بربح 10% عند نهاية العام، أو أن تضعه في بنك لتحصل على نفس الفائدة عند نهاية العام.. فالاختيار الطبيعي أن تضعه في البنك لتوفر على نفسك مشقة إنشاء المشروع وتأسيسه وإدارته وتحمل مخاطره.

وكلما ارتفعت الفائدة كلما ذهب الناس لوضع أموالهم في البنوك بدلا من استثمارها في مشروعات زراعية أو صناعية أو تجارية.

من المستفيد من هذه العملية؟

المستفيد هم حيتان الأموال، كبار رجال الأعمال، أولئك الذين يستطيعون أن يقترضوا من البنوك بضمان ما لديهم من الأملاك والأموال، ويستثمرون هذه الأموال الضخمة في مشروعات ضخمة تدر عليهم أرباحا ضخمة.. فيتضاعف ثراؤهم!

فإن خسر المشروع أو أفلس رجل الأعمال فإنه يستطيع من خلال علاقاته ونفوذه أو حتى من خلال القوانين أن يؤجل دفع الديون التي عليه للبنك، أو يخفضها، (يسمونها اسما مهذبا لطيفا = "إعادة جدولة الدين") أو حتى يستطيع أن يهرب إلى خارج البلد! فإن كان ذا علاقات أقوى ونفوذ أكبر تصالح رجل الأعمال مع البنك، وظل يكرر المحاولة: الاقتراض بعد الاقتراض، والفشل بعد الفشل.. وطالما لديك من العلاقات ما يعصمك من السجن والعقوبة، فلماذا لا تتمتع بأموال الناس كيفما أحببت؟!

مجتمع رجال الأعمال يستطيع أن يساهم في تغيير القوانين أيضا، فأولئك بما لديهم من قدرة على تمويل الحملات الانتخابية وعلى تمويل الصحف والقنوات الفضائية يستطيعون صناعة القوانين على هواهم ولمصلحتهم.. وهم يستطيعون أيضا الاستفادة من علاقتهم بالحكام السياسيين.

وهكذا -عزيزي القارئ- فإن الفائدة كلما ارتفعت، كلما تعطلت الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة، وازدهرت استثمارات رجال الأعمال الضخمة.

وفي ظل عالم رأسمالي، تزداد خطورة رجال الأعمال، لأنهم فئة متميزة وتزداد تلاقيا وتشاركا وتحالفا، وتكون هي بنفسها من وسائل الهيمنة العالمية على الدول والأوطان.. ومن هنا فإن هؤلاء يعملون معا بدافع المصلحة الذاتية أو حتى بتوجيه دولي نحو التأثير السلبي في اقتصاد الدول التي تحاول التحرر من الهيمنة المالية العالمية.

وأخطر ما يتضرر به هؤلاء أن تقل الفائدة البنكية.. لأن الفائدة إذا كانت 1% أو 2% أو حتى 0% فإن هذا سيحفز من لديه المال أن يستثمره في مشروع لا أن يضعه في البنك.. وساعتها ستقل العباءة المالية للبنك، وتزداد المشروعات الصغرى والمتوسطة، فلا يجد حيتان المال أموالا يقترضونها لمشاريعهم الهائلة!

ولأن رجال الأعمال في مجملهم من أحباب الكسب السريع المضمون فإن استثماراتهم تكون في القطاعات قصيرة الأجل مضمونة الربح، كالعقارات والترفيه والسياحة ونحوها.. والنادر منهم من يخوض المغامرة في استثمارات طويلة الأجل كالصناعة والزراعة والتقنية.

ومن هنا فإن رفع الفائدة البنكية يجعل هذه القطاعات الترفيهية السياحية تزدهر، ويجعل لرجال الأعمال حصة عظيمة من السوق، وهي حصة تحت التهديد دائما إذا قرروا سحب استثماراتهم.. ولهذا يسمونها "الأموال الساخنة" تأتي سريعا وتذهب سريعا!

بينما خفض الفائدة البنكية يجعل قطاعات الصناعة الزراعة تزدهر، ويحافظ على بقاء الأموال داخل الأوطان، وتكون حصة الأموال من السوق موزعة بين عدد كبير من الشعب، وليست محصورة في عدد قليل من رجال الأعمال الوطنيين أو حتى الأجانب.

للبنوك قوانين أخرى جهنمية، فمن صلاحيات البنوك "خلق الأموال"، فالبنك هو الجهة الوحيدة التي تقرض الناس أموالا لا وجود لها، كل هذا وفقا للقوانين التي وضعها شياطين الاقتصاد لاستنزاف الشعوب.. المشكلة تظهر دائما عند الأزمة الاقتصادية.. فالأموال التي "خلقها" البنك يدفعها عموم الناس عند الأزمة، فيخسرون مدخراتهم وبيوتهم وأعمالهم، بينما رجال الأعمال الكبار مستفيدون دائما أو على الأقل محصنون من الخسارة، بل على العكس، تضطر الدولة -وفقا لقوانينها ونظامها الرأسمالي- أن تدعمهم من أموال الفقراء ليواصلوا مسيرتهم الاقتصادية كي لا تتسبب الأزمة في اختناق اقتصادي عام!

وهكذا -عزيزي القارئ- لن تجد أسعد حظا من رجل أعمال في نظام رأسمالي.. يتمتع بأموال الناس كما يحلو له، فإذا أخفق، دفع له الناس تكاليف الخسارة.

حين تحاول دولةٌ ما الخروج من نظام الهيمنة هذا، يكون أول ما تضطر إليه خفض الفائدة، لإنعاش القطاعات الصناعية والزراعية والتقنية -التي هي الاقتصاد الحقيقي- فيكون هذا ضربة قوية لمنظومة المال ورجال الأعمال الغربية التي تبدأ حربها على عملة هذا البلد!

في الإسلام المال هو مجرد صورة وانعكاس للموارد.. لا يمكن للمال أن ينمو من تلقاء نفسه.. في الرأسمالية العكس تماما.. المال يمكن أن يلد مالا، والمال يمكن أن يخلق مالا.. هذه العملية تتم في البنوك وفي البورصة!

كيف تتم هذه العملية؟

باختصار شديد ومخل: طالما أنت سياسي لطيف تمشي على خط النظام العالمي، تعمل المنظومة بشكل طبيعي في تبادل العملة الوطنية، لأن الفائدة في النهاية تنعكس على هذا النظام العالمي نفسه لمزيد من الهيمنة.

إذا حاولت التحرر، تحركت المنظومة لتحارب العملة الوطنية، مما يتسبب بأضرار اقتصادية مباشرة في القطاعات التي يتحكم بها رجال الأعمال! وهي عادة قطاعات الكسب السريع كالعقارات والسياحة والترفيه، أو القطاعات التي تعتمد على الاستيراد.

هذا ما يحدث في تركيا ببساطة شديدة.. ويحدث وسيحدث عند كل عملية تحرر من منظومة الاقتصاد العالمية الشيطانية!

وبعد هذا الكلام الكثير.. لا أدري هل نجحت في تبسيط الأمر أم لا.. قناعتي أنا، أني نجحت بنسبة 50%.. ونسأل الله التبليغ عمن ضعفت أداته ووسيلته.


للمزيد، اقرأ: 

https://melhamy.blogspot.com/2018/08/blog-post.html

الاثنين، نوفمبر 15، 2021

لحظات خاصة في مؤتمر انطلاق الهيئة العالمية لنصرة النبي ﷺ

 


حين غصَّ المؤتمر بالحاضرين وصرنا نبحث عن المقاعد لمن لم يجلس بعد، حتى استنفدنا طاقة الفندق، كان فريق الإنشاد قد بدأ يصدح:

يا رسول الله هل يرضيك أنا .. إخوة في الله للإسلام قمنا

ننفض اليوم غبار النوم عنا .. لا نهاب الموت، لا، بل نتمنى

أن يرانا الله في ساح الفداء

إن نفساً ترتضي الإسلام ديناً .. ثم ترضى بعده أن تستكينا

أو ترى الإسلام في الأرض مهينا .. ثم تهوى العيش نفساً لن تكونا

في عِدادِ المسلمين العظماء

يا رسول الله قم فانظر جنودا .. لم يكونوا في الوغى إلا أسودا

كرهوا العيش على الأرض عبيدا .. ورأوْا فيك نعيما لن يبيدا

كل شيء ما سوى الدين هباء

تثير تلك الكلمات ذكريات عميقة مستقرة في تاريخ النضال الإسلامي كله، كلماتٌ مرتْ عليها نحو ثمانين سنة ولا تزال ندية، إلا أنها في تلك الموقف تثير العين لكي تتقلب بين الوجوه التي غصَّت بها القاعة، فإذا بالبصر يسرح بين كل الناس: الشيخ والكهل والشاب والمرأة والصبي، العالِم والداعية وطالب العلم، الصوفي والسلفي والإخواني وغير ذي الاتجاه والتنظيم، العربي والكردي والتركي والأمازيغي والإفريقي، الأبيض والأحمر والأسود، ذو العباءة وذو البذلة وذو القميص العربي والقميص الإفرنجي، كأن عالم الإسلام اجتمع في قاعة!!

سائر من حضروا كانوا من نخبة علماء الأمة وصفوتها، والعادة أن هؤلاء ممن تنوء كواهلهم بالأعباء والمشاغل، فإذا دُعِي أحدهم إلى مؤتمر كان الأمر يحتاج إلى ترتيب مسبق يبدأ قبلها بوقت طويل، أما هذا المؤتمر، فقد هُرِع إليه أولئك الحاضرون، وسعوا إليه سعي من يعرف أنه يتشرف بحضور المؤتمر لا أن المؤتمر يتشرف به!!

يروي الشيخ محمد الصغير في كلمته أنه اتصل بالشيخ محمد الحسن ولد الددو، فقال له: اقترح الموعد الأنسب لك لنرتب، فقال الشيخ الددو: هذا أمر تُقطع له المسافات وتُلغى له الارتباطات، حددوا أنتم وأخبروني!

وقد فعل ذلك فعلا، طار من موريتانيا إلى المؤتمر ليحضره في بضع ساعات، ثم طار إلى موريتانيا مرة أخرى!

ومثل ذلك فعل غيرُه ممن سافر خصيصا لأجل المؤتمر، ثم عاد بعدها مباشرة إلى بلده وعمله! ومن هؤلاء شيخ قد شاب شعر رأسه ولحيته، خرج قبل شهور من عملية قلب مفتوح، وتحامل على ضعفه، وتجاوز أنه ضرير، فجاء من عاصمة غربية بغير قائد، يطير به قلبه إلى مؤتمر نصرة النبي ﷺ.

ولما أحسَّ الشيخ نواف التكروري –رئيس هيئة علماء فلسطين بالخارج- أن الوقت طال على الحضور، قرر أن يتنازل عن كلمته، لكنه عاد فقال: "استحييتُ أن أُطلب للكلام في موقفِ نُصْرَةٍ للنبي ﷺ ثم أتنازل عنها"! لقد كانت كلمة الشيخ نواف من أكثر ما أثَّر فيّ من بين كلمات المؤتمر، كانت كلمة رجل محب ملتاع!

ولما ارتقى منبر الكلمة الشاعر أنس الدغيم، إذا بالقاعة تهدر، فصدق الحبيب القائل "إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة"، فلقد طارت القلوب مع كلماته الباذخات، ودفقه المنهمر، فكأنما كانت قذائف حب لا أبيات قصيدة!

تكلم الجميع فأحسن وأتقن وأجاد، إن حب النبي عميق في صدور المسلمين، كيف لا، وقد وصف النبي ﷺ رجالا من أمته بقوله: "إن من أشدّ أمتي حبا لي، قوم يود أحدهم لو رآني بأهله وماله" (رواه مسلم)، ولقد كانت لي كلمة، فتحيرت ماذا يُقال بعد الذي قيل، هل غادر العلماء من متردم؟!

قال لنا شيخ كريم: كنا ندخل إلى الناس من باب المسرى فتُفتح لنا القلوب والأبواب، وتدخلون أنتم من الباب العالي! باب الذي أُسْرِي به نفسه!

ولما اجتمعنا بعد المؤتمر، في الأمانة العامة، ثم في مجلس الأمناء، إذا بكل واحد يحمل في جعبته من القصص ما يُمكن جمعه تحت عنوان "كرامات المؤتمر وبركاته"!

فهذا رئيس تحرير مجلة المجتمع، الأستاذ سالم القحطاني، بمجرد أن سمع عن فكرة الهيئة ومؤتمرها، حتى عزم أن يجمع أبرز مقالات الدفاع عن النبي في مجلة المجتمع منذ صدورها، وما إن أشار بذلك حتى نزلت البركة، فإذا بالكتاب مطبوعا بعد أسبوع واحد!!

وهذا عالمٍ في الصدر من أهل العلم، وفي الصدر من أهل بلده، يسأل: هل لديكم عضوية ولو بدرجة خادم؟!.. وقال: لو أن العمل استمر على الوتيرة التي بدأ بها، فلعله يكون المؤسسة التي تجدد هذا الدين في هذا القرن!

وهذا عالمٌ في أهله وبلده، وهو مسؤول سابق، ومرتبط بموعد سفر على طائرة، أصرَّ أن يبقى حتى يشهد البيان الختامي للمؤتمر، ولو اضطره هذا لتغيير موعد السفر المحدد مسبقا، ثم استأذن إدارة المؤتمر أن يسمحوا له بالمغادرة دون أن يتناول الغداء!

وهذا مسؤول سابق يقول في مجلس خاص: قد حضرت الكثير من المؤتمرات فما شعرتُ بسكينة مثل التي غشيتني في هذا المؤتمر!

وهذا شيخ آخر يقول: على غير عادتي، وأنا الملول، لم أشعر بملل قط في هذا المؤتمر!

رأيتُ من لا يُجْلَسون إلا في الصدر إذا انعقدت المجالس، رضوا –أو اختاروا- أن يجلسوا في الزوايا والخبايا، ما يرى الواحد منهم أنه قد نقص قدرا، ولم ير الوفد أنه أُزري بمكانه!

ورأيتُ في المؤتمر من جاوز الستين والسبعين، وهو من ضيوف المؤتمر، قد نصب نفسه لئلا يجلس إلا إن جلس الضيوف جميعا، يرى نفسه خادما لضيوف جاءوا في نصرة رسول الله، ويتحمل على رغم سنه ومكانته أن يظل واقفا، ويجلس من هم دونه في السن والقدر، لكونهم ضيوف النصرة لرسول الله ﷺ.

ولما رأى أحدهم هذه المواقف، تدخل فذكر أنه يعاني من أمور صحية تجعله إذا وقف لنصف ساعة لا يستطيع ليلته تلك أن يجلس أو أن ينام لما يصيبه من آلام، فإذا به يستحيي أن يجد في الضيوف واقفين، فظل لنحو الساعتين واقفا، ولما أعدّ نفسه لليلة عصيبة، مرَّت الليلة عليه بسلام كأنه لم يكن يشتكي شيئا!

كان مجلس عاطفة متقدة في ظلال الحب النبوي الشريف..

ولما انتهى المؤتمر، وبينما أنا في الطريق إلى البيت، طالعت رسالة غاضبة من صديقٍ من خلصائي وأصحابي الأقربين، وحاولت الاتصال به فإذا به لا يرد، وظللت أطارده يوما كي أفهم ماذا أغضبه، وهو الذي لم أكن أتصور أن يغضب مني أصلا، فلما صفت نفسه عاتبني ولامني أني لم أدعه إلى المؤتمر. والسبب في أني لم أدعه أني أعرف انشغاله بكتاب يؤلفه قد استغرق كل وقته، حتى لقد امتنع معه أن يخرج إلى أي مكان، ولما كان خبر المؤتمر شائعا ما خطر ببالي أنه لم يعرف به، وقدَّرت أن مشاغله تمنعه، فإذا به يغاضبني كل هذا الغضب لأني لم أدعه. يقول: مثل هذا المؤتمر لا يُفَوَّت مهما كانت المشاغل!

استطعتُ في المؤتمر أن أقتنص قبلة على يد الشيخ محمد الحسن ولد الددو، وقد كنتُ أعرف منه أنه يمانع هذا، ولكن ما إن قبلت يده حتى انكبّ بحركة مفاجئة لم أتوقعها فقبَّل يدي!! فكاتمت دموعي وأنا أرى الرجل الممتلئ علما قد سال تواضعا!

قد كان يوم المؤتمر هذا يوما فارقا، ما أحسبه يُنسَى أبدا، وأسأل الله تعالى الذي أنعم علينا فجعلنا في هذا الأمر، أن يتم نعمته علينا فيجعلنا أهلا له، وأن يجبر كسرنا وتقصيرنا، وأن يعفو عن خطئنا وزللنا!

ثم لا ننسى الفضل لصاحب الفكرة، فضيلة الشيخ محمد الصغير، فقد فاجأنا جميعا بهمته ونشاطه وحضور ذهنه، فوق ما نعرفه عنه من غيرة على الحق وصدع به، نسأل الله له ولنا الإخلاص والسداد والقبول.


نشر في الهيئة العالمية لنصرة النبي