السبت، يوليو 04، 2026

كيف يستعيد العلماء مكانتهم في الحياة؟


محمد إلهامي - مجلة أنصار النبي ﷺ - يوليو 2026م

في الأسابيع القليلة الماضية خرج عدد من الشخصيات العربية في وسائل ومنصات إعلامية كبيرة ومدعومة وممولة حكوميا، يعتدون على الدين اعتداء صريحا، ويكذبون النبي ﷺ تكذيبا فجًّا.

لا يهمني الآن تفنيد هذا الكلام ولا حتى استيعابه، وإنما سأذكره لبيان خطورة الحال والحضيض الذي وصلنا إليه:

زعم يوسف زيدان، أن حادثة الفيل لم تقع، وإنما هي خيالات شعبية لا تستند إلى وقائع تاريخية. وزعم أيضا أن قداسة مدينة القدس ليست إلا أكذوبة من صنع الوليد بن عبد الملك، وأن المدينة لم تعرف أصلا باسم "القدس" في عصر النبوة ولا حتى في عصر عمر بن الخطاب. وقد بدا المذيع جذلان فرحا بهذا الفهم الذي قد ينجي الأمة من مشكلات ضخمة!

وزعم فوزي البدوي أن محمدا ﷺ منشق عن الكنيسة، وأن الإسلام فرقة خارجة عن اليهودية والنصرانية، وجدد مرة أخرى تشكيكات طه حسين في الوجود التاريخي للأنبياء: إبراهيم وإسماعيل. وهو يلتقي في هذا مع السوري فراس السواح!

ويمكن لمن كان مهتما بالسجال الفكري أن يطالع الردود التي كتبها العديد من الباحثين، وعلى حد علمي فقد كان د. سامي عامري، صاحب نصيب الأسد، في الرد على هذه الترهات من خلال كتبه الضافية، أو من خلال صفحاته على شبكات التواصل الاجتماعي.

ما يهمني هنا هو أن نفهم معا: كيف وصلنا إلى هذا الحال؟ ولماذا صار يُقال الكفر الصريح جهرة في بلادنا من خلال أموال المسلمين ومنصاتهم المدعومة حكوميا؟ ثم لماذا لم نعد نرى غضبة شعبية كالتي كانت تكون أحيانا تجاه الإساءة إلى النبي في الدنمارك أو فرنسا أو حتى الهند؟! وأخيرا: لماذا لم يبرز حتى موقف قوي للعلماء، وهم ورثة النبوة وأولى الناس بالقيام بالحق في هذه المقامات؟

هنا نحتاج أن نحكي موجزا للقصة الحزينة، لكي نرى كيف يمكن استئناف دور العلماء..

***

مما انفرد به الإسلام عن غيره من الأديان والحضارات أنه دينٌ أقام دولة، ثم توسعت الدولة فصارت أمة عظيمة وحضارة هائلة. فالغالب في سيرة الدول والإمبراطوريات أنها دولة تأسست ضمن صراعات السياسة، ثم إن هذه الدولة أو الإمبراطورية اعتنقت دينا، فصار دين الدولة أو الإمبراطورية!

من أهم الفوارق هنا أن الدولة الإسلامية قامت لإقامة الدين وحمايته وحراسته، بينما كان الدين في التجارب الأخرى وسيلة من وسائل السياسة وضرورات الإمبراطورية. ففي الإسلام كانت الدولة تخدم الدين، وفي غيرها: كان الدين يخدم الدولة! تلك هي الصورة العامة الغالبة!

ولذلك تقرأ في السياسة الشرعية باب مهمات الخليفة فترى أنها تُختزل في "حراسة الدين، وسياسة الدنيا به"، أي أنها مهمة دينية بالأساس، وإذا قرأت في شروط الخليفة سترى أن من بينها "الاجتهاد"، أي أن يكون عالِمًا بلغ رتبة الاجتهاد في الفقه، ليُحسن التصرف في النوازل والمسائل السياسية العارضة له، والتي هي بطبيعتها شديدة التعقد وتحتاج إلى ملكة اجتهادية قوية لتتم بها الموازنة بين المصالح والمفاسد.

ولأن الإسلام دين واقعي حركي، وليس فلسفة نظرية مجردة، ولكونه أقام نظاما حقيقيا في واقع الحياة ولم يكن مجرد تصور عن مدينة فاضلة قابعة في الورق، فإن المسلمين منذ عهد خلافتهم الراشدة قد تعرضوا للمسائل والنوازل التي شَكَّلت بمجموعها فقههم السياسي، ولما انقضت الخلافة الراشدة كانوا منتبهين إلى أن النموذج الحضاري القائم قد نزل رتبة أو بعض رتب عن المثالية المنشودة والمطلوبة، ولهذا نصَّ فقههم السياسي دائما على الحالة المثالية وطبيعتها، ثم اجتهد في أن يضع حلولا حين لا يمكن إقامة المثال. وبقي الفقه السياسي طوال عهد المتغلبين والملك العضوض ينص على أنه خلاف المثال، وأن القبول به ليس إلا لقيام الضرورة، وليس إلا اختيارا لمفسدة أقل دفعا لمفسدة أعظم، ولهم في تفاصيل هذا كله كلام طويل عريض حافل.

وإذن، فحيث كانت الدولة في خدمة الدين، وكانت مهمة الدولة مهمة دينية، وكان القائم عليها فقيها مجتهدا –في صورته المثالية-، فقد كان للعلماء في هذه الدولة، وفي هذه الحضارة مكانة عظيمة، إذ هم ورثة الأنبياء، وهم الموقعون عن رب العالمين، وهم القائمون على حراسة الدين، فهم في مكانههم هذا سلطة إزاء السلطان، بل فوق السلطان، فلهم الحسبة على السلطان، وقد ذكرت الآية أنهم موضع التحكيم إن وقع النزاع بين الأمة والحكام {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}! ومعنى الآية: أن العلماء هم المرجعية العليا إذ إنه بعد انقطاع الوحي ووفاة الرسول يكون الاحتكام في التنازع إلى أهل العلم الذين هم الموقعون عن الله، والوارثون لرسول الله ﷺ.

ورتب الإسلام أوضاعا تجعل للعلماء مكانة عليا ونفوذا كبيرا في المجتمع، لكي يكون لهم بذلك القدرة على منازعة السلطان المنحرف، بنصحه أولا أو حتى بالخروج عليه آخرا، وأول هذه الأوضاع هو الإعداد النفسي للعلماء بأنهم الموقعون عن الله وورثة النبي وحراس الدين والمكلفون بإبلاغه وإقامته، ثم إن الدين المتغلغل في حياة المسلمين جعلهم دائما محتاجين إلى العلماء في سائر شؤونهم: الصلاة والزكاة والصيام والحج والزواج والطلاق والبيع والشراء والميراث، وحتى تربية الأبناء وإصلاح ذات البين والإنفاق على الفقراء والمساكين!.. بهذا كله كان العالِم مُقَدَّرًا ذا نفوذ ومكانه في مجتمعه، فإذا التقى هذا النفوذ وهذه المكانة مع ما قام في نفسه هو من واجباته ومهماته، فما يلبث أن يصير زعيما إن لم ينفرد بالزعامة فهو على أقل الأحوال شريك فيها، ولا بد أن يُراعى!

ورتب الإسلام أوضاعا اقتصادية جعلت العلماء غير محتاجين إلى رواتب من السلطة، وأولها: الإعداد النفسي للعلماء بأنهم يجب أن يكونوا أهل زهد وعبادة وإخلاص وتقلل من الدنيا وتعلق بالآخرة، ثم إن لهم مصرفا من الزكاة داخلا في قوله تعالى عن مصارفها {وفي سبيل الله}، ثم إن التنظيم الاجتماعي للمجتمع المسلم، جعل صاحب المال إن شاء التقرب إلى الله أو التودد إلى المجتمع فإنه ينفق من أمواله على الكتاتيب والمدارس وعلى إكرام العلماء! وهذا فضلا عن الأوقاف التي كانت موردًا ماليًّا مستقلا عن السلطة، يأخذها العلماء نظير تفرغهم للعلم والدرس والخطابة وإقامة الشعائر. فلم يكن العلماء يمدون أياديهم للسلاطين، ولم تكن حياتهم متعلقة بـ "الدولة"، أي أنهم: لم يكونوا موظفين ينتظرون الراتب من صاحب السلطة!!

ورتب الإسلام أوضاعا تعليمية، إن صحّ التعبير، تجعل التكون العلمي لأهل العلم موصولا مباشرا بالنص القرآني والنبوي، فالعالِم منذ أن دخل الكُتَّاب وهو يتلقى القرآن والسنة والمذهب الفقهي، وكل هذه موصولة عن الشيخ عن شيخه وصولا لصاحب المذهب الذي تلقى عن التابعين عن الصحابة عن النبي ﷺ، فتلك هي المرجعية العليا التي يُنتمى إليها ويؤخذ منها ويُفتي بها ويُقضى وفقا لأحكامها، فالعالِم مرجعيته الشريعة لا الدولة، ومنهجه متصل بسلسلة علمية مستقلة لم تصنعها السلطة، في كُتّاب ومدرسة أنشئت بغرض الحفاظ على الشريعة لا بغرض قولبة التلاميذ بمناهج صنعتها السلطة لتجعل منهم موظفين عندها ولتجعل "الدولة" هي المرجعية العليا!

ومن ترتيب الإسلام الفريد لأوضاع المجتمع أن العلماء لم يكونوا كيانا هرميا ولا تشكيلا تنظيميا، ولا لهم رأس بحيث يُمكن أن يُمسكوا منه، بل هم تيار شبكي ومتغلغل في المجتمع، يتصنع بالقوة الذاتية لأهل العلم، فهم يعرفون أنفسهم وهم ينفون خبثهم وهم يفرزون الدعي المنتسب إليهم، ولئن اتخذت منهم السلطة قضاة أو مفتين أو غير ذلك فإنما هم في النهاية عدد قليل، ثم إن هؤلاء القضاة والمفتين قد تكونوا علميا بمعزل عن السلطة وغرضها، ثم هم حققوا مكانتهم في بيئة العلم وفي المجتمع، وليس عبر شهادة تصدرها السلطة، ثم هم إذا قضوا أو أفتوا فإنما يفتون بما تعلموه من القرآن والسنة والمذهب الفقهي الذي لم تصنعه السلطة! لا كما يفعل القانوني المعاصر الذي أخذته السلطة صغيرا فأدخلته مدارسها وأشربته مناهجها وأدخلته جامعتها ووضعته في مؤسساتها وربطته براتبها وهي في كل مراحلة يعلم أنه لم يحقق شيئا ولم يرتق درجة إلا بالشهادة التي تصدرها السلطة لا باعتراف المجتمع به، ثم هو في كل حال مندرج في سلك وظيفي رأسه منصب سلطوي تهيمن عليه السلطة ولا يعرف معنى الاستقلال عنها: لا نفسيا ولا فكريا ولا تنظيميا!

***

يمكن قول الكثير في هذا الصدد، لكن فيما سبق كفاية في خصوص ما نحن نتكلم فيه الآن، وهو ما يحملنا على أن نرى كيف انحدر الحال وتدهورت الأوضاع!

بغير دخول في تفاصيل تاريخية عميقة، فخلاصة الحال أن النظام الغربي الذي ساد وهيمن على بلادنا قبيل الاستعمار وفي أثنائه وبعد رحيله، ثم هو يهيمن على العالم.. هذا النظام قد تشكل بحيث تستولي السلطة على كل أنواع القوة، وتسلبها من المجتمع، حتى تصير السلطة إلها حقيقيا في واقع الناس، لا تريهم إلا ما ترى، ولا مرجعية لهم فوقها، ولا حياة لهم بدونها.. سلطة لا تكتفي بمهمات السلطة كما عرفها النظام الإسلامي (مهمات الأمن الداخلي والدفاع في الخارج وما يتعلق بهما)، بل هي تعمل على الاستيلاء على كل شيء، وتنشئ الناس خلقا على مزاجها، تسلب أموالهم وسلاحهم، ثم تجبرهم على التعليم في مدارس هي تبنيها بأموالهم، وتشربهم مناهج هي تكتبها لهم، وتضع القوانين لكل صغيرة وكبيرة في بيعهم وشرائهم ومعاملاتهم وزواجهم وطلاقهم وسفرهم وحتى مواليدهم ووفياتهم وميراثهم، وتتحكم في تعليمهم وترقيهم وتوظيفهم وأجورهم ومعاشهم! وتسيطر على أذهانهم بما أنشأته من قلاع إعلامية وثقافية، كلها ممسوكة بيد الدولة!

والدولة هي السلطة، والسلطة هي الرجال الغالبين على الحكم. فصاروا هم الوطن، وصارت رغباتهم قوانين ودساتير، وصار لهم من التحكم في أخص خصوصيات الناس ما لم يكن لفرعون ولا لكسرى ولا لقيصر. ولئن كانت بعض الظروف قد أنتجت في الغرب دولة فيها نوع ما من التوازن بين السلطات (مهما كان الخلاف في كونه موهوما أو ضعيفا)، فإن نشأة الدولة في بلادنا جرى بيد الأجانب ووكلائهم فصارت الدولة حرفيا عصابة منظمة مسلحة، وهذه العصابة سلبت كل ما لدى المجتمع من قوى، وأعطتها لنفسها باسم الدولة، ثم باسم الدولة شرعت في اتخاذهم عبيدًا يعملون ما يشاءون لهم من محاريب وتماثيل وقصور وعواصم جديدة.. إلى آخره!

***

لئن شئتَ الحق والحقيقة، فلم يعد النزاع الآن في: هل يستحق هؤلاء الحكام الخروج عليهم أم لا، فوالله إن أدنى النظر المنصف المستقل ليعرف أن الكفر البواح الموجب للخروج قد ظهر في هذه الدول، وأي شئ أعظم من سب الله ورسوله في البرامج والروايات والأغاني، وأي شيء أعظم من تعطيل شرعه واستبدال غيره به، وأي شيء أوضح من موالاة الصهاينة والصليبيين مع التآمر على المسلمين، وأي شيء أعظم من اختراع دين جديد وشرعنة دولة اليهود ومطاردة المصلحين وسجن الدعاة والمجاهدين؟!!!!

أما رؤية الكفر البواح فقد وقعت، لا يجادل في ذلك عاقل.. غير أن الأزمة حقا هي أزمة العجز! وأزمة العجز هذه هي التي تجعل بعض الناس لا يُسَلِّم بظهور الكفر البواح ويجادل فيه، فإنه إن أقر بظهوره وجد نفسه أمام سؤال العمل، وأعظم شيء على نفس العاجز أن يقف أمام سؤال العمل! فكيف إن كانت تكاليف العمل كبيرة وهائلة؟!!

فالسؤال الحقيقي هنا: كيف تتخلص الأمة، وفي طليعتها العلماء من هذا العجز؟!

يحتاج الأمر لصنف استثنائي من العلماء، صنف يجمع بين قوة الاجتهاد الفقهي، وقوة النفس وشجاعتها، ثم ذكاء سياسي قادر على انتهاز الفرص، وإبصار اللحظات الفارقة، والعمل المستمر الدائب على تعطيل "آلة الدولة الحديثة" التي تستلب من المجتمع كل أنواع قوته!

ثلاثة أمور يجب التفكير فيها مليا: المال والإعلام والسلاح!.. كيف يمكن نزع احتكار "الدولة" لهذه الأمور الثلاثة؟.. وكيف يمكن تقوية مجتمع العلماء بهذه الأمور الثلاثة أيضا!

على الأمة ورجالها ومفكريها وأصحاب الهمّ فيها، وفي طليعتهم العلماء، أن يعملوا بجد ودأب وطول بال على تكوين الموارد المالية المستقلة للعلماء، فكلما انتشلنا عالِمًا من ضغط المال كسبنا عالما أكثر قوة وجرأة وثورية، وكان قادرا على التفكير المستقل الذي يهديه إلى سواء الصراط! ويهديه إلى الفتوى الصحيحة في وقتها الصحيح!

وكلما استطاع مجتمع العلماء أن يكون له صوت قوي، من خلال إنشاء المنصات القوية الممولة والمستقلة، كانوا أقدر على مواجهة الباطل والفساد، وأقدر على التوصيف الصحيح للزنادقة والمرتدين الذين يكذبون الله ورسوله جهارا نهارا، وهو ما ينعكس بالضرورة تقوية لجانب الحق وإضعافا لجانب الباطل!

وإذا تحقق المراد، فكان مجتمع العلماء في كنف حماية مسلحة، وأعظمها أن تكون تلك الحماية دولة قوية متحررة، كانوا في أمنٍ يُمَكِّنهم من قول كلمة الحق لا يخشون في الله لومة لائم، ولا يخافون على أنفسهم سجنا ولا ذلا ولا تعذيبا، وكم أخرس الخوف ألسنة الصالحين والمصلحين!

فإذا لم يتيسر هذا كله.. فالتفكير في الطريق إليه ميسور!.. التفكير ميسور لكن العمل غير ميسور، ألم نقل قبل قليل: يحتاج زماننا هذا إلى علماء استثنائيين في قوة العلم وقوة النفس وقوة العمل معا؟!

وإلى أن يتيسر ذلك، فلا بد أيضا من محاولات دؤوبة ومستمرة لكسر احتكار الدول الحالية لعوامل القوة، وكلما غُلَّت يد الدولة عن التحكم بالناس كان خيرا لهم، وكان خصما من قوة غول الدولة الذي يستعمل كل تلك القوة في نشر الكفر الصريح وحمايته ومطاردة من يتصدون له!

سأضرب مثالا واحدا، وهو دليل على ما وراءه:

ما أحوج الأمة إلى علماء يسعون في إقامة المحاكم الشرعية لفض المنازعات بين الناس، ونشرها، مع الفتاوى التي تُحرم على المسلم اللجوء إلى قضاء الدولة ما كان ممكنا له اللجوء إلى المحاكم الشرعية! وإنشاء المعاهد التي تخرج القضاة الشرعيين، فهذا أول طريق في استقلال المجتمع وفي عودة مكانة العلماء ونفوذهم.. أعرف أن هذا ليس ممكنا في أغلب البلاد، لكن التفكير فيه والاهتمام به وإطالة النظر فيه سينبت الحلول الممكنة في كل مكان بحسبه! ثم سيهيئ النفس لانتهاز الفرصة المناسبة في وقتها المناسب عند أي لحظة تغيير في أي مكان!

قل مثل ذلك في المدارس الشرعية، وفي المصارف الإسلامية الأهلية (الخارجة عن تحكم الدولة)، وفي الشركات الاقتصادية الأهلية (الخارجة أيضا عن تحكم الدولة)، وفي المنصات الإعلامية، وفي المنظومات القانونية، وفي استمالة أعيان الناس ووجوههم، بل وفي استمالة من أمكن من أهل الحكم والسلطة أنفسهم.. إلى آخره!

إن التحدي الحقيقي القائم الآن هو في الخروج من حالة العجز، فما أحسب زمانا قد كُشِفت فيه الحقائق مثل هذا الزمان، ولا ريب أن الثمن المدفوع لن يكون يسيرا، ولا ريب أن من هؤلاء العلماء الاستثنائيين الذين يبدؤون المسيرة من سيقضون شهداء في طريقها، غير أن شهادتهم هذه هي التي ستمهد لما بعدها!

وعلى كل مسلم بعد ذلك أن يدعم هذا الطريق، فتلك قضية أمة، والعلماء هم طليعة الأمة لا أنهم ينوبون عنها، فليسوا هم الذين يتحركون وبقية الأمة تمارس دور التشجيع من المدرجات! ثم هي تتفرج على الواحد منهم تلو الواحد يقضي مشنوقا أو مقتولا أو مسجونا.. القضية قضية أمة! فكل مسلم له دور فيها، في دعم أهل الحق من العلماء، وفي نصرتهم بما استطاع، وفي الدفع عنهم ما وسعه الجهد، وفي التمهيد لهم ما بلغت طاقته في ذلك.

وقد صدق القائل: من صح منه العزم أرشد للحيل!

وقبلها وبعدها قال ربنا {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين}

نشر في مجلة أنصار النبي - يوليو 2026م


الخميس، يونيو 04، 2026

"أنصار النبي ﷺ" تدخل عامها الخامس


الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه..

بهذا العدد تدخل مجلة "أنصار النبي ﷺ" عامها الخامس، وتلك مناسبة نُذَكِّر فيها برسالة هذه المجلة وبعض الأمور المتعلقة بها.

تصدر المجلة عن "الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ"، وهي الهيئة التي جاءت ثمرة لاستجابة شعبية واسعة وغاضبة تجاه الرسوم المسيئة لنبينا الأعظم ﷺ، تلك الرسوم التي بدأت في فرنسا ثم تبنتها الحكومة الفرنسية، فاندلعت انتفاضة شعبية على شبكات التواصل لمقاطعة المنتجات الفرنسية، وبعد مرور عامٍ على هذه الحملة تداعى بعض العلماء والرموز والمشايخ لتأسيس "الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ".

كان الغرض من هذا التأسيس أن تتحول عملية نصرة النبي ﷺ من ردة فعل، هي بطبيعتها وقتية متفاعلة مع الحدث، ولا بد أنها ستنتهي وتخفت وتذبل مع مرور الأيام، إلى أن تكون مهمة مستمرة ودائمة، وهيئة لها واجباتها العملية الناتجة عن تفكير وتخطيط ومتابعة ومثابرة.

وبعد انطلاق "الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ" بستة أشهر، وُلِدت مجلة "أنصار النبي ﷺ"، لتكون أول فرع من هذه الشجرة، ثم تلتها فروع متعددة، مثل: "القبة الخضراء" وهو مشروع لحفظ سنة النبي ﷺ، و"مشروع بصيرة الدعوي" وهو يعني بدعوة غير المسلمين إلى الإسلام من غير الناطقين باللغة العربية، و"سفراء النبي ﷺ" وهم جمع كريم من المشايخ والدعاة والشباب المتطوعين الذين أخذوا على عاتقهم حمل رسالة هيئة أنصار النبي ﷺ والعمل بها في بلدانهم، و"وقف الأنصار" الذي يُعنى برعاية الأسر المحتاجة ودعمها، ومؤخرا جرى إطلاق "دار الإفتاء الإلكترونية" ردًّا على قانون تضييق الإفتاء في العالم العربي، ليكون منبرا حرًّا للمستفتين والمفتين، ومؤسسة مستقلة عن الخطوط الحمراء الحكومية.

وفيما يخص هذه المجلة، التي تدخل الآن عامها الخامس بفضل الله تعالى، فقد حملت على عاتقها أن تقوم بمهمة النصرة المستمرة، من خلال بيان قدر النبي ﷺ وعظمته وفضله على العالمين، وكيف أن ما جاء به النبي ﷺ من نور الوحي هو الكفيل بحل مشكلات العالم، الجليل منها والحقير!

ومن هذا المنطلق اتخذت المجلة موضوعا لكل عددٍ منها، مع فتح الباب للكتابة في موضوعات أخرى، وكل موضوعٍ من هذه الموضوعات كان متعلقا بمشكلة جاء النبي ﷺ بحلّها، أو بنموذج ارتبط بالنبي ﷺ هو قدوة للعالمين.

ورأينا من واجبنا في هذه المجلة أن نفسح فيها المساحة لصنفيْن من الناس حُرِموا أن يخوضوا معركة نصرة النبي ﷺ المعاصرة، وهما: العلماء والدعاة الراحلون، والعلماء والدعاة الأسرى.

فأما الراحلون فقد عنينا بهم العلماء والدعاة الذين ماتوا خلال هذيْن القرنيْن الأخيريْن فحسب، وذلك أنهما قرنا الهزيمة والنكبة، فمن وُجِد فيهما فقد تحقق له أمران كلاهما يجعل شأنه مختلفا:

الأول: أن الراحلين في هذين القرنين من أعلام الأمة هم في الغالب ممن لم يأخذوا حقهم في التعريف بهم ونشر تراثهم، وذلك أن هاتيك القرنيْن قد غلبت عليهما العلمانية والأحكام غير الإسلامية والحكومات غير الشرعية، فدُثر كثير من تراثهم ولم يحظ بالاهتمام اللائق به، فالواجب على خَلَفهم ممن تربى وتعلم على أيديهم وعلى كتبهم أن يوفي لهم بعض حقهم ويعيد التعريف بهم وبمآثرهم!

الثاني: أن الراحلين في هذيْن القرنيْن كانوا أقرب إلى قضايانا المعاصرة وطبيعة التحديات التي واجهتها أمتنا ممن سبقهم، فالذين عاشوا في عصور الاستضعاف والاحتلال والعلمانية عالجوا من الأمور ما لم يكن قائما لدى أسلافهم الذين عاشوا في عصور استقرار الإسلام وسيادته، فقُرب هؤلاء من قضايانا يجعل كلامهم أقرب إلى قارئنا المعاصر: عقله ونفسه وروحه!

ولهذا رأينا أنه ينبغي أن يُفسح لهؤلاء في مجال النصرة، توفية لحقهم وتعريفا بهم واستفادة منهم.

وأما الأسرى، فأولئك قوم حُرموا حين سُجِنوا من البذل والعطاء في معركة نصرة النبي ﷺ، وقد كانوا أحق بها وأهلها، بل إن تقدمهم في باب النصرة هذا هو ذاته السبب الذي جعلهم الآن أسرى، فإن الحكومات القائمة تبغض كل قائم لله بالحجة، وتبغض كل من كان ولاؤه لله ورسوله متقدما على ولائه للسلطة والنظام.

وحيث كان ذلك كذلك، فإن في بعث تراث هؤلاء المحبوسين المحرومين، واجبا على إخوانهم الأحرار، تعريفا بهم، وتذكيرا بهم، واستفادة من إنتاجهم، وتوفية لحقهم، فلو قد كانوا طلقاء لخاضوا معركة النصرة، فآثرنا أن نكون من أسباب الله التي يُكرمهم بها، فنعيد نثر نفحهم ومسكهم وطيبهم، وقد أريد له أن يكون مأسورا.

وعسى الله أن يهيئ لنا إن متنا أو أُسِرنا من يبث للناس كلامنا، فيكون من العلم الذي يُنتفع به.

على هذه الأقسام الثلاثة انبثقت المجلة في عددها الأول، واستمرت على ذلك في عامها الأول..

وشرعنا ننظر في القضايا التي ينبغي أن نعالجها، فمنها ما يكون مناسبة حاضرة: كالإسرائ والمعراج وتحويل القبلة وشهر رمضان والحج وبداية العام الهجري وذكرى المولد النبوي، ومنها ما يكون انتقاءً لمشكلة حاضرة.. فنأخذ في الاستكتاب لها، ثم في انتقاء ما كُتب فيها من تراث الراحلين والأسرى، حتى صارت المجلة وجبة فكرية دسمة!

ثم ما زلنا نرى من كرم الله وألطافه وتيسيره، ما جعل المجلة تكبر وتتوسع، مع أن فريقها لا يجاوز ثلاثة أفراد بالعدد، حتى كانت المجلة في عامها الرابع قد بلغت سبعة أقسام، ثلاثة ذكرناها وهي: القسم الذي يكتبه علماء الهيئة ودعاتها ومعهم علماء الأمة ودعاتها، وقسم الراحلين، وقسم الأسرى..

ثم أضفنا إليها أربعة أقسام أخرى، هي:

قسم يكتبه المهتدون الجدد الداخلون في الإسلام عبر مشروع "بصيرة" الدعوي، المنبثق عن الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ، يقصون فيها كيف كانت "بصيرة" سببا في اهتدائهم وتعلمهم الإسلام، فلقد فوجئنا في أثناء اجتماعات أقسام الهيئة بقصص عجيبة وطريفة للغاية، كلٌّ منها في ذاته يصلح أن يكون مقالا جميلا، بل حدثنا بعض المهتدين أنهم إنما اهتدوا حين قرؤوا قصص الذين سبقوهم إلى الهداية، فكان القرار أن نصطنع قسما لهؤلاء المهتدين، وهو ما كان، ولا يزال هذا القسم واحة هنيئة ومميزة بين صفحات المجلة، وهو بماثية الدوحة الإيمانية الصافية الرقراقة بين معترك القضايا الفكرية!

وقسمٌ يكتبه "سفراء الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ"، أولئك الذين ينبعثون برسالة الهيئة في بلدانهم، ويقيمون فيها من الأنشطة والفعاليات ما يجعلهم جنودا دائمين في هذه المهمة الشريفة، ومنهم من خرج في قافلة الصمود البحرية لفك الحصار عن غزة، ومنهم من أجرى حوارات مع أعلام بلده أو غيرهم من الأعلام، فكانوا إضافة جليلة لمادة المجلة، وثراءً جديدا فوق ثرائها!

وقسمٌ جديد صرنا نختاره وننتقيه من تراث المستشرقين والمؤرخين غير المسلمين ممن أنصفوا الإسلام والنبي ﷺ والحضارة الإسلامية، وقد وجدنا بالتجربة أن الكلام الذي يقوله أعلام الغرب في النبي مؤثر في أمتنا، ومؤثر في غير المسلمين أكثر من تأثير كلام المسلمين في نبيهم، وهذا حقٌّ من جهتيْن، فهي من جهة أولى: شهادة غير مجروحة، على سبيل {وشهد شاهد من أهلها}، وعلى سبيل: "والفضل ما شهدت به الأعداء"، ولا ريب أن شهادة الخصم والعدو خير من شهادة التابع والحليف والنصير. ثم هي من جهة ثانية شهادة غربيٍّ جاء من عالم الغالبين المتفوقين المتألقين، في حق دينٍ ونبيٍ وحضارة هي الآن في حالة استضعاف، والنفس مجبولة على الإعجاب بالغالب والاستماع منه وتقليده! وقد أبدع مؤرخنا وحكيمنا ابن خلدون وهو يشرح كيف أن "المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب"، فمن ها هنا كان هذا القسم تثبيتا للمسلم، وتقريبا وتأليفا وجذبا لغير المسلم أيضا. وقد صرنا نختار من مقالاتهم وإنتاجهم ما يناسب موضوع العدد أيضا!

وقسم آخر أفردناه لمقالات القراء، حيث صارت المجلة تستقبل مقالات لأقلام واعدة من شباب الكُتَّاب والباحثين.

فاستوى الأمر على سبعة أقسام: قسم الهيئة، وقسم بصيرة، وقسم السفراء، وقسم الراحلين، وقسم الأسرى، وقسم المنصفين، وقسم بريد القراء!

ومع دخول المجلة عامها الخامس، بفضل الله، فقد أضفنا إليها قسما جديدا، هو قسم "الإفتاء"، وفيه نختار عددا من الفتاوى التي أجابت عنها "دار الإفتاء الإلكترونية" التابعة للهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ، كي ننشر فيه أهم الفتاوى الشهرية المتعلقة بأحوال الأمة!

وبهذا تصير أقسام المجلة ثمانية أقسام.. والحمد لله رب العالمين!

وكانت للشيخ محمد الصغير، رئيس الهيئة، عبارة أساسية في بيان منهج الهيئة وتفصيلها، وهي: "لن تكون نصرتنا للنبي ﷺ نصرةً علمانية"، والمعنى: لن نظل نتحدث عن النبي وأخلاقه وما جاء به من حيث هو معنى بعيد لا ينبني عليه عمل ولا واقع، بل نصرتنا للنبي هي اشتباك حقيقي مع قضايا أمته، وانتصارا حقيقيا لأتباعه، ومعالجة ومعاناة حاضرة وتنفيذا عمليا لرسالته!

ومن هذا الباب، فقد كانت المجلة لسانا حاضرا في حرب الطوفان المبارك في غزة، على مدار سنتيْن، وجنَّدت نفسها في هذا الباب، ونثرت من الفتاوى القديمة ومن المقالات الجديدة للراحلين والأسرى والمنصفين –فوق مقالات أعضاء الهيئة وسفرائها- ما استوعب هذه القضية وتطوراتها.. ولم ننس غيرها من قضايا المسلمين في السودان والهند وأفغانستان وطاجكستان وبورما وغيرها، وكنا قبل ذلك ومع ذلك نناقش كيف جاء النبي بعلاج مشكلات الفقر والطغيان وحتى البيئة!

وكما ساهمنا في نصرة النبي ﷺ في وجه الصليبيين والملحدين والعلمانيين، فقد ساهمنا كذلك في نصرته ﷺ في وجه الضالين والمبتدعين، فأفردنا أعدادًا عن صحابته وعن أمهات المؤمنين وعن رفيقه أبي بكر الصديق، ونحسب –ولله وحده الحمد- أننا وقفنا في كل ما عرض لنا من قضايا الأمة وقفة حق وصدق، لم نخش فيها لومة لائم، ولم نرض فيها بالموقف المائع، وتجاوزنا فيها الخطوط الحمراء التي يفرضها المتسلطون والمتجبرون!

ولهذا، فقد رضينا وسعدنا واحتسبنا عند الله، ما أصابنا من جراء ذلك من حملات تشويه وشيطنة واسعة قامت بها وسائل إعلام عديدة: عربية وأجنبية، وحتى هندية، وليس هذا بعجيب ولا غريب، وقد صدق الشاعر لما قال:

إذا رضيت عني كرام عشيرتي .. فلا زال غضبانا علي لئامها

ونحن نرضى ونحب أن نكون في هذا الموقف، ونرضى أمام الله أن يكون محبونا من فريقنا، وأن يكون مبغضونا من خصومنا، فتلك قسمة نرى أن فيها رضا الله تعالى، وذلك انحياز نزداد به إيمانا، فحتى يوم الناس هذا لم نر فيمن حاربنا ولا أبغضنا من كنا نحب أن يكون معنا، ولم نر فيمن أحبنا وانحاز إلينا من كنا نخشى ألا يكون كذلك.. وكما قيل: الطيور على أشكالها تقع!

نسأل الله تعالى الإخلاص والسداد والرشاد والقبول، وغاية الأمل والمنى أن نندرج في قول الله تعالى لنبيه {فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 62 - 66].

بقي أن نتوجه برسالة إلى القارئ الكريم..

هذه المجلة تحتاج منك أمورًا، أقلها: الدعاء للقائمين عليها، وما فوق ذلك فأنت أعلم به! وما يستطيع أحدٌ أن يحيط بإمكانياتك ومواهبك وقدراتك إلا أنت.. فأنت خبير نفسك، وأعلم بما تبذل لله منها!

فمن استطاع أن ينشرها فنحتسب عند الله أن يكون له أجر فريق العمل، فالدال على الخير كفاعله!

ومن استطاع أن يترجم ما فيها وينشره إلى ألسنة العالمين فنحتسب عند الله أن يكون له أجر الأمة التي ترجم إلى لسانها، وكم في الناس من خير مكنوز، وما تدري ماذا يفعل رجل وصلت إليه كلمة خير، كان الحاجز بينه وبينها هو حاجز اللسان واللغة!

ومن استطاع أن يدعم بماله أو بجاهه أو بما تيسر له، فكل ذلك –إن شاء الله- في ميزان حسناته، وخير المقامات مقام نصرة النبي ﷺ، فهو حبيب الله، وهو رحمة الله للعالمين..

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..

نشر في مجلة أنصار النبي ﷺ - يونيو 2026

الأربعاء، مايو 06، 2026

الصمود الذي غيَّر التاريخ!

 


هذه سطور في فضائل الصمود، ليست حديثا نظريا، بل وقائع عملية مُختارة من صفحات التاريخ، نرى فيها كيف أن صمود رجل أو جماعة قليلة في لحظة ما، استطاعت تغيير مجرى التاريخ، وتسجيل نتائج حاسمة عاشت لقرون طويلة!

من هذه القلة الصامدة تبدأ التحولات التاريخية الكبيرة، مع أنهم في الأغلب لا يدركون بأنفسهم عظمة ما يصنعون ولا اتساع تأثيره ولا امتداد آثاره عبر القرون!

إن القدرة على المقاومة في لحظة الضعف وانتشار اليأس أمر لا يتمتع به إلا نوادر الناس. وأولئك هم الذين يكونون ملاذ الأمم وبذرة انتهاضها من جديد! هذا الصنف من الناس هم الذين يصمدون فيقاتلون ويقاومون مهما كانت الظروف، ومهما كانت موازين القوى.

وفي الذروة من هذا الصنف من البشر، أولئك الذين منحهم النبي ﷺ وسام “سيد الشهداء”، وهو الوسم الذي احتفظ به رجل يقاوم في الظرف المستحيل، قال ﷺ: “ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله”[1].

إنه الرجل الذي يجابه السلطان الجائر بكلمة الحق، وهو يعلم أنه سيموت.. الرجل الذي يقاوم ويعرف أنه سيدفع الثمن لا محالة، وربما يدفعه دون أثر كبير في المعادلة الكبرى.. الاستشهادي الذي سيكون هو أول شهيد في عمليته الفدائية.. الانغماسي الذي يُلقي بنفسه وسط العدو رجاء أن يُنكِّل بهم ويفتح طريقا لأصحابه من بعده.. أولئك الناس الذين يخرجون عن قانون البشر هم الذين يغيِّرون التاريخ أو يكونون بذرة تغييره!

ولمثل هذا تخشى السلطات والتقنيات الأمنية مما يسمونه “الذئب المنفرد”.. لهم تسميتهم ولنا تسمية نبينا بأنه “سيد الشهداء”! أولئك الذين يقاومون في الظروف المستحيلة، كان إيمانهم بقضيتهم أعلى من كل أمل مشهود أو منشود، وفي حالتنا نحن المسلمين، كان إيمانهم بالله وبوعد الآخرة وبالجنة أقوى من كل نتيجة مرتقبة في هذه الدنيا، ولهذا أُطلق على الذين يُقتلون في سبيل الله: شهداء.. أي أنهم شهدوا بأرواحهم على حقيقة الله واليوم الآخرة، وهو أسمى مراتب الإيمان واليقين، فالروح أغلى ما يملكه الإنسان.

أولئك الذين يقاومون في الظروف المستحيلة هم الذين يمهدون الطريق لمن بعدهم، ولذلك وصفهم النبي بالغرباء.. لأنهم غرباء بين الناس كأنهم ليسوا منهم.

إلا أن هؤلاء هم من يجدد الأمل في نفوس المغلوبين، ويجدد الفزع في نفوس الغالبين، يعلنون بأعمالهم هذه أن المعركة لم تنتهِ والاستسلام لم يقع، وما زال ثمة أمل للمغلوب، وما زال ثمة خطر يتهدد الغالب! فهم بتضحيتهم هذه يعلنون أن الأمل لم يمت، وأن اليأس لم يهيمن!

والإسلام يُجَهِّز أبناءه ليكونوا على أعلى قدر من الاستعداد والفعالية، لقد حفل القرآن الكريم والسنة النبوية بما ينتشل الإنسان من لحظة الضعف والهزيمة، حين ينهزم بالمعصية أمام نفسه وأمام الشيطان، أو حين ينهزم أمام عدوه من الكافرين، ويمتلئ القرآن بما ينتشل المسلم من اليأس والاستسلام، ويحفزه ويحضه ويحثه على الجهاد والصبر والمثابرة، كما في قوله تعالى ﴿لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [يوسف: 87]، ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 64]، ﴿يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ﴾ [الزمر: 53]، ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَٰلِحًا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٍ﴾ [الفرقان: 70]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]، ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: 286]، ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30].

وتكتظ السنة بهذه المعاني كذلك، فالجهاد ذروة سنام الإسلام[2]، والشهيد في أعلى درجات الجنة حتى ما من أحد يتمنى أن يعود إلى الدنيا بعد دخوله الجنة سوى الشهيد، يريد أن ينال شهادة أخرى[3]، وفي الحديث القدسي يقول ربنا: “يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم”[4]، وأخبر النبي عن ربه أنه لا يزال يغفر لعباده ما داموا يستغفرونه[5]، وأخبر أن الله “يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل”[6].

هذا هو الأمل الذي لولاه لما كان في المسلمين مجاهد ولا شهيد.. أملٌ عريقٌ راسخٌ من صميم الإيمان لا ينفلت عنه ولا ينفصم، ولهذا كان الإسلام هو الخطر الكبير على الجبابرة والمتكبرين، ولا تزال أحلامهم وآمالهم في تغيير نصوصه وتحريف معانيه وتأويل كلامه تسيطر على مجهودهم، يريدون أن يبدلوا كلام الله.

نضرب الآن أمثلة من التاريخ على ضرورة الصبر والصمود، وكيف أفضى هذا إلى نتائج فارقة وخطيرة، ليرى العامل لهذا الدين كيف يجب عليه أن يتسلح بالصبر والصمود، لا سيما ونحن الآن في أزمنة استضعاف وهزيمة لا بد لنا فيها من هذا الصبر والصمود.

 

(1)

أولى الناس بالصبر والصمود من أقاموا الأديان من الأنبياء والمرسلين، لا سيما أولي العزم من الرسل، ومثلهم في هذا الجانب أولئك الزعماء الكبار الذين أسَّسوا دولا وممالك، فإن هذا أمر لا يتم بغير عزيمة هائلة وصبر لا ملل معه ولا نكوص عنه، فما من مؤسس دولة ومملكة إلا وهو آية وقدوة في الصبر والصمود، وبذلك استطاع أن يقلب أوضاع زمنه وينشئ دولته، ويغير التاريخ في حياته ومن بعده!

وأعظم هؤلاء قاطبة: نبينا محمد ﷺ، إذ هو الوحيد في تاريخ البشر الذي أقام دينا عظيما، وأقام حضارة عظيمة أيضا، ولهذا وضعه مايكل هارت كأعظم رجال التاريخ، لأنه “نجح نجاحا مطلقا على المستوى الديني والدنيوي، وهو قد دعا إلى الإسلام، ونشره كواحد من أعظم الديانات، وأصبح قائدا سياسيا وعسكريا ودينيا، وبعد 13 قرنا من وفاته فإن أثر محمد ﷺ ما يزال قويا متجددا”[7].

وتتعدد مواقف صموده وصلابته ﷺ في سيرته، فمنها:

§     اشتد ضغط المشركين على أبي طالب ليكف النبي ﷺ، فأرسل إليه أبو طالب في شدة حر الظهيرة، فلما جاءه قال: إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم فانته عن أذاهم. فحلق رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء فقال: “ترون هذه الشمس؟”. قالوا: نعم. قال: “فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعلوا منها بشعلة”[8].

§     حديثه ﷺ لخباب بن الأرت حين جاء إليه يشكو ما نزل بهم من العذاب، فكأن النبي ﷺ رأى في كلامه بعض الضعف، فقال له: “كان الرجل فيمن قبلكم يُحْفَر له في الأرض، فيُجْعَل فيه، فيُجَاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيُشَقّ باثنتين، وما يصدّه ذلك عن دينه، ويُمَشَّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عَصَب، وما يصده ذلك عن دينه، والله لَيتِمَنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون”[9].

ومن ذلك ما قام به صاحبه وخليفته من بعده، والمؤسس الثاني لدولة الإسلام، أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وثباته وصلابته الهائلة في أحداث الردة، وهي الوقفة التي حفظ الله بها الإسلام والمسلمين، فقد أصرَّ رضي الله عنه على إنفاذ بعث أسامة، لأن النبي ﷺ أوصى بإنفاذه، وأصرَّ على مقاتلة المرتدين جميعا: من انخلع منهم من الإسلام بالكليّة، ومن منع منهم الزكاة، وقال مقالته الشهيرة: “والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها”، وكانت وقفته هذه من القوة والرسوخ بحيث قال عمر: “فما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر رضي الله عنه بالقتال فعرفت أنه الحق”[10].

 

(2)

كان انتصار الإسلام في موجة الفتوح الأولى كاسحا وهادرًا، ولم تزل قوة المسلمين عظيمة تلقي المهابة في نفوس الأعداء، ولم يحدث أن فكر الروم في استرجاع الشام من المسلمين إلا بعد ثلاثة قرون، ثم انتهت دون تحقيق كبير نجاح، حتى جاءت موجة الحملات الصليبية في القرن الخامس الهجري، فاستطاعت الحملة الصليبية الأولى أن تحتل الساحل الشامي، وأن تؤسس أربعة إمارات صليبية، كانت مراكزها في: الرها وأنطاكية وطرابلس وبيت المقدس.

وجاءت هذه الموجة في وقت عصيب انقسم فيه المسلمون بين خلافتيْن: الخلافة العباسية في بغداد، والخلافة العبيدية (الفاطمية) في القاهرة، وكان خط الاحتكاك بينهما في الشام الذي انقسم في الولاء بين العباسيين والعبيديين. ثم إن كلا الخلافتيْن كانتا قد دخلتا في طور من الضعف، فالعباسيون كانوا تحت السيطرة الفعلية للسلاجقة فيما عُرِف بعصر سيطرة السلاجقة، والعبيديين كانوا تحت السيطرة الفعلية لوزرائهم فيما عُرف بعصر الوزراء. ومما زاد في الخطورة أن دولة السلاجقة أيضا قد دخلت في انكسار مفاجئ بعد موت وزيرها الأقوى والأشهر نظام الملك الطوسي، وموت أميرها القوي السلطان ملكشاه في شهرين متتالين (رمضان وشوال 485ه)، فترتب على هذا انقسام الدولة السلجوقية الكبيرة إلى عدة دول، ثم انقسام ولايات الشام بين الأمراء السلاجقة الذين ضربهم التنازع.

في هذا الوضع الممزق جاءت الحملة الصليبية الأولى..

ومع ذلك، فإن النظر في تفاصيل ما جرى من المعارك يشير إلى أن بعض الأمراء لو بذل مزيدًا من الصمود والصبر، لكان مصير الحملة الصليبية هو الفشل، ولو فشلت هذه الحملة الأولى، لظل المسلمون قرنًا آخر على الأقل لا يجرؤ الروم على التفكير في استعادة الشام منهم، ولكن صبر الساعة المفقود هذا قد أورث الأمة قرنيْن من الكفاح الدامي، والذي كانت له نتائج فارقة في كل التاريخ الإنساني، فإن الحروب الصليبية هي واحدة من أهم الأحداث الفارقة في تاريخ هذا العالم.

لا يسعنا التوقف هنا عند كل اللحظات، ولكن اخترنا من بينها هذه اللحظة:

كان أمير أنطاكية يسمى ياغيسيان، وكان ذا ذكاء وبطولة، ولما سمع بتوجه الجيش الصليبي إليه، خشي من خيانة نصارى أنطاكية، فتحايل على إخراجهم منها حتى تمكن من ذلك، وجاء الجيش الصليبي فظلّ محاصرًا للمدينة تسعة أشهر لم يستطيعوا أن يفعلوا فيها شيئا لما أظهره ياغيسيان من القوة والمهارة، حتى هلك أكثرهم موتا وجوعا وعطشا، يقول ابن الأثير واصفا نتيجة هذا الصمود بأن الفرنجة “لو بقوا على كثرتهم التي خرجوا فيها لطبقوا بلاد الإسلام” أي لاحتلوا الكثير من البلدان وليس الشام فحسب.

ولكن الخيانة جاءت من حارس أحد الأبراج، استطاع الفرنجة أن يعدوه بالمال والإقطاع، فخان المسلمين، وفتح لهم الطريق، فانتهزوا فرصة فاقتحموا البلد من هذا المكان!

هنا انهار صمود ياغسيان دفعة واحدة، ففزع واستولى عليه الرعب، وفتح باب البلد وخرج هاربا هائما على وجهه، فكان هروبه هذا، كما يقول ابن الأثير، “معونة للفرنج، ولو ثبت ساعة لهلكوا”.

ومن شدة فزعه ورعبه، لم ينتبه إلى ما حصل إلا “لما طلع عليه النهار رجع إليه عقله، وكان كالولهان، فرأى نفسه وقد قطع عدة فراسخ، فقال لمن معه: أين أنا؟ فقيل: على أربعة فراسخ من أنطاكية، فندم كيف خلص سالما، ولم يقاتل حتى يزيلهم عن البلد أو يُقْتَل، وجعل يتلهف، ويسترجع على ترك أهله وأولاده والمسلمين، فلشدة ما لحقه سقط عن فرسه مغشيا عليه، فلما سقط إلى الأرض أراد أصحابه أن يركبوه، فلم يكن فيه مسكة فإنه كان قد قارب الموت فتركوه وساروا عنه، واجتاز به إنسان أرمني كان يقطع الحطب، وهو بآخر رمق، فقتله وأخذ رأسه وحمله إلى الفرنج بأنطاكية”[11].

وهكذا سقطت أنطاكية، وانفتح الطريق إلى بيت المقدس!

 

(3)

نجح صلاح الدين في سلسلة انتصارات قوية على جيوش الصليبيين، حتى توَّج ذلك بدرة انتصاراته في معركة حطين التي حطَّم فيها الجيش الرئيسي للصليبيين، ولم يبق بعدها إلا أن يفتح المدن والمعاقل، ففتح بيت المقدس، وسار من فتح إلى فتح، حتى اصطدم بمدينة صور، فحاصرها، وفشل في اقتحامها وتحريرها، لتكون أول إخفاق له بعد سلسلة طويلة من الانتصارات المظفرة!

كان أهم أسباب هذا الإخفاق ذلك الصمود الصلب الذي أظهره فارس صليبي باسل يدعى كونراد دي مونتفرات، حيث قاد فلول المهزومين من الصليبيين اللاجئين إلى صور، وحيث كان العفو الواسع الذي أصدره صلاح الدين عن فرسان الصليبيين وقادتهم –وهذه من أخطائه الفادحة- قد جعل كثيرا من هؤلاء يجددون القوة الصليبية من جديد، ويواجهون بها جيوش المسلمين، ومن هؤلاء كثيرون ذهبوا إلى صور وانضووا تحت قيادة كونراد دي مونتفرات.

أظهر كونراد قيادة ذكية، فأوقع بالأسطول الإسلامي الذي جاء يحاصره من البحر، فضمن بذلك خط إمداد بينه وبين الصليبيين، وصمد حتى دخل الشتاء الذي كان مطيرا باردًا، فاضطر صلاح الدين إلى فكّ الحصار[12]! وتحولت صور إلى مركز المقاومة الصليبية، ومنها انطلقت الأخبار والمبعوثين ليستنهضوا ملوك أوروبا في حملة صليبية جديدة[13]، حتى أثمرت جهودهم فجاءت الحملة الصليبية الثالثة ذات الجيوش الهائلة، وانقلب بها الموقف تماما!! وهكذا “فبفضل هذا الرجل القوي أضحى لصور، الناجية من نكبة الاجتياح الكبرى، في الأيام القادمة دور المنطلق لإعادة الغزو الفرنجي من جديد”[14].

ليس هذا فحسب، بل يقدر بعض المؤرخين أن صور التي أفلتت “بما يشبه المعجزة” من اجتياح صلاح الدين، كانت نقطة تحول في كل تاريخ الحملات الصليبية، بحيث أن صلاح الدين إذا استطاع فتحها فلم يكن ليقع حصار عكا، ولا حتى كانت الحملة الصليبية الثالثة قد استطاعت المجيء أصلا[15]!

 

(4)

كان صلاح الدين سخيا في العفو عن الأسرى، بمن في ذلك الملوك والقادة، وقد أتاح هذا لهم فرصة جديدة للانقلاب على عهودهم والتجمع مرة أخرى للانقضاض عليه، وقد دفع جراء ذلك ثمنا فادحا ومريرا مع الحملة الصليبية الثالثة، التي هي أقوى الحملات الصليبية قاطبة.

ومثلما كان صمود كونراد دي مونتفرات نقطة تحول في مسار الحروب الصليبية، فلقد كان صمود صلاح الدين أمام هذه الحملة الرهيبة نقطة تحول كذلك، ففيها اتحد ملوك أوروبا، وعلى رأسهم فريدريك ملك ألمانيا وفيليب ملك فرنسا وريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا، وأنفقت عليها أموال طائلة من بينها ضريبة خاصة جُمِعت على يد الباباوات، سُمِّيت “ضريبة صلاح الدين”.

استطاعت هذه الحملة استرداد سائر المدن الساحلية من عكا إلى يافا، واستطاعت إنقاذ المدن التي لم تسقط بعد مثل أنطاكيا وطرابلس، واستماتت في سبيل انتزاع بيت المقدس –الهدف الأساسي الذي خرجت من أجله- التي استمات صلاح الدين في الدفاع عنها، ثم انتهت إلى الصلح الشهير المعروف باسم “صلح الرملة”.

لو نظرنا إلى هذه النتائج بعين أوروبا الصليبية وفي ضوء قوة الحملة وضخامتها فهي نتائج ضئيلة، وإذا نظرنا إليها بعين المسلمين وفي ضوء موازين القوة فهي حملة خطيرة هددت كل نتائج الجهاد الإسلامي السابق في سبيل تحرير بيت المقدس، وكانت على وشك أن تسترد بيت المقدس مرة أخرى، لولا استماتة صلاح الدين في الدفاع عنها!

لقد أعادت هذه الحملة حالة التوازن من جديد بين المسلمين والصليبيين، من بعد ما كاد المسلمون يزيلون الوجود الصليبي كله، واستطاعت الحملة أن تمدّ في عمر الوجود الصليبي قرنا آخر من الزمان، وهذه النتائج الضخمة الفارقة يمكن أن نعود بها إلى لحظتيْ صمود: لحظة صمود كونراد دي مونتفرات وهو في قلة وضعف أمام قوة صلاح الدين العاتية، ثم لحظة صمود صلاح الدين وهو في قلة وضعف أمام جيوش أوروبا المتحدة!

 

(5)

أختم بهذا المثال الفارق في موضوع الصمود، وهو صمود القسطنطينية!

حين بُعث النبي ﷺ كانت القوى العالمية القائمة هي: فارس والروم، والروم المقصودون هنا هم الروم البيزنطيون، وهم القسم الشرقي من الإمبراطورية الرومانية، فلقد انقسمت الإمبراطورية الرومانية الضخمة إلى قسمين: القسم الشرقي وعاصمته القسطنطينية (اسطنبول الآن) وديانته المسيحية الأرثوذكسية ولغته اليونانية، والقسم الغربي وعاصمته روما وديانته المسيحية الكاثوليكية ولغته اللاتينية!

لكن القسم الغربي عصفت به الفوضى، وهاجمته قبائل الشمال، ودخل في طور من الضعف والتمزق، بينما بقيت قوة المسيحية السياسية والعسكرية والحضارية في القسم الشرقي الذي عاصمته القسطنطينية.

ولما بشَّر النبي ﷺ بفتح القسطنطينية ورومية كان يبشر بسيادة الإسلام على العالم المسيحي كله، ولهذا سأل الصحابة: أيها تفتح أولا؟ فقال: مدينة هرقل[16] (أي القسطنطينية). ولهذا اندفع المسلمون إلى فتح القسطنطينية، وقد كانت الأقرب إليهم جغرافيا، وظلوا يحاولون فتحها إلا أنها صمدت أمامهم ثمانية قرون، ولم يمكن فتحها إلا في منتصف القرن التاسع الهجري على يد السلطان محمد الفاتح في زمن الدولة العثمانية.

ماذا ترتب على صمود القسطنطينية ثمانية قرون؟!

ترتب على ذلك أنها وفَّرت الوقت والفرصة للغرب، القسم الغربي من الإمبراطورية الرومانية القديمة، الذي نسميه الآن: أوروبا الغربية، لينهض ويتقوى ويبزغ من جديد.. ومنذ ذلك الوقت، ونحن نعاني من هذا الغرب الويلات تلو الويلات!

لو أن القسطنطينية لم تصمد كل هذا الوقت، ولو أنها فُتِحت في موجة الفتوحات الأولى في زمن الخلافة الراشدة أو الدولة الأموية، لكان الإسلام قد عمَّ وانتشر في أوروبا كلها: شرقها وغربها، إذ لم يكن ثمة قوة أخرى يمكن أن تقف في وجه الجيوش الإسلامية آنذاك!

وذات الكلام يمكن أن يقال عن صمود فيينا أمام الجيوش العثمانية، لقد صمدت مرتين في عهد السلطان سليمان القانوني، وهو ذروة الدولة العثمانية، في عامي (1529، 1532م)، ومرة ثالثة في عهد السلطان محمد الرابع، في عام (1683م). وكان هذا الإخفاق الأخير في فتح فيينا هو بداية الانقلاب والتحول في قوة الدولة العثمانية، التي دخلت من بعد ذلك في طور الجمود! لقد كانت فيينا القلعة التي احتمت وراءها فرنسا وبريطانيا وبروسيا وإسبانيا، ووفَّر صمودها الوقت والفرصة لهذه القوى الصاعدة الناهضة لتؤسس أنظمتها السياسية والاقتصادية الجديدة التي ستجعل منها قوى عالمية ضخمة، ستبتلع فيما بعد الدولةَ العثمانيةَ ذاتَها!

فلو تصورنا أن فيينا قد فُتِحت في زمن سليمان القانوني أو في زمن محمد الرابع، لكان تاريخ الإسلام وأوروبا مختلفا تماما، ولكان الإسلام هو اليد العليا في أوروبا لقرن آخر على الأقل!

وحتى اللحظات الأخيرة في فتح القسطنطينية، كانت المدينة تبدو مستعصية، وقد هلك في فتحها عدد ضخم من الجنود العثمانيين، وعُرِض على السلطان الفاتح ما شاء من الأموال لكي يتراجع عن فتح المدينة، ولكن صموده وإصراره واستماتته في فتحها هو ما جعل الفتح ممكنًا، ولعل الله قد اطلع على إخلاصه وصدق عزيمته ففتح عليه بهذه الفكرة العسكرية العبقرية التي كانت سببا في الفتح، وهو تسيير السفن فوق الجبل في الخطة العسكرية المشهورة في فتح القسطنطينية، وأيده بهؤلاء الجنود الأشاوس الأبطال الذين تم على أيديهم النصر.

ولو تخيلنا أن القسطنطينية لم تُفْتَح في زمن الفاتح، لكانت النتائج أشد سوءا بكثير على مستوى انتشار الإسلام في شرق أوروبا، وعلى مستوى قوة الدولة العثمانية ونموها بالنسبة إلى بقية القوى الأوروبية الأخرى في ذلك الوقت.

تلك النتائج الفارقة التي نعيشها وتؤثر في تاريخ الإنسانية كله، كانت ثمرة صمود بذله الآحاد من الزعماء، أو العشرات من القادة!

نشر في مجلة أنصار النبي - مايو 20206



[1] الحاكم (4884) وقال: صحيح الإسناد. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (374).

[2] أحمد (22121)، الترمذي (2616)، وقال: حسن صحيح، النسائي (11394)، ابن ماجه (3973)، وصححه الألباني.

[3] البخاري (2642)، مسلم (1877).

[4] مسلم (2577).

[5] أحمد (11255) بإسناد حسن، الحاكم (7672) وصححه ووافقه الذهبي

[6] مسلم (2759).

[7] مايكل هارت، الخالدون مائة أعظمهم محمد ﷺ، ص13.

[8] الألباني، صحيح السيرة النبوية، ص144؛ إبراهيم العلي، صحيح السيرة النبوية، ص57. وجاءت رواية أخرى ضعيفة السند بذات المعنى ولكنها مشتهرة، وهي ما روى عنه ﷺ أنه قال: "يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته".

[9] البخاري (6544).

[10] البخاري (1388)، مسلم (20).

[11] ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 9/14 وما بعدها.

[12] ابن شداد، النوادر السلطانية، ص137، 138، 156 وما بعدها.

[13] ابن شداد، النوادر السلطانية، ص208؛ ستيفان رنسيمان، تاريخ الحروب الصليبية، ترجمة: السيد الباز العريني، (بيروت: دار الثقافة، 1997م)، 3/19 وما بعدها.

[14] رنيه غروسيه، موجز تاريخ الحروب الصليبية، ترجمة: د. أحمد إيبش، ط1 (أبو ظبي، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، 2014م)، ص66.

[15] ستانلي لين بول، تاريخ مصر في العصور الوسطى، ترجمة: د. أحمد سالم سالم، (القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 2014م)، ص402، 403.

[16] أحمد (6645)، والدارمي (486)، والحاكم (8301) وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.