السبت، يوليو 24، 2021

عن كتاب "نقد التقليد الكنسي"

لست باحثا في مجال الأديان، ولا أنوي أن أكون، ولم أعرف بكتاب "نقد التقليد الكنسي" إلا من خلال التحريض الكنسي عليه، وهو التحريض الذي استجاب له السيسي فصدر الأمر بمصادرة الكتاب!

وأول ما سمعتُه عن الكتاب كان هو هذا التحريض الكنسي لأحد آباء الكنيسة المصرية "أغاثون، أسقف المنيا" واستفزني منه عبارتان على وجه التحديد، وهما:

1. قوله: أن هذا الكتاب لا يمكن أن يكتبه مسلم، لأنه لا يمكن للمسلم أن يحيط بهذه التفاصيل!

2. قوله: هذا الكتاب جعل الكنيسة المصرية صفرا وهدم كل ما قامت عليه!

ثم هدد بأن بقاء الكتاب قد يشعل فتنة طائفية، ولأن السيسي يمكن أن يفرط في أي شئ إلا في بقاء الكنيسة قوة في ظهره فقد استجاب سريعا

وهكذا ترى عزيزي المسلم في مصر أن الكتب التي تسب الإسلام تُطبع طباعة فاخرة، بما في ذلك كتب التنصير التي تطبعها الكنيسة نفسها، وكتب الإلحاد، بل إنك لتجد كبار العلمانيين والملحدين والمشككين في القرآن والسنة والصحابة أصحاب برامج على القنوات المصرية.. بينما باحث مسلم يتخوف من مصادرة كتابه إذا كتب في نقد المسيحية، دين الأقلية التي لا تتجاوز 5%.

بالمناسبة: من الضروري يا أيها القارئ أن تتذكر جيدا أن كاتب هذا الكتاب ليس سلفيا وهابيا، وليس إخوانيا معارضا، إنه أزهري.. نعم، كما تقرأ الآن، أزهري ينتسب إلى الأزهر الشريف.. هذا الأزهر الذي لطالما استعملته السلطة كغطاء لها في حرب الإسلام، فألبسته ثياب الاعتدال والوسطية كأنهما حكر عليه ولا يخرجان عنه!!

فكاتب الكتاب أزهري، وممن قدَّموا له أستاذ بالأزهر..

ولكن، لا قيمة للأزهر -قلعة الوسطية والاعتدال والاستنارة- إذا غضبت الكنيسة، فليُصادر الكتاب ولو كان كاتبه أزهريا، ولو كان الذي يزكيه من أساتذة الأزهر!!

قصة الأقباط في مصر قصة طويلة ومريرة ولا يتسع لها المقام، إنهم حقا أسعد أقلية في العالم.. ومن رأى منكم دولة تُصادَر فيها الكتب العلمية لأنها تغضب الأقلية، فليخبرنا مشكورا مأجورا.

لنعد إلى غرض هذا المنشور.. وغرضه أني قرأت من الكتاب مائة صفحة، وهي حوالي ربع الكتاب.. وهو غاية ما أستطيعه في ظل انشغالي بأمور أخرى، ولولا استفزاز هذا الكاهن ما تحمست لقراءته!

ولقد كنتُ منتبها في قراءته لأمريْن؛ أولهما: لغة الكاتب وهل يمكن أن يتطرق الشك لكون الكاتب ليس هو نفسه؟ وثانيهما: هل يمكن أن يبلغ كتاب من الخطورة بحيث يكون تهديدا وهدما لكل الكنيسة المصرية؟!

فأما لغة الكتاب فلا شك عندي في أن صاحب الكتاب هو صاحبها، فللأزهريين لغة معروفة، فيها مسحة أصيلة من علم الكلام الذي يدرسونه، وطريقة صياغاتهم في التعبير عن المعاني لا تزال واضحة.. وهي تفارق -بوضوح- طريقة الباحثين من غير الأزهريين ممن تخرجوا في الجامعات المدنية! وهذا أمر لا أستطيع التعبير عنه، ولكنه أمر يتذوقه بسهولة من يمارس الكتب والبحوث!

ثم إن المؤلف كان حريصا على اللغة العلمية الهادئة، فلم ينجرف إلى السخرية والاستهزاء، مع أن بعض المواطن تشد القارئ شدًّا لكتابة تعليق ساخر.. بل كان الرجل من الحساسية بحيث أنه لما نقل نقلا عن الأستاذ علي الريس تحفظ على كلمة ساخرة قالها علي الريس في الحاشية!!!

ومع أصالة لغة المؤلف التي تظهر فيها طريقته الأزهرية، فإن المؤلف قليلا بل نادرا ما تكلم.. إن الكتاب هو حشد من الاقتباسات، ومن المراجع الكنسية المعتمدة، وما فعل هو إلا أن ربط بينها بعبارة أو بعض عبارة!!

وأما أن الكتاب يهدم الكنيسة -كما قال أغاثون- فأمرٌ يكاد يكون صحيحا.. وإنما أقول "يكاد" لأني لست من أهل هذا المجال وأتحفظ أن أدخل فيما ليس لي به علم!!

ولكنني مع كل صفحة من الكتاب أزداد اندهاشا..

إن النقد العلماني والاستشراقي المتوجه لعلم الحديث النبوي الشريف، قد أجبرنا أن نخوض بعض الحوارات في شأن الحديث وطريقة روايته وأسانيده وعلله.. وفي كل مرة كان يثبت بغير شك أن علم الحديث بناء شامخ صلب متين، وأن نقد العلماء المسلمين للمرويات وطرائقهم في تصحيح الحديث وتنقيحه هي غاية ما يمكن أن يصل إليه عقل بشر أو مجهودهم.. وأبسط دليل على هذا هو أننا لو عاملنا الأخبار التاريخية بمنهج المحدثين لانهار التاريخ كله ولم تصح منه رواية واحدة!!!

ولذلك لا يمكن كتابة أي تاريخ وفقا لمنهج المحدثين.. بل إنني أحيانا يداخلني الغيظ من هذا التشدد الحديثي!!

عندما قرأت كتاب "نقد التقليد الكنسي" كنت أهتف من أعماق قلبي: أين العلمانيون والمستشرقون من هذا؟!.. أين هم من هذه المعلومات المتناثرة التي لا يصلح لها حتى أن توصف بالروايات المهلهلة.. إن أصول الدين نفسها معرضة للنقد بسهولة، فصاحب الإنجيل لا يُعرف من هو على وجه التحديد، ولا يعرف تاريخ مولده ولا وفاته على وجه التحديد، ولا يعرف هل زار مصر أم لا، ولا يعرف هل هو من الرسل السبعين ليسوع أم لا.. وكل المعروف عنه معلومتان أو ثلاثة، ثم بُنِي حولهما بناء ضخم.. مع الأخذ في الاعتبار أنه لا يمكن الجزم بأن هاتين المعلومتين يخصان مرقص كاتب الإنجيل، فربما كانتا عن مرقص آخر!!

إن الكتاب يصيب بالدوار حقا..

ومن الغريب أن الكاتب لا يتكلم من تلقاء نفسه، بل يحشد المقولات المسيحية من المراجع المعتمدة المشهورة التي تؤخذ منها أصالة هذه المعلومات.. وبعض هذه المراجع التي أخذ منها هي المراجع التي توصي الكنيسة بقراءتها!!

وبعض النقاشات والأقوال هي لرؤوس الكنيسة الذين تولوا كرسي البطريركية مثل الراحل شنودة!

إن الكتاب يضع المسيحي في محنة حقا.. ولكن الأهم من هذا أنه دليل جديد يُرسِّخ في وعي المسلم أن كبار أهل الكتاب وعلماءهم يعرفون مقدار ما هم عليه من الباطل، ويدركون هشاشة ما يستندون عليه من الأدلة، فما هي إلا ظنون أو أوهام!

على العلماني أو المستشرق أو التنصيري الذي يأتي ليجادل المسلمين في علم الحديث وتدقيقهم في المصادر، أن يأخذ جولة عند النصارى إن كان يهمه بالفعل طلب الحق والوصول إلى الحقيقة.. أما أن يترك الخشبة التي في عينيه ويأتي ليبصر الذي يظنه قذى عندنا فهو دليل على أن طلب الحق هو آخر ما يريد!!


الجمعة، يوليو 09، 2021

سنن تاريخية في تحرير بيت المقدس


 

يمكن إيجاز تاريخ بيت المقدس في العصر الإسلامي في ست مراحل كبرى فاصلة:

1.    مرحلة الفتح التي كانت في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صدر الإسلام، في العقد الثاني من القرن الأول الهجري، وبالتحديد في ربيع الآخر 16ه.

2.    ثم مرحلة الاحتلال الصليبي التي جرت في أواخر القرن الخامس الهجري، وبالتحديد في 492ه.

3.    ثم مرحلة التحرير التي جرت على يد السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي أواخر القرن السادس الهجري بعد تسعين عاما من الاحتلال الصليبي، وبالتحديد في رجب 583ه.

4.    ثم مرحلة الضياع مرة أخرى التي جرت على يد الأيوبيين المتأخرين: الملك الكامل الأيوبي –وهو ابن أخي صلاح الدين- ثم الناصر داود وهو ابن أخي الملك الكامل، وذلك في النصف الأول من القرن السابع الهجري، وبالتحديد في 624ه، و641ه على التوالي.

5.    ثم مرحلة استرجاعه مرة أخرى على يد الملك الصالح نجم الدين أيوب بالتحالف مع الجيش الخوارزمي بعد سنة من ضياعه، وبالتحديد في 642ه.

6.    ثم مرحلة الضياع مرة أخرى في العصر الحديث على يد قوات الاحتلال الإنجليزي بعد سبعة قرون، وبالتحديد في 1917م ( = 1366ه)، ثم الاجتياح الإسرائيلي للنصف الشرقي من المدينة المقدس 1967م ( = 1387ه).

ولم يزل المسلمون ينتظرون المرحلة السابعة، مرحلة التحرير من الاحتلال الصهيوني، نسأل الله أن يكون قريبا، وأن نكون من جند هذا التحرير.

ومن أبرز ما يُلاحَظ، من خلال التأمل في هذا التاريخ، أن بيت المقدس يبدو كدُرَّة التاج، أو كالقلب من الضلوع، لا يمكن الوصول إليها ولا الظفر بها إلا بعد المرور بالعواصم المهمة المحيطة بها، بمعنى أن احتلال بيت المقدس أو تحريره إنما هو الثمرة الأخيرة لتاريخ من الكفاح والنضال للسيطرة على العواصم السياسية المهيمنة على بيت المقدس.

 

أولا: الفتح

لما خرجت الجيوش الإسلامية الفاتحة إلى الشام، وكانوا خمسة جيوش، كانوا يستهدفون بهذه القسمة تشتيت جيش الروم الضخم وتقسيمه إلى خمسة كذلك، فقد كان جيش الروم عشرة أضعاف الجيش المسلم، ولهذا حاول أبو بكر من خلال توجيه خمسة جيوش أن يستدرج هرقل –قيصر الروم- إلى إخراج خمسة جيوش مقابلة لكي ينكسر هذا التفوق العددي الهائل، ولكن هرقل فطن لهذه الخطة فأرسل قطعة من جيشه في مقابلة جيش عمرو بن العاص في جنوب فلسطين، وأبقى بقية الجيش ككتلة واحدة، ولم يكن هذا الجيش يستهدف استرجاع المناطق التي فتحها المسلمون، وإنما استهدف تطويق الجيش المسلم، فكان يتوغل إلى الجنوب، وهو الأمر الخطير الذي كان يُجبر المسلمين على ترك ما فتحوه والعودة جنوبا حتى لا يجري تطويقهم وقطع الطريق عليهم، ولهذا تكررت في فتوح الشام أن يفتح المسلمون البلد أكثر من مرة، وأن يعيدوا الجزية التي أخذوها من أهل هذا البلد، كما تكرر أيضا أن ينتقض بعض البلاد على المسلمين حين يتصورون أن انسحابهم كان ضعفا.

ما يهمنا في سياقنا هذا أن عاصمة الشام دمشق فُتِحَت قبل فتح بيت المقدس بعاميْن، فقد كان فتح دمشق (الأحد: 15 رجب 14 هـ = 5 سبتمبر 635م)، بينما كان فتح بيت المقدس (ربيع الآخر 16هـ = مايو 637م).

وبعدما فتح المسلمون دمشق، اضطروا للانسحاب منها لئلا يطوقهم الروم، ثم خاضوا المعركة الكبرى مع جيش الروم الرئيسي، وهي اليرموك بعد عام من فتح دمشق (رجب 15ه)، ولما نصرهم الله النصر الكبير فيها انفتح الطريق إلى بيت المقدس وفُتِحت بعد اليرموك بتسعة أشهر.

لو كان الصحابة مجموعة من الدراويش لكان حرصهم على فتح بيت المقدس أشد من حرصهم على فتح دمشق، فبيت المقدس هي القبلة الأولى ومسرى النبي وفيها صلى النبي بالأنبياء، إلا أنهم كانوا أهل عقل وحكمة وسياسة وتدبير، وقد عرفوا أن الطريق إلى بيت المقدس لا بد أن يمر بدمشق.

 

ثانيا: التحرير

وفي التحرير الصلاحي لبيت المقدس سنرى ذات السنة جارية مضطردة، فقد انبعث عماد الدين زنكي واستطاع أن يستقطع لنفسه إمارة في منطقة الموصل ثم حلب، ومن هذه البقعة بدأت معركة تحرير بيت المقدس مع الصليبيين، واستطاع عماد الدين زنكي أن يقضي على واحدة من الإمارات الصليبية، وهي إمارة الرها، ولكنه لم يستطع أن يفعل أكثر من ذلك.. لسبب بسيط، أنه لا بد له من دمشق! وهو الأمر الذي قُتِل قبل أن يحققه، ثم استطاع بعده ابنه نور الدين أن يحقق هذه الأمنية ويستولي على دمشق في عمليةٍ أشبه بالثورة الشعبية والانقلاب الناعم، وذلك في (549ه)، أي قبل أربع وثلاثين سنة من تحرير بيت المقدس.

واشتعلت بعدئذ معركة محمومة بين المسلمين بقيادة نور الدين وبين الصليبيين للسيطرة على القاهرة، وكانت آنئذ أثرى بلاد المسلمين وأغناها، وكانت تحت حكم العبيديين (الفاطميين)، وكان واضحا للجميع أن من استطاع أخذ مصر فقد حسم المعركة لصالحه، وجرت فصول عديدة انتهت بقدرة نور الدين السيطرة على مصر في (564هـ) أي قبل تسع عشرة سنة من تحرير بيت المقدس. وفي القاهرة استطاع نائب نور الدين –أسد الدين شيركوه، ثم صلاح الدين- إنهاء الدولة الفاطمية وتوحيد مصر والشام (567ه) أي قبل ست عشرة سنة من تحرير بيت المقدس.

ولكن نور الدين تُوفي، وجرت فصول كثيرة هددت الشام بالعودة إلى التمزق مرة أخرى، وحينئذ ردَّت مصر جميل الشام، فانطلق منها صلاح الدين ليعيد الوحدة المهددة، واستطاع أن يكون سيد الشام وأن يحرر دمشق من أمرائها الفاسدين الذين عادوا للتحالف مع الفرنجة (570ه) أي قبل ثلاث عشرة سنة من تحرير بيت المقدس.

عندئذ صارت مسألة بيت المقدس مجرد وقت، وهو ما تحقق فعلا وتحررت (رجب 583ه) على يد سلطان مصر والشام الملك الناصر أبو المظفر صلاح الدين الأيوبي.

ما كان بالإمكان أن تتحرر بيت المقدس دون عواصم مصر والشام: القاهرة ودمشق، وما كان ممكنا إخراج جيش التحرير وفي الشام أمراء يسيطرون على مدنها ومواردها ورجالها ويستطيعون عقد العهود والاتفاقيات مع الصليبيين، فيأكلون أموال البلاد والعباد ويجندونها في خدمة مصالحهم بل وفي خدمة الصليبيين.

لقد قضى صلاح الدين الأيوبي وحده في رحلة تحرير بيت المقدس عشرين عاما، كانت ثلاثة أرباعها في تحرير الديار الإسلامية من الأمراء الفاسدين والمتعاونين مع الصليبيين في مصر والشام، وذلك أنه وصل إلى مصر ضمن جيش عمه أسد الدين (564ه) فقضى خمس سنوات في إصلاح حالها، ومنها تمدد إلى برقة والمغرب الأدنى وإلى اليمن كذلك، ثم جاءت وفاة نور الدين (569ه) لتهدد ما جرى إنجازه على يد أمراء الشام الذين أعادوا التواصل مع الصليبيين بل وأطلقوا لهم الأسرى وبذلوا لهم الجزية مرة أخرى، فنهض صلاح الدين من مصر ليعيد توحيد الشام، وظل في شغل بهذا الأمر لمدة أحد عشر عاما حتى (580ه)، ولم يستغرق أمر فتح بيت المقدس بعد ذلك إلا ثلاث سنوات فقط، ثم قضى بقية عمره في التصدي للحملة الصليبية الثالثة حتى صدَّها ثم مات رحمه الله.

في المقال القادم إن شاء الله تعالى، نتعرض لتاريخ ضياع بيت المقدس في الحملات الصليبية، ثم ضياعه في الاحتلال الغربي المعاصر، لنرى اضطراد هذه السنة التي تجعل بيت المقدس كدرة التاج أو كموضع القلب من الضلوع، لا يُخلَص إليها إلا عبر منافذها من العواصم العربية المحيطة بها.

نشرت في مجلة المجتمع الكويتية، يوليو 2021

الأحد، يونيو 20، 2021

هل السيسي حريص على الأزهر حقا؟!

 المسألة لا هي مسألة أزهر ولا مسألة تخصص، وإنما حقيقة الأمر أن السلطة تريد دينا على هواها ومزاجها


فالسلطة نفسها أعدمت 9 من شباب الأزهر بتهمة اغتيال النائب العام، وسلطت إعلامها على شيخ الأزهر نفسه لأنه "تعب السيسي" -قليلا-.. والدولة نفسها تسلط كلابها على عبد الله رشدي وتمنعه من الخطابة وهو أزهري!


ومن الجدير بالذكر أن الدولة تغضب على فكر عبد الله عزام وعمر عبد الرحمن -بل ومحمد حسان- والثلاثة حصلوا على الدكتوراة من الأزهر!!


وفي المقابل تفتح الدولة إعلامها وصحافتها لإبراهيم عيسى وخالد منتصر وإسلام البحيري وطابور طويل ممن لم يعرفوا الأزهر وهم يتكلمون في الإسلام كما شاءوا.. بل ويتسلط هؤلاء على أشهر رمز أزهري في مصر، وهو الشيخ الشعراوي، وكل هذا على قلب الدولة "زي العسل"!!


جدير بالذكر أن الأزهر حافل بالإخوان وبالسلفيين، أي أنه لا يمكن إيجاد خط فاصل أبدا بين الأزهري من جهة وبين الإخواني أو السلفي من جهة أخرى.. بل إن أشهر رمز أزهري مستقل في هذا العصر هو فقيه الإخوان المسلمين، وهو القرضاوي.. وثاني أشهر شيخ مصري في علم الحديث عند السلفيين أزهري وهو الشيخ مازن السرساوي.


المعادلة ببساطة: هل تقدم دينا يجعل السيسي إلها من دون الله، ويجعل رغباته شريعة دون الإسلام؟


إذا كنتَ هذا فأنت شيخ أزهري وسطي معتدل تحارب التطرف والإرهاب.. فإن لم تكن أزهريا فأنت أيضا مفكر وسطي معتدل تحارب الإرهاب ولن يسألك أحد عن التخصص!!


أما إن كنت غير هذا، فأنت متطرف.. أزهريا أو غير أزهري!!!


بل لئن كنتَ أزهريا، واستسلمت لحكم السيسي واعترفت به، ولكنك تحتفظ لنفسك ببعض الوقار والتحفظ  ولو في قضايا المرأة والأحوال الشخصية، فأنت كذلك في مرمى سهام الدولة، سواء كنتَ أحمد الطيب أو عبد الله رشدي.. فالدولة لا تبحث عن صحيح الإسلام.. الدولة تبحث عمن يُعبِّد الناس لها من دون الله!!


وأما الأزهر، فلا يختلف أحد على أنه كان قلعة الإسلام والمسلمين قرونا طويلة، حتى نزلت به نازلة الدولة العلمانية الحديثة منذ الجبار الطاغية محمد علي باشا، ولم يزل ينحدر وينحدر حتى وصل إلى بؤسه الحاضر.. ولن تجد عاقلا من المسلمين -سلفيا أو غير سلفي- إلا وهو يتمنى نهضة الأزهر واستقلاله وأن يعود إلى استئناف دوره التاريخي الحضاري من جديد.


وتراث الأزهر حافل زاخر بمواقف الأئمة والمشايخ ضد ظلم السلطة وإجرامها، وفتاوى الأزهر حافلة بما لو أعيد بعثه وبثه ونشره لكان فيها ما هو بميزان "الدولة" أشد تطرفا مما تجد عن السلفيين!!


يجب أن نعي شيئا مهما.. الشيء الذي تسميه الدولة "تطرفا وإرهابا" هو في الحقيقة مما اتفق عليه المسلمون أنه من الدين.. وهي الأمور التي يمكن لأي باحث أن يأتيك فيها بفتاوى من الأزهريين والسلفيين وعلماء الهند والمغرب، على اختلاف اتجاهاتهم من سلفية وأشعرية وصوفية وعلى اختلاف مذاهبهم الفقهية.


نحن الآن في عصر يستهدف صميم الدين، ولهذا فصميم الدين هذا هو ما يسمونه تطرفا وإرهابا.. لكنهم يضربون بعض الاتجاهات ببعض.. فتحت عنوان الأزهر يضرب السيسي الإخوان والسلفيين، ولو لم يوجد الأزهر لالتمس له عنوانا آخر.. وانظر إلى السعودية والإمارات والأردن والمغرب.. كلهم يضربون خصومهم باتخاذ عناوين الاعتدال وصحيح الدين والمنهج الأشعري والمذهب المالكي و... و... و... إلخ!!


ولست تجد فيهم واحدا يلتزم في نفسه وأهله وماله وتسيير الحكم في بلده لا بمذهب ولا بمعتقد، اللهم إلا مذهب الرئيس الأمريكي والحكومة الإسرائيلية!

الخميس، يونيو 17، 2021

موقف الشيخ محمد حسين يعقوب في المحاكمة أقرب إلى العزيمة

كان الشيخ #محمد_حسين_يعقوب حديث الليلة الماضية في مصر المحبوسة المخروسة، وذلك أن محكمة مصرية استدعته كشاهد نفي في قضية لا علاقة له بها، والواقع أنها أقامت له محكمة تفيش.. فلم يُسأَل عن متهم يعرفه، ولا سُئِل عن واقعة بعينها.


وأدنى من له علم بالاتجاهات الإسلامية يعرف أن اتجاه الشيخ محمد حسين يعقوب "السلفية العلمية" لا علاقة له بالفكر الجهادي ولا بداعش ولا بقاعدة، بل بينهما ما صنع الحداد.. ثم إن يعقوب تحديدا من بين الذين ركزوا على أبواب التزكية والتربية ولم يكن يخوض في أمور الدولة والسياسة.

 

كان الهدف، من خلال قراءة أسئلة القاضي، أن يعترف يعقوب بأن الفكر السلفي هو أساس فكر القاعدة وداعش، وأن الدعاة السلفيين حين يدعون إلى الله ويذكرون الناس به، فإنما يُفَرِّخون العناصر التي تنتهي إلى مقاومة "الدولة المصرية" أو مجاهدة الأمريكان والروس وغيرهم من المحتلين.

 

الطريف في هذه الجلسة أنها كانت بين طرفين: القاضي والشيخ.. وكان الوضع الطبيعي المنطقي أن يشتعل بعدها نقد عنيف لهذا القاضي الغبي الجاهل الذي يجهل مبادئ الموضوع الذي يقضي فيه، والذي صدرت عنه طرائف وعجائب وغرائب تدل على أنه مبتدئ في هذا الموضوع كله.. حتى إنه لا يستطيع أن ينطق اسم ابن عثيمين نطقا صحيحا..

 

ولكن عورة القاضي ظلت مستورة لأن الحملة الإعلامية برعاية الدولة، بينما انطلقت موجة الهجوم على الشيخ لأن هذا ما تريده الدولة وما يريده إعلامها.. وانساق خلف هذه الموجة كثيرٌ من العلمانيين والسيساوية -وهؤلاء مجرمون بطبعهم- ثم تبعهم آخرون لحسابات حزبية "جماعاتية"، بينما أشهد أن إجابات الشيخ يعقوب كانت أفضل بكثير من المتوقع، وسآتي لذلك فيما بعد.

 

لكني لا أريد أن أُفوت فرصة الحديث عن هذا القاضي الجاهل الغبي الذي يتحكم بأرواح الناس وأعمارهم، فيحكم بالإعدام وبالسجن على من لم يفهم شيئا من دوافعه ولم يعرف شيئا عن موضوعه.

 

فالقاضي لم يفهم أن كتاب ابن تيمية "مجموع الفتاوى" من سبعة وثلاثين مجلدا، كان يظنه كتابا واحدا، وظن حين سمع رقم 37 أنها مؤلفات ابن تيمية!! ثم إنه من فداحة جهله نقل عبارة قالها المتهم في التحقيقات ونسبها لابن تيمية، فكأنما صار ابن تيمية يكفر الدولة المصرية ورجال الجيش والشرطة ويحرض عليهم.. ولما اندهش الشيخ يعقوب وكرر عليه السؤال والاستفسار "ابن تيمية قال كده؟!" ظل القاضي الغبي مصرًّا على أنه قول ابن تيمية في مجموع الفتاوى.. وأخيرا قال يعقوب "أجزم أن هذا ليس كلام ابن تيمية"!!

 

القاضي الطريف أيضا يسأل يعقوب: ما حكم هدم المساجد والكنائس والأضرحة؟.. هكذا سؤالا واحدا كأنما حكم هدم المساجد كهدم الكنائس كهدم الأضرحة!! ويريد إجابة واحدة وسريعة وقاطعة!!

 

وحين قال له الشيخ يعقوب: أنا أكلم العوام بينما غيري يكلم الملتزمين وطلبة العلم، يقول له القاضي: ألم تخاطب مرة الشباب والنساء؟ (كأن الشباب والنساء شيء والعوام شيء آخر؟!!)

 

القاضي يسأل يعقوب عن شروط العالِم؟ ولا يفهم الفارق بين العالِم والمجتهد.. ولا يفهم كذلك الفارق بين أن يكون عالِما بكتاب الله وأن يكون حافظا لكتاب الله!!

 

يسأل القاضي أيضا عما هو "الفكر السلفي التكفيري"، ويزعم أن المتهم قال أنه تنقل من التدين العادي إلى الفكر السلفي إلى الفكر السلفي التكفيري.. يا أيها القاضي الأحمق، أخبر ضابط أمن الدولة الذي كتب هذا النص أنه لا يوجد أحد حتى من الجماعات التكفيرية يرى نفسه تكفيريا!!!

 

يسأل القاضي أيضا: ما حكم قتل رجال الجيش والشرطة؟ فيقول الشيخ يعقوب: قتل المسلم حرام.. فيقول القاضي: لا أسأل عن قتل المسلم، أسأل عن قتل الجيش والشرطة!!

 

لا أدري، هل يحسب هذا القاضي أن للجيش والشرطة فقه خاص بهم، مثلما لهم بنود خاصة ومميزات خاصة في قانونه الوضعي؟!! أم أنه يشهد عليهم أنهم غير مسلمين؟!!

 

لا يفهم القاضي معنى "باء بها أحدهما".. ولما فهم معناها يريد أن يُنْزِل على القائل حُكْم المرتد.. وبهذا فطالما قال إنسان لآخر أنت كافر فلا بد أن يُقتل أحدهما!!!.. ثم إنه لا يعرف وسيلة لتنفيذ القتل غير الإعدام؟!! ودخلته العصبية وهو يقول لكاتب الجلسة: "أنت تعطلني عن نقاش الشيخ، أنا أريد أن أبارزه وأناظره".. فهل هذا قاضي أم خصم؟!

 

يكون الإنسان في محنة حين يتسلط عليه جاهل كهذا، لا هو يحسن السؤال ولا هو يحسن الفهم، ثم إن له سلطة نافذة يأمر بها وينهى، ويتحكم بها ويقضي.. ولذلك استعاذ رسول الله من حكم "سفهاء الأحلام".

 

نأتي بعد ذلك لإجابات الشيخ يعقوب..

 

ولكي أريح القارئ المتصيد الذي يحب الصراحة، وأيضا للمخبرين الذين ينسخون الكلام ويكتبون التقارير، أقول: الشيخ يعقوب يمثل اتجاها علميا دعويا، وهذا الاتجاه حسنته الكبرى في أنه يعرف الناس بالدين ويذكرهم بالله ويهديهم إلى طريقه. ولكن سيئته الكبرى أنه يتوقف بهم عند كون الدين عبادة وتزكية وصدقة ودعوة.. وقد يُفضي به هذا التوقف ليكون طعنة في ظهور العاملين واتجاها توظفه أجهزة الأمن ضد من يُفَعِّلون الإسلام في أبواب السياسة والاقتصاد والاجتماع والمقاومة.. وهذا التوقف عند أبواب التزكية والدعوة يعزل أهل هذا الاتجاه عن متابعة الحياة فإذا هم أقل الناس فهما لطبيعة الصراع وتطوراته وطبيعة ما يُراد بالأمة وطبيعة الأفكار التي تغزوها والنوازل التي تنزل بها.

 

لذلك كثيرا ما تشتعل معركة فلا يساهمون فيها، يحسبون أنها لا تعنيهم ولن تؤثر عليهم نتائجها.. أو تلوح لهم فرصة فلا يستثمرونها ويظنون أنها لا تفتح لهم أبوابا عظيمة.. وكثيرا ما يُخدعون، ومنهم من يطول به الخداع دهورا، لا سيما إذا لبس الحاكم ثوب الدين كما هو الحال في السعودية.

 

ولقد كان يجب على هؤلاء أن تكون لهم وقفة ضخمة، بل معركة صفرية مع الانقلاب، لكنهم لم يشعروا أبدا أنها معركة حياة أو موت، وأن مصيرها قد يصيبهم.. وتلك الغفلة هي التي تسببت في شلل قطاعات كبيرة من الأمة كانت لتتحرك خلفهم لو تحركوا.

 

لا يمكن أن يقارن هؤلاء ببرهامي وأتباعه، ولا بالمداخلة، ولا بشيوخ السلطان كخالد الجندي وعلي جمعة وأسامة الأزهري وسعد الهلالي وأحمد الطيب

)وهنا أتوقف لأقول: لا أدري كيف يتسق مع نفسه ذلك الذي يحتفي بأدنى كلمة فيها شبهة حق يقولها أحمد الطيب، ثم هو لا يريد من يعقوب وحسان والحويني إلا موقف سيد الشهداء وسلطان العلماء؟؟!!!)

 

ومما لا أحبه في الشيخ يعقوب -تحديدا- تشدده في مسائل فروعية كثيرة، وجزمه فيما الخلاف فيه مشهور، وشدته على من يسأله، وتنقيصه من الاتجاهات الأخرى.. ومع ذلك فأنا أتذكر له جيدا موقفه الداعم للإسلاميين في مراحل الثورة (ليس كعمرو خالد أو معز مسعود أو غيرهم ممن وقف في كل مرحلة مع العلمانيين)، ونزوله إلى ميدان مصطفى محمود يوم فض رابعة، ودعمه لاعتصام رابعة طول فترته.. وهو رجل لا يُتَّهم في دينه والله حسيبه.

 

ثم أقول:

 

لو كانت إجابات الشيخ يعقوب أدنى وأقل وأسوأ مما قاله لكان معذورا.. فهذا الذي يؤتى به إلى محكمة في اليوم التالي لأحكام الإعدام على قيادات الإخوان كيف يكون حاله؟!

 

نعم، ينبغي أن يكون موقف الشيوخ موقف العزيمة لا الرخصة.. والواقع أن إجابات الشيخ يعقوب في هذه الشهادة كانت أقرب إلى العزيمة منها إلى الرخصة.. لقد كان يستطيع أن يكذب ويفجر وهو يتحدث عن الإخوان والقاعدة وداعش وحسن البنا وسيد قطب.. ولكنه لم يفعل! بل اختار السكوت!

 

ولو أنه قال ما يعتقده هو فيهم، وهو كلامه القديم من قبل الثورة، لأرضى هذا القاضي واستبرأ لنفسه، فهو لم يقل شيئا لا يعتقده.. ولكنه لم يفعل.. وهذه، في هذا الموطن، عزيمة.

 

إن حسن البنا وسيد قطب عندي من عظماء الإسلام الكبار.. وبغير أي انتقاص من الشيخ يعقوب أو من سواه، فإن أثر البنا وقطب لا يساويه ولا يدانيه مائة شيخ كيعقوب وحسان.

 

ومع ذلك فإني أتفهم جدا نقد الحالة السلفية لسيد قطب، هذه مدرسة علمية تكونت بشكل خاص لها معاييرها وأصولها، وبناء على هذه المعايير والأصول فسيد قطب وحسن البنا -في أحسن الأحوال- مخلصون قد اجتهدوا ولهم أخطاء.

 

وحين سئل الشيخ يعقوب عن البنا وقطب كان كلامه منضبطا وفق معاييره ونظرته، فهو حين يقول إن قطب لم يدرس على يد شيخ (على نحو ما هو في المدرسة السلفية) فهو لا يقصد الطعن فيه، بل سياق كلام يعقوب أنه يعذره، يعذر أنه أديب استخدم عبارات أدبية في معان شرعية.

 

وحتى حين قال يعقوب عن البنا إنه كان يريد الوصول إلى الحكم، لم يكن يقولها انتقاصا ولا طعنا.. بل كان سياقه واضحا جدا.. كان يقول: أراد أن يصل إلى الحكم ليعيد الخلافة، لأنه أسس جماعته بعد سقوط الخلافة.. إن هذه منقبة لحسن البنا، ولم يكن كلام يعقوب طعنا في البنا.

 

يجب أن نفرق دائما، وفي كل معركة، أين تقع سهامنا.. وهل يستعملنا العدو ليقضي علينا جميعا؟!.. إن الإسلاميين الذين انطلقوا طعنا في الشيخ يعقوب وقعوا في نفس ما وقع فيه المغفلون الجهلاء في 30 يونيو.. أولئك الذين استخفهم العسكر وركبهم ليكونوا غطاء شعبيا لغدره وانقلابه ومذابحه.

 

الآن، تريد الدولة في مصر رأس المشايخ، بل رأس الدين.. لا تريد رأس يعقوب وحسان والحويني.. ليس السيسي وليس قاضيه الغبي الجاهل ممن يبحث عن صحيح الإسلام.. بل أولئك يريدون النسخة العلمانية من الإسلام، النسخة التي يقدمها لهم خالد الجندي وسعد الهلالي وعلي جمعة!

 

لما سئل يعقوب عن حكم الانضمام للجماعات أجاب بعبارة جميلة لابن تيمية، ولأن القاضي لم يفهمها فقد مررها.. وهذه من مواطن أن يكون الغباء نعمة! ولا بد للناس من تنفيس!

 

أختم هذا الكلام الطويل بنقطتين ستقفزان إليّ في التعليقات حتما.. وهي:

 

1. يعقوب قال "غزوة الصناديق" وشوّه الإسلاميين، وقال "اللي مش عاجبه يهاجر كندا"، وكان من عوامل شق الصف!!

 

والجواب: أول من شق الصف وحرص على شقه وتوسيعه وتمزيقه هم العلمانيون، ووسائل إعلامهم انطلقت ضد الإسلاميين في اليوم التالي لتنحية مبارك كالكلاب المسعورة، واخترعت وقائع هدم الأضرحة وقطع أذن القبطي و... و... و... إلخ!

 

وكلمة "غزوة الصناديق" كلمة عادية جدا.. فكل الناس تتحدث عن الاستفتاء والانتخابات بعبارة "المعركة الانتخابية".. فالمعركة عند الناس هي الغزوة عند الإسلاميين.. ولكنكم قومٌ بُهت.

 

وأصلا هو كان يرد على ساويرس لما سُئل: ماذا ستفعل لو حكم الإخوان؟ فقال: سأهاجر إلى كندا.

 

2. يعقوب تزوج 22 مرة

 

والجواب: ولو تزوج خمسين أو مائة مرة.. فليس هذا عيبا، طالما أنه زواج شرعي.. ولو أخرجنا ملفات العلمانيين من أي جهاز أمني فسنجد لأقل واحد منهم 22 حالة علاقات خارج الزواج.. هذه التي تسمونها علاقات رضائية وحرية شخصية!!!

عرض معلومات أقل


الثلاثاء، يونيو 01، 2021

كيف تشكلت معركة الصراع الحضاري العالمي

 


بعد استعراض تاريخي وسياسي طويل، كان من بين ما استخلصه د. جمال حمدان –الجغرافي والمفكر المصري المعروف- خلاصة سماها المعادلة العالمية لأساسيات الصراع في المستقبل، هذه المعادلة العالمية تتألف من عدة متتاليات إقليمية على هذا النحو:

-      "مصير الإمبريالية العالمية يتوقف على مصير العالم الثالث

-      مصير العالم الثالث يتوقف على مصير العالم العربي

-      مصير العالم العربي يتوقف على مصير فلسطين/ إسرائيل"[1].

إنه من الخطأ تصوّر أن المعركة في فلسطين هي مشكلة بين العرب والإسرائيليين، أو هي مشكلة بين المسلمين واليهود، بل ولا هي مشكلة أرض محتلة. بل التصور الصحيح لها أنها مركز الصراع الحضاري العالمي. وهذا التصور هو وحده ما يفسر كيف أن اشتعال المواجهة في فلسطين تتردد أصداؤه في عواصم الشرق والغرب، وتنفعل له الشعوب والحكومات، ويحظى باهتمامٍ لا تحظى به كوارث إنسانية أخرى في العديد من مناطق العالم.

أحاول في هذه السطور إلقاء الضوء على مسألة أن إسرائيل هي المولود الطبيعي للحضارة الغربية، تحمل خصائها وجيناتها، وأن الغرب إنما صنع هذه المشكلة ثم غرسها في بلادنا قسرا وقهرا، وتعهدها بالرعاية والعناية والحراسة، وذلك عبر استعراض تاريخي سريع موجز لجذور هذه النشأة.

(1)

عانت أوروبا من الحروب الدينية المهلكة في عصورها الوسطى المظلمة، وتعددت المذابح التي نفّذتها السلطات الدينية في المخالفين، وابتكرت أوروبا محاكم التفتيش التي تمارس التعذيب الوحشي وتعاقب بالإحراق لكل من ثبت عنده اتباع الشياطين. واختلطت هذه الحروب الدينية بالصراعات السياسية، وبقدر ما لبست الأطماع السياسية ثوب الدين والروح الصليبية، بقدر ما ألهبت الروح الصليبية الحروب السياسية. ولأن العالم الإسلامي يحيط بأوروبا من جهتي الشرق والجنوب، ولا يوجد في الشمال والغرب إلا البحار، فإن أوروبا كانت تأكل نفسها ما دامت الدول الإسلامية قوية، فإذا ضعفت الدول الإسلامية بدأت أوروبا في التمدد إليها وتصدير مشكلاتها ومحاربيها وروحها الصليبية إلى الأراضي الإسلامية، وهو الأمر الذي ابتدأ في الحروب الصليبية شرقا وفي اجتياح الأندلس والشمال الإفريقي غربا وجنوبا.

(2)

عبر فصول طويلة ومعقدة من الصراع الداخلي الأوروبي، توصل الأوروبيون إلى بعض الحلول لهذه المشكلات المزمنة والمهلكة. كان من بينها: فكرة القومية. والقومية ببساطة هي أن تكون أعراق الناس أو لغتهم هي معيار التقسيم بينهم، فأولئك الذين يجمعهم عرق وأرض، أو تجمعهم لغة وأرض، هم قوم من دون الناس.

ومن هنا يُعَدّ صلح وستفاليا (1648م) لحظة فارقة تاريخيا، حيث صارت الدول تعبيرا عن قوميات، وصار لكل دولة سيادة، وصار الاعتداء على سيادة الدولة مبررا لشن الحروب. وتراجعت منزلة الدين بحيث يكون محكوما بالدولة، وبحيث تكون مصلحة الدولة فوق رؤية الدين، وتتولى الدولة منح حق المواطنة للأفراد بغض النظر عن اختلاف الدين.

ما يهمنا الآن أن هذه الفكرة القومية هي التي اعتمدت عليها الصهيونية في إنشاء وطن لليهود، إذ هم قوم بلا دولة، ولكي تنتهي المشكلات التي يعانيها اليهود في أوروبا وروسيا، أو يعانيها الأوروبيون والروس من اليهود، فيجب العمل على إنشاء دولة لليهود. وحيث لن تفرط أي دولة أوروبية في قطعة من أرضها لليهود، فقد بحثوا عن دولة يقيمها اليهود في إحدى الدول التي احتلتها أوروبا في إفريقيا أو آسيا. ثم انتهى التدبير إلى إقامتها في فلسطين.

وهكذا دفع العرب والمسلمون ثمنا فادحا للفكرة القومية التي ولدتها أوروبا لتحل بها مشكلاتها!

(3)

ومن الحلول التي تمخض عنها الصراع الأوروبي الداخلي: فكرة التخلص من سيطرة الكنيسة، وهي الفكرة التي سميت بالإصلاح الديني الذي تمثل في البروتستانتية، أو ذهبت بعيدا نحو التخلص من الدين كله والذي تمثل في: العلمانية.

لنبدأ بالبروتستانتية، التي هي الحاضنة الطبيعية للصهيونية غير اليهودية، وذلك أن مارتن لوثر في إطار محاربته لسيطرة الكنيسة وباباواتها وتفسيراتهم للدين، اتخذ مواقف وتفسيرات مضادة لهم ولتفسيراتهم، بل إنه أقدم على طباعة الكتاب المقدس، ثم تُرجم فيما بعد إلى اللغات القومية الأوروبية، وهي الخطوة الخطيرة التي فككت سيطرة الكنيسة وأضعفتها في أوروبا، ولكن الأخطر من ذلك –فيما يهمّنا نحن- أن الأفكار التي اعتنقها لوثر والبروتستانتية من بعده تؤكد على أن اليهود هم أصحاب فلسطين، وأنهم شعب الله المختار، وأنهم سيعودون إلى فلسطين، ثم يأتي المسيح بعد عودتهم لينصرهم وليقودهم في المعركة الكبرى هرمجدون، ليبدأ بعدها العهد الألفي السعيد.

وعبر مراحل تاريخية مختلفة سادت البروتستانتية على نصف ألمانيا وعلى هولندا، وسادت –وهذا هو الأهم- على بريطانيا ثم على أمريكا. ومن ثَمَّ صارت الأفكار الدينية السائدة في هذه الأنحاء هي حجر الأساس والبيئة المناسبة التي استثمرتها الحركة الصهيونية وطوَّرت مشروعها اعتمادا عليها. لقد بذل هرتزل وحاييم وايزمان –وخصوصا هذا الأخير- مجهودا مضنيا في التمكين للصهيونية من هذا الباب، ولكن هذا المجهود المضني اعتمد أساسا على الأفكار التي تختمر لثلاثة قرون في أوروبا منذ عصر مارتن لوثر وحتى القرن العشرين، والتي أنتجت كثيرا من الأدبيات والمؤلفات والأشعار بل والمباردات الفردية والصغيرة للهجرة إلى فلسطين، بل والمحاولات السياسية غير المكتملة لإنشاء وطن لليهود في فلسطين.

وهكذا دفع العرب والمسلمون ثمنا فادحا للإصلاح الديني الذي ولدته أوروبا كحل لمشكلة السيطرة الكنسية على شعوبها!

(4)

ثم نأتي لحل العلمانية الذي أخرجته أوروبا في إطار تخلصها من سيطرة الكنسية، فمن لم يخرج من الكاثوليكية إلى البروتستانية، فإنه خرج من سيطرة الكنيسة إلى العلمانية، ليتخلص من سيطرة الدين تماما، وظهرت في أوروبا الدول العلمانية التي لم تتخلص تماما من روحها الصليبية، وإنما استثمرت هذه الروح في التمكين لمصلحة الدولة وإلهاب معنويات الجيوش التي تحتل البلاد الأخرى، وفي تنصير الشعوب الأخرى لتضمن خضوعها وتسلب منها مقاومتها إلى الأبد.

وما يهمنا في هذا أن النزعة العلمانية بطبيعتها نزعة لا أخلاقية، فقد سعت العلمانية الغربية إلى حل مشكلات الداخل الأوروبي بتصديره إلى البلاد المحتلة، وسعت إلى استثمار الحركة الصهيونية التي تحث على هجرة اليهود من أوروبا ليتحقق بذلك مصلحة التخلص من اليهود في الغرب، ومصلحة تمزيق الأمة الإسلامية بإنشاء دولة في قلب الأرض الإسلامية تكون بمثابة القاعدة الغربية العسكرية المتقدمة، التي تستنزف الطاقة الإسلامية وترتبط ارتباطا حتميا بالأب الغربي. وقد استفادت الصهيونية من هذه النزعة، فوضعت نفسها في إطار النزعة الإمبريالية الغربية، وطرحت نفسها باعتبارها المشروع الأنسب الذي يوفر على الغرب الحروب المباشرة والسيطرة المباشرة في المنطقة، مع تخليصهم من المشكلة اليهودية، لتكون إسرائيل هي المشروع الغربي الاستعماري الذي يستحق الاستثمار فيه، لتحقيق أفضل النتائج بأقل التكاليف المباشرة.

وهذا هو معنى أن إسرائيل "دولة وظيفية"، تلك الفكرة التي أطال المفكر المعروف عبد الوهاب المسيري في شرحها والتنظير لها، سواء في موسوعته عن الصهيونية أو في كتاباته الأخرى التي تناقش العلمانية وتجعل الصهيونية ثمرة من ثمار العلمانية المادية.

ومن أوضح ما يدل على الطبيعة اللا أخلاقية للعلمانية الغربية، أنها دعمت إنشاء وطن قومي لأصحاب دين بعينه، وسهرت على حراسة هذه الدولة الدينية العنصرية، في خيانة ظاهرة لكل المزاعم العلمانية التي تتحدث عن حقوق المواطنة وعن مناهضة العنصرية وعن عدم التفريق بين المواطنين على أساس العرق واللون والدين.

وهكذا دفع العرب والمسلمون ثمنا فادحا للعلمانية التي أنتجتها أوروبا كحل لمشكلة السيطرة الكنسية على شعوبها!

(5)

بقي أخيرا أن نشير إلى أن إسرائيل هي بنت الحضارة الغربية عمليا، فما كان للصهيونية أن تتحول إلى دولة بغير الدعم الهائل المتعدد الأنواع والمستويات: سياسيا وعسكريا واقتصاديا وأمنيا وعلميا وحتى ثقافيا.

لقد كان المشروع الإسرائيلي على جدول أعمال القادة الغربيين على اختلاف أنواعهم ورؤاهم، منذ نابليون مرورا بدزرائيلي وبالمرستون ولويد جورج وبلفور وصولا إلى ترمب وبايدن. إن دعم إسرائيل هو واحد من ثوابت السياسة الدولية الغربية مهما تغيرت الوجوه والمذاهب. ولا تضطرب العلاقة بين إسرائيل وأمهاتها الغربية: فرنسا وبريطانيا وأمريكا حتى في اللحظات التي يعمل فيها الإسرائيليون ضد مصالح هذه الدول.

وفي سبيل إنشاء إسرائيل وحمايتها، رسمت الدول الكبرى منذ بريطانيا وحتى أمريكا سياستها تجاه الأنظمة العربية المهمة، لا سيما أنظمة دول الطوق، وأشرفت على تنصيب هذه الأنظمة وعلى تدريب جيوشها وتسليحها، ورسم سياساتها، حتى صار المتطلع في بلد ما إلى منصب سياسي يعلم بالبديهة أن الطريق يمر عبر إسرائيل، فيجتهد في نيل الرضا الإسرائيلي وتقديم ما يثبت أن الإسرائيليين سيكونون معه في حال أفضل من حالهم مع غيره. وهذه قصة تطول وتستغرق الفصول والفصول، أقلها معروف مكشوف وأكثرها مغمور مجهول.

(6)

لهذا كله، فإن المعركة في فلسطين ليست معركة الفلسطينيين، ولا هي مجرد قصة احتلال، بل هي مركز الصراع الحضاري العالمي، الذي يترتب عليه ويتغير به الوضع العالمي كله، إن المعركة هناك تختزل صراع الحق والباطل، صراع المستضعفين والمستكبرين، صراع الشعوب والطغاة!

إنها ليست حروبا صليبية جديدة، إنها امتداد الحروب الصليبية، بعدما أضيف إليها الروح الصهيونية، والنزعة العلمانية المادية!!

إنه الصراع المركب المتعدد الطبقات والمستويات، ولذلك تجد هذا الصراع كاشفا للغاية، فكلما تجدد كلما تمايز الناس به إلى طائفتين متقابلتيْن، لا يلتقي أحدهما مع الآخر ولو امتزج الزيت بالماء!


نشر في مجلة المجتمع الكويتية، يونيو 2021



[1] جمال حمدان، استراتيجية الاستعمار والتحرير، ط1 (القاهرة: دار الشروق، 1983م)، ص351.

الأحد، مايو 02، 2021

رمضان من أركان النظام السياسي الإسلامي

 




يتميز النظام السياسي الإسلامي على غيره من النظم، بأنه يقوم على أمريْن متوازييْن: تحديد صلاحيات السلطة، وتقوية المجتمع وتكتيله وشدّ روابطه.

إن الأزمة الأساسية في أي نظام سياسي تكمن في تفاوت ميزان القوة والقدرة بين السلطة والمجتمع، وهو ما يؤدي إلى تغول السلطة وميلاد الاستبداد والفساد، فكلما زاد الفارق بين قوة السلطة والمجتمع كلما كان هذا دليلا على نظام حكم طغياني، وكلما قلّ هذا الفارق كلما كان هذا مشيرا إلى مجتمع متوازن لا يعاني من بطش الحُكْم.

وبغض النظر عن كون النظام ملكيا أو جمهوريا، فحقيقة الأزمة ليست في الشكل وإنما في جوهر قدرة السلطة على الاستبداد بالمجتمع مع عجزه عن صدِّها وإيقافها عند حدِّها، فقد توجد أنظمة جمهورية أشد بطشا وطغيانا من أنظمة ملكية، ويمكن لهذه الأنظمة الجمهورية أن تمارس بطشها بفارق القوة العسكرية الخشنة وحدها، أو بمزيج من القوة العسكرية الخشنة والقوة الناعمة المتمثلة في الإعلام والثقافة والاقتصاد، حيث يجري في تلك المجالات تنظيم وترتيب النخبة الحاكمة وتدبير أمور الانتخابات ونتائجها.

ومن وجه آخر، فلربما كانت الأنظمة الملكية أنسب لبعض المجتمعات من أخرى، كأن يكون ذلك امتدادا لطبائع عريقة أو ثقافة سائدة أو ضرورات اجتماعية، فالمسألة الجوهرية والهمّ الأساسي في السعي إلى إيجاد النظام العادل ليس متعلقا بالشكل والأسلوب، وإنما يتعلق بكفاءة النظام السياسي في تحقيق العدالة والرشاد.

وإذا تجاوزنا طبيعة الأشكال والأساليب فسنجد أنفسنا أمام هذه الحقيقة، وهي: مدى قدرة السلطة على الانفراد بالمجتمع والطغيان فيه، ومدى قدرة المجتمع على إيقاف هذا التغول والتصدّي له.

لقد جاء الإسلام بالحل العظيم لهذه المعضلة، والذي يتمثل –كما أسلفنا- في تحديد صلاحيات السلطة ومجالات عملها، ويتمثل أيضا في تقوية المجتمع وتكتيله. بحيث يكون تجاوز السلطة لمساحات عملها تغولا يثير القلق والمقاومة وليس أمرا طبيعيا، وبحيث تكون لدى المجتمع القدرة الكافية على التصدي لهذا التغول والبطش.

وهذا الحل ليس مجرد وثيقة فكرية أو قانونية، بل هو نصوص قرآنية ونبوية تتمتع بالقداسة، ولها تأثيرها الروحي الهائل في مجتمع المؤمنين، فهي تتمتع بما لا يتمتع به دستور ولا قانون من القوة العملية في نفوس المجتمع. كما أن الأمر لم يتوقف عند مجرد النصوص وإنما تحول إلى منهج حياة، فقد رسم الإسلام طريقة حياة المسلمين بما يزيد دائما من قوتهم الاجتماعية وترابطهم المستمر.

وإذا نظرنا إلى شهر رمضان ضمن هذه الصورة، وما فرضه الله فيه من الصيام، وما سنَّه النبي من القيام، وما ندب إليه من عمل الخير، فسنجد أنفسنا أمام موسم عظيم لتقوية المجتمع وشدّ روابطه وتمتين أواصره.

إن الحالة الروحية التي يُغمر فيها المسلمون في شهر رمضان تقوي من قدرتهم على إصلاح أنفسهم، فالمسلم يرى نفسه كيف يستطيع أن يتخلص من أرسخ عاداته وأقواها، وهي عادات طعامه وشرابه، فإذا به يستطيع أن يقضي طيلة النهار بغير طعام ولا شراب مهما كانت قسوة الظروف. وهو ما يبعث فيه الثقة بالنفس واليقين بقدرته على أن يتغير لما هو أفضل، فإن القادر على كسر أقوى عاداته أقدر على ما دون ذلك من أسباب ضعفه وتراخيه.

كذلك فإن المسلم الذي يمتنع عن الطعام والشراب في السرّ والخلوة، يتذوق من جديد معنى مراقبة الله، فحتى الطفل الصغير في بيوت المسلمين تجده يتعرف على معنى مراقبة الله في شهر رمضان، فيمتنع من تلقاء نفسه عن أن يفسد صومه وإن أَمِنَ مراقبة الكبار. ولو تمكنت قيمة مراقبة الله والخشية منه في نفوس المسلمين فإنها تكون من أقوى عُدَّتهم في مواجهة أي ظلم أو فساد.

تلك الحالة الروحية التي تسود هذا الشهر، والتي يتذكر فيها المسلم الدار الآخرة، والتي يهون عليه فيها شأنُ الدنيا، هي التي تُعِدُّه إعدادا خاصا لكي يعيش في الدنيا وقلبه معلق بالآخرة، وما أوسع الفارق بين رجل انكبّ على الدنيا لا يفكر في غيرها، وبين رجل يعمل في الدنيا وهو يرجو الآخرة. إن هذا الرجل الثاني أصعب شيء يمكن أن تواجهه السلطة الظالمة!

هذا بعضُ ما يناله المسلم في نفسه إن هو أحسن العمل لله في هذا الشهر.

وفوق ذلك، يأتي ما يستفيده المجتمع كله، ذلك أن اجتماع المسلمين في وقت الصيام والإفطار والسحور والتراويح، يغرس فيهم هذا الشعور القوي بالأمة الواحدة، وبانتمائهم إلى نبيهم –صلى الله عليه وسلم- لتظل هذه الوحدة حقيقة قائمة مهما استطاعت أحوال السياسة تقسيمهم إلى دول وأقطار مختلفة. وهذا الشعور تزيد قوته في المجتمعات القريبة حيث يرى الناس بعضهم البعض في الصلوات وفي التراويح وفي إفطار العائلات، وفيما يتجدد من صلة الأرحام والزيارات المتبادلة، ومن محاولات الصلح بين المتخاصمين، وفي خروج الناس إلى الطرقات لبذل الإفطار للعابرين والعالقين، وفي تفقد الأيتام والأرامل والمساكين، وفي غير ذلك من المشاهد.

في كل تلك المشاهد تنبعث آفاق جديدة من التعاون على البر والتقوى، ومن نَظَرِ الناس في مصالحهم وأوجه تشاركهم، وهو ما يثمر في النهاية أعمالا ومؤسسات وروابط عائلية وثقافية واجتماعية وغيرها. وأدنى الثمرة هي ما يوجد من التعارف والتقارب والتصافي بين من لم يكن برنامجهم اليومي يسمح لهم لا باللقاء ولا بالتعارف.

قبل أن تغزونا الحداثة ومنتجاتها الفاسدة، كان الناس يجتمعون في ليل رمضان على تلاوة القرآن والمدائح النبوية، وعلى إطعام الطعام، وكان الأغنياء والعائلات والقبائل يتنافسون في عقد تلك المجالس وتزيينها بالقراء والعلماء والوُعَّاظ. ولئن كان الجيل القديم قد أدرك شيئا من هذه المظاهر فمن المؤسف أن الجيل الجديد قد فتح عينه ورمضان هو شهر الغزارة في المسلسلات والبرامج الضاحكة والعروض الفاسدة لقضاء رمضان في ضدِّ ما جعله الله له. وتلك من وسائل الشياطين –شياطين الجن والإنس- لمقاومة أثر هذا الشهر في نفوس المسلمين.

كان الأزهر الشريف يعطي إجازته للطلاب في شهر رمضان، فكان طلاب الأزهر يعودون إلى قراهم وبلدانهم ليكونوا نجوم الدعوة والعلم بين أهليهم، وكان اللصوص والمفسدون يتأدبون ويتهذبون في هذا الشهر فتراهم يصلون ويصومون ويمتنعون عما كانوا يفعلون مراعاة لحرمته، بل كان الذمّي من اليهود والنصارى يمتنع عن الجهر بالطعام والشراب مراعاة للذوق مع مجتمع المسلمين. فلما جاءت تلك الحداثة قلبت حال الناس فضغطت بثقلها على المتدينين بحيث صاروا ينتزعون أنفسهم بصعوبة من إغراء متابعة البهارج البراقة من البرامج والمسابقات والمسلسلات.

لماذا يُعَدُّ ويُخَزِّن كل هذا الفساد لإطلاقه في رمضان على وجه الخصوص؟ لماذا هذا الشهر وحده من بين الشهور جميعا؟!

إن هذا التركيز الخاص على إفساد هذا الشهر، جب أن ينبهنا إلى ما يخشاه المفسدون من آثار هذا الشهر على الفرد وعلى المجتمع، تلك المفاسد التي قيَّدت الناس أمام التلفاز وعرقلتهم عن الانطلاق إلى دروس العلم ومجالس الوعظ، بل وعرقلتهم عن تفقد أحوال عائلاتهم ومجتمعاتهم، وقبل ذلك وبعده أفسدت عليهم الروحانية الشاملة التي يمكن لها أن تقلب حياتهم لتصوغهم من جديد!

لا، ليست الحرب في هذا الشهر عبثية، بل هي مقصودة.. وإن الشياطين التي صُفِّدَت في رمضان قد أوحت إلى أوليائهم من شياطين الإنس، ماذا عليهم أن يفعلوا! وما أجدر شياطين الإنس أن يخافوا ويفزعوا، إنهم لأشد الناس رعبا من أن يتحرر الناس من الشهوات، وأن يجتمعوا فيزداد تكتلهم وترابطهم وتعاونهم، فحتى الذئب ذو الناب والمخلب لا يجرؤ على مهاجمة القطيع، وإنما يأكل الشاة القاصية.