‏إظهار الرسائل ذات التسميات لمسات الفن. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات لمسات الفن. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، فبراير 14، 2018

لا تسمعوا لحمزة نمرة

لم أفكر في سماع أغنية حمزة نمرة إلا حينما رأيت صديقا أحسبه من الصادقين يقسم بالله أنه لم يستطع أن يكملها، من فرط ما فيها من طغيان الشعور.. لم يبعد الأمر كثيرا عما ظننت، لا حاجة إلى القول بأن الأغنية احترافية ومؤثرة ومعبرة عن شباب الربيع العربي المقهورين، نجاحها هو أبلغ ثناء وتعبير.

على أني أنتهز الفرصة هنا لأسجل بعض الخواطر التي أراها ضرورية لهذا الجيل، وهي خواطر حول الظاهرة والأزمة والأغنية، ولا تتعلق بحال بشخص حمزة نمرة، وإنما لهجة العنوان لغرض التشويق لا أكثر.

(1) أدركوا اللحظة الفارقة

اللهم فُكَّ أسر شيخنا الحبيب الكبير، الأسير البصير: حازم صلاح أبو إسماعيل! لم ير الناس في زمنه مثله، ولا رأى مثل نفسه.. ويعلم الله أني أكره المبالغة في الثناء والمدح.

لم يكن "أدركوا اللحظة الفارقة" مجرد شعار، كان خلاصة خبرة بالتاريخ والحياة، كان هذا الشعار نقيضا لخرافات وأوهام مثل "ميدان التحرير موجود"، "الشعب المصري بعد 25 يناير لن يعود أبدا كما كان قبل 25 يناير".. إلخ! وهي الشعارات التي صدمني أن سياسيين ومتخصصين في العلوم السياسية أطلقوها، وهو ما يفسر نكبة أمتنا حقا.

إن قوة اللحظة الثورية وعنفوانها لا تستمر إلى الأبد، هنا تظهر أعاجيب الشعوب، وهنا تتراجع سطوة السلطة، هنا يتحول المقهورون إلى جبابرة، ويتحول الجبابرة إلى حديث التهدئة والتفاهم والحوار.. هنا يرتجف السلاح بيد السلطة إذ تسقط هيبتها.. ويتفجر الأمل ويرتفع السقف لدى الذي عاش حياته كسيرا مقهورا.

§      في زمن الثورة وتباشيرها يكون الخطاب مفعما بالقوة والقدرة: احلم معايا ببكرة جاي، ولو مجاش احنا نجيبه بنفسنا.. إنسان جواك وجواي، إنسان له حلم له غاية
§      في زمن تباشير الهزيمة، يتحول الخطاب إلى مزيج من القلق والتردد والشكوى مع أمل يقاوم الخفوت: تذكرتي رايح جاي.. حياتي عمرها ما كانت باختياري.. يا مظلوم ارتاح، لك يا ظالم يوم
§      في زمن الهزيمة: بتودع حلم كل يوم، تستفرد بيك الهموم.

كان هذا المصير يراه الناصحون الصادقون، وكان حازم أبو إسماعيل إمامهم وأفصحهم فيه.. كل تطويل في المرحلة الانتقالية يعني هزيمة الثورة لأنه يعني خفوتها، وكل تأخر في الإجراءات الثورية يعني هزيمة الثورة لأنه يعني خفوتها لصالح استعادة النظام القديم لنفسه، وكل تأخر في مقاومة الانقلاب يساوي تمكنه.

لهذا بُحَّت الأصوات في التحذير من كل هذا، من تطويل الفترة الانتقالية، من برلمان غير ثوري، من رئيس غير ثوري، من أغبياء يتصورون أنهم أسقطوا الأنظمة بالهتاف في التحرير وحسابات تويتر! وأنهم قادرون على إعادة اللحظة كلما شاؤوا بغير أي تأمل في تبدل موازين القوى.. كما بُحَّت الأصوات ولا تزال في أن كل تأخر في مقاومة الانقلاب تساوي مضاعفة ثمن خلعه، والقاعدة مضطردة.

كشفت الأيام أن من صرخوا "يسقط حكم المرشد" و"النظام القديم لن يعود" و"ميدان التحرير موجود" و"العسكر في خدمتنا" منخدعين مغترين باللحظة الثورية غافلين عن قيمة الزمن.. كل أولئك إما صاروا في حضن النظام ومن منافقيه، أو من الساكتين الخانعين، أو من الضحايا في السجون والمنافي.

تماما مثلما كان يصدح حمزة نمرة يحرض على انتزاع الحلم إن لم يأتِ، ثم صار مستسلما للأحلام وهي تودعه كل يوم!
الثورة لحظة فارقة.. وأحسب أن الأمل لم ينته بعد، ولكن يجب ألا ننخدع بزخارف القول وهتافات الحالمين، فهاهو ميدان التحرير موجود، ولكن من يدفع كلفة الاقتراب منه الآن؟!.. ألا حفظ الله حازم صلاح أبو إسماعيل.

(2) الوقوف عند الحزن

صناع الحياة ومن يكتبون التاريخ لا يتوقفون عند لحظة الحزن.. بل يستنفرون عندها كل طاقتهم ليُفلتوا منها دون أن تأسرهم.. بل هم لا يسمحون بوجودها ويعملون على محاربة اليأس والإحباط ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. ولقد مدح عمرو بن العاص الروم لأنهم "أسرع الناس إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وأحلمهم عند فتنة".. سرعة الإفاقة، وسرعة العودة إلى المعركة، ولا تزلزلهم المحنة فتطير صوابهم.

قبل نحو عام كتبت هذه الكلمات كمحاولة لفهم سيرة النبي وخلفائه في هذا الموضوع، أحسب أن إعادتها هنا مفيد:
"يوم اليرموك، نظر رجل من المسلمين فرأى حشود الروم الهائلة الممتدة فقال: ما أكثر الروم وما أقل المسلمين! فسمعه خالد بن الوليد فقال له: بل ما أقل الروم وما أكثر المسلمين.. إنما تكثر الجنود بالنصر، وتقل بالهزيمة.

كلمة ذهبية في أحوال النفس والجماعات.. ما تُغني الجموع الكثيرة إذا كانت تنهزم مرة تلو الأخرى (وهي حالة الروم يومئذ)، وكيف تقوى الجموع القليلة طالما تنتقل من نصر إلى نصر. كان بعض جنود الروم في اليرموك مربوطين إلى بعضهم بالسلاسل، فقد استشعرت القيادة أنهم قد لا يثبتون لهجوم المسلمين، فكان هذا مما ساهم في ارتباك انسحابهم ووقوع بعضهم فوق بعض!

لماذا أقول هذا الآن؟

أقوله لأن خبر براءة مبارك النهائي أضفى على الشباب مسحة يأس وحزن وأسف، وصار بعضهم يذكر بعضا بما قالوه من قبل: لو مبارك خد براءة هنزل التحرير ملط.. لو أمن الدولة رجع هفجر نفسي.. الموت أهون من أن يعود نظام مبارك.. إلخ

نعم، في كل اللحظات كان ميزان القوة المادية لصالح السلطة، لكن النظام وهو يعاني الارتباك والتردد والضعف كان ينهزم أمام الثوار الذين زادتهم انتصاراتهم قوة إلى قوتهم! أما بعد تلك الهزائم، فقد انقلب الحال.. وصار الضابط لا يتردد في أن يهاجم جمعا بمسدسه، بينما كان قبل ذلك يفر أمامهم برشاشه، وربما كان الجمع نفس الجمع والضابط نفس الضابط!

سُئل أبو مسلم الخراساني: من أقوى الناس؟ فقال: كل قوم في إقبال دولتهم.

كلمة ذهبية أخرى تفسر لك حركة الناس والتاريخ.. ولعله لهذا لم يسمح النبي أبدا أبدا أن تتكرر عليه هزيمة، ما إن وقعت في أحد حتى استعد لها في حمراء الأسد في اليوم التالي، بل وأمر ألا يخرج معهم إلا من كان معهم بالأمس! ثم هو لم يرض أن تبتلع نفوس المسلمين الهزيمة، فصار ينادي عليهم للرد على أبي سفيان: لا سواء.. قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار!

ولهذا لم يسمح أبدا أن يتغلغل اليأس إلى القلوب، ففي الخندق حيث الأيام الرهيبة التي وصفها القرآن بالزلزال الشديد بشرهم بفتح فارس والروم واليمن!

ولهذا حين تزلزل جيش المسلمين في حنين، سارع النبي إلى الوقوف بمكان ظاهر ينادي في الناس، ويأمر العباس -لجهورية صوته- أن ينادي، ويذكرهم بمواقف الانتصارات القديمة: يا أصحاب الشجرة (أي شجرة بيعة الرضوان، حين بايعوا على الموت)، يا أصحاب سورة البقرة.. هلموا هذا رسول الله.. ونادى النبي قائلا: أنا النبي لا كذب.. أنا ابن عبد المطلب، فصار المسلمون -كما يصفهم الرواة- يعودون إلى النبي كما تعود البقرة حنينا لأولادها، حتى أن الواحد منهم إذا لم يطاوعه فرسه على الرجوع ألقى بنفسه من عليه وتركه وعاد إلى النبي.

وهو فقه تَعَلَّمَه منه الصحابة فلم يكد يتكرر عليهم هزيمة إلا وكان النصر التالي في خلال أيام.. فقد هُزِمت جيوش لأبي بكر في الردة -كجيش شرحبيل وعكرمة في اليمامة- فأتبعها بخالد بن الوليد فانتصر عليهم وقضى على ردتهم.. وأخفق جيش خالد بن سعيد بن العاص مرتين أو ثلاثا في حرب الروم فأخرج له أربعة جيوش بقيادة أبي عبيدة وشرحبيل ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص.

وهُزِم المسلمون في معركة الجسر أمام الفرس بقيادة أبي عبيد بن مسعود الثقفي (15 شعبان 13 هـ) فلم تمض عشرون يوما إلا وانتصروا في البويب (13 رمضان 13 هـ). والأمر يطول استقصاؤه، ويقصر المجال عنه.. وانظر ماذا فعل النبي بمن غدروا بأصحابه فقتلوهم!

القصد هو القول بأن النبي، وخلفاؤه، بل وكل ناجح في التاريخ يعرف جيدا أثر الهزيمة على جيشه.. فيبذل كل شيء لئلا تقع، فإن وقعت بذل كل شيء ليمحو أثرها من النفوس! وقد وصف الله عباده المؤمنين بهذا الوصف العجيب الرهيب (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون)

نحن ابتعدنا عن هذا المثال كثيرا كثيرا.. نحن لدينا قادة يعشقون الحياة في ثوب المحنة، يستلذون العذاب والتضحية، لا يرون في الهزيمة وتكرار الهزيمة إلا ابتلاء وتكرار الابتلاء.. ثم إن لديهم يقينا عجيبا بأنه ابتلاء حب من الله لا عقوبة منه! لا تدري.. هل اطلعوا الغيب أم اتخذوا عند الرحمن عهدا؟! ثم إنهم، فوق كل هذا، لا يتحركون ولا يعملون عملا فعالا، بل إنهم يوقفون عمل العاملين، يخشون على أنفسهم منهم!! ولا حول ولا قوة إلا بالله!

لأجل هذا كله نقول: لا ينبغي أن تفلت منا لحظة الثورة، التي أراها لم تنته بعد.. فإن إفلاتها عظيم المأساة شديد التكلفة عميق الأثر! ولا ينبغي أن ننشر اليأس لأنفسنا بأنفسنا.. ولا يعني هذا توزيع المخدرات بطبيعة الحال، فالسماء لا تمطر نصرا بغير عمل.. ولكن رب كلمة يأس ثبطت عاملا، ورب كلمة عزم ثبتت عاملا وثبطت ظالما!
(إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله، فيقتلون ويُقتلون، وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به)". (انتهى النقل).

المشكلة الكبرى في أغنية حمزة نمرة هذه أنها تقف عند الأحزان، وتبكي على الأطلال.. وليس من الفائدة في شيء أن نفعل هذا بأنفسنا!

(3) منهج الغذاء الصحي

قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيما معناه: أن الجسم إذا أخذ حاجته من الغذاء ولو كان مؤذيا زهد في الغذاء الطيب لأنه اكتفى وشبع.. وهكذا النفس إن تعودت سماع الغناء لم يكن لها تأثر بالقرآن لأنها أخذت بنصيبها وشبعت من الغناء فزهدت في القرآن.

القرآن هو الذي بعث هذه الأمة من الرقود والسكون والظلمات، وهو الذي فجر طاقتها حتى كانت حدثا استثنائيا في تاريخ البشر، وحضور القرآن ضرورة لكل نفس وهو ضرورة عامة للأمة لا سيما في وقت ضعفها وفي محاولتها النهوض. يجب أن يحضر الخطاب القرآني على كل مائدة وفي كل جلسة نقاش وفي كل خطة عمل.

لن ينتفع بالقرآن من تشبع بالمصادر المعرفية الأخرى، وتلك على الحقيقة أهم نكباتنا المعاصرة، فالقرآن نور ولكن لا يهتدي به من لا يعرفه ولا يبصره ومن كان محجوبا عنه، (ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء إلى صراط مستقيم)، (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء، والذين لا يؤمنون في آذانهم وقْرٌّ وهو عليهم عمى)، (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا)، (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين. يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه).

إن عدم الاهتداء بالقرآن مؤشر على الخلل فينا نحن، وهي علامة خطر شديد في الواقع، خطر على آخرتنا، وخطر على دنيانا.. والذي يهمنا في سياقنا الآن أن منهج البكاء على الأطلال والتحسر على ما فات والوقوف عند لحظة الحزن ليس مذكورا في القرآن.. بل القرآن دائم الحث على المراجعة والتصحيح والجهاد وبذل الوسع والأخذ بالأسباب.. مع الوعد بالنصر والتمكين والهداية لمن سعى وعمل (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم)، (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)، (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)، (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا)، (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا جاءهم نصرنا).

فاللهم اجعلنا من أهل القرآن، فقِّهنا فيه، وعلِّمنا منه، واهدنا به..

الأربعاء، يناير 03، 2018

دليلك لقراءة تاريخ مُبَسَّط مُشَوِّق غير مُمِلّ!

من أكثر الأسئلة التي تردني: أريد أن أقرأ في التاريخ ولكنني سريع الملل، أو: ولكنني أنسى بسرعة ما قرأت، أو: أنني لا أستطيع الاستفادة مما أقرأه في حياتي؟!

الواقع أن المادة التاريخية المقدمة في الكتب لا تناسب الكثير من جمهور القراء الذي يحب الثقافة السريعة أو الوجبات العقلية الخفيفة. وتلك مشكلة تمتد من أول مناهج التدريس الابتدائية حتى المنتجات الثقافية المتخصصة، ولهذا ينصرف الأكثرون عنها ولا يبقى إلا من شغف بها حتى تجاوز عسرها ودخل في الاستمتاع بها.

على كل حال فضلت أن أكتب في هذا المقال إجابتي التي تتكرر للأصدقاء والسائلين، فأقول مستعينا بالله:

1. لست ممن ينصح بالروايات، مع اعترافي بأن بعضها عميق في وصف النفس البشرية وفي وصف المعضلات الفكرية والشعورية، بل أذكر أن الروائي الإيطالي إيكو (صاحب رواية "الوردة") تحول إلى الرواية ليستطيع صياغة فكره الفلسفي في ثوب شيق مفهوم، وهو صاحب عبارة: حين يتعطل السرد تبدأ القصة. ومع هذا أقول: الرواية مصنوعة في ذهن مؤلفها، يملك مؤلفها أن يسوقها من البداية إلى الحبكة إلى النهاية، وهو يتصرف فيها تصرف صانع الصلصال، يشكله كيف يحب، ويسوقه كيف يحب.. فهي في النهاية خيالٌ محكي، لا واقعا تنقله الحكاية.

ولا ينبغي أن يبني الإنسان مادة عقله ومشاعره وأفكاره وتصوراته من الخيال والوهم مهما كان يبدو واقعيا، فهذا كالذي والتي أخذت ثقافتها من الأفلام والمسلسلات، وأكثرها –بطبيعة الحال- سطحي ورديء، ولسنا بحاجة أن ندلل على فساد ما صنعته الأفلام والمسلسلات في بيئاتنا العربية من تصورات، خصوصا عن العلاقة بين الرجل والمرأة، وبين الفقير والغني، وبين الحاكم والمحكوم، وبين المجرم وضابط الشرطة.. هل يمكن أن يكون إنسانا سويا من تكونت ثقافته من تلك المسلسلات والأفلام، مهما كانت جودة حبكتها وحرفية كتابتها؟

2. لهذا أنصح من يحبون الروايات ومن يملون من قراءة كتب التاريخ بالبدء بقراءة المذكرات الشخصية، صحيح أن المذكرات الشخصية تشبه الرواية في كونها ثمرة ذاتية لكاتبها، وكاتب المذكرات كالروائي يسوق الحكاية كما يحب ويرغب، قد يضيف وقد يخفي ويكتم، يبرئ نفسه ويبرر لها وربما يعظم من قدره، كما يلقي باللائمة على الآخرين ويحملهم المسؤولية.. هذا صحيح لا شك! ولكن مع هذا يبقى الفارق كبيرا وواضحا. الفارق بين الخيال مهما حاول أن يكون واقعيا، وبين الواقع مهما أضفى عليه صاحبه من خياله! الروائي يصنع روايته من الخيال فهو مطلق التصرف في صياغة أحداثها، بينما صاحب المذكرات محكوم بالوقائع كما كانت واجتهاده في صناعة روايته الشخصية لا يسمح له بالخروج عن إطار الحقيقة.

ربما نستثني من هذا: الروايات التاريخية، فهي محاولة حكاية التاريخ في ثوب قصصي بمعالجة روائية، هي على كل حال خير من الرواية الخيالية المصنوعة في عقل صاحبها من كل وجه، وهي مفيدة في تلمس الحقبة التاريخية بطريقة خفيفة مشوقة، فهي في منتصف الطريق بين الرواية وبين المذكرات الشخصية، ويظل للمذكرات الشخصية فضل اقترابها من الحقيقة والواقع. فمن أولئك: علي أحمد باكثير ونجيب الكيلاني ونجيب محفوظ والمنسي قنديل.. وغيرهم!

3. لكن المعضلة هنا أنه ليس كل من كتبوا مذكراتهم كان لهم هذا الأسلوب اللطيف المشوق. هذا صحيح.. ولذلك أنصح بالبدء بقراءة مذكرات الأدباء ومن تمتعوا باللغة الأدبية المشوقة، ولدينا طائفة هائلة من الأدباء الذين كتبوا مذكراتهم فكانت قطعة من المتعة العقلية والنفسية، ففي تلك المذكرات تتحقق أهداف الاستفادة بالتاريخ ووقائعه مع الصياغة اللذيذة.

من أبرز من كتبوا مذكراتهم من الأدباء، حتى ولو لم نوافق على أفكارهم وطريقتهم: طه حسين في (الأيام)، وعلي الطنطاوي في (ذكريات)، وأنور السادات في (البحث عن الذات) فلقد كان يملك أسلوبا أدبيا جميلا، والشيخ عبد الحميد كشك في (قصة أيامي)، وخالد محمد خالد في (قصتي مع الحياة)، وخليل حسن خليل في رباعية (الوسية، الوارثون، السلطنة، الخلاص)، وأحمد فؤاد نجم في (الفاجومي)، ووليد سيف في (الشاهد المشهود)... وغيرهم كثير كثير!

4. قريب من المذكرات أيضا كتب الرحلات، لكن يُنتبه إلى أن كتاب الرحلات في العادة يبالغون في وصف ما تعرضوا له من أخطار وأهوال أو من عجائب وغرائب، وفيما عدا هذه الملاحظة تعد كتب الرحلات من المواد التاريخية المفيدة، لا سيما إن كتبها أو ترجمها أديب سلس العبارة.. ويكاد يكون من اليسير أن تجد عن كل بلد في أي زمن كتاب من كتب الرحلة، وكلما اقتربت من الزمن المعاصر كلما زادت المادة المكتوبة غزارة وثراء وتنوعا، بل إن عالمنا الإسلامي منذ مائتي سنة يشهد كثافة هائلة في إنتاج المستشرقين الذين رحلوا إلى بلادنا وكتبوا رحلتهم (بل إن واحدا كالإنجليزي ريتشارد بيرتون أجاد 25 لغة وأربعين لهجة، ورحلته إلى الحج جاءت في ثلاث مجلدات كان الأول منها وصفا ممتازا لمصر في منتصف القرن التاسع عشر)، كما تشهد كثيرا من مادة العرب والمسلمين الذين ذهبوا إلى الغرب وكتبوا رحلاتهم.

5. ثم هناك من رزق الموهبة في كتابة التاريخ بأسلوب جميل مشوق، وكثير من هؤلاء صحافيون، ويجري على هؤلاء مثلما يجري على أصحاب المذكرات.. قيمتهم في التاريخ هي قيمتهم من الصدق والكذب، والواقع أن أكثرهم لا يعد في باب أصحاب النزاهة والأمانة، فمن المؤسف أن الصحافة –بطبيعتها، ولا سيما في بلادنا المنكوبة بالاستبداد- يندر أن تخرج النزيه الأمين.. فالقراءة لهؤلاء ينبغي أن تتوخى الحذر في الأخذ عن الصحافيين. فمن هؤلاء: جرجي زيدان وداود بركات وأنيس منصور ومحسن محمد وأمين معلوف وأحمد بهاء الدين وجمال بدوي وصلاح عيسى.. وغيرهم.

6. وهناك كتب لا تندرج تحت أي من التصانيف السابقة، ولكنها مع هذا تقدم مادة تاريخية في ثوب ممتع بديع، منها كتاب "حديث عيسى بن هشام" لمحمد المويلحي، فهو من أمتع ما يكون في وصف حال مصر في نهاية القرن التاسع عشر، كتبه على هيئة فن المقامة الأدبية، فقدم صورة شاملة لمجتمعه عبر مجموعة من القصص المسبوكة في رواية واحدة والمزخرفة بدفق ثري من الألفاظ والتراكيب البلاغية المدهشة.. ومنها كتب الأديب الملتهب د. محمد عباس، وكذلك كتب أحمد رائف.

ما يهمني التأكيد عليه في كل هذه الكتب السابقة أنها بداية لمن يريد أن يتعرف على تاريخ الحقبة، فهي تمهيد لا أكثر يُراد منه الوصول بعدها إلى قراءة الكتب المتخصصة فيها بغير ملل منها. ولا ينبغي بحال الاعتماد عليها في تكوين صورة عامة عن الفترة التاريخية. بل وليس معنى إيرادي لاسم هنا أنني أزكي طريقته أو منهجه أو أفكاره.. فقط أتحدث عن جمال لغته وأسلوبه، وأنه قد يستفاد منها في تقريب وتبسيط القارئ المحب للتاريخ وغير القادر على تناول الكتب العلمية مباشرة. بل وأصارحكم بأني ترددت في كتابة هذا المقال لنحو سنة كاملة لخشيتي ألا يؤخذ هذا التأكيد على محمل الجد، فللأسف نحن في عصر سادت فيه الخفة والسطحية حتى إن الشاب حين يقرأ عبارة يطير ليكتبها على الفيس وتويتر ويُكَوِّن حولها قصص وأساطير من نسج خياله.. لكنه في النهاية لن يضر إلا نفسه ومن يستمع له، وعلى كل إنسان أن يتق الله فيما يقول، ويتق الله فيمن يستمع إليه ويأخذ عنه.

7. ثم نختم في النهاية بجمع من المؤرخين المحترفين، أو من يقترب منهم في البحث والتعب على مادته، ولم تستطع التقاليد الأكاديمية أن تنتزع منه اللغة الأدبية الجذابة، فمن هؤلاء: حسين مؤنس وأحمد عادل كمال وأحمد أمين وشوقي ضيف ومحمد عبد الله عنان وعبد الرحمن بدوي ومحمد جلال كشك ومحمد قطب وغيرهم.

ثم نسأل الله أن يقيض لنا كتيبة من المؤرخين المحترفين أصحاب الأمانة والنزاهة يتمتعون بالأسلوب الجميل ليكتبوا لنا تاريخا يجمع بين الدقة العلمية ورشاقة الأسلوب.. ثم نسأله تعالى أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا وأن يزيدنا علما.

الأربعاء، أبريل 26، 2017

ألا أدلكم على مسلسل.. أحلى من أرطغرل

لقد ترددت كثيرا في كتابة هذا المقال الذي تلوح وتلح فكرته في رأسي منذ زمن، وذلك أني لا أخوض في نقد شيء أرى أن خيره يغلب شره، إذ ليس من شيء إلا وله عيوب فتلك طبيعة البشر، وطالما يغلب الخير على الشر في شيء فإن التعرض له بالنقد والهجوم هو عادة من عمل المتفلسفة والمُتنخوبة (من النخبة) وهو عادة عمل من يتكسب رزقه من تلقط عيوب الناس. ولست أحب لنفسي ولا لأحد أن يكون بهذه المنزلة.

ثم بدا لي أن جمهور قراء "مدونات الجزيرة" هو في عمومه من الشباب المثقف، وهؤلاء قادرون بسهولة على التمييز بين مراتب النقد ودرجاته، ثم إن هؤلاء من يُعوَّل عليهم في شأن الأمة اليوم وغدا، ومثلهم ينبغي أن يفرق بوضوح بين تاريخ يُقدم في صورة عاطفية شعبية نحرص بشدة أن يسمعها جمهور الناس بينما نتخوف بشدة أن يعتنقها شباب الأمة المكلفون بصناعة نهضتها، وبين تاريخ يقدم في صورته الحقيقة العملية الواقعية الذي يتوجب عليهم أن يستوعبوه بعقولهم قبل عواطفهم.

(1)

بداية فإني لم أشاهد مسلسل أرطغرل إلا بضعة مشاهد، لكني محاط بمن شغف به، وأولهم زوجي الغالية التي تتابعه بنهم، واستطعت من كثرة الحديث مع من شاهده ومن كتب عنه ومن نقاشات أراها على مواقع التواصل أن أكوِّن عنه صورة اختبرتها مع كل واحد منهم على حدة فثبت لي أن تصوري عنه صحيح! لكني أتابع مسلسل "السلطان عبد الحميد الثاني"، والذي هو في نهجه العام لا يختلف عن أرطغرل.

هذا النهج هو حديثنا في هذه السطور..

أعظم ما في المسلسلين هو هذه الصورة البصرية المبهرة المتقنة، وتلك الرسائل السياسية والحضارية والقيمية التي يحفل بها النص المكتوب، ولست أشك أن الذي يكتب هذه النصوص على وعي قوي بأحوال السياسة وقيم الإسلام فضلا عن التاريخ طبعا، فبعض الكلام يستحق أن يكون نصا موضوعا أمام المتحدث الرسمي السياسي للدولة العثمانية. ولا شك أن النص بطبيعته يخدم أهدافا بعينها، ومن ثَمَّ فليس من نص أعظم ولا أجل من نص يستهدف الدفاع عن الإسلام وتاريخه وترسيخ قيمه ومبادئه وتحبيب الناس فيها ونشرها بينهم.

لكن الذي يعيب هذا النهج هو التركيز التام على شخصية البطل وكأنه محور الأحداث وصانعها مع تهميش لكل من عاداه، ونحن لن ندخل الآن في نقاش مدى صدق المسلسل في نقل التاريخ، ولكن نريد أن نقول بوضوح أن الأمور لا تجري هكذا، فمع ما للبطل من أهمية كبرى في سياق الحدث التاريخي إلا أنه لا ينفرد به مهما بلغ من شأن، ولو كان هذا لأحد لكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكمل البشر قاطبة وأكرمهم على الله، إلا أن الله قال له (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين)، وقال له (فبِما رحمة من الله لِنْتَ لهم، ولو كنتَ فظَّا غليظ القلب لانفضُّوا من حولك)، وهو نفسه صلى الله عليه وسلم القائل "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريُّون.. الحديث".

بل إن من سوء القيادة ألا يكون الذين حول القائد قادة، بل وهي علامة انهيار (وأخطر ما يؤرق الحريصين على التجربة التركية الآن هو ما بعد أردوغان)، وبغض النظر تماما عن تقييم شخصية عبد الحميد الثاني تاريخيا إلا أن المسلسل يقدم شخصية تفهم في كل شئ وتقوم بكل شيء وسائر من حوله منفذون منبهرون به.

كذلك يعيب هذه المسلسلات نهج المؤامرة، ويقال فيها ما يقال في تعظيم البطل أيضا، فالمؤامرة حقيقة قائمة وهي من بديهيات الحياة عامة ومن بديهيات السياسة خاصة، لكن الأعداء لم يُؤتوا قدرات خارقة تجعلهم قادرين على تدبير المؤامرات المركبة التي لا فكاك منها بحيث لا تفشل واحدة إلا وتكون الثانية في الانتظار ثم بينما تبدأ الثانية تكون الثالثة قد بدأت تتهيأ لمن يفلت من الثانية. واقع الحياة لا يجري هكذا، ليس ثمة أحد بيده كل خيوط الأحداث، وإنما هي عقول تجتهد وتدبر وتخطط، ثم تنجح الخطط أو تفسد أو تنجح جزئيا.. ولولا أن ثمة ثغرات داخل الصف فإنها لا تنجح، ووجود الثغرات في صفنا طبيعي كما أن الثغرات موجودة في صفهم كذلك، وكان في جيش النبي منافقون كما كان فيه من ضعف وانسحب أو تخابر مع العدو متأولا أو غير ذلك.

ربما يكون التبسيط الذي تؤديه هذه المسلسلات مفيدا لعموم الجماهير، لكنه سيكون خطيرا إذا فهم شباب الأمة وطليعتها حركة التاريخ منه.

(2)

أما المسلسل الذي هو أحلى من أرطغرل ومن عبد الحميد.. فليس واحدا، وإنما هم خمسة..

هي تلك الخماسية التي كتبها المبدع الموهوب العجيب بحق د. وليد سيف، وهو أديب شاعر له حظ من فهم التاريخ يفوق به كثيرا من المؤرخين، تلك هي مسلسلات: صلاح الدين الأيوبي، صقر قريش، ربيع قرطبة، ملوك الطوائف، عمر.

وهي –ما عدا الأخير- إنتاج سوري، وأخرجها حاتم علي، ولا تملك الإبهار البصري الموجود في المسلسلات التركية، لكنها تقدم التاريخ كما ينبغي أن يكون.

وليست هذه المرة الأولى التي أكتب فيها عن هذه المسلسلات وأوصي بمشاهدتها، بل لعل بعض الأصدقاء قد ملَّ من كثرة حديثي عنها، ولكني هنا أختصر القول فأشير إلى أمور محددة:

1. قدمت هذه المسلسلات التاريخ بأمانة علمية وانضباط ممتاز لم أره من قبل ولا من بعد في أي عمل فني، حيث لم تلجئ ما يسمونه "الضرورة الدرامية" (في زعمهم) مؤلفها إلى تزوير شيء أو اختراع شيء، بل كافة إضافاته لحبك التاريخ في رواية منسجم مع ما نقله المؤرخون مع اجتهادات سائغة مقبولة في ترجيح رواية أو رؤية على غيرها.. وهذا مع فهم عميق لتاريخ تلك الفترة، وهو فهم لا يتوفر إلا لمن عايش التاريخ بدأب، إذ في هذا الباب تفصيلات دقيقة تسقط في كتابات سائر المؤلفين الآخرين، ما يعني أنك ستشاهد صورة حقيقية ليس فقط لأحداث تلك الفترة بل ستتسرب إليك كثير من تفاصيلها عبر الصورة وأساليب النداء والخطاب وطبيعة العلاقات وحياة المجتمع حينذاك.

2. لم تقع المسلسلات في فخ تقديم صورة الخير والشر بالنقاء المعهود في الأعمال الفنية التي يغلب عليها السطحية، بل قدَّمت صورة الشخصية الإنسانية المركبة والعميقة، التي يختلط فيها خير وشر، فحتى الخيانة لها منطقها ومبرراتها عند أهلها، كذلك القسوة لها مبرراتها، كما للرحمة عيوبها ومخاطرها، والخصوم بشر فيهم البطل الباسل المخلص لعقيدته وأمته كما عندنا الجبان الخوار. في الواقع أنت تشاهد حياة حقيقية، وربما يختلف المشاهدون في تقييم المشهد والواقعة التاريخية، وما إن كان هذا هو التصرف الصحيح أم أنه كان خطأ؟ هل كان معذورا في قسوته أم لا؟ هل كان مخطئا في عفوه ورحمته أم لا؟.. وهكذا!

لم تعظم شأن البطل ليغلب على من حوله، كما لم تنفِ عنه ما هو من عيوبه ووجوه تقصيره، بل ربما كاد كل مسلسل أن يكشف شخصية كانت تعبر عليها الرواية التاريخية كشخصية هامشية، وهذا إنجاز في البحث والتدقيق التاريخي قبل أن يكون إنجازا فنيا.

3. ثم صيغ كل هذا الإبداع الروائي والسرد التاريخي في لغة ولا أروع، لغة عربية فخمة فاخرة جذلة، لغة ساحرة بليغة فصيحة، مع قليل من شعر وأدب وطرائف، وتلك متعة سمعية ونفسية، ويمكن أن تكون بداية الطريق نحو فهم اللغة العربية وإتقانها ومطالعة كنوز الأدب العربي والتراث الإسلامي.

انتهت مساحة المقال ولم ينته ما أحب أن أقول.. فمن أراد مزيدا فلينظر هنا وهنا وهنا..


لكن المهم الذي لا بد من التأكيد عليه، أن مشاهدة هذه المسلسلات تورث عقلا وبعد نظر في طبيعة الحياة والتاريخ، وهي مع كونها قطعة فنية أدبية ممتعة ساحرة فإنها قبل كل ذلك وبعده نظر عميق وفهم دقيق وإدراك سديد لأحوال الزمان والواقع.

الأربعاء، مارس 22، 2017

هذا جمال غير مسبوق!

لا نعلم في التاريخ أمة كان لها حسٌّ مرهف في الجمال كما كان للحضارة الإسلامية، والحديث عن هذا يطول تشهد به فنون العمارة كما تشهد به ملايين المساحات المتنوعة من الزخارف، وحضارتنا هي الوحيدة التي جعلت الخط العربي مادة ثرية للزخرفة والزينة، وهو ابتكار غير مسبوق، ومع هذا فحديثنا اليوم عن موضوع جديد لم أعرف أن أحدا ركّز عليه وتناوله، ذلك هو اختيارهم المرهف الرقيق لعناوين الكتب.

فمهما يكون موضوع الكتاب جافا أو ثقيلا أو مغرقا في الجدية فإن العالِم المسلم كان حريصا على اختيار عنوان لذيذ يجعله رقيقا محببا مقربا إلى النفوس!

الجِناس المُطرب

أقل ما نجد من أنواع الجمال في عناوين الكتب أن يكون لها جرس موسيقي من أثر الجِناس، والجِناس كما هو معروف يعني تشابه الحروف الأخيرة، فذلك هو الجناس الناقص، فإن كان الجِناس تامًّا فهو أن تتشابه الكلمتان ولكن يختلف معناها. وهكذا تجد الأذن لذة في سماع العنوان وتأمل معناه.

فمن أمثلة الجناس الناقص: (الاقتصاد.. في الاعتقاد) للغزالي، و(فتح الباري.. شرح صحيح البخاري) لابن حجر، و(زاد المعاد.. في هَدْي خير العباد) لابن القيم، و(بداية المجتهد.. ونهاية المقتصد) لابن رشد، و(البيان المُغرب.. في أخبار الأندلس والمَغرب) لابن عذارى. ومن أمثلة الجناس التام، كتاب ابن العماد الحنبلي في تاريخه (شذرات الذهب.. في أخبارِ مَنْ ذهب).

ظلالٌ وثمار

كان سيد قطب متأثرا بأجداده الأقدمين حين جعل عنوان تفسيره (في ظلال القرآن)، لقد سبقه إلى هذا كثيرون جعلوا كتبهم حدائق وأشجار، كالنووي الذي كتب في السنة (رياض الصالحين.. من كلام خير المرسلين)، ومغلطاي بن قليج الذي جعل السيرة روضا (الروض الباسم.. في سيرة أبي القاسم)، والسيوطي الذي جعل سيرة الصديق هكذا (الروض الأنيق.. في سيرة الصديق)، وابن جماعة الذي جعل علوم الحديث منهلا رويًّا فكتب (المنهل الرويّ.. في علوم الحديث النبوي)، والمقري الذي كتب تاريخ الأندلس فجعله رائحة غصن ناضر وسمَّاه (نفح الطيب.. من غصن الأندلس الرطيب)، وأبو شامة الذي جعل تاريخ نور الدين وصلاح الدين روضتين في (الروضتيْن.. في أخبار الدولتيْن)، وابن أبي زرع الذي جعل تاريخه (أزهار البستان.. في أخبار الزمان)، والحميري الذي جعل رحلاته ومشاهد الأرض (الروض المعطار.. في خبر الأقطار)، وابن غازي الذي كتب تاريخه كأنه (الروض الهتون.. في أخبار مكناسة الزيتون)، وابن إياس الذي جعل تايخه زهورا وسمَّاه (بدائع الزهور.. في وقائع الدهور)، وابن كنان الذي كتب عن الرسوم السلطانية (البروتوكول) فكان كتابه (حدائق الياسمين.. في قوانين الخلفاء والسلاطين).

وكتب ابن حبان في الرقائق (روضة العقلاء.. ونزهة الفضلاء)، ومثله كتب ابن الجوزي في الوعظ (بستان الواعظين.. ورياض السامعين)، ومثلهما كتب ابن القيم (روضة المحبين.. ونزهة المشتاقين).

شموسٌ وأقمار

يمكنك أن تدخل مكتبة تراثية فتفاجأ بأنك على الحقيقة قد بدأت رحلة في السماء، بين الشموس والأقمار والنجوم والكواكب؛ فإنك عند التفسير وعلوم القرآن تجد سراج الدين النشار يشرح لك القراءات تحت عنوان (البدور الزاهرة.. في القراءت العشر المتواترة)، فإن ذهبت إلى الحديث رأيت (البدر المنير.. في تخرج أحاديث الشرح الكبير) لابن الملقن، فإذا وصلت إلى الأصول شاهدت (الأنجم الزاهرات.. على حل ألفاظ الورقات) للمارديني، فإن كنت عند التاريخ طالعتَ (النجوم الزاهرة.. في أخبار ملوك مصر والقاهرة) لابن تغري بردي، فإذا ذهبت إلى الأدب طلع عليك (صبح الأعشى في صناعة الإنشا) للقلقشندي، فإن كنت عند كتب الزهد والرقائق طلعت عليك (البدور السافرة.. في أمور الآخرة) للسيوطي.

بحار وأنهار

ويمكن لرحلتك العلمية أن تكون في الماء، بين البحار والأنهار، فدارس الفقه الحنفي ينهل من (البحر الرائق.. شرح كنز الدقائق) لابن نجيم، ولما أراد الفقيه الحنفي إبراهيم الحلبي أن يجمع خلاصة المذهب في كتاب واحد سمَّاه (ملتقى الأبْحُر) حيث تلتقي فيه بحار العلم المتفرقة في المذهب، ثم جاء فقيه حنفي آخر يلقب بشيخ زاده فشرح الكتاب فجعل العنوان (مَجْمَع الأنهر.. شرح مُلتقى الأبحر). وأما الدارس لفقه الدليل عند الشوكاني فسيجد نفسه يتابع (السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار). وأما دارس التاريخ فيجد نفسه أمام (المنهل الصافي.. والمستوفى بعد الوافي) لابن تغري بردي،

كنوزٌ  وجواهر

أحيانا يدخل بك المؤلف مغارات الكنوز ويفتح لك صناديق الجواهر ويغوص بك البحار ليأتيك باللآلئ، فكأن الكتاب كنزٌ متألق.. هكذا صنع الثعالبي الذي سمَّى تفسيره (الجواهر الحسان.. في تفسير القرآن)، والسيوطي الذي سمَّى تفسيره (الدُّرُّ المنثور.. في التفسير بالمأثور)، ورأى السيوطي أنه يهدي الأمة كنزا حين يكشف لها الأحاديث المكذوبة على النبي فقدَّمه بعنوان (اللآلئ المصنوعة.. في الأحاديث الموضوعة)، ورأى الغزالي أن يهدي الملوك نصيحة فسمَّاها (التِّبْر –أي: الذهب- المسبوك.. في نصيحة الملوك)، وأما المسعودي فقد جعل التاريخ والرحلات أودية من الذهب في كتابه (مروج الذهب ومعادن الجوهر)، وكتب الداوداري تاريخا فجعل له عنوانا فاخرا هو (كنز الدُّرَر وجامع الغُرَر)، وأرَّخ ابن حجر لعلماء زمانه فجعل كتابه (الدُّرر الكامنة.. في أعيان المائة الثامنة)، وختم المسيرة محمد فؤاد عبد الباقي الذي قدَّم كنزه من الأحاديث التي هي في أعلى درجات الثقة بكتابه (اللؤلؤ والمرجان.. فيما اتفق عليه الشيخان).

هدايا أخرى

ربما كانت الهدية أقل من كنز حافل بالجواهر والدرر، ربما تكون تحفة نادرة كما فعل المباركفوري في (تحفة الأحوذي.. شرح جامع الترمذي)، أو ربما صناعة متقنة بديعة كما فعل الكاساني في كتابه الفقهي (بدائع الصنائع.. في ترتيب الشرائع)، أو ربما زخرفة وحُلية ثمينة كما فعل ابن حزم في كتابه (المُحَلَّى بالآثار.. شرح المُجَلَّى بالاختصار)، أو ربما أنيسا لطيفا ظريفا كما جعله ابن أبي زرع في كتابه (الأنيس المطرب بروض القرطاس.. في ذكر ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس).

وأحيانا تكون الهدية دواء وشفاء وهداية ، كما فعل القاضي عياض بكتابه (الشفا.. بالتعريف بحقوق المصطفى)، ومثله ابن القيم في كتابه (الجواب الكافي.. لمن سأل عن الدواء الشافي)، وكتابه الآخر (هداية الحيارى.. في أجوبة اليهود والنصارى).

العقد الفريد


ونختم المقال بهذا الكتاب الشهير لأديب الأندلس ابن عبد ربه، وهو (العقد الفريد)، فلقد أنشأ كتابه كأنما هو عِقدٌ مُكوَّن من جواهر، كل جوهرة كأنها فصل مستقل في موضوع مستقل، يبدأ العِقد بـ "المرجانة في مخاطبة الملوك"، وبعدها "الياقوتة في العلم والأدب"، ثم "الجوهرة في الأمثال"، ثم "الزمردة في المواعظ والزهد"، وهكذا حتى تصل إلى واسطة العقد وهي في الخطب، ثم نعودثانية حتى نصل إلى خاتمة العقد "اللؤلؤة في الفكاهات والمُلح". فتكتمل بهذا موسوعة أدبية فريدة نُظِمت كأنها عقد جوهر فريد!

الأربعاء، فبراير 15، 2017

كلام في الحب وأشعار الغزل

أخبرني صديق جزائري ذات ليلة تناولنا فيها أشعار الغزل عند العرب أنه لما ترجم بعض أبيات شعر إلى الألمانية كادت فتاة ألمانية أن يُغشى عليها لرقة المعنى وعذوبته! وليس هذا بالغريب، فلا ريب أن لغة العرب هي أمتع اللغات، وقد سألت كثيرين ممن يتكلمون العربية ولغة أخرى (كلغات أم) ما إن كان في اللسان الآخر نفس ما يتذوقه العرب من لغتهم فاتفقت إجابتهم أن لا.

قالوا منذ قديم: نزلت الحكمة على لسان العرب..

لذلك كان العرب قوم المعاني البديعة، وكان الشعراء فيهم صفوتهم ونخبتهم، وكانت القبيلة تحتفل إذا نبغ فيها شاعر، وليس من مقام يحققه المرء في العرب قديما فوق أن يكون فارسا شاعرا معا. ولهذا قالوا: المرء بأصغريه: قلبه ولسانه. يشيرون إلى الشجاعة والبلاغة، وليس أدلَّ على رقة إحساس العرب وتأثرهم بالمعنى من إنشائهم أسواق للكلام، وتعظيمهم القصائد الفاخرة بتعليقها على الكعبة. ولهذا جاءهم القرآن فحيَّرهم وأخذ بعقولهم فصار الذي يريد الكفر يجتهد ألا يسمع القرآن وألا يدع أحدا يسمعه.


والشاعر في حضارتنا العربية ليس مجرد رجل يجيد صناعة الكلام، بل هو الآن بمثابة الجهاز الإعلامي أو القناة الفضائية، إنه صاحب العقل الذي يُحسن الأخذ والرد، ويطلع على علوم زمنه وأحوال السياسة فيتخذ من كل هذا أدوات له في سبك المعاني، ولا يُشتهر الشاعر لمجرد قدرته على صناعة الوزن، بل لقدرته على صوغ المعنى العالي في الكلام الموزون، ويا ويل من يُتهم بالسرقة، لا سرقة الأبيات والقصائد –كما في عصر الظلام الذي نحن فيه- بل بسرقة المعنى والفكرة وإن أنتجها في وزن آخر.

وكان الحب أشهر ما تنافس فيه شعراء العرب وتفننوا في وصف معانيه، بل به تبدأ القصائد، وعامة الأطلال التي بكاها شعراء العرب كانت ديار المحبوب، كما قال شاعرهم:

أمرُّ على الديار ديار ليلى .. فألثم ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي .. ولكن حب من سكن الديارا

وبالعموم، فما أحسب الذي يتذوق أشعار العرب في الغزل إلا أحد اثنين، إن كان عاشقا فقرأها أصابه الجنون، وإن عافاه الله وقرأها أصابته رقة وذوق ولطف شفيف. وفي مذهبي ألا يتعرض من ليست عنده زوجته لشعر الغزل أو لأدب الحب، فإن ذلك أمر شديد لا يكاد يقدر عليه أحد

(1) المعاني العالية

روى قيس كيف دافعت ليلى العامرية عن نفسها لما رأى كفها مخضَّبا باحمرار، فعاتبها لأنها نسيته وتزينت بعد الفراق بالحناء، فكان دفاعها هكذا:

ولما تلاقينا على سفح رامة .. وجدت بنان العامرية أحمرا
فقلتُ: خَضَبْتِ الكفَّ بعد فراقنا؟ .. فقالت: معاذ الله، ذلك ما جرى
ولكني لما رأيتك راحلا .. ذرفتُ دما بَلَلْتُ به الثرى
مسحتُ بأطراف البنان مدامعي .. فصار خَضابا في اليدين كما ترى

ووصف أبو صخر، شاعر هذيل، حالته حين يلقى محبوبته التي عزم على هجرها بقوله:

أما والذي أضحك وأبكى والذي .. أمات وأحيا والذي أمره الأمرُ
لقد كنتُ آتيها وفي النفس هجرها .. بتاتا لأُخْرى الدهر، ما طلع الفجرُ
فما هو إلا أن أراها فجاءة .. فأبهتُ، لا عُرْفٌ لدي ولا نُكر
وأنسى الذي قد كنتُ فيه هجرتها .. كما قد تُنَسِّي عقلَ شاربها الخمرُ
وإني لتعروني لذاكراكِ هزٌّة .. كما انتفض العصفور بلَّله القَطْر

وأخبر عنترة عبلة بقدرها في نفسه فقال:

أحبُّك يا ظلومُ وأنتِ منِّي .. مكان الروح مِنْ نَفْسِ الجبان
ولو أني أقول مكان روحي .. لَخِفْتُ عليك بادرة الطِّعان

ولشاعر آخر حين يغلبه الشوق حيلة أخرى، سجلها في قوله:

وإني لأهوى النوم في غير حينه .. لعل لقاءً في المنام يكون
تحدثني الأحلام أني أراكمُ .. فيا ليت أحلام المنام يقين

وقال شوقي في بيت ما أروعه:
مولاي، وروحي في يده .. قد ضَيَّعَها، سَلِمَتْ يدُه

(2) حب الملوك والفقهاء

وشارك في هذا الموكب الطويل الملوك والوزراء والفقهاء والصوفية، واشتهر بعضهم بحبه وشعره، فخليفة مثل الحكم المستنصر يُنشد في جاريته صبح هذا الشعر:

عجِبْتُ وقد ودَّعتها كيف لم أمت .. وكيف انثنت -بعد الوداع- يدي معي
فيا مُقْلتي العبرى عليها اسكبي دما .. ويا كبدي الحرَّى عليها تقطَّعي

وإذا ذُكِر الوزراء، ذُكِر ابن الخطيب، صاحب البيت العجيب في مدح العيون:
كل السيوف قواطع إن جُرِّدَت .. وحُسام لحظِك قاطع في غمده

وأما الفقهاء فكثيرون، لا تتسع المساحة سوى لنقل مثال واحد للقاضي عبد الوهاب المالكي الذي ألَّف صورة يجتمع فيها الحب بالفقه، فقال:

ونائمةٍ قبَّلتُها، فَتَنَبَّهَتْ .. فقالت: تعالوا، واطلبوا اللصَّ بالحدِّ
فقلت لها: إني –فَدَيْتُك- "غاصبٌ" .. وما حكموا في غاصب بسوى الردِّ
خذيها وكُفِّي عن أثيم ظلامة .. وإن أنتِ لم ترضي فألفٌ على العدِّ
فقالت: قصاصٌ يشهد الله أنه .. على كبد الجاني ألذُّ من الشهد

والمعنى أنه اختلس قبلة منها، فنادت على الناس ليعاقبوه، فأخبرها –وهو الفقيه- بأن جريمته ليست إلا "الغصب"، وحكم الشرع فيها أن يرد الغاصب ما أخذه، وهو مستعد أن يرد ما أخذه ولو ألف ضعف حتى ترضى، فقالت: هذا قصاص ألذ على الجاني من العسل.

عد واقرأها مرة أخرى، وينبغي التنبيه على أن هذه الصور مؤلفة من الخيال وليست حقيقية، فتلك هي عادة الشعر والشعراء (يقولون ما لا يفعلون)

(4) الحب والأخلاق

لقد مدح العلماء والحكماء الحبَّ لما فيه من رقة النفس ولطف الطبع وحسن التهذب، فقالوا في هذا:
إذا أنت لم تعشق ولم تدرِ ما الهوى .. فكن حجرا من جانب الصخر جلمدا

ومدحوه لما يكون فيه من الترقِّي بالأخلاق والتحلِّي بالمكارم، فالعاشق حريص على أن يثير إعجاب من يُحب، فقالوا:
فيهتزّ للمعروف في طلب العُلى .. لِتُحمَد دومًا عند ليلى شمائلُه

وللمرء أن يفتخر بنفسه إن اجتمع فيه الحب والعفة، كما افتخر شاعرهم:
أخلو به فأعِفّ عنه تكرُّمًا .. خوفَ الديانة، لستُ من عشّاقِه
كالماء في يد صائم يلتذّه .. ظمئا فيصبر عن لذيذ مذاقه

وشبيه بذلك قول الشاعر:
أُنَزِّه في روض المحاسن مُقْلَتي .. وأمنع نفسي أن تنال محرَّما
وأحمل من ثِقْل الهوى ما لو انّه .. يُصَبّ على الصخر الأصمّ تهدّما

ولم يُمدح الحب لما قد يكون فيه من سوء الأخلاق والانحلال والغدر والخداع، اللهم إلا المنحلين والفاسقين الذين ملكوا وسائل الإعلام ومنافذ الثقافة في عصور الظلام التي نحياها الآن، منذ نزل بلادنا الاحتلال ثم حَكَمَنا عملاؤه من بعده، فأفسدوا الدين والأخلاق، وكان من بين ما أفسدوه: معنى الحب!

(5) أعلى مراتب الحب

لما آخى رسول الله بين المهاجرين والأنصار، قال سعد بن الربيع الأنصاري لأخيه عبد الرحمن بن عوف المهاجري: وإن لي زوجتان، انظر أيهما أحب إليك، أطلقها فتتزوجها!

وانتزع حنظلة بن أبي عامر نفسه من أحضان عروسه بعد ليلة زفافهما حين سمع نداء الجهاد في أحد، فنال الشهادة، فكان من كرامة الله له أن غسَّلته الملائكة، فعُرف بلقبه "غسيل الملائكة".


وقيل للقعقاع الأوسي: شوِّقنا إلى الجنة، فقال: فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم).