الأحد، مايو 02، 2021

رمضان من أركان النظام السياسي الإسلامي

 




يتميز النظام السياسي الإسلامي على غيره من النظم، بأنه يقوم على أمريْن متوازييْن: تحديد صلاحيات السلطة، وتقوية المجتمع وتكتيله وشدّ روابطه.

إن الأزمة الأساسية في أي نظام سياسي تكمن في تفاوت ميزان القوة والقدرة بين السلطة والمجتمع، وهو ما يؤدي إلى تغول السلطة وميلاد الاستبداد والفساد، فكلما زاد الفارق بين قوة السلطة والمجتمع كلما كان هذا دليلا على نظام حكم طغياني، وكلما قلّ هذا الفارق كلما كان هذا مشيرا إلى مجتمع متوازن لا يعاني من بطش الحُكْم.

وبغض النظر عن كون النظام ملكيا أو جمهوريا، فحقيقة الأزمة ليست في الشكل وإنما في جوهر قدرة السلطة على الاستبداد بالمجتمع مع عجزه عن صدِّها وإيقافها عند حدِّها، فقد توجد أنظمة جمهورية أشد بطشا وطغيانا من أنظمة ملكية، ويمكن لهذه الأنظمة الجمهورية أن تمارس بطشها بفارق القوة العسكرية الخشنة وحدها، أو بمزيج من القوة العسكرية الخشنة والقوة الناعمة المتمثلة في الإعلام والثقافة والاقتصاد، حيث يجري في تلك المجالات تنظيم وترتيب النخبة الحاكمة وتدبير أمور الانتخابات ونتائجها.

ومن وجه آخر، فلربما كانت الأنظمة الملكية أنسب لبعض المجتمعات من أخرى، كأن يكون ذلك امتدادا لطبائع عريقة أو ثقافة سائدة أو ضرورات اجتماعية، فالمسألة الجوهرية والهمّ الأساسي في السعي إلى إيجاد النظام العادل ليس متعلقا بالشكل والأسلوب، وإنما يتعلق بكفاءة النظام السياسي في تحقيق العدالة والرشاد.

وإذا تجاوزنا طبيعة الأشكال والأساليب فسنجد أنفسنا أمام هذه الحقيقة، وهي: مدى قدرة السلطة على الانفراد بالمجتمع والطغيان فيه، ومدى قدرة المجتمع على إيقاف هذا التغول والتصدّي له.

لقد جاء الإسلام بالحل العظيم لهذه المعضلة، والذي يتمثل –كما أسلفنا- في تحديد صلاحيات السلطة ومجالات عملها، ويتمثل أيضا في تقوية المجتمع وتكتيله. بحيث يكون تجاوز السلطة لمساحات عملها تغولا يثير القلق والمقاومة وليس أمرا طبيعيا، وبحيث تكون لدى المجتمع القدرة الكافية على التصدي لهذا التغول والبطش.

وهذا الحل ليس مجرد وثيقة فكرية أو قانونية، بل هو نصوص قرآنية ونبوية تتمتع بالقداسة، ولها تأثيرها الروحي الهائل في مجتمع المؤمنين، فهي تتمتع بما لا يتمتع به دستور ولا قانون من القوة العملية في نفوس المجتمع. كما أن الأمر لم يتوقف عند مجرد النصوص وإنما تحول إلى منهج حياة، فقد رسم الإسلام طريقة حياة المسلمين بما يزيد دائما من قوتهم الاجتماعية وترابطهم المستمر.

وإذا نظرنا إلى شهر رمضان ضمن هذه الصورة، وما فرضه الله فيه من الصيام، وما سنَّه النبي من القيام، وما ندب إليه من عمل الخير، فسنجد أنفسنا أمام موسم عظيم لتقوية المجتمع وشدّ روابطه وتمتين أواصره.

إن الحالة الروحية التي يُغمر فيها المسلمون في شهر رمضان تقوي من قدرتهم على إصلاح أنفسهم، فالمسلم يرى نفسه كيف يستطيع أن يتخلص من أرسخ عاداته وأقواها، وهي عادات طعامه وشرابه، فإذا به يستطيع أن يقضي طيلة النهار بغير طعام ولا شراب مهما كانت قسوة الظروف. وهو ما يبعث فيه الثقة بالنفس واليقين بقدرته على أن يتغير لما هو أفضل، فإن القادر على كسر أقوى عاداته أقدر على ما دون ذلك من أسباب ضعفه وتراخيه.

كذلك فإن المسلم الذي يمتنع عن الطعام والشراب في السرّ والخلوة، يتذوق من جديد معنى مراقبة الله، فحتى الطفل الصغير في بيوت المسلمين تجده يتعرف على معنى مراقبة الله في شهر رمضان، فيمتنع من تلقاء نفسه عن أن يفسد صومه وإن أَمِنَ مراقبة الكبار. ولو تمكنت قيمة مراقبة الله والخشية منه في نفوس المسلمين فإنها تكون من أقوى عُدَّتهم في مواجهة أي ظلم أو فساد.

تلك الحالة الروحية التي تسود هذا الشهر، والتي يتذكر فيها المسلم الدار الآخرة، والتي يهون عليه فيها شأنُ الدنيا، هي التي تُعِدُّه إعدادا خاصا لكي يعيش في الدنيا وقلبه معلق بالآخرة، وما أوسع الفارق بين رجل انكبّ على الدنيا لا يفكر في غيرها، وبين رجل يعمل في الدنيا وهو يرجو الآخرة. إن هذا الرجل الثاني أصعب شيء يمكن أن تواجهه السلطة الظالمة!

هذا بعضُ ما يناله المسلم في نفسه إن هو أحسن العمل لله في هذا الشهر.

وفوق ذلك، يأتي ما يستفيده المجتمع كله، ذلك أن اجتماع المسلمين في وقت الصيام والإفطار والسحور والتراويح، يغرس فيهم هذا الشعور القوي بالأمة الواحدة، وبانتمائهم إلى نبيهم –صلى الله عليه وسلم- لتظل هذه الوحدة حقيقة قائمة مهما استطاعت أحوال السياسة تقسيمهم إلى دول وأقطار مختلفة. وهذا الشعور تزيد قوته في المجتمعات القريبة حيث يرى الناس بعضهم البعض في الصلوات وفي التراويح وفي إفطار العائلات، وفيما يتجدد من صلة الأرحام والزيارات المتبادلة، ومن محاولات الصلح بين المتخاصمين، وفي خروج الناس إلى الطرقات لبذل الإفطار للعابرين والعالقين، وفي تفقد الأيتام والأرامل والمساكين، وفي غير ذلك من المشاهد.

في كل تلك المشاهد تنبعث آفاق جديدة من التعاون على البر والتقوى، ومن نَظَرِ الناس في مصالحهم وأوجه تشاركهم، وهو ما يثمر في النهاية أعمالا ومؤسسات وروابط عائلية وثقافية واجتماعية وغيرها. وأدنى الثمرة هي ما يوجد من التعارف والتقارب والتصافي بين من لم يكن برنامجهم اليومي يسمح لهم لا باللقاء ولا بالتعارف.

قبل أن تغزونا الحداثة ومنتجاتها الفاسدة، كان الناس يجتمعون في ليل رمضان على تلاوة القرآن والمدائح النبوية، وعلى إطعام الطعام، وكان الأغنياء والعائلات والقبائل يتنافسون في عقد تلك المجالس وتزيينها بالقراء والعلماء والوُعَّاظ. ولئن كان الجيل القديم قد أدرك شيئا من هذه المظاهر فمن المؤسف أن الجيل الجديد قد فتح عينه ورمضان هو شهر الغزارة في المسلسلات والبرامج الضاحكة والعروض الفاسدة لقضاء رمضان في ضدِّ ما جعله الله له. وتلك من وسائل الشياطين –شياطين الجن والإنس- لمقاومة أثر هذا الشهر في نفوس المسلمين.

كان الأزهر الشريف يعطي إجازته للطلاب في شهر رمضان، فكان طلاب الأزهر يعودون إلى قراهم وبلدانهم ليكونوا نجوم الدعوة والعلم بين أهليهم، وكان اللصوص والمفسدون يتأدبون ويتهذبون في هذا الشهر فتراهم يصلون ويصومون ويمتنعون عما كانوا يفعلون مراعاة لحرمته، بل كان الذمّي من اليهود والنصارى يمتنع عن الجهر بالطعام والشراب مراعاة للذوق مع مجتمع المسلمين. فلما جاءت تلك الحداثة قلبت حال الناس فضغطت بثقلها على المتدينين بحيث صاروا ينتزعون أنفسهم بصعوبة من إغراء متابعة البهارج البراقة من البرامج والمسابقات والمسلسلات.

لماذا يُعَدُّ ويُخَزِّن كل هذا الفساد لإطلاقه في رمضان على وجه الخصوص؟ لماذا هذا الشهر وحده من بين الشهور جميعا؟!

إن هذا التركيز الخاص على إفساد هذا الشهر، جب أن ينبهنا إلى ما يخشاه المفسدون من آثار هذا الشهر على الفرد وعلى المجتمع، تلك المفاسد التي قيَّدت الناس أمام التلفاز وعرقلتهم عن الانطلاق إلى دروس العلم ومجالس الوعظ، بل وعرقلتهم عن تفقد أحوال عائلاتهم ومجتمعاتهم، وقبل ذلك وبعده أفسدت عليهم الروحانية الشاملة التي يمكن لها أن تقلب حياتهم لتصوغهم من جديد!

لا، ليست الحرب في هذا الشهر عبثية، بل هي مقصودة.. وإن الشياطين التي صُفِّدَت في رمضان قد أوحت إلى أوليائهم من شياطين الإنس، ماذا عليهم أن يفعلوا! وما أجدر شياطين الإنس أن يخافوا ويفزعوا، إنهم لأشد الناس رعبا من أن يتحرر الناس من الشهوات، وأن يجتمعوا فيزداد تكتلهم وترابطهم وتعاونهم، فحتى الذئب ذو الناب والمخلب لا يجرؤ على مهاجمة القطيع، وإنما يأكل الشاة القاصية.

الخميس، أبريل 01، 2021

سطوة الغالبين

 محمد إلهامي

لا تحسبنَّ الخضوع لسطوة الثقافة الغالبة محصورا في العامة والدهماء، بل هو أمرٌ لا يكاد ينجو منه أحد إلا من عصمه الله بعقل قوي وإرادة حديدية، وأولئك هم أولياء الحق الذين ينهضون به ويغالبون القوى السائدة، أولئك هم السابقون الأولون إلى كل نبيٍّ وكل مُصْلِح!

للغالب سطوة، وأعظم سطوته ما كان غير منظور ولا محسوس.. فلو أنك ذهبت إلى بلد يرسف أهله تحت الاحتلال أو تحت الاستبداد، ثم سألتَهم الرأي لوجدت أقلهم يقول: نرضاه، وأكثرهم يقول: نرفضه. ولكن إذا دققت في قناعاتهم وما ترسخ في نفوسهم من الأفكار والأنظمة والثقافة لوجدتها ذات ثقافة المحتل والمستبد، قد انطبعت فيهم حتى أنهم لا يشعرون بها، بل يحسبون ما ترسخ فيهم من هذه الآراء إنما هو من طبائع الحياة وسنن الكون، لا أمرًا خاصًّا بالمستبدين والمحتلين.

يُقضَى على المرء في أيام محنته .. حتى يرى حَسَنًا ما ليس بالحسن

وكثيرا جدًّا ما ترى المرء يعتنق فكرة ويرفضها في نفس الوقت، يعتنقها لأنها جاءت من الغالب فلبست سطوته واكتست بريقه، ويرفضها إذا وُجِدت عند المغلوب لأنها تلطخت بضعفه وهزلت بهزاله! وقد يكون رفض الرجل وقبوله لنفس الفكرة في ذات الصفحة التي يكتب فيها رأيه، ولا ينتبه هو لما يقع فيها من التناقض.

وهذا المسلك النفسي تردد في كلام أهل الحكمة، فيُنسب إلى عليٍّ رضي الله عنه قوله: "إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه"، ويُنسب إلى الشافعي قوله:

إن الغني وإن تكلّم بالخطأ .. قالوا: أصبت. وصدَّقوا ما قالا

وإذا الفقير أصاب، قالوا كلهم .. أخطأتَ يا هذا وقلتَ ضلالا

إن الدراهم في المجالس زينة .. تكسو الرجال مهابة وجلالا

فهي اللسان لمن أراد فصاحة .. وهي السنان لمن أراد قتالا

وأريد في هذه السطور أن ألفت النظر إلى أن هذا المسلك النفسي لا يقتصر على عوام الناس بل يشمل أيضا أهل الفكر والثقافة منهم، وسأضرب المثال بثلاثة رجال كانوا في زمانهم نجوما في الفكر والأدب، سجَّلوا في مذكراتهم هذه المواقف المتناقضة ولا يشعرون بتناقضهم فيها.

 

(1) أحمد أمين

ونبدأ بأحمد أمين..

وهو ذلك الأديب المعروف، المشهور بسلسلته عن فجر الإسلام وضحاه وظهره ويومه، فضلا عن رئاسته لجنة التأليف والنشر، ومقالاته التي كانت تنشر في صحافة العصر والتي جمعها في "فيض الخاطر" في عشر مجلدات.

لقد درس أحمد أمين بالأزهر فسجَّل نفوره من طريقة الأزهريين وقتها في التشقيق والتفريع والتطويل في شرح العبارة الواضحة وإيراد الإيرادات ثم الردّ عليها، وكيف أن هذه الطريقة تشرد بالذهن وتعسر في الفهم حتى يصير انتهاء الدرس متنفسا وأملا[1].

ولكن أحمد أمين، درس فيما بعد في مدرسة القضاء الشرعي (وهي مدرسة سُلِخَتْ من الأزهر وكانت من وسائل إضعافه)، وكان مديرها عاطف بك بركات وهو من قرابة سعد زغلول، وتستحق هذه المدرسة أن نتوقف عندها في مقام آخر لنرى دورها في علمنة الأزهريين وتغريبهم وإفساد القضاة الشرعيين، لكن الذي يهمنا الآن أن أحمد أمين كان معجبا بعاطف بركات إعجابا عظيما، وكان من مواطن إعجابه به قدرته العجيبة على التشقيق والتفريع والتطويل والجدل في الموضوع مهما كان بسيطا وواضحا، إلى الحد الذي يستسلم فيه محدثه له ضجرا من طول جداله[2]!

صفحاتٌ معدودات فصلت بين حديث أحمد أمين عن نفوره من طريقة الأزهريين وتطويلهم فيما لا طائل منه، وعن إعجابه بالقدرة السجالية والتفريع والتشقيق والجدل لدى عاطف بركات!

كان الأزهر في زمن غروبه وانحطاطه تحت سلطة الاحتلال الإنجليزي، بينما كان عاطف بركات وقريبه سعد زغلول نجوما بين نخبة العصر، فزمانهم في إقبال وزمن الأزهر في إدبار، فصار التشقيق والتفريع وابتكار الإيراد والردّ عليها مثلبة للأزهريين منقبة للعلمانيين.

وقد أُعْجِب أحمد أمين أيّما إعجاب بتمسك صاحبه عاطف بركات بالقانون، تمسكا لا هوادة معه ولا تسامح فيه، وسجَّل له في هذا مواقف هي في الحقيقة ليست إلا نوعا من الظاهرية الحرفية الجامدة والتشدد الذي لا معنى له، كرفضه قبول طالب في المدرسة تزيد سنّه عن السنّ القانونية، وبلغ في إبائه أن أصرّ على تعديل القانون وقبول كل من كان في سنّه، وكرفضه منح درجة مالية لشيخٍ أزهري مع موافقة الجميع على ذلك لأنه يرى غيره أحق منه[3].

ومع ذلك فقد تدخل عاطف بركات لمرتين على الأقل فتحايل على القانون ليحقق مصلحة تلميذه أحمد أمين، فحين تخرج وترتيبه السادس على زملائه لم يعبأ بالترتيب وعيَّنَه مع الثلاثة الأوائل مُدَرِّسًا مُتَجاوِزًا حقّ الرابع والخامس ومؤثرا لأحمد أمين وهو السادس! وحين رُفِض تعيين أحمد أمين في وظيفة المُدَرِّس الثابت للقِصَر الشديد في نظره تحايل له عاطف بركات ليُعَيَّن قاضيا –وهو أمر لا يحتاج لاختبار، بل يكون بمرسوم- فيكون موظفا ثابتا، ثم ينتقل إلى مدرسة القضاء مكتسبا هذه الميزة[4].

 ومع ذلك فقد أُعْجِب أحمد أمين بتمسكه بالقانون وثَمَّن له في ذات الوقت تحايله على القانون من أجله!! ولم يشعر بالتناقض بين موقفيه.

وأغرب من هذا أن عاطف بركات الذي كان ظاهريا في القانون شديد التمسك بنصوصه، لا يغفر زيادة شهور في السنّ أو زيادة قروش في الراتب، كان في نفس الوقت معتزليا في الدين، يُسَلِّط عقله على الآية والحديث، ويأبى إلا تحكيم العقل في أي شيء وكل شيء، وقد كان هو الذي أثَّر في أحمد أمين هذا التأثير[5]، ومن قرأ مذكرات أحمد أمين وابنه جلال أمين عرف أن أحمد أمين كان في مطلعه متبتلا عابدا حريصا على الدين، وانتهى في آخر عمره إلى أنه كان لا يصلي ولا يصوم ويرى الإيمان شعورا قلبيا[6]!

فتأمل كيف اجتمع لدى أحمد أمين إعجابه بمن يقدس نص القانون ويخضع لنصوصه دون اعتبار، وهو نفسه الذي لا يُسَلِّم للدين إلا أن يقتنع به عقله أو يلتمس للدين تأويلا؟!

 

(2) طه حسين

وأما طه حسين فأشد ذكاء، أو لنقل: أعظم خبثا من أحمد أمين؛ فأحمد أمين رجلٌ كسره الحزن فانطوى على نفسه ورضي بقدره، وأخذ من الدنيا ما سمحت له منها، وإذا انطوت نفسه على فكرة سعى في تنفيذها بهدوء، وتسلل إلى ذلك ما استطاع فإن قدر وإلا سكت. وأما طه حسين فقد حوَّل ما لقيه من عنت إلى طاقة انتقام وسخرية من مجتمعه وأهله، وإذا قدر فجر، وإذا عجز تلوَّن وتراجع مسرعا وأضمر.

لقد امتلأت مذكرات طه حسين "الأيام" بالسخط على الأزهر وما فيه، كما امتلأت بالإعجاب بالجامعة المصرية ثم الفرنسية وما فيها، وقد سَخَّر نفسه وأصحابه حينا من الدهر ليسخروا من الأزهر وهم في أروقته، فكانوا يجلسون فيه لا عمل لهم إلا ذلك، وكان يكتب في الصحافة يتهم شيوخ الأزهر كذبا، وغرَّهم حلم شيوخ الأزهر الذين كان آخر ما فعلوه معهم أن فصلوهم فصلا صوريا لا حقيقيا ليتأدبوا ويرتدعوا، وسائر هذا كتبه طه بنفسه في مذكراته، ولو أنهم فعلوا عشر معشار ذلك مع أساتذة الجامعة المصرية أو الفرنسية لوجدوا أنفسهم مطرودين بالقانون وبغير رحمة. ومع ذلك كله فقارئ مذكرات طه حسين يخرج منها وقد امتلأ سخطا على الأزهر وإعجابا بالجامعة وبفرنسا.

في أول عهد طه حسين بالأزهر، فاجأه الشيخ الذي سيمتحنه في حفظ القرآن بقوله "أَقْبِل يا أعمى"، وهي كلمة سيئة لا شك، وقد وقعت من نفسه وقعا سيئا، ولما انتهى من امتحانه قال له: "انصرف يا أعمى فتح الله عليك"، وقد كان لهاتيْن الكلمتيْن مذاقا مريرا أفسدا عليه فرحته بالنجاح في امتحان الأزهر[7].

وبعد زمنٍ، ذهب طه مع بعض رفاقه إلى شيخ يلقي الدروس في بيته، بعد أن غضبت عليه السلطة، وبينما الشيخ يشرح إذ اعترض طه على ما يقوله الشيخ، وجادله، يقول طه: "فلما طال الجدال غضب الشيخ وقال للفتى في حدة ساخرة: اسكت يا أعمى، ما أنت وذاك!. فغضب الفتى وأجاب الشيخ في حدة: إن طول اللسان لم يُثْبِتْ حقا ولم يمحُ باطلا. فوجم الشيخ ووجم الطلاب لحظة، ثم قال الشيخ لطلابه: انصرفوا اليوم فهذا يكفي"[8]. ولم يرجع بعدها طه إلى هذا الدرس.

وهكذا نرى طه قد استسلم في طفولته لهذه الإهانة، مع أننا لو حاولنا التأوَّل للشيخ الممتحن لوجدنا له سبيلا، إذ لا يُقال لمن يراد إهانته "فتح الله عليه"، ولكننا ندع التأويل، ونقبل رواية طه كما هي مع أنه ساخط على الأزهر مما قد يجرح روايته، ثم نراه في شبابه لم يسكت ولم يستسلم بل جادل وأطال الجدل، ولما ذُكِّر بهذا الأمر اشتدّ واحتدّ وردّ على الإهانة في بيت شيخه!

ولكن هذه الإهانة نفسها ذاتها ستتكرر عليه في أول عهده بدخول الجامعة المصرية، وفي أول عهده بجامعة مونبيلييه الفرنسية؛ فعندما بلغ باب الجامعة المصرية أُوقِف على بابها ومُنِع من أن يرافقه خادمه الذي يقوده، ولم تُجد مع صاحب الباب توسلات أصحابه ولا ضيق طه بذلك، فأدخله أصحابه، ثم دخلوا إلى أحمد زكي باشا سكرتير عام الجامعة يشتكون له ما فعله الحارس على الباب، فإذا بالباشا السكرتير يقف في صف الحارس ويقول لهم: "النظام هو النظام... ماذا نصنع وقد أراد الله لصاحبك ألا يشهد المحاضرات؟"[9].

واستسلم طه، استسلم في الوقت الذي كان لسانه سليطا وكان قلمه حديدا على شيوخ الأزهر، استسلم وهو في شبابه وعنفوانه، وامتص الإهانة ولولا أن له أصحاب أشفقوا عليه لحُرِم الانتساب للجامعة لهذه العاهة، هذه العاهة نفسها هي التي لم تمنعه من الانتساب للأزهر، بل كان في الأزهر ما يسمى "طائفة العميان". سخط طه أشد السخط على الأزهر وعلى الشيخ الذي قال له "يا أعمى" وأشفعها بـ "فتح الله عليك"، ولكنه لم يسخط مثل ذلك على الجامعة، مع أن الممتحن شيخ واحد وموقفه موقف عابر بينما موقف الجامعة موقف مؤسسة تكافل فيها صاحب السلطة الكبير مع البواب الصغير! بل رأى طه أيامه في الجامعة "عيدا متصلا... تختلف فيه ألوان اللذة والغبطة والرضا والأمل، كانت تخرجه من بيئته تلك الضيقة المقلقة في الأزهر"[10]. وفي مونبيليه، جلس طه بين زملائه دون أن يخلع قلنسوته، فسمع صوت الأستاذ يقول: "أيكون زميلك هذا مكفوفا؟... فإني أراه قد دخل الغرفة دون أن يرفع قلنسوته"[11].

ثم وجد طه صعوبة أخرى، ذلك أنه بعد أن تلقى دروس الجامعة أراد أن يكون في بعثتها إلى فرنسا، ولكن مجلس الجامعة رفض طلبه، وعرف طه حسين أن من أسباب الرفض كونه أعمى، فرفع إلى المجلس يطلب الاستثناء، ويقول فيه: "ولكن المجلس أجلّ عندي من أن يحسب لهذا الأمر حسابا، فإنه لا يمنعني أن أكون طالبا وأستاذا، بدليل أن المجلس نفسه يقبلني طالبا منتسبا في الجامعة؛ أسمع دروسها وأجوز امتحاناتها وأنال شهادتها، وإذا كانت الطبيعة قد حالت بيني وبين كثير من نعيم الحياة، فما ينبغي أن تكون الجامعة عونا للطبيعة على حرماني لذة الانتفاع بالعلم والنفع به"[12]، ثم يقترح طه على الجامعة أنه لن يطلب منها أجرا فوق العادة لنفقة من يرعاه ويكفله، وإنما سيتكفل هو بضغط نفقاته ليكتفي بما يُنفق على الطالب الواحد[13].

وبعد معاناة مع الجامعة، ومعاناة في النفقة، تمّ لطه ما أراد!

لكن الذي يلفت النظر هنا أن طه كان متذللا للجامعة الظالم قانونها، حريصا على احترام هذا القانون، في ذات الوقت الذي كان فيه ساخطا على الأزهر مع أن الأزهر يُعامِل العميان فيه بمزايا لا تتوفّر للمبصرين. لم ير طه في زمن إدبار الأزهر وزمن إقبال الجامعة هذه المنقبة للأزهر ولا هذه المثلبة للجامعة.

وأمرٌ آخر، فإن طه الذي تعلق بالجامعة وشغف بها، وعانى معها ما عاني في الدراسة فيها ثم في التماس موافقتها وأموالها للإنفاق على بعثته، لم يتوقف كثيرا عند فضل الأزهر الذي كان طُلّابه يُنفَق عليهم فيه، فيأخذون العلم والنفقة معا. ولئن كانت النفقة قليلة على طلاب الأزهر في وقته، فإنما هذه هي آثار الحملة الفرنسية والدولة العلوية والاحتلال الإنجليزي، فكلهم حَطَّم أوقاف الأزهر وانتهبها ولم يُبْق له إلا الفُتات منها. ومع هذا، فإن الفتات الباقي كان نعمة وفضلا لم يوجد مثله لا في الجامعة ولا في فرنسا، فكلا الجامعتيْن طلبت المال ممن طلب منها العلم، ولم تقبل أن تبذل العلم حبا وكرامة، فضلا عن أن تنفق هي على طلبتها!

اشترطت الجامعة المصرية على من يستمع لدروسها أن يدفع جنيها، وهذا مبلغ ضخم في ذلك الوقت، يساوي ثلث راتب شيخ من شيوخ الأزهر، يقول طه: "فأدَّى كلٌّ منهم (هو وأصحابه) ذلك الجنيه الذي لم يكن بدٌّ من أدائه ليؤذن له بالاستماع إلى الدروس. وكان غريبا عند هؤلاء الفتية أن يشتروا العلم بالمال وإن كان قليلا، فهم لم يتعودوا ذلك ولم يألفوه، وإنما تعودوا أن يُرزقوا أرغفة في كل يوم ليطلبوا العلم في الأزهر، وقد وجدا بعض ما يُقيم الأود. وكان أداء ذلك الجنيه عليهم عسيرا، ولكنهم أحبوا دروس الجامعة بمقدار ما وجدوا من العُسْر في أداء ثمنها"[14].

هذا هو إذن، حبهم لدروس الجامعة حملهم على بذل المال مع العسر، فلم تكن الجامعة كلها خيرا ولا كان الأزهر كله شرا، ولكن الدنيا إذا أقبلت على الجامعة كستها محاسن غيرها، وإذا أدبرت عن الأزهر سلبته محاسن نفسه!

لقد كانت دروس الجامعة، كما روى طه نفسه، هي التي باعدت بينه وبين الأزهر، لا كمعهد علمي بل كصرح ديني، فهو لم ينفر من دروس الأزهر، بل تعمد في ذلك اليوم ألا يقوم إلى الصلاة[15].

حتى صعوبة المواد التي لطالما تفنن طه حسين في وصفها ساخطا على الأزهر، وجد مثلها حين أراد أن يتعلم الفرنسية، يقول عن أول درس سمعه في الأدب الفرنسي: "فدخلا غرفة الدرس ولبثا فيها ساعة كاملة لم يفهما فيها حرفا مما سمعا، ولم يُميزا منه إلا لفظًا واحدا هو لافونتين الذي كان يتردد كثيرا جدا على لسان الأستاذ. ثم انصرفا بعد ذلك ولم يحفظا من أمر هذه الساعة إلا أنهما سمياها سجن لافونتين. وقد كان لهذه الساعة مع ذلك في حياتهما أثر أي أثر؛ فأما المرصفي فعدل عن الجامعة، وأعرض عنها وعن دروسها وامتحاناتها... وأما الفتى فأزمع أن يتعلم الفرنسية حتى لا يعود إلى سجن لافونتين، وكانت له في تعلم هذه اللغة خطوب أي خطوب"[16].

وهكذا ترى كيف أن نفس الدرس قد صَرَفَ زميله المرصفي عن الجامعة كلها بينما صرفه هو إلى العزم على تعلم اللغة الفرنسية، وبهذا ترى أن الصعوبة في نفسها ليست مُنَفِّرةً بالضرورة، ولكن غلبة الثقافة الغربية تجعل صعوبة الفرنسية تحديا يستحق الصبر فيه، وانهزام الثقافة الإسلامية تجعل صعوبة اللغة العربية جمودا يُزَهِّد فيها ويُنادى على "التجديد" في أساليبها!

 

الخلاصة:

كان في النية أن نسرد مواقف أخرى لآخرين، لنثبت بها أن شأن الغالب والمغلوب لا يتوقف عند عموم الناس ممن ليست لهم عدة من الثقافة والنظر والتعقل، بل يشمل نجوم الموصوفين بالفكر والثقافة، ثم رأينا هذا المقال قد طال.. فلعلنا أن نواصل ذلك في مقالات قادمة إن شاء الله.

وصدق الشاعر:

عطس الغني فقال ممن حوله .. رحم الإله حبيبنا وأخانا

وأتى الفقير بعطسةٍ فتأففوا .. من ذا الذي بزكامه آذانا




[1] أحمد أمين، حياتي، (القاهرة: كلمات عربية، 2011م)، ص54، 55.

[2] حياتي، ص97.

[3] حياتي، ص98.

[4] حياتي، ص97، 100.

[5] حياتي، ص97.

[6] حياتي، ص49؛ أحمد أمين، فيض الخاطر، (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2012)، 6/45 وما بعدها؛ جلال أمين، ماذا علمتني الحياة، ط2 (القاهرة: دار الشروق، 2007م)، ص303.

[7] طه حسين، الأيام، (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2013م)، ص165.

[8] الأيام، ص196.

[9] الأيام، ص242.

[10] الأيام، ص243.

[11] الأيام، ص242.

[12] الأيام، ص259.

[13] الأيام، ص259.

[14] الأيام، ص219.

[15] الأيام، ص219، 223 وما بعدها.

[16] الأيام، ص252.

الخميس، مارس 25، 2021

من نوال السعداوي إلى سورة الجاثية

 بعد أيام من قراءة المضحكات المبكيات في وفاة #نوال_السعداوي، ساقني الله تعالى لقراءة سورة الجاثية.. فكانت شفاءً ونورًا وهدىً ورحمة..


"الجاثية"

يُصَوِّر لك هذا اللفظ حالة الشخص الرث الذليل النادم، الذي يجثو على ركبتيه، مُنْهارٌ أمام الخوف الهائل، لا يصمد أن يقف ولا يملك أن يرقد، تتعلق عيناه وقلبه أمام هذا الحال الحائل، والشغل الشاغل!

وتدور السورة حول موضوع واحد: موضوع اتباع الهوى مهما تكاثرت الأدلة!

فإذا هذا الذي جثا يوم القيامة في تلك الحال الرثة المَهينة، كان في الدنيا في حال آخر، كان مُتَّبِعًا لهواه، فمهما جاءته الأدلة وحاصرته البراهين والشواهد، التمس لنفسه الخروج منها:

يخرج منها أحيانا بطلب المستحيل (وإذا تُتْلَى عليهم آياتنا ما كان حُجَّتَهم إلا أن قالوا: ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين).

ويخرج منها أحيانا بدعوى أن الأمر ليس مؤكدًا، ولا يزال فيه شكّ، ولا يزال فيه خلاف (وإذا قيل إنّ وعد الله حق، والساعة لا ريب فيها. قلتم: ما ندري ما الساعة؟ إن نظنّ إلا ظنًّا، وما نحن بِمُسْتَيْقِنين).

ويخرج منها أحيانا بدافع الحسد والبغي، بلا سبب (وآتيناهم بيّنات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم).

وأحيانا لا يجد شيئا يفعله أمام آيات الله، فيأخذ في الهروب منها بالسخرية، (وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هُزُوا).

وهكذا كان حاله في الدنيا، متهربٌ من كل ما يخالف هواه، يلتمس لنفسه المبررات، يتشدد في طلب الدليل فإذا جاءه الدليل الظاهر لم يؤثر فيه (يسمع آيات الله تُتْلَى عليه، ثم يُصِرّ مسْتَكْبرًا، كأن لم يسمعها)!

ولذلك وصف الله تعالى هذا الصنف بأنه (أَفَّاكٌ أثيم)، كثير الإفك، كثير الإثم!

وكشف الله خبيئة هذا النوع من البشر، فعَرَّى عنهم رداء العقل والمنطق، وأسلوب السخرية ومظهر الكبر، فأخبر تعالى عن السرّ الخطير، قال تعالى (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه، وخَتَم الله على سمعه وقلبه، وجَعل على بصره غشاوة. فمن يهديه من بعد الله؟!)

هذا هو إذن، ذلك الهوى الكامن في النفس، هو الذي هيمن عليها وساد وسيطر، حتى صار إلها خفيا، فما رضيه هذا الهوى فهو الحق، وما كرهه هذا الهوى فهو الباطل.

وتلك الحال شرحها الحديث المشهور، حديث عرض الفتن على القلوب، وفيه يقول نبينا -صلى الله عليه وسلم- "تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير، عودًا عودًا، فأيما قلب أُشْربها نُكِتَتْ فيه نُكْتَةٌ سوداء، وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة سوداء، حتى تصير على قلبين: أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، وأسودَ مِرْبادًا، كالكوز مُجَخِّيًّا (أي: مقلوبا)، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أُشْرب من هواه".

فالمعروف والمنكر عنده مرتبط بذوقه ومزاجه، فما التذّ به فهو معروف، وما كرهه فهو منكر!!.. ذلك هو إله الهوى!

ومن أعجب ما يبثه إله الهوى في نفس صاحبه، تلك الحيلة الغريبة العجيبة التي لا تستقيم في عقل ولا منطق، إنه يوحي لصاحبه أنه سينال في النهاية ثواب المؤمنين أيضا.. كيف؟! لا أحد يعرف، ولكن لا بد أن يكون كذلك، فغير مقبول -عند إله الهوى- أن تكون النهاية هي الجحيم والعذاب والنار.. لا، لا بد من أن يحدث شيء، لا بد أن تكون ثمة وسيلة وطريقة ومخرج، بحيث إذا تحقق ما يقوله هؤلاء المؤمنون (المتطرفون) فإننا سننجو!

ولذلك تصدمهم الآية التي تقول: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات، سواء، محياهم ومماتهم؟! ساء ما يحكمون * وخلق الله السموات والأرض بالحق، ولتُجْزَى كل نفس بما كسبت، وهم لا يُظْلَمون)

لذلك كله، تشعر حين تقرأ هذه السورة أنها تعلن الحرب على هذا الصنف من الناس، وتحاصره بالأدلة التي تهدم عليه بناءات الهوى في نفسه، وتُقَلِّب اللهجة بين الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وحشد الدلائل عليه لئلا يبقى له مهرب!

تبدأ السورة بتدفق منهمر عن آيات الله في السموات والأرض والخلق والدواب والليل والنهار والمطر والرياح، ثم تقف فجأة لتنكر على من يتهرب من هذه الآيات أو يستعمل السخرية وتخبره بالعذاب العظيم المهين الذي ينتظره!

ثم تستأنف السورة آيات الله في البحر والفلك وما في السموات والأرض مما سُخِّر للإنسان، ثم تقف فجأة لتثبيت المؤمنين إذ يتعرضون للأذى من هؤلاء، فتخبرهم أن الله سيجزي كل قوم (بما كانوا يكسبون * من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون).

ثم تذهب السورة إلى مثال آخر من أمثلة اتباع الهوى، وتمزجه بتثبيت المؤمنين، ذلك مثال بني إسرائيل حين جاءهم العلم بالنبي وصفته، ولكنهم حسدا وبغيا كفروا به (وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم، إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون * ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون).

ثم يبدأ نصف الصورة الثاني في بيان حال الذين اتبعوا أهواءهم يوم القيامة.. تلك الحالة التي مَهَّدَ لها اسم السورة.. حالة الجثو على الركب في المشهد المهين الذليل، حين يتحول ذلك المستكبِر الساخر إلى رثٍّ ضئيل!! يرنو ببصره ويرهف سمعه ويتعلق قلبه فلا يسمع إلا ما يصدمه ويرعبه:

(هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون)
(أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين؟)
(اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين)
(ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هُزُوا، وغرّتكم الحياة الدنيا، فاليوم لا يُخرجون منها)

وتُخْتَم السورة بهذا الختام الرهيب.. ختام الذي يُلقي في روع القارئ روعة من الخشية والرهبة.. ختام يشعر الإنسان فيه بضآلته وصغره وهوانه وقلّته في هذا الكون الرهيب، وأمام الله خالق الوجود والمهيمن عليه.

(فلله الحمد، رب السموات ورب الأرض، رب العالمين * وله الكبرياء في السموات والأرض، وهو العزيز الحكيم).

إن الإنسان لَيَعرف من نفسه أنه صغير قليل ضئيل، أقل من ذرة في عاصفة، وأقل من قطرة في بحر.. هذا الزمان الذي يُحسب بملايين السنين على هذه الأرض وحدها لا يشغل الإنسان منه إلا حيّز سبعين سنة أو ثمانين أو حتى مائة.. أين تذهب هذه المائة من تلك الملايين التي تعد بالمئات؟!

فهذا اتساع الزمان..

وأما اتساع المكان، فماذا يشغل الإنسان من حيِّز هذه الأرض؟!.. وماذا تشغل هذه الأرض من حيِّز هذا الكون؟! إنه فعلا أقل من حبة رمل في صحراء شاسعة، وأضأل من ذرة تهيم في فضاء فسيح؟!

وبرغم هذا، يتضخم الإنسان في نفسه، يريد أن يطاول الإله ويصاوله ويحادده، فتراه يجادل في أوامر الله ونواهيه وأحكامه كأنما هو نِدٍّ أو كأنّ له من الأمر شيء؟!

هذا المخلوق قضى دهرا من عمره تقلبه يد أمه أو مربيته، فتسمح عنه أوساخه وتنظفه وتطعمه وتسقيه، ولا يملك لنفسه شيئا، بل لا يملك أن يدفع عن نفسه شيئا لو أراده أحدٌ بأذى!

وهو نفسه إذا طال به العمر عاد ضعيفا متهالكا تقلبه أيدي الخدم والأبناء وزوجات الأبناء يمسحون عنه ما يتساقط من فمه أو حتى ما يتساقط من بوله وعذرته!

فلو حسبنا وقت قوته واستغنائه عن الناس ما تجاوز ثلاثين سنة أو أربعين على الأكثر، ولو حسبنا مساحة نفوذه وحكمه وتأثيره ما بلغت في أقصاها حكم دولة من الدول..

ومع ذلك، فهو عند ذروة قوته وتمكنه، يخضع لطبيب يسقيه الدواء المر ويفتح له جسمه ويجبر له عظامه، ويخضع لموظفيه الذين يرفعون له التقارير والتوصيات والمحاذير.. فما لهذا الإنسان -على الحقيقة- ولا لحظة واحدة يستغني فيها بقوته عن الناس كلهم!

فمن أين يأتي هذا المخلوق بكل هذا الكبر لكي يناكف آيات الله، يريد منها أن توافق هواه.. فيسرح ويمرح يريد أن يلويها ويعتسفها ويتكلف أن ترضيه، فإن لم يستطع كانت لديه الجرأة ليتحدث عن قراءة جديدة وتفسير جديد أو عن تجديد الدين وخطابه وتطويره ليوافق ما يريد؟!

افتح المصحف.. واقرأ سورة الجاثية.. وتأملها! وتأملها!

فإن في القرآن شفاء.