الخميس، نوفمبر 21، 2019

مذكرات الشيخ رفاعي طه (20) السادات لم يدعم التيار الإسلامي ولم يتسامح معه


مذكرات الشيخ رفاعي طه (20)

من مؤسسي الجماعة الإسلامية المصرية

السادات لم يدعم التيار الإسلامي ولم يتسامح معه وأرسل نائبه حسني مبارك لكي لا يذهب منصب رئيس الاتحاد لشاب ملتحٍ

·        قصة الفوز بأول انتخابات لاتحاد الطلاب، وكانت فكرتي التركيز على الأطراف
·        تصرفنا في أموال اتحاد الطلاب لمصلحة الطلاب مما أكسبنا ثقتهم وتقديرهم!
·        نظمنا الرحلات الدينية بدل الرحلات المختلطة، ونظمنا رحلات لزيارة المقابر!

سجلها عنه وحررها: محمد إلهامي
لقراءة الحلقات السابقة:

وصفتُ في الحلقات السابقة كيف تطورت العلاقة بين الجماعة الإسلامية والإخوان المسلمين في جامعة أسيوط حتى الانفصال وبعض العداء، لقد كان هذا هو المشهد الداخلي بين الشباب الإسلامي، وهو مشهد حزين مؤسف، وأما المشهد الخارجي الدعوي فهو مشهد مشرق..

في ذلك العام (1978م) كان أول فوزنا بانتخابات اتحاد الطلاب.. وما أدراك ما اتحاد الطلاب؟!

في ذلك الوقت كان "اتحاد الطلاب" قوة حقيقية، وكانت اللائحة الجامعية تجعل منه كيانا قويا وتحت يده مقدرات وافرة، وأتذكر أن ميزانية اتحاد الطلاب في السنة التي تولى فيها عادل أسعد الخياط بلغت ثلاثين ألف جنيه، وهذا في زمن السبعينات مبلغ ضخم. وهذا المبلغ لا يمكن صرفه إلا بتوقيع رئيس اتحاد الطلاب نفسه، ولا يملك أي أستاذ جامعي أن يصرفه، وكان للاتحاد شرعية التعبير عن الطلاب، وفي إمكانه استعمال واستثمار مقدرات عديدة في الأنشطة الطلابية.. وباختصار، فإن التيار الذي سيفوز بانتخابات اتحاد الطلاب قادر على التأثير في مجتمع شباب الجامعة تأثيرا قويا..

يبدأ الطلاب الذين يريدون الترشح على قائمة اتحاد الطلاب بتجهيز أنفسهم منذ الشهر الأول في العام الدراسي، شهر أكتوبر، يجهزون بعض الأوراق على المستوى الرسمي لتقديمها إلى لجنة "البتّ" أو لجنة الفحص، وهي لجنة من موظفي الجامعة تفحص الأوراق من حيث تحقق بعض الشروط كألا يكون الطالب متهما بسلوك مشين أو نحو ذلك، ولكن اللجنة كانت من وسائل السلطة في استبعاد الطلاب الذين تراهم مزعجين، فربما تقدَّم لها ثلاثون أو أربعون، لكنها لا تجيز منهم إلا عشرة فقط.

لهذا كنا ندخل إلى اللجنة بكامل ثقلنا، بحيث أنهم مهما استبعدوا من الأسماء يبقى من المُجَازِين من هو منا، وفيما بعد صارت هذه اللجنة لا تجيز إلا من اطمأنت إليهم السلطة أو كانوا من عملاء الأمن بين الطلبة.

انبثقت الفكرة من الشيخ صلاح هاشم، سأل: لماذا نحن كجماعة إسلامية لا ندخل انتخابات اتحاد الطلاب؟ إننا نستطيع الفوز فيه؟

ووجد السؤال موقعه في نفوسنا: لماذا لا نفعل؟ هذا الاتحاد يستولي عليه طلاب من التيار اليساري، أو شلل منتفعة لا لزوم لها، فكرة ممتازة.. ولكن، هذا الأمر جديد علينا، فكيف نفعله ونفوز؟

أول ما فكرنا فيه: من هو المرشح المناسب؟

اقترح صلاح هاشم أن يكون مرشحنا عادل أسعد خياط، شاب متدين، من أسرة كبيرة من مركز إخميم في محافظة سوهاج، ذو مال من أسرة تعمل بالتجارة، يستطيع أن يقوم بعبء الترشح والحملة الانتخابية البسيطة، ونحن من ورائه عصبة ودعما وسندا. وكان صلاح هاشم بمثابة الأب الروحي أو الأخ الأكبر له، ولم يكن لعادل توجه إسلامي محدد، إنما هو شاب متدين عموما.

واستفدتُ من خبرتي القديمة في اتحاد الطلاب، فلقد كنت فيه ضمن الأنشطة التي صنعتها منفردا كما سبق الذكر، فألقيتُ فكرة مهمة كانت هي السرّ في الفوز..

في ذلك الوقت كانت جامعة أسيوط هي الجامعة الوحيدة في جنوب الصعيد، فكانت لها فروع في محافظات سوهاج وقنا وأسوان، في كل هذه المحافظات كان ثمة كليات تابعة لجامعة أسيوط، وهذه الكليات هي التي كان نواة جامعات المحافظات فيما بعد: جامعة سوهاج وجامعة جنوب الوادي وجامعة أسوان، فكانت الفكرة كالآتي، قلت لهم: إن الطالب المنافس (واسمه القرشي) يعتمد على الأصوات في جامعة أسيوط نفسها، فلنقم بالخطوة التي لن ينتبه إليها أحد، لنركز اهتمامنا على كليات الفروع في سوهاج والمنيا وأسوان، هذه الكليات لا يُنْتَبَه لها عادة، فإذا كسبنا اتحاد الطلاب في هذه الكليات فقد قطعنا نصف الطريق أو أكثر منه نحو اتحاد طلاب الجامعة، ولن يبقى لنا إلا الفوز بكلية أو اثنتين من كليات جامعة أسيوط نفسها.. والواقع أنه يجب علينا أن نبدأ في هذا من الآن.

استحسن الإخوة هذه الفكرة، وتواصوا بالكتمان، وحذروا أن تتسرب، ثم بدؤوا الحركة في هذه الكليات الفرعية، وانتدبنا لهذه المهمة إخوة بأعيانهم، كانوا تابعين لنا في هذه الكليات، ليترشحوا ويفوزوا، وقد نجحت الخطة فعلا، وفاز كل مرشحينا في سوهاج وقنا وأسوان، ففي كل هذه الكليات حزنا منصب رئيس اتحاد طلاب الكلية ونائبه، وهكذا حسمنا الموقف:

كان مجلس الجامعة يتكون من عشرين مقعدا تعبر عن عشر كليات، لكل كلية مقعدان: رئيس اتحاد طلاب الكلية ونائبه، فكان فوزنا في سوهاج وقنا وأسوان قد ضمن لنا أربعة عشر مقعدا عن سبع كليات تتوزع في هذه المحافظات.
لم يحز منافسنا على صوت واحد من خارج أسيوط، وهكذا كان الفوز مضمونا، وصار عادل أسعد الخياط رئيس الاتحاد!

هذا الفوز كان فوزا إسلاميا عاما، لقد كنا في هذه المرحلة مع الإخوان في كيان واحد، لم يكن قد وقع الانشقاق بيننا ساعتها، وأتذكر المجهود العظيم الذي بذله شباب الإخوان أيضا، بل والمجهود الكبير الذي بذله الدكتور محمد حبيب، وكان في ذلك الوقت أستاذا بكلية العلوم، وكان شخصية بارزة وتربوية وتوجيهية مرموقة، ونحن كنا نحبه ونُكبره وننجذب إليه، وكانت جولاته وحديثه مع الطلبة من أكثر ما يؤثر فيهم ويجذبهم لانتخاب شباب الجماعة الإسلامية.

وقد حاول د. حبيب فيما بعد أن يجعل مؤسسة اتحاد الطلبة محايدة تخدم الاتجاهين (خصوصا بعد وقوع الانشقاق بين الإخوان والجماعة الإسلامية)، ولكن ما كان هذا ممكنا، لقد كان عادل أسعد الخياط رئيس الاتحاد من شباب الجماعة الإسلامية، فكان الاتحاد تابعا لنا. ويمكن القول بأن موقف عادل أسعد الخياط قد ساهم بشكل كبير في بروز الجماعة الإسلامية.

استمر عادل رئيسا لاتحاد طلاب الجامعة إلى أن صدر قرار السادات في السنة التي تليها (1978/ 1979) بحل اتحاد الطلاب، وهذا كان أول قرار يتخذه السادات في حل اتحادات الطلاب على مستوى مصر كلها، وهذا يدحض المقول الرائجة الشائعة بأن السادات دعم التيار الإسلامي أو أفسح له لمواجهة التيار اليساري، هذه مقولة غير صحيحة بالمرة.

لم يكن السادات داعما للتيار الإسلامي ولا حتى متسامحا معه، لقد أرسل السادات نائبه حسني مبارك إلى جامعة عين شمس ليجتمع باتحاد الطلاب في الجامعة لكي يفرض عليهم ألا يترشح طالب ملتحٍ على رأس الاتحاد! تأمل كيف يهتم رئيس الدولة بإرسال نائبه ليفرض على الطلاب ألا يأتي متدين لمنصب رئيس اتحاد الطلاب في جامعة!!

ومع ذلك كسر الطلاب هذه المعادلة، وحاز الشباب الإسلامي على اتحاد الطلاب، كان الجميع ساعتها يُسَمَّى "الجماعة الإسلامية" رغم أنهم لم يكونوا جماعة واحدة، بل كان الإخوان هم الأقوى في القاهرة وعين شمس، وكان السلفيون هم الأقوى في الإسكندرية، ونحن كاتجاه مستقل كنا الأقوى في أسيوط والصعيد. لكن المشهد الإسلامي العام أمام الدولة كان مشهدا واحدا تعبر عنه لافتة واحدة هي "الجماعة الإسلامية".

الواقع أن السادات دخل صراعا مبكرا مع الحركة الإسلامية، وهو من ابتدأ هذا الصراع، وكان جذريا فيه إلى حد مطاردة الإسلاميين في منصب رئيس اتحاد الطلاب!!!

نعود للاتحاد..

كانت أهم إنجازاتنا في الاتحاد أن أحسنا استثمار الميزانية الكبيرة التي كانت تذهب إلى الجيوب ويوزعها النافذون فيما بينهم، أتذكر من بين هذه الأموال منحة تسمى "منحة البكالوريوس"، وقد كانت تعطى لأبناء الطبقات الغنية ينظمون بها رحلات إلى المصايف، وربما أنفق في الرحلة ألف جنيه أو عشرة آلاف جنيه (وهذا مبلغ كبير في ذلك الزمن). فأما حين تولينا شأن الاتحاد فقد ألغي هذا كله، وشرعنا في تنظيم رحلات دينية بالحافلات.

لقد اكتسبنا ثقة الطلاب بحسن تصرفنا في هذه الأموال، لأول مرة يرى الطلاب "الكتاب المجاني"، لقد اقتطعنا من ميزانية الاتحاد ما نوزع به الكتب على الطلاب الفقراء، كذلك أحضرنا الأزياء الإسلامية لمن تريد أن ترتدي الزي الإسلامي، وزَّعنا إعانات مالية للطلاب الفقراء، دفعنا إيجارات للعاجزين عن دفع الإيجارات من الطلاب الذين قدموا من سوهاج وقنا وأسوان، أخرجنا الطلاب في رحلات مجانية من خلال الحافلات التي يملكها الاتحادات..

وكان من بين هذه الرحلات، رحلات لزيارة المقابر!!

وزيارة المقابر معنى ديني معروف، أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم لترقيق القلوب، ولكنه كان رؤية جديدة لمسألة الرحلات.

ولقد تبنى اتحاد الطلاب مواقف سياسية مخالفة لرئيس الدولة، وبالذات في مسألة اتفاقية كامب ديفيد، وكانت هذه المرة الأولى، إذ يفترض أن هذا الاتحاد مؤسسة تابعة للدولة، لكن الاتحاد عبر عن الشباب والطلاب ولم يكن يعبر عن الدولة.

وعلى هذا الوضع انتهت هذه السنة، نجاح في المشهد الإسلامي العام، وانقسام في المشهد الإسلامي الداخلي، عادل أسعد الخياط هو رئيس اتحاد طلاب الجامعة، وناجح إبراهيم هو أمير الجماعة الإسلامية بالجامعة.. ودخلنا إلى الصيف.

كان صيف العام 1978 عامرا بالنشاط الدعوي في كل محافظات مصر، حين أنهينا الدراسة الجامعية هذه السنة بدأ نشاط الدعوة، كانت حافلات (أوتوبيسات) اتحاد الطلاب تحت تصرفنا، فكنا نذرع بها مصر ذهابا وإيابا في نشاطات ومعسكرات ومحاضرات مختلفة. وكان طلاب الكليات في سوهاج وقنا وأسوان ضمن المجال الطبيعي لعملنا كاتحاد لطلاب جامعة أسيوط، وخدمة هؤلاء الطلاب من صميم نشاطنا.

في ذلك الصيف نظَّمنا ثلاث معسكرات للطلاب، واحد في سوهاج، وواحد في الجيزة، وواحد في أسوان، وفي كل معسكر يحضر الطلاب من هذه الكليات أو حتى من خارجها، من داخل الجماعة الإسلامية أو من غيرها، إن المسألة وإن كانت نشاطا طلابيا في صميمها إلا أن لها آثارا اجتماعية تتجاوز شريحة الطلاب كلها.

وبهذه المناسبة، أقول: إن طلاب الكليات كانوا يشاركون في انتخابات اتحاد الطلاب، لكن نظامنا الداخلي كجماعة إسلامية لم يكن بالانتخاب، وإنما هو أقرب إلى نظام "أهل الحل والعقد"، هذا مع انتشار الجماعة في الكليات وفروعها. في ذلك الوقت كانت الطيبة والصدق والصفاء هو الغالب على الشباب، يجتمع "الإخوة الكبار" –وهو مصطلح يعني السابقين من الطلاب في العمل الدعوي وتأسيسه والقدامى الذين عملوا به في صفوف الطلاب- فيختارون من بينهم من يرونه الأصلح للإمارة في الجامعة ثم الأصلح لإمارة بقية الكليات، وقد كانت العادة أن هذا الذي يُختار لهذا الموقع يدفعها عن نفسه ويرفضها بصدق وينكر ذاته على الحقيقة، ويجتهد ليصرفها إلى غيره ثم يجتهد إخوانه ليحملوه عليها، كان التدين الحقيقي موجودا في ذلك الوقت، لم يكن ثمة تنافس أو تنازع أو تسابق على المسؤوليات كالذي نراه الآن. وكنا في هذا الوقت نُوَلِّي من نحسبه على خير، ومن نتوسم فيه الفهم، فهم الدين، وقد كان فهم الدين رقراقا راقيا صافيا، لم يكن الأمر مثل ما هو الآن!

نعود لشأن الرحلات..

كان أول ما تتميز به رحلاتنا أن كانت غير مختلطة، رحلات للشباب ورحلات للفتيات، وكان اهتمامها التثقيفي الديني هو الطاغي عليها، نطلب مشاهير المشايخ والدعاة والعلماء لإلقاء المحاضرات، وننظم توزعهم بين المعسكرات. لم يكن ثمة نشاط رياضي أو إعداد بدني بخلاف الطوابير الرياضية العادية، لقد نسيت بالفعل الحلم القديم: حلم الانقلاب العسكري، جرت في النهر مياه كثيرة، واندمجت في الجماعات الدعوية تماما: مجموعة الشيخ السماوي ثم الجماعة الإسلامية.. ثم عرفت فيما بعد أنه لم تكن ثمة رؤية موحدة أصلا.

لقد كنا نعمل بالدافع الإسلامي الدعوي العام والبسيط، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحرص على نشر الدين وعلى أن يشيع الالتزام به بين المسلمين، كانت مظاهر اللحية والحجاب والنقاب هي ذاتها مظاهر النجاح، وقد كانت تنتشر باضطراد.. سنكتشف فيما بعد، حين تتحول الجماعة الإسلامية إلى تنظيم مع محمد عبد السلام فرج أننا طوال عملنا الدعوي النشيط الحافل هذا لم نفكر ماذا نريد أن نفعل؟!

كان الكل يعمل حسب طريقته وأفكاره، في سحابة عامة غامضة من التصورات والرؤى، تشغلنا المهمات اليومية والأمور التشغيلية وترتيب شأن المعسكرات والندوات والمحاضرات والخطب ونحو ذلك عن أن نجعل لكل هذا هدفا نهائيا نصل إليه، لم نجلس مرة لنسأل أنفسنا: ماذا ينبغي أن نفعل بهؤلاء الشباب، ولا حتى بسؤال كيف ينبغي أن يفعل هذا الشباب حين يتدينون في واقعهم الذي يصادم هذا الدين؟! نحن نعرف وبشكل نظري أن الواقع يجب أن يتغير، ونقوم بالدعوة إلى الله، نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، نقسم الحكام القائمين كلٌّ حسب وصفه، نرى أن هذا كله هو أول الطريق إلى إقامة دولة الإسلام.. لكن كيف؟!.. لا توجد خطوات عملية، لا يوجد تصور كيف سنصل إلى الدولة الإسلامية ولا كيف سنبلغ مرحلة الخلافة، ولا كيف سنزيل هذه الأنظمة الجاهلية الكفرية القائمة.. لكن هذا كله كان بمثابة الأحلام المحلقة التي تراودنا ونتشرب لذتها في صحونا ومنامنا، حلم دولة الإسلام القوية والخلافة الراشدة الموعودة.. هذا الحلم كان يزيدنا حماسة في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونرجو أن نكون ممن يفعل ذلك ولا يخشى في الله لومة لائم.

هل لم نكن نتناقش؟!

بلى، كنا نتناقش ونتحاور ونتبادل الآراء والتصورات، رفاعي –مثلا- يرى أن الأمر لا يتغير إلا بانقلاب عسكري في النهاية وينبغي أن ندعو ضباط الجيش وهكذا، غيره يتصور طريقة أخرى، لكن لا أحد يعمل على تحقيق تصوره، لا رفاعي يدعو ضباطا في الجيش أو يجمعهم، ولا الآخر يفعل أيضا!

وفيما بعد ومع تطور وتعدد النقاشات كانت السحابة الغامضة تسفر عن بعض الوضوح، لقد وصلنا في النهاية إلى تصور نظري، وهو أيضا غير مدعوم بأي حركة عملية، هذا التصور النظري يقول بأن الأمر في مصر يتغير عبر الثورة الشعبية المسنودة بقوة مسلحة.

بقدر ما كان نشاطي ينمو، وأعمالي الدعوية تتسع، بقدر ما كان ينمو معه الخوف والقلق في نفس أبي وأمي، كنتُ شخصا ذا قدر وهيبة واحترام في بيتنا، أبذل لأبي وأمي الاحترام اللائق بهما، لكنهما يبذلان لي احتراما مقابلا، كنتُ من يشير عليهما، وكانا يلجآن إلي: ماذا نفعل في كذا وكذا؟.. ولقد كان هذا نمطا عاما رأيته في جيلنا، أقصد قيادات العمل الطلابي الإسلامي، رأيتهم يحملون مسؤولية بيوتهم، ولهم القدر الوافر من الاحترام والتقدير في نفوس آبائهم وأمهاتهم. وهذا الأمر تسمعه –لو سألتَ- من الشيخ أسامة حافظ والشيخ عاصم عبد الماجد والشيخ كرم زهدي.. لم يكن يقع بيننا وبين آبائنا صدام في البيوت، على العكس، لقد أسلموا لنا القياد، إسلاما تحوطه المحبة والتقدير.. ويحوطه أيضا الخوف والقلق.. الكثير من الخوف والقلق والحذر!

ثم بدأ العام الدراسي الجديد في خريف 1978.. ولقد كان عاما عامرا أيضا!

الأربعاء، نوفمبر 06، 2019

من شهيد التذكرة إلى شهيد الشهامة.. نكبة الشعوب العزلاء!


في لحظة كتابة هذه السطور عمَّت مصر فاجعة جديدة، شابان لا يمتلكان أجرة القطار، أجبرهما الكمسري على النزول منه وقد بدأ القطار في السير، وإلا فإنه سيسلمهما إلى الشرطة في المحطة التالية. ولأن الشرطة في مصر نموذج للرعب الفظيع فقد كان أهون على الشابين أن يخاطرا بالقفز من القطار المتحرك، قفز أحدهما ففقد ساقه، وقفز الآخر فسقط تحت القطار فانفصلت رأسه عن جسده!

وهكذا بدأت قصة شهيد التذكرة!!

الكارثة هنا كثيفة الجوانب، يمكن أن نلعن السيسي الذي تسبب في الفقر حتى عجز الشاب عن أجرة قطار، ويمكن أن نلعن الكمسري –ممثل السلطة في القطار- الذي كان له من السطوة والنفوذ ما يملك به أن يجبر اثنين على إلقاء أنفسهما في الموت، ويمكن أن نلعن الجبن والعجز الذي شمل ركاب القطار حتى لم يستطيعوا أن يدافعوا عن الشابين في وجه الكمسري أو حتى لم يستطيعوا أن يجمعوا لهم من أموالهم ما يبلغ قيمة التذكرة، ويمكن أن نلعن جهاز الشرطة المصرية السفاح القبيح الذي صار جهاز خوف دونه الإقدام على الموت، وأخيرا: يمكن أن نلعن الخوف الذي منع هذين الشابيْن أن يفتكا بالكمسري أو حتى أن يقفزا به معهما إلى الموت!!

وهذه القصة ليست سوى حلقة واحدة في مسلسل مصري طويل..

ولئن كانت هذه القصة ستشغل المصريين زمنا، فلقد سبقتها مباشرة قصة أخرى، قصة الفتى محمود البنا، حتى تحولت قضيته إلى رأي عام، وخلاصة القصة أن محمودا رأى فتية آخرين يتحرشون بفتاة فحاول الدفاع عنها، فأفلتت الفتاة لكنهم اجتمعوا عليه، وأخرج أحدهم مطواة فطعنه بها فقتله! ولأن الجريمة صُوِّرت بالفيديو فقد كانت أشد تأثيرا، ولأن التحرش جريمة ينتفض لها الجميع بمن فيهم الإسلاميون والليبراليون والنسويون فقد صارت قضية رأي عام. وقد زاد في المأزق أن القاتل من أسرة نافذة، والنفوذ في مصر فوق القانون وفوق الأخلاق وفوق الفطرة، وتطورات القضية حتى الآن برغم ما يحوطها من الزخم الملتهب تسير في صالح القاتل، وفيما يبدو سيذهب دم المقتول هدرا.

ثمة جزء هامشي صغير حاول البعض إثارته، ولكنهم فوجئوا بهجوم شديد، ذلك أن الفتى القتيل هو ابن رجل كان مشهورا بالولوغ في دم الإخوان المسلمين منذ أيام الانقلاب، وشارك في حملات مطاردتهم وضربهم وتحطيم ممتلكاتهم، وكان يفخر بهذا ويعلنه ويكتبه ويحرض عليه ويهدد ويتوعد! فهو الآن يذوق حرقة قلبه على ولده كما فعل هو نفسه في قلوب عدد لا نعرفهم من المسلمين.

نعم، إن هذا جزء هامشي بسيط في القصة والغرض الذي نكتب لأجله هذه السطور، لكنه يجب ألا يفوت، ويجب ألا يُنْسَى، بل يجب أن يُذَكَّر به، فإن العاقبة تردع الظالم أحيانا. ومع هذا فلا يمنع هذا من التعاطف مع الفتى المقتول، ولا السعي في الاقتصاص له من قاتله، ولا التهوين من دمه، ولا الشماتة فيه.

وبعد أن يتضح هذا نبدأ في الحديث عن الغرض من ذكر هذه القصة ثم ما يليها:

حسب القانون المصري المليئ بالخروق القانونية فلن تكون عقوبة القاتل الإعدام، ولو افترضنا أنها ستكون فذلك سيكون بعد شهور أو سنين، وبعد أن تنفق أسرة الفتى المقتول ظلما من الأموال والنفوذ والوسائط ما تستطيع أن تعادل به تأثير نفوذ أسرة القاتل وأموالها. وبهذا يكون أهل القتيل قد خسروا حياة ابنهم الفتى الناضر في مقتبل العمر، وخسروا معها أطنان الأموال لجمع الوساطات ورشوة القضاة والشهود ليشتفي صدرهم بموت القاتل. هذا مع أن الجريمة واضحة ومصورة، فلا هي غامضة ولا هي معقدة.

وقد ينفقون هذا كله ثم لا يعاقب القاتل إلا بسنوات معدودة في سجن الأحداث، أو حتى في سجن الجنائيين، وهو السجن الذي يمكن لأهل النفوذ والمال تحويله إلى حياة جيدة، ثم يخرج قبل أن يكمل المدة بعفو عام أو بقضاء نصفها أو ثلاثة أرباعها أو نحو ذلك.

لماذا؟.. ما الذي أوصلنا إلى هذا الشكل المعقد؟!

أشياءٌ كثيرة أوصلتنا إلى هذا الوضع، لكن أهمها في الواقع شيء بسيط جدا.. أن الفتي المقتول، لم يكن يمتلك سلاحا!!

بحسب الفيديو المنشور، حين رأى الفتى أنه يواجه مسلحين حاول الهرب، لكنهم حاصروه، ثم طعنه صاحب السلاح. هنا تبدو اللحظة الفارقة في أوضح أشكالها، كان أحدهم يمتلك سلاحا وكان الآخر أعزل، لقد كان المشهد سيختلف تماما لو أن الفتى كان يمتلك سلاحا يدافع به عن نفسه، أو كانت الفتاة التي وقع التحرش بها تملك سلاحا تدافع به عن نفسها، في هذه الحالة لن تمتد يد المتحرش على الفتاة ثم لن تمتد يد القاتل على الفتى إلا وهو يعرف أن الثمن الذي سيدفعه ربما يكون: حياته، أو عاهة دائمة، أو جرح عميق يظل علامة في وجهه وجسده سنين عددا!

غياب هذا السلاح البسيط من يد المقتول هو الذي صنع هذه المأساة..

إن المواطن الصالح الملتزم بالقانون هو المواطن المقتول المقهور المذبوح، وغياب السلاح من يد المقتولين المقهورين المذبوحين، هو الذي يجعلنا نتوسل مؤسسات الدولة وقضاءها وشرطتها وساستها وإعلامها ونبذل لهم الأموال والدموع ليتكرموا علينا بعقاب القاتل، وربما نجحنا في استدرار عطفهم وتوسل كرامتهم فعاقبوه كما أردنا، ولكن الأغلب أننا لا ننجح.. ونعود بهوان الدنيا وخزي الحياة وغيظ الصدور وقهر الرجال!

ما الذي يجعل الجزار قادرا على ذبح مئات الدجاج في اليوم الواحد، إلا أن الدجاج لا يملك سلاحا يدافع به عن نفسه؟!

لقد وقع شيء كهذا في يوم جلسة المحاكمة للقاتل، ولقد صُوِّر بالفيديو أيضا، بغل من بغال الشرطة المصرية انتزع الهاتف المحمول من يد سيدة يريد أن يفتشه، ولما تشبثت به ضربها، فلما حاول الناس أن يهرعوا لها (وهم لا يعرفون أنه شرطي) أخرج سلاحه وصرخ فيهم ففروا كما تفر الدجاج تماما! ثم سيقت المرأة المقهورة بالضرب والإهانة حتى أدخلوها سيارة الشرطة.. ولا أحد يدري مصيرها!

لماذا استطاع البغل الواحد أو البغلان والثلاثة أن ينفضوا عنهم جمهورا من الناس، فينتثر كالشذرات المتطايرة من نفخة الهواء؟!.. إنه السلاح!

أتذكر شابا أمريكيا كان يتحدث مع بعض أصدقائنا في أيام الثورة الأولى، فاقترح عليهم أن يجعلوا في الدستور المصري القادم حق حمل السلاح، ونظر إليه أصدقاؤنا ساخرين، فكلهم من فئة المواطنين الصالحين الذين يريدون دولة مدنية محترفة مثل أوروبا وأمريكا: الشعب فيها أعزل والشرطة تحترم القانون، فقال لهم: نحن في أمريكا لو لم نكن نملك السلاح لفعلت بنا حكومتنا مثلما تفعل بكم الحكومات العربية! بعض أصدقائنا عرف من هذه العبارة ولأول مرة أن أمريكا شعب مسلح!!

سيكون عملا ممتعا لو قررتَ قراءة المناقشات التي تداولها واضعوا الدستور الأمريكي عن حق حمل السلاح، وكيف أنهم أقروه في النهاية لكيلا تكون ثمة فرصة للحكومات للاستبداد بالشعب، أو لكيلا تكون ثمة فرصة للمحتل (الإنجليزي) ليعود مرة أخرى.

يقول بعضهم: ولكن إباحة حق حمل السلاح للشعب فيه خطر، أمريكا نفسها تعاني من بعض المجانين الذين يحملون سلاحا فيقتحمون مدرسة ويقتلون بعض أطفالها، يحدث هذا كل عدة أشهر. في الواقع كان هذا أيضا رأي أوباما الذي كان يقيم مشهدا تمثيليا دامعا بعد كل حادثة ليحاول تغيير هذا الوضع الذي يبيح حمل السلاح للشعب، وكان أفضل ردٍّ على ذلك ما قاله ترمب: إن السبب الأساسي في قلة عدد الضحايا وسرعة السيطرة على القاتل أنه كان بالقرب من الحادثة رجل مسلح آخر!

وقد صدق ترمب، لو كان القاتل لا يجد مسلحين لكان قد استمر في جريمته حتى يشعر بالملل، أو حتى تنفد رصاصاته، أو حتى تأتي الشرطة.. بينما وجود مسلح آخر في المكان جعل الحادثة تمر بأقل الخسائر.

في كتابه "بنادق أكثر جرائم أقل" يرصد جون لوت انخفاض معدل الجرائم بعد صدور قوانين إباحة امتلاك السلاح، أي أن انتشار السلاح لم يتسبب في مزيد من الدماء بل على العكس، لقد أدى هذا الوضع إلى توازن الردع.. ووضع في كتابه هذا الرسوم البيانية من واقع معدلات الجرائم مقارنة بين الأعوام السابقة والتالية لصدور القوانين.

وهذا أمر نستطيع أن نلمسه في واقعنا ببساطة، إن الجرائم لا تنتشر في المجتمعات المسلحة، بينما تنتشر في المجتمعات المدنية، ويمكن –في الحالة المصرية- المقارنة بين انتشار الجرائم في الصعيد وانتشارها في الوجه البحري. في الصعيد مثلا لا تبرز ظاهرة البلطجة، بينما بلطجي الوجه البحري قادر على فرض سطوته ونفوذه بالدماء في المنطقة التي يسكنها "المواطنون الصالحون" العُزَّل!!

والآن.. إذا استرجعنا صورة الحادثة التي وقعت، فأي شيء أفضل؟

أن يعرف القاتل أن الفتاة مسلحة وأن الذي يدافع عنها مسلح مثله فيرتدع أولا؟!

ولئن لم يرتدع وقرر خوض المغامرة فخرج منها مقتولا أو مصابا؟!

فإن خرج قاتلا عاش بقية أيامه في خوف من أهل القتيل المسلحين الذين سيفكرون حتما في الثأر؟!

أم الأفضل أن يمارس هوايته في التحرش ثم في القتل ثم يسعى أهله لدى الدولة المسلحة بما عندهم من النفوذ فيحمونه من العقوبة؟!

سأنقل لك الآن مشهدا خياليا..

تصور أن الناس جميعا يسيرون في الحياة عراة، لا يملكون ما يحميهم من برد الشتاء أو من حر الصيف أو حتى من عيون الناظرين! ثم تصور أن هؤلاء العراة ليسوا في الشارع وإنما هم في ساحة عريضة يتسلى السادة بمشاهدتهم وإطلاق النكات الساخرة على عوارتهم! ثم تصور أن بعضا من هؤلاء السادة الذين يرتدون الملابس الفاخرة نزل من موقعه في مقاعد المتفرجين ليعبث ويصطاد بعضا من هؤلاء العراة يتسلى بهم.

هل قلتُ إنه مشهد خيالي؟!

أعتذر لك.. إنه واقعنا نحن في الدولة المتوحشة التي تحكمنا!

لئن كان لدى الأوروبي الآن فسحة من النظر والاختيار بين مجتمع مسلح يحميه من الجريمة، وبين دولة محترفة تحميه من الجريمة (دولة محترفة بمعنى: شرطة مستعدة، قضاء مستقل، قوانين صارمة، تنفيذ لا يجامل)، فنحن في بلادنا لا نملك هذه الفسحة.. نحن في السجن والأسر والهوان، دجاجات عند الجزار، فئران يتسلى بنا القط والكلب والضبع، كأننا صورة تصورها الشاعر لما قال:

من لاذ بالسيف لاقى فرصة عجبا .. موتا على عجل، أو عاش منتصفا

أي: من كان محتميا بسلاحه فهو في فرصة ممتازة، إما يموت بسرعة أو يعيش بكرامة..

وإذا وصلنا إلى هذه النقطة جاز لنا أن نتصور: هل كان سهلا على والد محمود البنا مطاردة الإخوان وتحطيم ممتلكاتهم والتحريض عليهم لو أنه يعلم أنهم مسلحون، وأنه سيجد في طريقة مقاومة عنيفة؟!

حسنا، هل لو كان اعتصام رابعة مسلحا بعدد مئات آلاف من كانوا فيه، هل كانت ستكون مذبحة على هذا النحو المروع البشع؟! أم كان ذلك السلاح سيكون إنقاذا لآلاف الناس حتى لو فُضَّ الاعتصام في نهاية الأمر!

أعرف أن حديث تسلح الثورة حديث طويل الذيل حافل بالتفاصيل.. لهذا لن أخوض فيه الآن.. لكن الشاهد المقصود هنا أن توازن الرعب –لا توازن القوة- هو في صالح الطرف الأضعف المظلوم دائما!

إن الضحية العزلاء مغرية بافتراسها، قرار سهل يتخذه أي بلطجي في الشارع، أو أي ضابط شرطة فاسد دون أن يتردد أو يتوقف.. بينما قرار الحرب مع الضعيف قرارٌ صعب، روبرت جيتس وزير الدفاع الأمريكي نفسه –أعتى قوة في تاريخ البشر- يوصي في نهاية مذكراته أن تكون الحرب هي آخر الحلول وينطلق يهاجم أولئك المغرورين الذين يتصورون أن فارق القوة يعني سهولة النصر.. ومذكرات جيتس كلها كانت عن ورطة الأمريكان في أفغانستان والعراق!.. فانظر وتأمل كيف تشكو أعتى قوة في تاريخ البشر، ومعها حلف القوى الكبرى جميعا، من مقاومة دولتين أحدهما (أفغانستان) فقيرة بائسة تعاني المجاعات ولا تملك شيئا من عالم التقنية والسلاح، والأخرى (العراق) خارجة من حروب وحصار امتد لثلاثين سنة وعلى رأسها حاكم طاغية فاسد أهلك جيشه وبلده!

يقول روبرت جيتس: "سلكت نهجا طيلة مدة ولايتي كوزير مصمما على تجنب أي حروب جديدة في الوقت الذي كنا لا نزال فيه متورطين في العراق وأفغانستان. هل تذكرون المثل القديم القائل "عندما تجد نفسك في حفرة فإن أول ما ينبغي أن تفعله هو التوقف عن الحفر"؟ ما بين العراق وأفغانستان أعتقد أن الولايات المتحدة كانت في حفرة عميقة جدا. إن كنا في مواجهة تهديد عسكري خطير للمصالح الحيوية الأمريكية فسأكون أول من يُصِرّ على رد عسكري ساحق، لكن في غياب مثل هذا التهديد لا حاجة للذهاب والبحث عن حرب أخرى. احتفظتُ بقول لونستون تشرشل يعود للعام 1942 في درج مكتبي ليذكرني كل يوم بحقائق معينة "لا تظنن على الإطلاق أن أي حرب ستكون سلسة وسهلة، أو أن أي شخص يبدأ هذه الرحلة الغريبة يمكنه أن يعرف المد والجزر والأعاصير التي سيواجهها. على رجل الدولة الذي يستسلم لحمّى الحرب أن يدرك أنه بمجرد أن تُعطى الإشارة، لن يعود مسيطرا على السياسة وسصبح رهينة الأحداث الخارجة عن التوقعات والسيطرة". لذلك عارضت العمل العسكري كخيار أول" (ص219 من مذكراته).

المقصود أن الفريسة الأعزل لا يتردد أي ضعيف في نهشه، بينما الذي يمتلك حدًّا من القوة يمتلك أن يدافع عن نفسه، ويمتلك أن يُوَرِّط الذي يحاول افتراسه مهما كان فارق القوة بينهما عظيما!

بالأمس قُتِل البغدادي..

لكن شيئا ما في قصة قتله لا يجري التركيز عليها كثيرا.. لقد فجَّر نفسه، فمنع الأمريكان من اتخاذه مسلسلا دراميا طويلا يتسلون بمشاهدته.. مثلما فعلوا بصدام حسين، أخرجوه ثائر الرأس منكوش الشعر يُقلبه أحدهم ذات اليمين وذات الشمال ويفتش في فمه وبين خلاياه (وقد فهم المشاهد الرسالة وعرف ماذا قد حدث فيه مما لم يُعرض)، ثم محاكمة طويلة هزلية، ثم إعدام في صبيحة يوم الأضحى.. مسلسل من الإذلال!

هذا فارق مهم بين مسلح وأعزل، كان قتله لنفسه أهون من أن يوضع في قفص الحيوانات ويعرض على الشاشات ويُغدى به ويُراح على التحقيقات والمحاكمات وسماع الاتهامات، وكافة ما تتقنه الحضارة الغربية من إبداعات التفاصيل والرموز!

ومهما يكن من أمر، فقد كانت ميتته هذه أهون وأشرف من كل مصير ينتظره، وكان الفضل فيها للسلاح الذي كان يملكه حتى اللحظة الأخيرة.

إن نظرية الشعب المسلح نظرية قديمة في تراث المقاومة والكفاح.. ويجب ألا نستغرب حين نعرف أن تجريد الشعوب المسلمة من السلاح كان على رأس أولويات الاحتلال الأجنبي وعملائه من قبله ومن بعده، ولم يستقر للاحتلال قرار في بلادنا إلا بتحويل شعوبنا من فرسان إلى فراخ! بل لربما تصيبك الدهشة حين تعلم أن المحتل يسعد أكثر بوجود حكومات قوية تسيطر على البلد، فهذا يسهل احتلالها، والغرب هو أكثر المعنيين ببناء مؤسسات مسيطرة مهيمنة على شعوبنا، هذا يظهر واضحا في العديد من المواقف وفي مذكرات صناع القرار الأمريكان (راجع مثلا هذا المقال) ولعلنا نفرد له مقالا آخر فيما بعد.

شتان شتان بين شعوب قوية ترفع نزاعاتها إلى القضاء ليحكم بينهم فيكون حكمه تجنيبا لحروب تنشب بينهم، وبين شعوب قضاؤها جزء من سلطة فاسدة لا يقضي إلا للقوي على الضعيف، ولو أنه قضى للضعيف يوما فلن يستطيع الضعيف إنفاذ حكم القضاء أصلا!

والناس حين يتوازنون في القوة فإنه يكفي في القضاء في منازعاتهم مجلسٌ عرفيٌ واحدٌ يقضي فيه حكماؤهم وأعيانهم، فتحقن الدماء وتقضى الحقوق ويتراضى المتنازعون، وأما الضعفاء العُزَّل فإنهم يهلكون أعمارهم وأيامهم وأموالهم بين أقسام الشرطة والمحامين والنيابات وجلسات المحاكمات، ثم لا يعودون إلا ببعض حقهم، لو أنهم عادوا به!

نشر في مجلة كلمة حق