الخميس، سبتمبر 03، 2026

هل الاحتفال بالمولد النبوي بدعة؟

 


محمد إلهامي - مجلة أنصار النبي ﷺ - سبتمبر 2026م

لن أخوض الآن في جواب هذا السؤال، ولن أدخل في الجدل بين المانعين والمجيزين، بل سأذكر نبذة تاريخية ربما تنفع المتكلمين فيه..

من المعروف أن النبي وصحابته والتابعين في القرون الأولى المفضلة لم يحتفلوا بمولد النبي ﷺ، ولا يؤثر عنهم فيه لا عبادة ولا عادة مخصوصة، وإنما بدأت عادة الاحتفال بالمولد النبوي في الأزمان التي فترت فيها الأمة وتوقف فيها الجهاد واتسعت الهوة بين الخلفاء وبين الرعية.

وكما قال ابن تيمية فإن النفوس خُلقت لتعمل لا لتترك، وما من شئ من المنكر نهى الله عنه إلا ووجَّه إلى معروفٍ يُغني عنه، ولذلك فإنه ينبغي على المصلحين الاعتناء بالأمر بالمعروف وألا يقصروا همّهم في النهي عن المنكر.

وهذه الكلمة النفيسة الذهبية "النفوس خُلقت لتعمل لا لتترك" تنطوي فيها قواعد عظيمة في علوم النفس والاجتماع، وما يهمنا منها الآن: أن الأمة التي تفتر عن الجهاد، سرعان ما تتسرب طاقاتها إلى غيره، وذلك مذكور في كتاب الله، وهو قوله تعالى {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم}، ومذكور في قوله ﷺ: "وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم".

فإذا انصرفت نفوس الناس وطاقتهم عن الجهاد وإقامة الدين والتمكين له، ذهبت إلى شؤون الدنيا، فتنافسوها وربما تقاتلوا عليها.

وباب الجهاد يُغلق بسبب انحراف الحُكّام، كما يُغلق لأن الجهاد صار عملا مخصوصا ومحصورا بفئة بعينها، وهي طائفة العسكر. وإذا كان الحُكَّام هم طائفة العسكر وكانوا منحرفين، فقد اجتمع الشران ليصير شرًّا مستطيرا!

وها هنا يقع من التفاعلات في الناس ما يُنبت ظاهرة الاحتفالات بالموالد والأعياد، فإن النفوس تحب الاحتفال ومعانيه من اللهو واللعب، وإن الحُكَّام يحبون أن يلهو الناس وينشغلون عنهم بأعيادهم، ولهذا فربما شاركوا في هذه الأعياد واخترعوها وبالغوا في الاحتفال بها.

ولو فهمتَ هذا فلن تتعجب حين تعلم أن كثيرا من احتفالات الموالد والأعياد المستحدثة إنما نشأت في الدول التي كانت تفتر عن الجهاد، وينحرف فيها الحكام، مثل الدولة العبيدية (الفاطمية). ومثلما هو واقع في دُوَلنا المعاصرة التي اخترع كل منها لنفسه أعيادًا للاستقلال والتحرير والنصر والعَلَم والثورة.. وما هي من هذا كله في شيء! على أن دُوَل الأولين كانت إسلامية فكانت أعيادها ترتبط بالنبي وأهل بيته، أما دولنا المعاصرين فدول مُتَعَلْمِنة تحتفل بما يخص الأرض والحدود والتراب!

ومن طبائع هذه الأحوال، وتفاعلاتها الفطرية، أن ينهض أهل الخير والعلم والفضل، لتصحيح هذه الأوضاع، غير أنهم يسلكون في تصحيحها سبلا؛ فمنهم من يرى أن مناسبة كالمولد النبوي فرصة ثمينة لتذكير الناس بالنبي وسيرته وأخلاقه، يريد بذلك أن يصرفهم عما في احتفالهم من البدع والمنكرات، إلى ما يمكن أن يوجد فيه من النفع والعلم والوعظ ومسالك البر. وتكون فرصةً لإعادة تصحيح ما أحدثوه من البُعد عن النبي ونهجه وسنته! فيجعلونها مناسبة لقراءة الكتب والأحاديث في سيرته وشمائله وخصائصه، وإنشاد الشعر في مدحه وبيان فضله.

فلهذا استقر شأن الاحتفال بالمولد النبوي عبر القرون الإسلامية، شارك فيه الأئمة والعلماء الكبار، وجرت عليه العادة حتى اندرج الأمر في "عمل المسلمين" أو "ما جرى عليه العمل" أو "العُرف" أو نحو ذلك من الألفاظ التي يعبر بها الفقهاء والأصوليون عن تقبل المسلمين لهذا العمل.

وحين تثار مسألة: هل هذا من البدعة؟ يرى الكثيرون، وربما الأكثرون، أنه من البدعة الحسنة طالما أنه يخلو من المنكرات!

ولما جاء الاستعمار إلى بلادنا أضيف على هذه المسألة بابٌ آخر..

فإن الاستعمار الحديث، الذي يمكن أن نؤرخ له بالحملة الفرنسية على مصر (1897م)، حمل سياسة جديدة في التعامل مع الشعوب، ومن بين هذه السياسة المخادعة والمراوغة وادعاء تحرير الشعوب وتحضيرها، ومن لوازم هذا: إعلان التصالح مع أديان الشعوب وثقافاتها، ولهذا فلا تعجب إن رأيتَ هذا الموقف:

كان مشايخ الأزهر قد عطلوا الاحتفال بالمولد النبوي، ومعنى هذا التعطيل في ذلك الوقت أنه نوع من المقاومة السلبية والسلمية، فهو مثلما نفهم اليوم من معنى "الإضراب، العصيان المدني، إلغاء الاحتفالات، إعلان الحداد، تنكيس الأعلام... إلخ! ولكن نابليون لما علم بهذا طفق يستدعي مشايخ الأزهر ليستفسر منهم عن سبب تعطيلهم، فتعللوا بالحال وقلة المال، فأبى هذا وأنفق من أموال الفرنسيين لإقامة المولد وتعليق الزينات، وحضره بنفسه بل وأوقف جنوده يضربون الطبول ويؤدون التحية العسكرية للنبي ﷺ!! والتفاصيل تطول!

فها هنا ترى كيف كانت المقاومة للمحتل في الامتناع عن الاحتفال بالمولد، وكان الاحتفال به من أدوات الاحتلال السياسية لإثبات استقرار الأمور وانتفاء العداوة بين المحتل وبين الدين!

بعد زمن آخر سترى رجلا مثل عباس باشا الأول، وهو الوحيد من أسرة محمد علي الذي كان فيه ميل للدين وحب للعرب والمسلمين، وكانت له وقفات في نصرة أهله، فقد هرَّب بعض الوهابيين من سجن جده، وكان يجلس إلى شيخ الأزهر ليستمع إليه في الجامع، وكان يبغض الأجانب ويحرص على أن يواظب أولاده على الصلاة، وأمور أخرى لا يتسع لها المقام.. هذا الباشا هو نفسه الذي قرر أن يزيد في أيام الاحتفال بمولد السيد البدوي! وما ذلك إلا لأنه يرى هذا من نصرة الدين ومقاومة الأجانب الكافرين!!

وفي أزمنة الاحتلال سترى أن جمهرة المصلحين والمجاهدين كانوا حريصين على مناسبات مثل الاحتفال بالمولد النبوي، وغيرها من المناسبات، وما ذلك إلا لأنها فرصتهم لجمع الناس ووعظهم والكلام معهم، ومقاومة ما تغرسه فيهم دولة الاحتلال من التغريب والعلمنة.. سترى ذلك في مصر والشام وبلاد المغرب وتركيا.. لقد كان يُراد أن تتعلق هذه الأمة بشخصيات أخرى، لقد اخترعت أعياد أخرى تتعلق بمولد أو وفاة أو تنصيب أمثال محمد علي باشا وأتاتورك والملك فلان والسلطان فلان.. فكان أهل الدين في هذه الأنحاء يرون في مناسبة الاحتفال بالمولد فرصة لا تفوَّت في تذكير الأمة بهويتها ودينها ورسولها الذي هو زعيمها الأعظم ومؤسس مجدها الديني والدنيوي!

وكل واحد من هؤلاء المصلحين والمجاهدين قام بحسب ما استطاع من مقاومة البدع والمنكرات في الموالد، فبعضهم كان يزاحم المنكرات بغيرها من المعروف، وبعضهم كان يعتزل المنكرات ويقيم احتفالاته على نمط آخر، وبعضهم يخلط هذا بذاك، ولكلٍ منهم في هذه الأمور نظرة وطريقة تتعلق بما هو مقبول وما هو مرفوض، ولكل منهم طريقة في علاج المرفوض: هل يكون بالإنكار والمجاهرة أم بالتدرج في نزعه أم بمزاحمته أو باعتزاله وإقامة غيره!

وكذلك كانت الموالد فرصة لاستثمار اجتماع الناس، وكم وُضِعت فيها بذور جمع الأموال لمقاومة المحتل والطاغية، أو لاجتماع القوم المطلوبين المطاردين، واختلطت مشارب المصلحين والمجاهدين بما تيسر لهم من وسائل وظروف، ومن هذه الوسائل والظروف الطرق الصوفية السائدة والمنتشرة في البلدان.

خلاصة الكلام والمقصد أن الاحتفال بالمولد النبوي صار عملا لا يمكن وصفه بقول واحد ضربة لازب، بل مثلما كانت بعض مظاهره تمكينا للاحتلال والطغيان وإلهاء للناس وإبعادًا لهم عن السياسة والجهاد، كانت مظاهره الأخرى من وسائل الإصلاح وفرصة لمقاومة التغريب والتعلق بالأصول والجذور، وتذكيرا بالمجد التليد!

وإذا أردنا أن نقيم خطًّا بين المصالح والمفاسد في مثل هذه الأمور.. فسيكون على هذا النحو:

إن النبي ﷺ هو قدوة المسلمين، هكذا يراه المسلمون جميعا، غير أن معنى القدوة هذا يجري تحريفه على يد المحتلين والطغاة المجرمين، وهذا هو الأمر الذي يجب تصحيحه، وإذا حصل التصحيح فقد استقامت به الأمور.

لقد كان النبي ﷺ قدوة للمسلمين، ولكنه لم يكن فحسب قدوة لهم في أخلاقه الشريفة السامية: الصدق والأمانة والعفو واللين والرفق ونحوها، بل هو قدوة لهم في إقامة الدين وتأسيس الدولة والتمكين للدين في هذا الأرض وتحويله من كلام نظري مسطور في الكتب إلى واقع عملي شاخص في حياة الناس!

وذلك هو الفارق الذي يُفرق بين غرض المصلحين وغرض المفسدين، وإن التقى عملهم على الاحتفال بالمولد النبوي..

المحتل والطاغية يريد مولدا يتمايل فيه الناس ويطربون، يأكلون ويشربون ويرقصون، فإذا تحدثوا عن النبي فلا بأس أن يقتصر عملهم على وصف جماله وعيونه وشعره وثيابه، فإذا زادوا فليتحدثوا في معجزاته وخوارقه، فإذا زادوا في الاقتداء فليتحدثوا في صدقه وأمانته ونبله ورحمته ورفقه!!.. فهذا كله مما لا يبتئس المحتل والطاغية أن يسمعه الناس!

أما المجاهد والمصلح فهو يريد مولدا يتذكر فيه الناس كيف أن النبي هو القائد المجاهد، الزعيم المؤسس، الذي أقام الدين في الدنيا، وهو صاحب الشريعة الحاكمة، الرئيس الذي حمل السيف وجاهد في سبيل الله حتى تحول المسلمون معه من دعوة إلى دولة، ومن دولة إلى قوة إقليمية، ثم ترك صحابته من بعده ليحولونها من قوة إقليمية إلى قوة دولية، ثم إلى القوة العظمى العالمية!

محمد ﷺ، في الموالد التي يرضى عنها المحتلون والطغاة، شخصية الدرويش.. أي: الزاهد الرقيق الرفيق، ذي الثياب البيضاء والنور المشع من الجبين، المتبسم الهادئ الوادع اللين، صاحب المعجزات والخوارق والفضائل، الذي تسرح حوله الطيور ويسلم عليه الحجر ويئن له الجذع وينشق له القمر!!

هذا وإن كان حقا، إلا أن نصف الصورة وحدها، النصف الذي لا يمثل خطرا عليهم..

أما محمد ﷺ في الموالد التي يريدها المصلحون والمجاهدون فهو –مع ذلك، وفوق ذلك- المجاهد الذي يقيم الدين ويشيد الدولة وينفذ الشريعة، ولا يرضى بالظلم، ولا يسكت على الضيم، ولا يقبل سيادة إلا لله، ولا ولاء إلا للمؤمنين..

وهذا الصراع نفسه بين هذين السبيليْن هو مما نفهم به واقعنا وحالنا الآن..

الطاغية الذي يحارب دين النبي ويطارد أهله بالقتل والسجن والتعذيب الشديد، يحتفل بالمولد النبوي.. لكن على طريقته! يريد من المسلمين أن يفهموا من الدين ما يكون توطيدا لحكمه، أو بعبارة أكثر صراحة: يريد أن يستخدم ذكرى النبي وسيلة لمصلحته!

وهذا يفسر لك: لماذا تنحو الموالد المقامة الآن إلى أن تكثر فيها البدع والضلالات، ولماذا تقتصر على حديث الخوارق والمعجزات وأوصاف النبي الخَلْقِية دون غيرها من صفاته الخُلُقية وسنته العملية؟!

إن الأمة الحبيسة المقهورة المكبلة بأيدي هؤلاء الطغاة عاجزة أن تعبر عن حبها لنبيها في ذكراه إلا بقدر ما يسمح به الطاغية الذي يكبلها، ومن هذه الأمة مِن علماء السوء مَن غَرَّه أولئك الطغاة السفاحون فانحاز إليهم فهو وسيلتهم في تزوير حقيقة النبي، وحرف الناس عن فهم حقيقته!

كنت قبل أيام في معرض اسطنبول للكتاب العربي، وأجلس يوميا على الانترنت.. إن مؤلفات السيرة تزداد غزارة، وفوق المؤلفات ما يجتهد فيه المسلمون من المواقع والتطبيقات ونحوها، ولكن: أين الفاعلية؟!

تلك أمة محبوسة، والحبس يدفع طاقتها إلى ما هو متاح لها، التأليف وإنشاء المواقع والتطبيقات والبرامج العلمية، وإذا كان ثمة انحراف فإن الطاقة تنصرف إلى ما ليس مفيدا ولا نافعا، بل إلى ما هو مضر مثلما نراه من مشاهد الرقص والطرب والتمايل والاكتفاء بالأشعار في مدح النبي ﷺ!

فالحق أن هذا هو التفسير الأهم لما يحدث في المولد من البدعيات!!

إنه ما من رجل تعظمه أمته وترتبط به كما تعظم أمة محمدٍ محمدًا، فما من قائد ولا زعيم ولا مؤسس دولة، بل ولا حتى نبيٍّ آخر، قد عاش في وجدان أمته تلك القرون المتطاولة، وكانت أمته على هذه الحفاوة به وبذكراه مثلما هي أمة محمد مع نبيها المعظم المكرم ﷺ. ولكن المحتلين والطغاة لما عجزوا عن نزع محمد من صدور أمته، اجتهدوا جهدهم في تزييف حقيقته، فرفعوا من ارتضوا أن يكون حظهم من النبي ﷺ الرقص والأكل والطرب، وطاردوا من أرادوا الاقتداء بالنبي ﷺ حقا وحقيقة!

فليس الحق أن نتجادل ونتعارك حول ما إن كان الاحتفال بالمولد بدعة أم لا؟ وهل هو من البدعة الحسنة أم لا؟.. الحق أن نتجادل: كيف نكافح تزييف صورة النبي في عقول المسلمين؟ وكيف تكون ذكراه مواطن قوة ونهضة وذكرى نافعة لأمة مستضعفة؟ وكيف نصرف طاقة الأمة في أفعال حقيقية بدل كونهم محبوسين في كثرة "الكلام" عن النبي ﷺ؟!

 

الأربعاء، أغسطس 05، 2026

ها أنذا أسكت، فاسمعوا من كلامهم!

 


لم يجتمع على الأمة في تاريخها تحالفٌ من الأعداء ومن المنافقين كما هو حاصل في هذا الزمان، فلا تدري أيهما يكون الوصف الأكثر دقة، أن تقول: لبس العدو جلدنا واتخذ لساننا، أم أن تقول: دخل في بعضنا روح العدو وعقله، فهما واحدٌ في النفس والعقل والروح والشعور، وإن اختلف منهم اللون واللسان!

نحن تحت حكم أنظمة تبدو أنها منا، ولكنها العدو كله، لقد كانت هذه الأنظمة حاضرة دائما كممثل للغرب وحارس لمصالحه، منذ محمد علي باشا في مصر، وهي التجربة التي جرى تعميمها بعد الحرب العالمية الأولى في العالم العربي حتى صار عسيرا أن يُشار إلى نظام محلي باعتباره إفرازًا طبيعيًّا لمجتمعه أو تعبيرا حقيقيا عن أمته الإسلامية، وقد أسفرت النتائج خلال هذا القرن الماضي عن أن هذه الأنظمة قامت بدور أكثر كفاءة من الاحتلال المباشر في تحطيم المجتمع الإسلامي وتحديثه، وبكلفة أقل كثيرا من كلفة الاحتلال نفسه.

لقد كثر الكلام مني في هذا حتى ملَّني الناس، فعزمت أن أسكت فلا أتكلم، وأكتفي في هذا المقال بالتقاط بعض المقولات التي قالها هذا التحالف نفسه، وثقتها من كتبهم وتقاريرهم برقم الطبعة والصفحة، كي لا يكون عليَّ حرج، وليهلك من هلك عن بينة!.. وما أنقله هنا ليس إلا شذرات مختارة، وأما التفرغ لجمع هذا فيملأ مجلدات عديدة!

خذ هذه في باب دعم الغربيين لأنظمة الحكم المحلية العلمانية الطغيانية وتقويتها، وكيف أنه صار سياسة ثابتة:

·      قال هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي الأمريكي وأحد أبرز الشخصيات السياسية الأمريكية، في مذكراته، عن وقوف الأمريكان وتهديدهم بالتدخل العسكري لإبقاء نظام الملك حسين في الأردن أثناء أحداث أيلول الأسود: "دورنا الأكثر جدوى يقوم على سرعة إرسال قواتنا إلى البحر المتوسط وبشكل قوي والقيام بمساندة قوية للملك. أرسلت توجيهات للوزارات، طالبتها إعداد مخططات عسكرية ودبلوماسية مفصلة للتمكن من مواجهة الأمور المتوقع حدوثها وهي تزويد القوات الأردنية بالعتاد، الهجوم الجوي أو البري الأمريكي لمساندة حسين، أو الموافقة الأمريكية على هجوم إسرائيلي جوي أو أرضي لمساندته"[1].

·      ويقول نتنياهو في مذكراته: "تقابلنا للمرة الأولى، لقد أكدت له (الملك حسين) أن بقاء المملكة الأردنية الهاشمية بمثابة مصلحة حيوية لإسرائيل، ولو اقتضى الأمر، فسننزل بجيوشنا للحيلولة دون سقوطها"[2].

·      ولا نعدم أن نجد مثل هذا الاعتراف في مذكرات القادة العرب أنفسهم، فهذا الملك حسين بن طلال ملك الأردن، يورد في مذكراته "مهنتي كملك" أنه في العديد من المواقف طلب المعونة الأمريكية والإنجليزية لتثبيت نظامه، ولم يبخلوا عليه بها، يقول: "لم ينسنا الإنجليز والأمريكان، فقد دعمونا ليس بالكلام وبالتصويت في الأمم المتحدة فحسب، بل بعثوا إلينا بالأسلحة والمعدات، فوصلت بكميات جسيمة إلى مينائنا في العقبة"[3].

ولأن القوم أهل زخرفة للقول وتلبيس وتدليس، فهم يُلبسون هذه المعاني الخيانية ألفاظا من نوعية دعم الأمن والاستقرار، مكافحة التطرف والإرهاب، تأمين المصالح الحيوية، ولا يقصدون بهذا كله إلا أمنهم هم ومصالحهم هم ومكافحة من يهدد نفوذهم، حتى لقد استقر في بيئة العلوم السياسية مصطلح "الدولة الفاشلة"، وهو في حقيقته يعني: الدولة الفاشلة في السيطرة على شعبها، وهي من ثم فاشلة في حماية المصالح الأجنبية! وخذ بعض أمثلة:

·      قالت كونداليزا رايس التي شغلت منصبي مستشارة الأمن القومي ووزيرة الخارجية الأمريكية "الدول الضعيفة والفاشلة تشكل تهديدا أمنيا خطيرا على الولايات المتحدة. فهي لا تستطيع السيطرة على حدودها، وقد تصبح الملاذ الآمن للإرهابيين، لذلك فإن إعادة بنائها يشكل مهمة ضخمة وهامة في آن"[4].

·      يذكر هنري كيسنجر أيضا في كتابه "النظام العالمي" أنه "عندما لا تكون الدول محكومة بكليتها، يبدأ النظام الدولي أو الإقليمي نفسه بالتفكك. فضاءات خالية موحية باللاقانون تطغى على أجزاء من الخريطة. من شأن انهيار أي دولة أن تقلب أرضها إلى قاعدة للإرهاب"[5].

·      وفي نهاية مذكراته، يتحدث الدبلوماسي الأمريكي الشهير، زلماي خليل زاده، عما يجب أن تكون عليه سياسة الأمريكان فيقول: "تشكل مشاكل الصراعات الإقليمية والنزاعات الطائفية وانهيار نظام الدولة في الشرق الأوسط أكبر التحديات الراهنة وأكثرها صعوبة، وأعتقد أن الحلول الجوهرية تتمثل في الترويج لميزان القوة الإقليمي وتقوية الدول المعتدلة والتقدمية... يتعين أن تكون الخطوة الأولى في هذا المضمار هي تقوية أصدقائنا وشركائنا في الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى... تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى الاستمرار في جهودها الهادفة إلى محاربة الإرهاب. ولكن يتعين عليها التركيز أكثر على تعبئة القوى المحلية التي تقاوم الإرهاب والتطرف"[6].

كذلك يتضخم الحديث عن دور الأنظمة المحلية في تقارير الحالة الأمنية وتقارير مكافحة التمرد، والتمرد هنا هو التمرد الإسلامي طالما كانت البيئة المقصودة هي المجتمعات المسلمة، ومن أمثلة ذلك:

·      جاء في دليل الحكومة الأمريكية لمكافحة التمرد: "خبرات مكافحة التمرد الأمريكية تستند على عدد من الافتراضات: منها أن الجهود الحاسمة لهزيمة التمرد نادرا ما تكون عسكرية  (على الرغم من أن الأمن هو الشرط الأساسي للنجاح). لذا فإن الجهود الأمريكية يجب أن توجه إلى إنشاء هياكل حكومية محلية ووطنية تخدم السكان، لتحل تلك الهياكل بمرور الوقت محل الجهود التي يبذلها الشركاء الأجانب"، "إذا قررت حكومة الولايات المتحدة أن تشارك في مكافحة تمرد معين، فيجب على صانعي السياسات أن يسعوا إلى تحقيق توازن دقيق يستخدم أكثر أشكال التدخل ملاءمة بحيث يبدو أكثر هدوءا وأقل فجاجة وتطفلا، فضلا عن امتلاكه لاحتمالية كبيرة لتحقيق التأثير المطلوب. لابد من الحفاظ على سيادة الحكومة المتضررة، فزيادة التدخل إلى درجة عالية جدا قد تؤدي إلى نتائج عكسية (تاريخيا كانت بعض التدخلات الأمريكية الأكثر نجاحا هي التدخلات غير المباشرة والبسيطة). وبمجرد أن تلتزم الولايات المتحدة بالمساعدة، لابد من وضع استراتيجية لمكافحة التمرد من خلال أفضل أشكال التعاون مع الحكومة المتضررة وشركاء التحالف الآخرين، نظرا لأن إدماجهم المبكر يمكن أن يساعد في التخفيف من آثار الاختلافات على المستوى العملياتي في الأهداف والقدرات والثقافة"[7].

·      وجاء في دليل الميدان للجيش الأمريكي لمكافحة التمرد: "في عمليات مكافحة التمرد تعمل القوات الأمريكية عادة مع قوات الأمن التابعة للسكان المحليين أو التابعة للدولة المضيفة... تجلب العديد من القوات العسكرية التابعة لدول أخرى الخلفيات الثقافية والخبرات التاريخية وغيرها من الإمكانيات التي يمكن أن تكون ذات أهمية خاصة لجهود مكافحة التمرد"، "نادرا ما تكون لدى وكالات الحكومة الأمريكية والمنظمات الدولية الموارد والإمكانيات اللازمة لأداء جميع مهام مكافحة التمرد، فالنجاح يحتاج إلى قادة متأقلمين على استعداد لأداء المهام المطلوبة بالموارد المتاحة عندهم، ويفهم هؤلاء القادة أن الأمن طويل المدى لا يمكن فرضه بالقوة العسكرية وحدها، فهو يتطلب التطبيق المتكامل والمتوازن للجهد من قبل جميع الشركاء بهدف دعم السكان المحليين وتحقيق الشرعية لحكومة الدولة المضيفة"، "المفتاح لإنجاز كل هذه المهام يتمثل في تطوير قوة أمن فعالة بالدولة المضيفة، وفي بعض الحالات قد تشترك القوات الأمريكية بفاعلية في قتال المتمردين، بينما تساعد في الوقت نفسه الدولة المضيفة على بناء قواتها الأمنية"[8].

·      وجاء في دليل المخابرات المركزية الأمريكية لتحليل التمرد: "يمكن لمكافحة التمرد أن تستفيد من استخدام القوات المحلية الخاضعة لإشرافها، مثل الميليشيات، من أجل تعزيز القوات الحكومية، وبالأخص للجمع بين الاستخبارات وتوفير الدفاع الثابت. يجب أن تسلم القيادة الأجنبية لمكافحة التمرد مسؤولياتها في نهاية المطاف إلى القوات الوطنية"[9].

وتشير العديد من المصادر الأمنية الغربية إلى أن الأنظمة العربية قد بلغت أحيانا أن تكون هي الأستاذ الذي يتعلم منه الغربيون أساليب مكافحة "الإرهاب"، ومن ذلك ما كشف عنه هنري كرامبتون، من أبرز مسؤولي مكافحة الإرهاب الأمريكان، في كتابه "فن التجسس"، حيث يذكر أنه بعد أن جمع فريقا من الاختصاصيين ضم علماء نفس ومحللين ومجندين اكتشف أنه لا زال ينقصهم شيء، يقول: "احتجنا إلى خبرة أوسع وتجربة أكبر، وطلبت من جهاز عربي حليف أن يرسل لنا مدربا. امتعض بعضُ من في الجهاز الخفي بما يعكس غرورا في غير مكانه بالنسبة إلى قدراتنا الذاتية. وحاججتُ بأننا دربنا أجهزة ارتباط في كل أنحاء العالم، فلماذا لا نستفيد من بعض من دربناهم؟ تكرَّم حليفنا العربي علينا بالموافقة وأوفد واحدا من أكثر ضباط مكافحة الإرهاب خبرة لديه لتعليمنا ومساعدتنا في تطوير منهاجنا"[10].

وهذا فضلا عما صار معروفا ومؤكدا من أن الأنظمة العربية قامت بدور تعذيب المتهمين لحساب الأجهزة الأمنية الغربية، لا سيما أجهزة الأمن في مصر والأردن وسوريا والمغرب.

هل نحتاج الآن لنسأل أو نستغرب كيف أمسى هذا حالنا في بلادنا؟!

نشر في مجلة أنصار النبي - أغسطس 2026م



[1] هنري كيسنجر، مذكرات هنري كيسنجر، ترجمة: عاطف أحمد عمران، ط1 (عمان: الأهلية للنشر والتوزيع، 2005م)، 1/549، 550 باختصار.

[2] Benjamin Netanyah, BIBI: My Story, 3rd edition (New York: oct. 2022), p. 296.

[3] الملك حسين، مهنتي كملك، ترجمة: غالب طوقان، (د. م: الشركة العربية للطباعة والنشر، 1978م)، ص207.

[4] كونداليزا رايس، أسمى مراتب الشرف: ذكريات من سني حياتي في واشنطن، ترجمة: وليد شحادة، (بيروت: دار الكتاب العربي، مايو 2012م) ص139.

[5] هنري كيسنجر، النظام العالمي: تأملات حول طلائع الأمم ومسار التاريخ، ترجمة: د. فاضل جتكر، ط1 (بيروت: دار الكتاب العربي، 2015م)، ص146.

[6] زلماي خليل زاده، السفير: من كابول إلى البيت الأبيض – رحلتي عبر عالم مضطرب، ترجمة: بسام شيحة وسعيد الحسنية، (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، نوفمبر 2017م)، ص448.

[7] دليل الحكومة الأمريكية لمكافحة التمرد، ترجمة: خالد أحمد وأحمد مولانا، (اسطنبول: المعهد المصري للدراسات، 28 مارس 2018م)، ص5، 9.

[8] ديفيد بتريوس وجيمس ف آموس، دليل الميدان للجيش الأمريكي لمكافحة التمرد، ترجمة: أحمد مولانا، (مركز تنمية الفكر الاستراتيجي، 2019م)، ص91، 98، 254.

[9] دليل المخابرات المركزية الأمريكية لتحليل التمرد، ترجمة: أحمد مولانا، (مركز حازم لترجمة الدراسات الاستراتيجية، إبريل 2008م)، ص36.

[10] هنري كرامبتون، فن التجسس: الجهاز الخفي لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، ترجمة: أنطوان باسيل، ط1 (بيروت: شركة المطبوعات، 2014م)، ص163.

السبت، يوليو 04، 2026

كيف يستعيد العلماء مكانتهم في الحياة؟


محمد إلهامي - مجلة أنصار النبي ﷺ - يوليو 2026م

في الأسابيع القليلة الماضية خرج عدد من الشخصيات العربية في وسائل ومنصات إعلامية كبيرة ومدعومة وممولة حكوميا، يعتدون على الدين اعتداء صريحا، ويكذبون النبي ﷺ تكذيبا فجًّا.

لا يهمني الآن تفنيد هذا الكلام ولا حتى استيعابه، وإنما سأذكره لبيان خطورة الحال والحضيض الذي وصلنا إليه:

زعم يوسف زيدان، أن حادثة الفيل لم تقع، وإنما هي خيالات شعبية لا تستند إلى وقائع تاريخية. وزعم أيضا أن قداسة مدينة القدس ليست إلا أكذوبة من صنع الوليد بن عبد الملك، وأن المدينة لم تعرف أصلا باسم "القدس" في عصر النبوة ولا حتى في عصر عمر بن الخطاب. وقد بدا المذيع جذلان فرحا بهذا الفهم الذي قد ينجي الأمة من مشكلات ضخمة!

وزعم فوزي البدوي أن محمدا ﷺ منشق عن الكنيسة، وأن الإسلام فرقة خارجة عن اليهودية والنصرانية، وجدد مرة أخرى تشكيكات طه حسين في الوجود التاريخي للأنبياء: إبراهيم وإسماعيل. وهو يلتقي في هذا مع السوري فراس السواح!

ويمكن لمن كان مهتما بالسجال الفكري أن يطالع الردود التي كتبها العديد من الباحثين، وعلى حد علمي فقد كان د. سامي عامري، صاحب نصيب الأسد، في الرد على هذه الترهات من خلال كتبه الضافية، أو من خلال صفحاته على شبكات التواصل الاجتماعي.

ما يهمني هنا هو أن نفهم معا: كيف وصلنا إلى هذا الحال؟ ولماذا صار يُقال الكفر الصريح جهرة في بلادنا من خلال أموال المسلمين ومنصاتهم المدعومة حكوميا؟ ثم لماذا لم نعد نرى غضبة شعبية كالتي كانت تكون أحيانا تجاه الإساءة إلى النبي في الدنمارك أو فرنسا أو حتى الهند؟! وأخيرا: لماذا لم يبرز حتى موقف قوي للعلماء، وهم ورثة النبوة وأولى الناس بالقيام بالحق في هذه المقامات؟

هنا نحتاج أن نحكي موجزا للقصة الحزينة، لكي نرى كيف يمكن استئناف دور العلماء..

***

مما انفرد به الإسلام عن غيره من الأديان والحضارات أنه دينٌ أقام دولة، ثم توسعت الدولة فصارت أمة عظيمة وحضارة هائلة. فالغالب في سيرة الدول والإمبراطوريات أنها دولة تأسست ضمن صراعات السياسة، ثم إن هذه الدولة أو الإمبراطورية اعتنقت دينا، فصار دين الدولة أو الإمبراطورية!

من أهم الفوارق هنا أن الدولة الإسلامية قامت لإقامة الدين وحمايته وحراسته، بينما كان الدين في التجارب الأخرى وسيلة من وسائل السياسة وضرورات الإمبراطورية. ففي الإسلام كانت الدولة تخدم الدين، وفي غيرها: كان الدين يخدم الدولة! تلك هي الصورة العامة الغالبة!

ولذلك تقرأ في السياسة الشرعية باب مهمات الخليفة فترى أنها تُختزل في "حراسة الدين، وسياسة الدنيا به"، أي أنها مهمة دينية بالأساس، وإذا قرأت في شروط الخليفة سترى أن من بينها "الاجتهاد"، أي أن يكون عالِمًا بلغ رتبة الاجتهاد في الفقه، ليُحسن التصرف في النوازل والمسائل السياسية العارضة له، والتي هي بطبيعتها شديدة التعقد وتحتاج إلى ملكة اجتهادية قوية لتتم بها الموازنة بين المصالح والمفاسد.

ولأن الإسلام دين واقعي حركي، وليس فلسفة نظرية مجردة، ولكونه أقام نظاما حقيقيا في واقع الحياة ولم يكن مجرد تصور عن مدينة فاضلة قابعة في الورق، فإن المسلمين منذ عهد خلافتهم الراشدة قد تعرضوا للمسائل والنوازل التي شَكَّلت بمجموعها فقههم السياسي، ولما انقضت الخلافة الراشدة كانوا منتبهين إلى أن النموذج الحضاري القائم قد نزل رتبة أو بعض رتب عن المثالية المنشودة والمطلوبة، ولهذا نصَّ فقههم السياسي دائما على الحالة المثالية وطبيعتها، ثم اجتهد في أن يضع حلولا حين لا يمكن إقامة المثال. وبقي الفقه السياسي طوال عهد المتغلبين والملك العضوض ينص على أنه خلاف المثال، وأن القبول به ليس إلا لقيام الضرورة، وليس إلا اختيارا لمفسدة أقل دفعا لمفسدة أعظم، ولهم في تفاصيل هذا كله كلام طويل عريض حافل.

وإذن، فحيث كانت الدولة في خدمة الدين، وكانت مهمة الدولة مهمة دينية، وكان القائم عليها فقيها مجتهدا –في صورته المثالية-، فقد كان للعلماء في هذه الدولة، وفي هذه الحضارة مكانة عظيمة، إذ هم ورثة الأنبياء، وهم الموقعون عن رب العالمين، وهم القائمون على حراسة الدين، فهم في مكانههم هذا سلطة إزاء السلطان، بل فوق السلطان، فلهم الحسبة على السلطان، وقد ذكرت الآية أنهم موضع التحكيم إن وقع النزاع بين الأمة والحكام {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}! ومعنى الآية: أن العلماء هم المرجعية العليا إذ إنه بعد انقطاع الوحي ووفاة الرسول يكون الاحتكام في التنازع إلى أهل العلم الذين هم الموقعون عن الله، والوارثون لرسول الله ﷺ.

ورتب الإسلام أوضاعا تجعل للعلماء مكانة عليا ونفوذا كبيرا في المجتمع، لكي يكون لهم بذلك القدرة على منازعة السلطان المنحرف، بنصحه أولا أو حتى بالخروج عليه آخرا، وأول هذه الأوضاع هو الإعداد النفسي للعلماء بأنهم الموقعون عن الله وورثة النبي وحراس الدين والمكلفون بإبلاغه وإقامته، ثم إن الدين المتغلغل في حياة المسلمين جعلهم دائما محتاجين إلى العلماء في سائر شؤونهم: الصلاة والزكاة والصيام والحج والزواج والطلاق والبيع والشراء والميراث، وحتى تربية الأبناء وإصلاح ذات البين والإنفاق على الفقراء والمساكين!.. بهذا كله كان العالِم مُقَدَّرًا ذا نفوذ ومكانه في مجتمعه، فإذا التقى هذا النفوذ وهذه المكانة مع ما قام في نفسه هو من واجباته ومهماته، فما يلبث أن يصير زعيما إن لم ينفرد بالزعامة فهو على أقل الأحوال شريك فيها، ولا بد أن يُراعى!

ورتب الإسلام أوضاعا اقتصادية جعلت العلماء غير محتاجين إلى رواتب من السلطة، وأولها: الإعداد النفسي للعلماء بأنهم يجب أن يكونوا أهل زهد وعبادة وإخلاص وتقلل من الدنيا وتعلق بالآخرة، ثم إن لهم مصرفا من الزكاة داخلا في قوله تعالى عن مصارفها {وفي سبيل الله}، ثم إن التنظيم الاجتماعي للمجتمع المسلم، جعل صاحب المال إن شاء التقرب إلى الله أو التودد إلى المجتمع فإنه ينفق من أمواله على الكتاتيب والمدارس وعلى إكرام العلماء! وهذا فضلا عن الأوقاف التي كانت موردًا ماليًّا مستقلا عن السلطة، يأخذها العلماء نظير تفرغهم للعلم والدرس والخطابة وإقامة الشعائر. فلم يكن العلماء يمدون أياديهم للسلاطين، ولم تكن حياتهم متعلقة بـ "الدولة"، أي أنهم: لم يكونوا موظفين ينتظرون الراتب من صاحب السلطة!!

ورتب الإسلام أوضاعا تعليمية، إن صحّ التعبير، تجعل التكون العلمي لأهل العلم موصولا مباشرا بالنص القرآني والنبوي، فالعالِم منذ أن دخل الكُتَّاب وهو يتلقى القرآن والسنة والمذهب الفقهي، وكل هذه موصولة عن الشيخ عن شيخه وصولا لصاحب المذهب الذي تلقى عن التابعين عن الصحابة عن النبي ﷺ، فتلك هي المرجعية العليا التي يُنتمى إليها ويؤخذ منها ويُفتي بها ويُقضى وفقا لأحكامها، فالعالِم مرجعيته الشريعة لا الدولة، ومنهجه متصل بسلسلة علمية مستقلة لم تصنعها السلطة، في كُتّاب ومدرسة أنشئت بغرض الحفاظ على الشريعة لا بغرض قولبة التلاميذ بمناهج صنعتها السلطة لتجعل منهم موظفين عندها ولتجعل "الدولة" هي المرجعية العليا!

ومن ترتيب الإسلام الفريد لأوضاع المجتمع أن العلماء لم يكونوا كيانا هرميا ولا تشكيلا تنظيميا، ولا لهم رأس بحيث يُمكن أن يُمسكوا منه، بل هم تيار شبكي ومتغلغل في المجتمع، يتصنع بالقوة الذاتية لأهل العلم، فهم يعرفون أنفسهم وهم ينفون خبثهم وهم يفرزون الدعي المنتسب إليهم، ولئن اتخذت منهم السلطة قضاة أو مفتين أو غير ذلك فإنما هم في النهاية عدد قليل، ثم إن هؤلاء القضاة والمفتين قد تكونوا علميا بمعزل عن السلطة وغرضها، ثم هم حققوا مكانتهم في بيئة العلم وفي المجتمع، وليس عبر شهادة تصدرها السلطة، ثم هم إذا قضوا أو أفتوا فإنما يفتون بما تعلموه من القرآن والسنة والمذهب الفقهي الذي لم تصنعه السلطة! لا كما يفعل القانوني المعاصر الذي أخذته السلطة صغيرا فأدخلته مدارسها وأشربته مناهجها وأدخلته جامعتها ووضعته في مؤسساتها وربطته براتبها وهي في كل مراحلة يعلم أنه لم يحقق شيئا ولم يرتق درجة إلا بالشهادة التي تصدرها السلطة لا باعتراف المجتمع به، ثم هو في كل حال مندرج في سلك وظيفي رأسه منصب سلطوي تهيمن عليه السلطة ولا يعرف معنى الاستقلال عنها: لا نفسيا ولا فكريا ولا تنظيميا!

***

يمكن قول الكثير في هذا الصدد، لكن فيما سبق كفاية في خصوص ما نحن نتكلم فيه الآن، وهو ما يحملنا على أن نرى كيف انحدر الحال وتدهورت الأوضاع!

بغير دخول في تفاصيل تاريخية عميقة، فخلاصة الحال أن النظام الغربي الذي ساد وهيمن على بلادنا قبيل الاستعمار وفي أثنائه وبعد رحيله، ثم هو يهيمن على العالم.. هذا النظام قد تشكل بحيث تستولي السلطة على كل أنواع القوة، وتسلبها من المجتمع، حتى تصير السلطة إلها حقيقيا في واقع الناس، لا تريهم إلا ما ترى، ولا مرجعية لهم فوقها، ولا حياة لهم بدونها.. سلطة لا تكتفي بمهمات السلطة كما عرفها النظام الإسلامي (مهمات الأمن الداخلي والدفاع في الخارج وما يتعلق بهما)، بل هي تعمل على الاستيلاء على كل شيء، وتنشئ الناس خلقا على مزاجها، تسلب أموالهم وسلاحهم، ثم تجبرهم على التعليم في مدارس هي تبنيها بأموالهم، وتشربهم مناهج هي تكتبها لهم، وتضع القوانين لكل صغيرة وكبيرة في بيعهم وشرائهم ومعاملاتهم وزواجهم وطلاقهم وسفرهم وحتى مواليدهم ووفياتهم وميراثهم، وتتحكم في تعليمهم وترقيهم وتوظيفهم وأجورهم ومعاشهم! وتسيطر على أذهانهم بما أنشأته من قلاع إعلامية وثقافية، كلها ممسوكة بيد الدولة!

والدولة هي السلطة، والسلطة هي الرجال الغالبين على الحكم. فصاروا هم الوطن، وصارت رغباتهم قوانين ودساتير، وصار لهم من التحكم في أخص خصوصيات الناس ما لم يكن لفرعون ولا لكسرى ولا لقيصر. ولئن كانت بعض الظروف قد أنتجت في الغرب دولة فيها نوع ما من التوازن بين السلطات (مهما كان الخلاف في كونه موهوما أو ضعيفا)، فإن نشأة الدولة في بلادنا جرى بيد الأجانب ووكلائهم فصارت الدولة حرفيا عصابة منظمة مسلحة، وهذه العصابة سلبت كل ما لدى المجتمع من قوى، وأعطتها لنفسها باسم الدولة، ثم باسم الدولة شرعت في اتخاذهم عبيدًا يعملون ما يشاءون لهم من محاريب وتماثيل وقصور وعواصم جديدة.. إلى آخره!

***

لئن شئتَ الحق والحقيقة، فلم يعد النزاع الآن في: هل يستحق هؤلاء الحكام الخروج عليهم أم لا، فوالله إن أدنى النظر المنصف المستقل ليعرف أن الكفر البواح الموجب للخروج قد ظهر في هذه الدول، وأي شئ أعظم من سب الله ورسوله في البرامج والروايات والأغاني، وأي شيء أعظم من تعطيل شرعه واستبدال غيره به، وأي شيء أوضح من موالاة الصهاينة والصليبيين مع التآمر على المسلمين، وأي شيء أعظم من اختراع دين جديد وشرعنة دولة اليهود ومطاردة المصلحين وسجن الدعاة والمجاهدين؟!!!!

أما رؤية الكفر البواح فقد وقعت، لا يجادل في ذلك عاقل.. غير أن الأزمة حقا هي أزمة العجز! وأزمة العجز هذه هي التي تجعل بعض الناس لا يُسَلِّم بظهور الكفر البواح ويجادل فيه، فإنه إن أقر بظهوره وجد نفسه أمام سؤال العمل، وأعظم شيء على نفس العاجز أن يقف أمام سؤال العمل! فكيف إن كانت تكاليف العمل كبيرة وهائلة؟!!

فالسؤال الحقيقي هنا: كيف تتخلص الأمة، وفي طليعتها العلماء من هذا العجز؟!

يحتاج الأمر لصنف استثنائي من العلماء، صنف يجمع بين قوة الاجتهاد الفقهي، وقوة النفس وشجاعتها، ثم ذكاء سياسي قادر على انتهاز الفرص، وإبصار اللحظات الفارقة، والعمل المستمر الدائب على تعطيل "آلة الدولة الحديثة" التي تستلب من المجتمع كل أنواع قوته!

ثلاثة أمور يجب التفكير فيها مليا: المال والإعلام والسلاح!.. كيف يمكن نزع احتكار "الدولة" لهذه الأمور الثلاثة؟.. وكيف يمكن تقوية مجتمع العلماء بهذه الأمور الثلاثة أيضا!

على الأمة ورجالها ومفكريها وأصحاب الهمّ فيها، وفي طليعتهم العلماء، أن يعملوا بجد ودأب وطول بال على تكوين الموارد المالية المستقلة للعلماء، فكلما انتشلنا عالِمًا من ضغط المال كسبنا عالما أكثر قوة وجرأة وثورية، وكان قادرا على التفكير المستقل الذي يهديه إلى سواء الصراط! ويهديه إلى الفتوى الصحيحة في وقتها الصحيح!

وكلما استطاع مجتمع العلماء أن يكون له صوت قوي، من خلال إنشاء المنصات القوية الممولة والمستقلة، كانوا أقدر على مواجهة الباطل والفساد، وأقدر على التوصيف الصحيح للزنادقة والمرتدين الذين يكذبون الله ورسوله جهارا نهارا، وهو ما ينعكس بالضرورة تقوية لجانب الحق وإضعافا لجانب الباطل!

وإذا تحقق المراد، فكان مجتمع العلماء في كنف حماية مسلحة، وأعظمها أن تكون تلك الحماية دولة قوية متحررة، كانوا في أمنٍ يُمَكِّنهم من قول كلمة الحق لا يخشون في الله لومة لائم، ولا يخافون على أنفسهم سجنا ولا ذلا ولا تعذيبا، وكم أخرس الخوف ألسنة الصالحين والمصلحين!

فإذا لم يتيسر هذا كله.. فالتفكير في الطريق إليه ميسور!.. التفكير ميسور لكن العمل غير ميسور، ألم نقل قبل قليل: يحتاج زماننا هذا إلى علماء استثنائيين في قوة العلم وقوة النفس وقوة العمل معا؟!

وإلى أن يتيسر ذلك، فلا بد أيضا من محاولات دؤوبة ومستمرة لكسر احتكار الدول الحالية لعوامل القوة، وكلما غُلَّت يد الدولة عن التحكم بالناس كان خيرا لهم، وكان خصما من قوة غول الدولة الذي يستعمل كل تلك القوة في نشر الكفر الصريح وحمايته ومطاردة من يتصدون له!

سأضرب مثالا واحدا، وهو دليل على ما وراءه:

ما أحوج الأمة إلى علماء يسعون في إقامة المحاكم الشرعية لفض المنازعات بين الناس، ونشرها، مع الفتاوى التي تُحرم على المسلم اللجوء إلى قضاء الدولة ما كان ممكنا له اللجوء إلى المحاكم الشرعية! وإنشاء المعاهد التي تخرج القضاة الشرعيين، فهذا أول طريق في استقلال المجتمع وفي عودة مكانة العلماء ونفوذهم.. أعرف أن هذا ليس ممكنا في أغلب البلاد، لكن التفكير فيه والاهتمام به وإطالة النظر فيه سينبت الحلول الممكنة في كل مكان بحسبه! ثم سيهيئ النفس لانتهاز الفرصة المناسبة في وقتها المناسب عند أي لحظة تغيير في أي مكان!

قل مثل ذلك في المدارس الشرعية، وفي المصارف الإسلامية الأهلية (الخارجة عن تحكم الدولة)، وفي الشركات الاقتصادية الأهلية (الخارجة أيضا عن تحكم الدولة)، وفي المنصات الإعلامية، وفي المنظومات القانونية، وفي استمالة أعيان الناس ووجوههم، بل وفي استمالة من أمكن من أهل الحكم والسلطة أنفسهم.. إلى آخره!

إن التحدي الحقيقي القائم الآن هو في الخروج من حالة العجز، فما أحسب زمانا قد كُشِفت فيه الحقائق مثل هذا الزمان، ولا ريب أن الثمن المدفوع لن يكون يسيرا، ولا ريب أن من هؤلاء العلماء الاستثنائيين الذين يبدؤون المسيرة من سيقضون شهداء في طريقها، غير أن شهادتهم هذه هي التي ستمهد لما بعدها!

وعلى كل مسلم بعد ذلك أن يدعم هذا الطريق، فتلك قضية أمة، والعلماء هم طليعة الأمة لا أنهم ينوبون عنها، فليسوا هم الذين يتحركون وبقية الأمة تمارس دور التشجيع من المدرجات! ثم هي تتفرج على الواحد منهم تلو الواحد يقضي مشنوقا أو مقتولا أو مسجونا.. القضية قضية أمة! فكل مسلم له دور فيها، في دعم أهل الحق من العلماء، وفي نصرتهم بما استطاع، وفي الدفع عنهم ما وسعه الجهد، وفي التمهيد لهم ما بلغت طاقته في ذلك.

وقد صدق القائل: من صح منه العزم أرشد للحيل!

وقبلها وبعدها قال ربنا {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين}

نشر في مجلة أنصار النبي - يوليو 2026م


الخميس، يونيو 04، 2026

"أنصار النبي ﷺ" تدخل عامها الخامس


الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه..

بهذا العدد تدخل مجلة "أنصار النبي ﷺ" عامها الخامس، وتلك مناسبة نُذَكِّر فيها برسالة هذه المجلة وبعض الأمور المتعلقة بها.

تصدر المجلة عن "الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ"، وهي الهيئة التي جاءت ثمرة لاستجابة شعبية واسعة وغاضبة تجاه الرسوم المسيئة لنبينا الأعظم ﷺ، تلك الرسوم التي بدأت في فرنسا ثم تبنتها الحكومة الفرنسية، فاندلعت انتفاضة شعبية على شبكات التواصل لمقاطعة المنتجات الفرنسية، وبعد مرور عامٍ على هذه الحملة تداعى بعض العلماء والرموز والمشايخ لتأسيس "الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ".

كان الغرض من هذا التأسيس أن تتحول عملية نصرة النبي ﷺ من ردة فعل، هي بطبيعتها وقتية متفاعلة مع الحدث، ولا بد أنها ستنتهي وتخفت وتذبل مع مرور الأيام، إلى أن تكون مهمة مستمرة ودائمة، وهيئة لها واجباتها العملية الناتجة عن تفكير وتخطيط ومتابعة ومثابرة.

وبعد انطلاق "الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ" بستة أشهر، وُلِدت مجلة "أنصار النبي ﷺ"، لتكون أول فرع من هذه الشجرة، ثم تلتها فروع متعددة، مثل: "القبة الخضراء" وهو مشروع لحفظ سنة النبي ﷺ، و"مشروع بصيرة الدعوي" وهو يعني بدعوة غير المسلمين إلى الإسلام من غير الناطقين باللغة العربية، و"سفراء النبي ﷺ" وهم جمع كريم من المشايخ والدعاة والشباب المتطوعين الذين أخذوا على عاتقهم حمل رسالة هيئة أنصار النبي ﷺ والعمل بها في بلدانهم، و"وقف الأنصار" الذي يُعنى برعاية الأسر المحتاجة ودعمها، ومؤخرا جرى إطلاق "دار الإفتاء الإلكترونية" ردًّا على قانون تضييق الإفتاء في العالم العربي، ليكون منبرا حرًّا للمستفتين والمفتين، ومؤسسة مستقلة عن الخطوط الحمراء الحكومية.

وفيما يخص هذه المجلة، التي تدخل الآن عامها الخامس بفضل الله تعالى، فقد حملت على عاتقها أن تقوم بمهمة النصرة المستمرة، من خلال بيان قدر النبي ﷺ وعظمته وفضله على العالمين، وكيف أن ما جاء به النبي ﷺ من نور الوحي هو الكفيل بحل مشكلات العالم، الجليل منها والحقير!

ومن هذا المنطلق اتخذت المجلة موضوعا لكل عددٍ منها، مع فتح الباب للكتابة في موضوعات أخرى، وكل موضوعٍ من هذه الموضوعات كان متعلقا بمشكلة جاء النبي ﷺ بحلّها، أو بنموذج ارتبط بالنبي ﷺ هو قدوة للعالمين.

ورأينا من واجبنا في هذه المجلة أن نفسح فيها المساحة لصنفيْن من الناس حُرِموا أن يخوضوا معركة نصرة النبي ﷺ المعاصرة، وهما: العلماء والدعاة الراحلون، والعلماء والدعاة الأسرى.

فأما الراحلون فقد عنينا بهم العلماء والدعاة الذين ماتوا خلال هذيْن القرنيْن الأخيريْن فحسب، وذلك أنهما قرنا الهزيمة والنكبة، فمن وُجِد فيهما فقد تحقق له أمران كلاهما يجعل شأنه مختلفا:

الأول: أن الراحلين في هذين القرنين من أعلام الأمة هم في الغالب ممن لم يأخذوا حقهم في التعريف بهم ونشر تراثهم، وذلك أن هاتيك القرنيْن قد غلبت عليهما العلمانية والأحكام غير الإسلامية والحكومات غير الشرعية، فدُثر كثير من تراثهم ولم يحظ بالاهتمام اللائق به، فالواجب على خَلَفهم ممن تربى وتعلم على أيديهم وعلى كتبهم أن يوفي لهم بعض حقهم ويعيد التعريف بهم وبمآثرهم!

الثاني: أن الراحلين في هذيْن القرنيْن كانوا أقرب إلى قضايانا المعاصرة وطبيعة التحديات التي واجهتها أمتنا ممن سبقهم، فالذين عاشوا في عصور الاستضعاف والاحتلال والعلمانية عالجوا من الأمور ما لم يكن قائما لدى أسلافهم الذين عاشوا في عصور استقرار الإسلام وسيادته، فقُرب هؤلاء من قضايانا يجعل كلامهم أقرب إلى قارئنا المعاصر: عقله ونفسه وروحه!

ولهذا رأينا أنه ينبغي أن يُفسح لهؤلاء في مجال النصرة، توفية لحقهم وتعريفا بهم واستفادة منهم.

وأما الأسرى، فأولئك قوم حُرموا حين سُجِنوا من البذل والعطاء في معركة نصرة النبي ﷺ، وقد كانوا أحق بها وأهلها، بل إن تقدمهم في باب النصرة هذا هو ذاته السبب الذي جعلهم الآن أسرى، فإن الحكومات القائمة تبغض كل قائم لله بالحجة، وتبغض كل من كان ولاؤه لله ورسوله متقدما على ولائه للسلطة والنظام.

وحيث كان ذلك كذلك، فإن في بعث تراث هؤلاء المحبوسين المحرومين، واجبا على إخوانهم الأحرار، تعريفا بهم، وتذكيرا بهم، واستفادة من إنتاجهم، وتوفية لحقهم، فلو قد كانوا طلقاء لخاضوا معركة النصرة، فآثرنا أن نكون من أسباب الله التي يُكرمهم بها، فنعيد نثر نفحهم ومسكهم وطيبهم، وقد أريد له أن يكون مأسورا.

وعسى الله أن يهيئ لنا إن متنا أو أُسِرنا من يبث للناس كلامنا، فيكون من العلم الذي يُنتفع به.

على هذه الأقسام الثلاثة انبثقت المجلة في عددها الأول، واستمرت على ذلك في عامها الأول..

وشرعنا ننظر في القضايا التي ينبغي أن نعالجها، فمنها ما يكون مناسبة حاضرة: كالإسرائ والمعراج وتحويل القبلة وشهر رمضان والحج وبداية العام الهجري وذكرى المولد النبوي، ومنها ما يكون انتقاءً لمشكلة حاضرة.. فنأخذ في الاستكتاب لها، ثم في انتقاء ما كُتب فيها من تراث الراحلين والأسرى، حتى صارت المجلة وجبة فكرية دسمة!

ثم ما زلنا نرى من كرم الله وألطافه وتيسيره، ما جعل المجلة تكبر وتتوسع، مع أن فريقها لا يجاوز ثلاثة أفراد بالعدد، حتى كانت المجلة في عامها الرابع قد بلغت سبعة أقسام، ثلاثة ذكرناها وهي: القسم الذي يكتبه علماء الهيئة ودعاتها ومعهم علماء الأمة ودعاتها، وقسم الراحلين، وقسم الأسرى..

ثم أضفنا إليها أربعة أقسام أخرى، هي:

قسم يكتبه المهتدون الجدد الداخلون في الإسلام عبر مشروع "بصيرة" الدعوي، المنبثق عن الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ، يقصون فيها كيف كانت "بصيرة" سببا في اهتدائهم وتعلمهم الإسلام، فلقد فوجئنا في أثناء اجتماعات أقسام الهيئة بقصص عجيبة وطريفة للغاية، كلٌّ منها في ذاته يصلح أن يكون مقالا جميلا، بل حدثنا بعض المهتدين أنهم إنما اهتدوا حين قرؤوا قصص الذين سبقوهم إلى الهداية، فكان القرار أن نصطنع قسما لهؤلاء المهتدين، وهو ما كان، ولا يزال هذا القسم واحة هنيئة ومميزة بين صفحات المجلة، وهو بماثية الدوحة الإيمانية الصافية الرقراقة بين معترك القضايا الفكرية!

وقسمٌ يكتبه "سفراء الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ"، أولئك الذين ينبعثون برسالة الهيئة في بلدانهم، ويقيمون فيها من الأنشطة والفعاليات ما يجعلهم جنودا دائمين في هذه المهمة الشريفة، ومنهم من خرج في قافلة الصمود البحرية لفك الحصار عن غزة، ومنهم من أجرى حوارات مع أعلام بلده أو غيرهم من الأعلام، فكانوا إضافة جليلة لمادة المجلة، وثراءً جديدا فوق ثرائها!

وقسمٌ جديد صرنا نختاره وننتقيه من تراث المستشرقين والمؤرخين غير المسلمين ممن أنصفوا الإسلام والنبي ﷺ والحضارة الإسلامية، وقد وجدنا بالتجربة أن الكلام الذي يقوله أعلام الغرب في النبي مؤثر في أمتنا، ومؤثر في غير المسلمين أكثر من تأثير كلام المسلمين في نبيهم، وهذا حقٌّ من جهتيْن، فهي من جهة أولى: شهادة غير مجروحة، على سبيل {وشهد شاهد من أهلها}، وعلى سبيل: "والفضل ما شهدت به الأعداء"، ولا ريب أن شهادة الخصم والعدو خير من شهادة التابع والحليف والنصير. ثم هي من جهة ثانية شهادة غربيٍّ جاء من عالم الغالبين المتفوقين المتألقين، في حق دينٍ ونبيٍ وحضارة هي الآن في حالة استضعاف، والنفس مجبولة على الإعجاب بالغالب والاستماع منه وتقليده! وقد أبدع مؤرخنا وحكيمنا ابن خلدون وهو يشرح كيف أن "المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب"، فمن ها هنا كان هذا القسم تثبيتا للمسلم، وتقريبا وتأليفا وجذبا لغير المسلم أيضا. وقد صرنا نختار من مقالاتهم وإنتاجهم ما يناسب موضوع العدد أيضا!

وقسم آخر أفردناه لمقالات القراء، حيث صارت المجلة تستقبل مقالات لأقلام واعدة من شباب الكُتَّاب والباحثين.

فاستوى الأمر على سبعة أقسام: قسم الهيئة، وقسم بصيرة، وقسم السفراء، وقسم الراحلين، وقسم الأسرى، وقسم المنصفين، وقسم بريد القراء!

ومع دخول المجلة عامها الخامس، بفضل الله، فقد أضفنا إليها قسما جديدا، هو قسم "الإفتاء"، وفيه نختار عددا من الفتاوى التي أجابت عنها "دار الإفتاء الإلكترونية" التابعة للهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ، كي ننشر فيه أهم الفتاوى الشهرية المتعلقة بأحوال الأمة!

وبهذا تصير أقسام المجلة ثمانية أقسام.. والحمد لله رب العالمين!

وكانت للشيخ محمد الصغير، رئيس الهيئة، عبارة أساسية في بيان منهج الهيئة وتفصيلها، وهي: "لن تكون نصرتنا للنبي ﷺ نصرةً علمانية"، والمعنى: لن نظل نتحدث عن النبي وأخلاقه وما جاء به من حيث هو معنى بعيد لا ينبني عليه عمل ولا واقع، بل نصرتنا للنبي هي اشتباك حقيقي مع قضايا أمته، وانتصارا حقيقيا لأتباعه، ومعالجة ومعاناة حاضرة وتنفيذا عمليا لرسالته!

ومن هذا الباب، فقد كانت المجلة لسانا حاضرا في حرب الطوفان المبارك في غزة، على مدار سنتيْن، وجنَّدت نفسها في هذا الباب، ونثرت من الفتاوى القديمة ومن المقالات الجديدة للراحلين والأسرى والمنصفين –فوق مقالات أعضاء الهيئة وسفرائها- ما استوعب هذه القضية وتطوراتها.. ولم ننس غيرها من قضايا المسلمين في السودان والهند وأفغانستان وطاجكستان وبورما وغيرها، وكنا قبل ذلك ومع ذلك نناقش كيف جاء النبي بعلاج مشكلات الفقر والطغيان وحتى البيئة!

وكما ساهمنا في نصرة النبي ﷺ في وجه الصليبيين والملحدين والعلمانيين، فقد ساهمنا كذلك في نصرته ﷺ في وجه الضالين والمبتدعين، فأفردنا أعدادًا عن صحابته وعن أمهات المؤمنين وعن رفيقه أبي بكر الصديق، ونحسب –ولله وحده الحمد- أننا وقفنا في كل ما عرض لنا من قضايا الأمة وقفة حق وصدق، لم نخش فيها لومة لائم، ولم نرض فيها بالموقف المائع، وتجاوزنا فيها الخطوط الحمراء التي يفرضها المتسلطون والمتجبرون!

ولهذا، فقد رضينا وسعدنا واحتسبنا عند الله، ما أصابنا من جراء ذلك من حملات تشويه وشيطنة واسعة قامت بها وسائل إعلام عديدة: عربية وأجنبية، وحتى هندية، وليس هذا بعجيب ولا غريب، وقد صدق الشاعر لما قال:

إذا رضيت عني كرام عشيرتي .. فلا زال غضبانا علي لئامها

ونحن نرضى ونحب أن نكون في هذا الموقف، ونرضى أمام الله أن يكون محبونا من فريقنا، وأن يكون مبغضونا من خصومنا، فتلك قسمة نرى أن فيها رضا الله تعالى، وذلك انحياز نزداد به إيمانا، فحتى يوم الناس هذا لم نر فيمن حاربنا ولا أبغضنا من كنا نحب أن يكون معنا، ولم نر فيمن أحبنا وانحاز إلينا من كنا نخشى ألا يكون كذلك.. وكما قيل: الطيور على أشكالها تقع!

نسأل الله تعالى الإخلاص والسداد والرشاد والقبول، وغاية الأمل والمنى أن نندرج في قول الله تعالى لنبيه {فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 62 - 66].

بقي أن نتوجه برسالة إلى القارئ الكريم..

هذه المجلة تحتاج منك أمورًا، أقلها: الدعاء للقائمين عليها، وما فوق ذلك فأنت أعلم به! وما يستطيع أحدٌ أن يحيط بإمكانياتك ومواهبك وقدراتك إلا أنت.. فأنت خبير نفسك، وأعلم بما تبذل لله منها!

فمن استطاع أن ينشرها فنحتسب عند الله أن يكون له أجر فريق العمل، فالدال على الخير كفاعله!

ومن استطاع أن يترجم ما فيها وينشره إلى ألسنة العالمين فنحتسب عند الله أن يكون له أجر الأمة التي ترجم إلى لسانها، وكم في الناس من خير مكنوز، وما تدري ماذا يفعل رجل وصلت إليه كلمة خير، كان الحاجز بينه وبينها هو حاجز اللسان واللغة!

ومن استطاع أن يدعم بماله أو بجاهه أو بما تيسر له، فكل ذلك –إن شاء الله- في ميزان حسناته، وخير المقامات مقام نصرة النبي ﷺ، فهو حبيب الله، وهو رحمة الله للعالمين..

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..

نشر في مجلة أنصار النبي ﷺ - يونيو 2026