‏إظهار الرسائل ذات التسميات محاولات قصصية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محاولات قصصية. إظهار كافة الرسائل

السبت، مايو 05، 2018

في ضرورة تأمين القيادات والكفاءات المسلمة


قبل سنوات قليلة حذرت السلطات الأردنية الإخوان من إجراء الانتخابات الداخلية، وهددت بأن إجراءها يعني اتخاذ إجراءات ضد الجماعة. وقد حصل تردد وارتباك في الجماعة إزاء هذا التهديد، فحاولوا جس نبض السلطة وهل هي جادة، فأجروا انتخابات في منطقة ما، وكان للسلطة رد فعلها الجاد والقوي، فاضطر الإخوان إلى إلغاء إجراء الانتخابات الداخلية.

تبدو الصورة غريبة لأول وهلة، فالنظام الذي يعادي جماعة ما ينبغي أن يكون حريصا على إجراء هذه الانتخابات لتتغير القيادات التي دخل معها في احتكاك أو نزاع، فلربما جاء من هو ألين منهم أو هو أكثر "انفتاحا" و"اعتدالا"، فإن لم يكن هذا وجاء من هو مثلهم فعلى الأقل سيأتي من ليست له الخبرة الوافرة التي تكونت وترسخت عند القيادات القديمة، وهو ما يجعل التعامل معه أسهل.. هكذا ينبغي أن تفكر السلطة فيما يبدو لأول وهلة. لكن الذي حصل هو العكس!

لقد كانت السلطة أحرص من الجماعة نفسها على بقاء القيادات القديمة في مكانها! فهل يصعب توقع السبب؟! أبدا: السبب أن السلطة خبرت وعرفت تلك القيادات ومخارجها ومداخلها وطرائق التعامل معها والسيطرة عليها كذلك!.. ومن ثَمَّ فالسلطة أحرص على عدم المخاطرة بالتعامل مع الجديد من الجماعة نفسها!!

تلك القيادات الإسلامية التي بقيت في مكانها أدنى من نصف القرن وثلثه وربعه، تسافر وتروح وتغدو بين المؤتمرات والمنتديات واللقاءات، كأنها لا تمثل أي نوع من الخطر ولا المنافسة للأنظمة الحاكمة والنظام الدولي، بل النظام الدولي يفتح لهم عواصمه ليتخذوا فيها مقرات!

وقبل أيام صرَّح قيادي إخواني على صفحته بالفيس بوك بما كان معروفا بين الأوساط الإسلامية المصرية من أن إبراهيم منير –الذي هو في مكانه منذ أربعين عاما- هدد في لقاء مغلق بأنه سيبلغ المخابرات البريطانية في جلسته الشهرية معها عن الإخوان "المؤيدين للعنف"! وذلك لأنه صادق لا يكذب!! وهو التصريح الذي فاجأ الكثيرين بأن له لقاءات دورية مع المخابرات البريطانية.

حسنا.. فما الغرض من كل هذا الكلام الآن؟!

الغرض بسيط وواضح، إن الذي يمثل خطرا حقيقيا لا يُسمح له بالحياة.. هذا هو الدرس الذي ذكَّرنا به اغتيال الشهيد الدكتور المهندس فادي البطش في ماليزيا، لقد كان وهو في الخامسة والثلاثين من عمره يمثل خطرا على إسرائيل لأنه يساهم في تطوير البنية العسكرية لحركة حماس. وهو ما أعاد إلى الذاكرة –المثقلة التي تنسى من كثرة الهموم- اغتيال الشهيد المهندس محمد الزواري في بيته بتونس لأنه من مهندسي طائرات حماس بدون طيار.. وكلاهما يذكر بطابور طويل من القيادات السياسية والأمنية والعسكرية والعلمية التي اغتيلت حول العالم.

بينما أولئك الذين تحرص السلطات وأجهزة المخابرات على بقائهم في أماكنهم ومناصبهم هم مصدر الأمان الحقيقي، هم أولئك الذين يقومون بدور لا تستطيع تلك الأجهزة أن تفعله ولو اجتهدت، إنهم يُمسكون بقرون الحركة الإسلامية ومفاصلها، الحركة الإسلامية التي إن ثارت وهاجت فلا يمكن توقع ماذا يمكن أن تفعل!

تتبع المستهدفين بالاغتيال يرسم لنا ملامح السياسة العامة لأولئك الخطرين الذين يُسْتَهدفون..

1. يأتي على أول القائمة القادة الذين يستطيعون تحريك الأتباع نحو الوجهة الصحيحة، فأولئك قد اجتمع لهم علمٌ وعمل، فبالعلم يحددون الوجهة والرؤية والطريق الصحيح، وبالعمل يحركون الأتباع الذين نجحوا في تكوينهم وتنظيمهم، وهنا يمكن أن نضرب أمثلة طويلة من عمر المختار والقسام وحسن البنا وأحمد ياسين وأسامة بن لادن وغيرهم من زعماء وقيادات حركات المقاومة.

2. ويأتي بعدهم العلماء والمخترعون وأصحاب القفزات النوعية في مسارات المقاومة، طالما أن أولئك يعملون بالفعل في سياق المقاومة أو يحملون من الأفكار والتوجهات ما يجعلهم ممتنعين عن الذوبان في الحضارة الغربية وتجنيد مجهوداتهم في صالحها.. مثل هذا لا بد من التخلص منه، فذلك الذي يمثل الأنياب والمخالب التي تضرب بها حركة المقاومة، أولئك الذين يوفرون الأدوات والوسائل التي تتحول بها الأفكار النظرية المحلقة في الخيال والحائمة في الرؤوس إلى أسلحة على الأرض تقاتل في الحروب وتغير موازين القوى وخرائط الصراعات.

أما إن كان صاحب الفكر والعلم بلا جماعة ولا أتباع ولا وسائل فلا بأس بتركه حتى يموت كمدا أو يموت من الصراخ.. كذلك إن كانت الجماعة أو الحركة بلا أنياب ولا مخالب ولا وسائل فلا بأس بتركها تعمل في الإطار الذي يُحدد لها، بل قد توظف في خدمة السياسة الحاكمة وكبح انفلات الأتباع وتخديرهم بالنسخة المخففة من الدين.

وعلى الجانب الآخر طالما أن الأنياب والمخالب تقبل بتوظيفها واستعمالها ضمن المنظومة الحضارية الغربية فهي محل ترحيب، أما حيث استنكفت عن هذا وكانت لها طموحات أخرى، فمصيرها الاغتيال.

القاعدة أن يمتنع اجتماع العلم والعمل معا، العقل والمخلب معا، القدرة على التفكير والقدرة على التنفيذ معا..

ذكر تقرير بريطاني عن الشيخ رشيد رضا أنه "مسلم صعب ، متعصب، لا يتساهل، وتنطلق أفكاره من باعث رئيسي هو التوق لتحويل الإسلام إلى قوة سياسية في أوسع مجال ممكن. إن غطرسته الفكرية في تقديري يمكن أن تعزى بالدرجة الأولى إلى الاعتقاد بأن بريطانيا العظمى تخشى الإسلام... وعلى الرغم من دماثة خلقه وحسن سلوكه، فلا يسعني وصف موقفه إلا بأنه مشاكس… تسيطر عليه فكرة خيالية هى أن الإسلام كيان دولي مستقل ، وأن المسلمين يستطيعون أن يملوا على بريطانيا سياستها بلهجة تكاد تشبه لهجة الفاتحين، وأنه لا يستطيع أن يحمل نفسه على تقديم أي تنازل أو تبني أي أمل في صداقة فعلية أو ولاء من جانب المسلمين"[1].

عاش رشيد رضا بعد هذا التقرير عشرين عاما، ومات وهو في السبعين من عمره، وترك لنا المنار شاهدة على ما حمله صدره من علم ثرٍّ غزير واسع ومن لهيب وأحزان وحماسة لا تنتهي..

وذكرت برقية للسفارة البريطانية عن الشيخ حسن البنا: "يمكن لجماعة الإخوان أن تنهار إلى الأبد، إذا أزيح حسن البنا عن قيادتها لأي سبب، مع غياب أي خليفة له نفس القدر من الشخصية القيادية والذكاء اللذين يتمتع بهما حسن البنا"[2].

عاش البنا بعد هذا التقرير أياما ثم اغتيل وهو في الثالثة والأربعين من عمره.. لم يكن الفارق بين البنا ورشيد رضا إلا أن البنا له أتباع يملك تحريكهم، اجتمع له التفكير والتنفيذ! بينما كان علم رشيد رضا وحرقته وحماسته بلا مخالب تحيلها إلى واقع يغير موازين الأوضاع.

في حالات أخرى  يكون الحبس الطويل أفضل من الاغتيال، هذا إن أمكن.. فالاغتيال يثمر أسطورة بطولة وشهادة، بينما الحبس الطويل يُغيِّب ذكرى الزعيم وقد يكسره، وإن لم يكسره كسر صورته في النفوس والخيال.. وهذا اغتيال مضاعف، ونجاح أكبر.. لكن الاختيار بين الحبس والاغتيال تحوطه ظروف موضوعية وتفصيلية يقدِّرها صاحب القرار.
لا يزال على جدول المهمومين بأحوال الأمة عمل كثير طويل، من صلب هذا العمل: تأمين القيادات والكفاءات والحفاظ عليها. ولقد كان النبي في الحراسة المسلحة منذ لحظته الأولى في المدينة حتى نزل قوله تعالى (والله يعصمك من الناس) فصرف الحراسة.



[1] نجدة فتحي صفوت، الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية: نجد والحجاز، ط1 (بيروت: دار الساقي، 1996م)، 1/500، 501. والتقرير كتبه مارك سايكس إلى مدير العمليات العسكرية بوزارة الحرب البريطانية بتاريخ 14 يوليو 1915م.
[2] محسن محمد، من قتل حسن البنا، ط1 (القاهرة: دار الشروق، 1987م)، ص479.

الخميس، سبتمبر 29، 2005

بحر الحب

الزمان : 21/5/2001
المكان : على مقعد الحديقة بجامعة كاليفورنيا - الولايات المتحدة الأمريكية

كان بداخلى بحر عميق من الحب .. اشواق لاتنتهى .. مشاعر بلاحدود ، لكن كل شئ حولى كان يكتم هذه المشاعر وهذه الأشواق ، رغم أن هذا الـ " كل شئ " هو نفسه الذى يفجر كل هذه المشاعر والأشواق ، ولايتركنى أنساها قليلا حتى يعيد تذكيرى بها .
لا أمشى يمينا أو يسار أو إلى الأمام أو حتى إلى الخلف إلا وأتعرض لما يثير كيانى وعاطفتى نحو هذا الكائن الذى يسمى المرأة .
مشاهد الحب التى تملأ الجامعة .. الروايات المنتشرة فى الكتب وعلى الصحف .. الأفلام والمسلسلات .. حكايات الأصدقاء حول قصة الحب التى يعيشها كل منهم .
أفهم تماما أن كل هذا خطأ ، وكل المشاهد والقصص رأيت نهايتها التى لم تكن ابدا سعيدة .. لكنها تثير فى نفسى كل المعانى الساكنة .. معانى الاحتواء والمودة والرحمة والسكن والاستقرار بكل ماتبعثه هذه المعانى من أشواق الحب والعاطفة حتى اصبحت أعيشها بلازوجة وأشعرها حتى نحو الفراغ .
بل تدرجت الأمور حتى اصبحت أرى الطفل الصغير قتجتاحنى معانى الأبوة والرحمة والعطف وسائر هذه المعانى المتدفقة نحو اللاشئ .
ثم ينتزعنى الواقع من عالم مشاعرى لأجدنى أعجز عن الزواج الذى لا املك تكاليفه ، كما لا أستطيع ولا أقبل لنفسى ممارسة معصية لما عُرف عنى من التدين والالتزام .
يالحظ تلك المرأة التى كتب لها القدر أن تكون زوجتى ، ستجد بحرا من الحب والعواطف والمشاعر مخزونة عبر السنين تتدفق نحوها بلا نهاية .
كانت فرحتى بلاحدود حين علمت ان الجامعة قبلت طلبى بإكمال الدراسة فى أمريكا .. لم اكن اعرف بالضبط لماذا فرحت ؟ .. ألأننى سأسافر إلى مكان طالما تمنى الكثير من أقرانى السفر إليه ؟؟ .. أم لأنه دليل تميزى وتفوقى على غيرى ممن أرادوا نفس الأمر ولم يُقبلوا ؟؟ .. أم لأن أمريكا بالفعل أرض الأحلام حيث الحياة السهلة الميسرة والإمكانيات العلمية المبهرة ، واسلوب الدراسة المتميز ؟؟
حقا .. لم أكن أدرى لماذا غمرتنى كل هذه الفرحة ؟؟
تمت إجراءات السفر وتوديع الأهل كما هو معتاد دائما .. وارتفعت بى الطائرة إلى أرض الأحلام .. وهناك اشتعلت كل عواطفى وأشواقى دفعة واحدة .
فعلى رغم كل مايجتاح بلادنا من مظاهر الفساد إلا أن امريكا شئ مختلف تماما .. أنت فى أمريكا حر لدرجة أن تخلع كل شئ حتى آدميتك فى عرض الشارع .
وبقدر ما أثارت مشاهد الطرقات والمواصلات فى نفسى من الامتعاض بقدر ما أشعلت فى نفسى كل مشاعر التكامل مع الأنثى .
بالفعل لا أتذكر متى تعرفت عليها .. لربما أن ماتلا هذا التعارف من احداث أنسانى كيف تعرفت عليها .. وأول ما أتذكره الآن هو أن هيأت لها ذراعى فتأبطه بشدة كأنها تتعلق به .. إنها لحظة لا انساها .
كان ذلك فى أول أيام الجامعة .. تعرفت على شاب كان بجوارى فى قاعة الدراسة وعرفت أنه من اليونان ، وتعرفت على أخرى فى نفس اليوم ثم نسيت عنها كل شئ الآن .
الحياة هنا تمضى فى سلاسة غريبة ، حتى أننى اتعارف على الجميع ببساطة مدهشة .
أول ما أتذكر من مواقف هو عندما جرت نحوى وأمسكت ذراعى مستغيثة من شابين يلاحقانها .. لم افهم الموضوع .. و لم أحاول التفكير أصلا .. بل دخلت معهما فى معركة سريعة ساعدنى فيها ضعف بنيتهما ، ثم التفت إليها فطالعتنى ابتسامة ساحرة من ملامحها الشرقية الغربية .. لا ادرى كيف ؟ .. ولكنى اشعر بروحها الشرقية منطلقة من ملامحها الغربية .
قلت لها : هيا بنا نجرى قبل أن يتجمعوا لنا .. فهذه البلاد ايضا بلاد الجريمة .
وامسكت بيدها وانطلقنا نجرى بحيث لايكتشف أحد خط سيرنا ، حتى انتهينا إلى مكان واسع متطرف فى حديقة الجامعة المترامية الأطراف ، ثم تذكرت أنى لا اعرف اسمها بعد ، فسألتها عن اسمها .
سكتت لحظة ، وتجمدت ملامحها للحظة ثم قالت بابتسامة : " بيلين "
وببساطة قررت أن تدعونى لمشاهدة فيلم بالسينما ، وقبلت دعوتها بنفس البساطة .
حينما دخلنا من الباب الخارجى للمبنى الضخم لم ادر لماذا حملتها فجأة فى هدوء تام وقبلت جبينها قبلة أفرغت فيها مشاعر السنين ..
وحينها شعرت وكأنى فى عالم آخر ..
كأنما ألقيت هما ضغط على صدرى طويلا ..
أو كأنما استقر ذلك الشئ الذى كان مضطربا دائما .
وفجأة وبلاسابق تفكير أو مقدمات .. تذكرت انى لم اصل العصر .. فاستأذنتها ، ولم انتظر رد فعلها ، لكنها سارت معى حتى المسجد ولم تدخله .
لم ألق بالا لهذا الأمر ولم أفكر فيه ، وإنما دخلت وصليت ورأيت الصفوف وهى تنتظم ، وحلقت فى الوجوه التى تمثلت لى وكأنها وجوه الصحبة الصالحة التى تركتها فى بلدى حتى ظننت أنهم هم .
وبعد الصلاة أعدت النظر إلى وجوههم ثم هيئ لى أنى أخاطبهم قائلا : " وداعا الآن .. معى بالخارج ملاكى "
خرجت من المسجد فلم أجدها .. بحثت يمنة ويسرة فلم اجدها .. مشيت إلى الأمام وإذا بلمسة على كتفى فالتفت فإذا بسمتها المتألقة تمتع عينى ، وكانما أحسست جزءا منى قد عاد إلىّ .
صارحتها مندهشا كيف اقتربت منها ولم اعرف عنها إلا اسمها ، سألتها : " ماذا عن بلدك ؟ "
صمتت لحظة وتجمدت ملامحها ثم نظرت إلى فى جدية وقالت : " إسرائيل " .
دارت بى الأرض ..
واختلطت فى عينى كل الألوان حتى تداخلت واسودت ..
وأغمضت عينى ..
لقد تلقيت آخر صدمة كنت أتخيلها ..
حاولت نفسى للحظة أن تمضى فى العلاقة .. لكن كل حواسى تذكرت مافعلوه ويفعلوه بإخواننا فى فلسطين .. ورفضت مجرد الفكرة .
حاولت هى أن تقول ، ولكن فى غمرتى لم أفهم إلا أنها كانت تغمغم بأن الوضع الحالى لاشك غير دائم ، وانه لابد سيسود الحب والسلام .
لم أكن مستعدا لأسمع فقلت فى حزم قاهر : لا أريد أن أسمع شيئا .. ليتنا لم نتعارف .
سكتت لحظة ثم تجمدت ملامحها .. ولكن هذا الوجه كان يحمل فى هذه المرة ملامح الدموية والقسوة ، ثم قالت فى اقتضاب : فليكن .
عدت ادراجى إلى الجامعة ، جلست على أقرب مقاعدها .. عاودنى اشتعال عواطفى الذى عزمت ألا أصرفه إلا لذات الدين التى اثق أن الله يخبئها لى فى صفحات الغيب .
وقررت حينها أن أرجع عهد عمر بن عبد العزيز - رضى الله عنه - .

الخميس، سبتمبر 22، 2005

ودعتنى




ودعتني بانسيال دموعها أكثر من توديعها لي بحروفها وكلماتها .ثم قبلتني في صمت و قد ازدادت دموعها غزارة ,رغم أنني أكرهها إلا أنى لم أعرف لماذا رق قلبي نحوها و انفتحت لها نفسي لعل صدق الدموع استطاع أن يتغلب على كراهيتي لها رغم كل قسوتي عليها و صراخي في وجهها حتى في الأيام القليلة التي سقت هذا الوداع .
حملت حقيبتي ومضيت خارج المنزل وحاولت أن أنسى دموع أمي التي يبدو أنها ستغير عاطفتي نحوها من الكراهية نحو الحب و ظللت أذكر نفسي بالماضي الذي كانت تستغل فيه صغر سني فتضربني أو تمنع عنى المصروف أو تحرجني أمام الضيوف وهو الواقع الذي أنقلب إلى العكس تماما مع بداية المراهقة وظهور شعر الشارب واللحية ثم تغير نبرة الصوت الطفولية إلى صوت خشن يعلن بداية تحول كل شيء.
ومع نهاية مرحلة الضرب أو منع المصروف بدأت مرحلة أخرى من الصراع كنت أرد لها فيها الكلمة بمثلها أو أسوأ منها .وحاولت ذات مرة أن تصفعني فوجدت يدها قد تعلقت بقبضتي الفولاذية,وقبل أن أرى نظرتها الذاهلة كنت قد دفعتها فاستقبلها الفراش الحاني وقد عقدت لسانها المفاجأة التي تحدث لأول مرة . بعد هذه الحادثة تعلمت ألا ترفع يدها علي مرة أخرى فلن يدري أحد ما الذي سيحدث في مرة قادمة .
اشد ما كان يغيظني هو تمثيلها البارع الذي لا أدري من أين تعلمته رغم أنها لا تحب المسلسلات و الأفلام بل دائما ما كانت تصلى وتصوم وهى عبادات المفترض أن تعلمها كيف تكون صادقة .لا كيف تجيد الكذب والتمثيل0
ماأبرع تمثيلها حين كانت تنظر إلى دامعة وتقول :لو كان أبوك حيا ما أستطعت أن تفعل كل هذا بى0
وصلت إلى محطة القطار وأبرزت التذكرة ثم جلست أنتظر المنقذ الذى طالما إنتظرته ليهرب بى من هذا الجحيم الذى كان يتقاسمه جحيم الثانوية العامة وجحيم البيت 0
رغم كل ما حاولت أتذكره من مواقفها وافعالها معى إلا أن دموعها الأخيرة كانت تغسل من ذاكرتى كل هذه الأحداث وتعيد تلميع صورتها الصادقة بالفعل 0
قطع حيرتى صوت القطار الذى يسبق وضوح هيكله فتعانق مع صوت المذيع الداخلى فى محطة القطار ليؤلفا نغما لذيذا طالما تمنيت سماعه.
ثم ظهر القطار الفاخر الذى أصررت على ألا أستقل غيره فى بداية سفرى نحو الجامعة رغم معرفتى بأن ثمن التذكرة مرتفع بالنسبة لحالنا.
إستقبلنى المقعد الوثير وأحا طتنى برودة الهواء المنبعثة من مكيف العربة ثم قفزت أمامى صورتها الدامعة مرة أخرى ،ما هذا ؟00ما الذى جعل هذه الدموع بالذات تلتصق بذاكرتى ولا تريد أن تفارقها ؟؟!! .. كثيرا ما بكت أمامى إما غضبا منى بعد نزاع كان يرافق حياتنا دائما00
وإما خوفا علىّ كلما رأتنى مستلقيا أمام التلفاز تاركا المذاكرة رغم إقتراب إلامتحانلت 000وذات مرة رأيت منها دموعا تشبه دموع اللحظات السابقة حين تعرضت لحادث كسرت فيه ساقى اليمنى0
إذن 00ماالذى جعل هذه الدموع بالذات تضغط على عقلى كل هذا الضغط بهذه الدرجة من العنف وتولد كل هذا القدر من الحيرة ؟؟؟؟
ألأنها دموع لم يعقبها حدوث مشكلة كالتى تحدث بيننا كل لحظة ؟أم أنى لأول مرة أستشعر معانى الوحدة وإلاغتراب وأمشى فى الدنيا بلا سند وإن كان معنويا؟؟
فلقد كانت-برغم ما بيننا من مشا كل -تمثل معنى من معانى إلاستقرار والطمأنينة ؟
حاولت أن أخرج من هذه المشاعرالتى تتكاثر على وكأنها تهاجمنى وتحاصرنى فى إحدى زوايا العقل الضيقة الحرجة ،فتركت يدى تمتد لتخرج المجلة التى أشتريتها لتعيننى على سفرى , ومن فرط حيرتى فتحتها عشوائيا ثم أخذت أقلب صفحاتها بحثا عن اللاشىء حتى وصلت إلى موسوعة الصور وأخذت أتأمل صور عالم الحيوان الجميلة 0
فهذه القطة التى تقاسم شعرها اللونان :الأسود والأبيض نستلقى على ظهرها ونستسلم لصغارها الذين التقموا أثدائها بصورة جمعت بين متعة اللعب ومتعة الطعام وهى تمنحهم نظرة حانية حالمة وكانما سرقوها من عالم الدنيا فلم تر غيرهم فيها 0
وذلك الحصان الذى يبدووكأنه إصطحب مهره معه فى نزهة خلوية بين المزارع والحقول ثم أخذ يجاريه ويسابقه ويستقبل قفزاته المتواضعة .. ثم يضرب مؤخرته برأسه وكأنما يعطيه دفعة ليواصل قفزته أو لعلها إحدى صور الإمداد بقوة لم يحزها ذلك المهر الصغير بعد0
مجموعة صور ثالثة كانت هذه المرة من عالم البحار حيث يتقافز حيوان الدرفيل على سطح الماء ويحاول صغيره أن يحاكيه فى تلك القفزات الرشيقة و 0000

إصطدمت عينى بعنوان الصفحة "الأمومة فى عالم الحيوان "00أمومة ؟
عدت سريعا أعيد النظر إلى الصور السابقة فى ضؤ هذا العنوان الجديد فما لبثت هذه الصور أن تجمعت وتداخلت لترسم هذه االصورة التى تحرق عقلى وتجلد قلبى 00 صورة أمى ودموعها الساخنة 0
عاودتنى تلك الحيرة التى لم تكن إلا لحظات معدودة فشعرت بالإختناق فقمت من المقعد لأتوجه إلى "بوفيه"القطار ثم عاود الإنطلاق،تناهت إلى مسامعى أصوات صرخات كانت تقترب منى كما كنت أقترب منها حتى تبينت أنها صرخات أمرأة مجنونة قد سقط عنها حجابها وتناثرت أشلاء
ملابسها وزاغت نظراتها وأرتعشت يداها 00مشهد خارج الزمان والمكان كأنما هرب من مستشفى الأمراض العقلية والعصبية ليحتل مقاعد القطار ،عرفت أنها فقدت غلامها الذى لم يمهله القطار حتى يصعد فتحرك سريعا ليرسم مع مساره ملامح الجنون على مشهد هذه المرأة
فيحولها إلى عالم المخبولين0
وتزداد دهشتى مع إزدياد تحليقى فى هذا المشهد حتى بيد تربت على كتفى فالتفت فإذا رجل كبير قد أنارت لحيته يحرق أذنى ويعيدنى إلى الحيرة التى أردت التخلص منها فيقول :إنها الأمومة 0
نظرت إليه نظرة هى مزيج من الدهشة والبلاهة والغضب ولم أستطع النطق بحرف فعدت مسرعا إلى مكانى الذى لم أعد أدرى 00أهو منبع الحيرة أم هو نجاتى منها 0
سألنى الجالس بجوارى عن سبب همى الناطق من ملامحى ،وقبل أن أهيء نفسى للرد وجدته ينطلق كأنه يسأل نفسه- ويحكى عن زوجته التى لم تتحمل صدمة موت وليدها فأصيبت بإنهيار عصبى أسكنها فراش المستشفى منذ شهور فى حالة عسيرة ، ثم قضى على ماتبقى عندى من تماسك حين صرح فى بساطة قاتلة : إنها الأمومة .
كدت أصرخ فى وجهه : كفى .. كفى .. ولكن المواقف التى تراكمت على صدرى كأنها جبال استلقت على لسانى فمنعته من الحركة .
أفقت على صرخات طفل صغير قرر ان يجذب انتباه كل راكبى القطار فظل يبكى ويصرخ ويبكى ، وتكررت محاولات والده لإسكاته ريثما تأتى أمه التى ذهبت إلى الحمام فلم يفلح ، وطال صراخ الطفل حتى أحدث تذمرا بين الركاب تحول إلى نظرات غاضبة وهمهمات مستنكرة حتى والد الطفل نفسه زحفت إليه هذه المشاعر فارتفع صوته واحتد فى محاولة لإسكات الصغير الذى لم يقابل هذه الحدة إلا بمزيد من الصراخ .
اندفع بجوارى سهم انتصب واقفا عند الطفل فإذا هذا السهم أمه التى اندفعت مسرعة بمجرد أن سمعت صرخاته ، ويبدو انها سمعت الهمهمات الغاضبة فلمع فى عينيها بريق الغضب فأخرس كل الألسنة .. ثم انثنت تحمل صغيرها وتربت عليه فاستقبلها بانخفاض الصراخ الذى لم يلبث حتى سكن تماما ، ثم التفت كفه على سبابتها وكأنه يحاول تقييدها لكى لاتعاود الهروب .
قضى هذا المشهد على كل ماتبقى لدى من تماسك ، وصارت صورة الدموع التى انسابت من أمى تكبر وتكبر .. وتضغط وتضغط ..
ماهذا ؟؟ .. هل تحولت الحياة كلها إلى أمومة ؟؟!! .. لا أنفك من موقف حتى تلحقه مواقف أخرى ؟؟!! .. هل يمكن أن تكون كل هذه المواقف مجرد مصادفات ؟؟ .. هل يمكن أن تكون إحدى مؤامرات أمى ؟؟ ...... ماهذا التفكير السخيف !!
إذن : لماذا أتعرض لكل هذه المواقف فى هذه اللحظة بالذات ؟؟
هل يعقل أن أكون انا المخطئ فى حق أمى ؟؟ .. ماهذا ؟؟؟؟ .... إنها أول مرة أتوقف فيها أمام هذا السؤال .!!
مالذى حدث ؟؟ .. أى اضطراب وتوتر هذا الذى يسيطر على ّ ؟؟!!
لم أواجه فى حياتى موقفا كهذا ... آآآه .. لابد أنها مؤامرة .. نعم .. مؤامرة محكمة أيضا .. لاشك فى هذا .. لايعقل أن تكون كل هذه المواقف طبيعية وعادية ..
تناهى إلى مسامعى صوت هاتفى المحمول .. فالتقطته فى ثقة .. من المتحدث ؟
أتانى الصوت العذب الدامع : اشتقت إليك ياحبيبى ..
حينها .. انهار كل شئ .. وغرقت فى البكاء


كتبت فى سبتمبر 2004

الاثنين، سبتمبر 19، 2005

الخطة ف - 2



تعود الطلاب المغتربون حين يعودون إلى سكنهم الدراسى أن يحملوا معهم من نفحات البيوت ما يجعل زملاءهم يطيرون فرحا ، فهذا الذى تعود أن يحضر الفطير أو العيش المخبوز أو حتى نوعا من الفاكهة يلقى من التهليل والحفاوة ما قد لايلقله حين يعود لأمه بعد غيبة سنين .
كأن الجوع اقترن بالغربة ، أو لعلها صورة من صور الهروب من متاعب الغربة إلى ملذات البطون .

لكن الاحتفالات التى تقام فى مساكن الطلبة لقرص من الفطير أو قطعة من الخبز لايمكن أن تقارن بالليالى الملاح حين يحمل الوافد من بيته " فرخة " ( دجاجة ) ، فالفرخة هى كلمة السر الساحرة التى تشعل البطون وتفتح الأفواه وتطرب النفوس ، فكأنها قطعة من الجنة ، يكاد الواصف لفرحة الناس بها أن يقول : كأنهم دخلوا الجنة .
وكانت احتفالات الفرخة لها طقوس خاصة فى كل شقة ، فهناك احتفالات للشواء ، وهناك احتفالات للمرقة ، وهناك احتفالات لإنضاجها مع الطعام .. وهكذا ، فللفرخة فى القلوب مكان لايطاوله غيرها .

ابتسم الصبح لشقة " العمالقة " حين أتى أحدهم من بيته بفرختين مرة واحدة ، نسيت أن اقول لكم إننا سميناها شقة " العمالقة " لأن كل ساكنيها عمالقة بالفعل ، قامات مديدة فارعة ، لكن قلوبهم فى غاية الطيبة إلا أن يغصبوا ، مما يؤكد الحكمة القائلة : " اتق شر الحليم إذا غضب " ، ولما كان اليوم يوم امتحان وليس فيهم من يملك وقتا لإنضاجها ، فقد قرروا تأجيل الحفل الكبير إلى الغد .
لم يكن بالشقة ثلاجة ، فلجأوا لأصدقائهم فى شقة " الأقزام " ليستضيفوا الفرخة عندهم إلى الغد ، ولكن شقة " الأقزام " رغم أن قاطنيها كلهم من ذوى القامات التى تكاد تبرز من الأرض يصدق عليهم المثل القائل : " اتق شر كل مكن اقترب من الرض " فكأنه قطع لهم .

لعب الشيطان برؤوس الأقزام : كيف تكون الفرخة فى بيتهم ولا يطولونها ؟ إنها على بعد خطوات فقط ؟ إنها هناك ترقد بسلام فى ثلاجتهم هم ؟؟
وظل الشيطان يغريهم ، وبطونهم تناديهم حتى نسوا كل العواقب التى يمكن أن تنزل بهم إذا علم العمالقة أن الفرخة ضاعت .
وكما يقولون : " الهوى يعمى ويصم " انطلقوا نحو الفرختين الراقدتين بسلام وصنعو لهما احتفالا يليق بالمقام ، ولم تغرب الشمس إلا والفرختان تسكنان البطون .

وأشرقت شمس الغد مع طرقات مندوب " العمالقة " المشتاقين ليسترد وديعته الغالية ، ولكنه حين فتح الثلاجه ليتلقى الصاعقة ، فالفرختان اختفيتا ، أصابه الفزع المجنون وانطلق يسأل الأقزام عن الفرختين فلم يجد جوابا إلا الهمهمات والضحكات التى أفصحت عن جريمة الاغتيال الدنيئة .
انطلق بأقصى سرعته لينادى زملاءه الجوعى ، ويحمل إليهم خبر استشهاد الفرختين على ألسنة الأقزام وأسنانهم ، وإذا الجموع العملاقة تنتفض انتفاضة الثكلى الهائجة لتسحق شقة الأقزام .

فى نفس اللحظات كان أحد أفراد شقة " الأقزام " يصل لتوه من البيت حاملا معه فرختين أخريين فى سابقة هى الأولى من نوعها ، وعلم الأقزام أن هاتين الفرختين لو بقيتا فى شقتيهما لتعرضتا للغصب على أيدى العمالقة الذين لاشك سيصلون بعد دقائق فانطلق أحد الأقزام إلى شقة محايدة ليس لديها علم بما حدث ليستودعها الفرختين إلى ان تنجلى هذه الغمة .
فى تلك الحظات كنت فى زيارة لصديقى القزم ، ومع الارتباك الحادث فى الشقة من جراء بناء الحصون ووضع الكراسى خلف الباب ، وإحكام إغلاق النوافذ والأبواب تحسبا للهجوم الوشيك ، مع هذا الارتباك عرفت منهم تفاصيل الأحداث ، فأسرعت بالهرب إذ أن العملاق الغاضب أعمى ، ولن يفرق بين المجرم وبين سيئ الحظ الذى وقع فى مسرح الجريمة .

وانطلقت إلى زملائى بشقة " العمليات السرية " والتى سميناها بهذا الاسم لأنه تحاك فيها المؤامرات التى تقلب موازين العلاقات والشقق ولايعرف أبدا مصدرها ، فسارعنا بوضع الخطة ( ف-2 ) يعنى " فرخة عدد 2 " لخطف الفرختين من الشقة المحايدة دون أن يشعر أحد ، ثم انطلق فريق العمليات فى خطوة عنوانها " زيارة ودية " للأصدقاء ، وتمت الخطة واستطاع " فهد " خطف الفرختين دون أن يشعر أحد ، وحمل إلينا الفرختين معززتين مكرمتين كامليتين فى شقتنا الباسلة .

ولم تمض ساعات إلا وكان الحفل مقاما كأحسن مايكون لأعظم فرختين فى الوجود ، وماهى إلا دقائق وامتلأت البطون بألذ أكلة لم نذقها منذ شهور .
ولاداع لأسجل الباقى فالنوم يداعب عيونى بعد هذه الوليمة الفاخرة إلا أنكم تشتاقون بالتأكيد لمعرفة نتيجة المعارك المشتعلة .
كل الحصون لم تصمد أمام هجوم العمالقة الذين اكتسحوا شقة القزام وأنزلوا بهم علقة ساخنة توازى المراة الراسبة فى صدورهم ، وأخذوا بالمقابل ضعف ثمن الفرختين ، ثم أرسلوا لهم العظام فى علبة أنيقة عليها إهداء لطيف .
ثم قامت معركة أخرى بين شقة الأقزام والشقة المحايدة ، لم يستطع القزام أن يفعلوا شيئا لافتقادهم العضلات التى تتحدث فى مثل هذه المواقف ، فعادوا وهم يؤمنون بأن مافعلوه بالعمالقة قد وقع بهم .

دخل على الآن صديقى القزم باكيا ، فغالبت ضحكة تنفجر من وجهى لأقول له " لاتحزن .. اعتبر أنى اكلتها " .


كتبت فى 13/12/2004

صفقة




جلست على مقعدى الوثير أمام مكتبى الفخم ، لأطالع الجريدة القومية الكبرى فأراها قد نشرت الإعلان الكبير عن منتجات المصنع بطول الصفحة .
تأملت الإعلان الأنيق ، ممعنا النظر فى اسمى الذى يكاد سشع النور من مكانه المتميز أسفل يسار الصفحة ، وتسبقه العبارة الرنانة " رئيس مجلس الإدارة " .
كانت رحلة طويلة تلك التى كابدتها حتى وصلت إلى هذا المقعد الوثير ، وهذه الثروة التى أكملت بالأمس ثمانية أصفار ، ما جعلنى أصغر رجل أعمال فى السوق كله ، أجلس وأحادث الكبار ، وأعقد الصفقات وأوقع العقود بين نظرات الحسد التى تغالب محاولات التخفى من الصغار والكبار على حد سواء .

كل البشر فى حاجة إلى السعادة ، والذكى هو الذى سطيع أن يستثمر هذه الصفقة ، فيمنحهم السعادة ويأخذ الثمن ، أستطيع أن أقرر أن هذه الصفقة هى أفضل الاستثمارات على الإطلاق ، لأنك الذى تحدد الثمن مهما بلغ ، فالباحث عن السعادة مستعد لدفع أى شئ .

كعادة أى إنسان عظيم ، لابد أن تتجمع الأحقاد لتكوّن أعداءا ، وكعادة الأعداء يرفعون شعارات جذابة وأخلاقية ، لكنهم دائما يحترقون بنار حسدهم حتى الفناء ، ويبقى النجاح فى السماء .
دائما يصيحون على المنابر وفى الصحف المتطرفة يريدون منع الصحف من نشر الإعلانات عن منتجاتى ومصانعى بحجة أن الخمر حرام ، بل منهم من يود لو أغلقوا مصانعى ذاتها ، لكن الناس دائما تهرب منهم لتأتى إلى ّ ، فأنا الذى أغمرهم فى السعادة على حين لايسمعون من أولئك إلا الموت والقبر والعذاب إلى آخر هذه المصطلحات والمفاهيم التى تجاوزها عصرنا الحديث .

لن أنسى نظرات الشماتة وكلمات التشفى حين نشرت الصحف خبر القبض علىّ ، وتمتموا بأنه " انتقام السماء " و أن هذا " مصير المفسدين " و ..... إلخ ،
لكن .....

عادوا إلى جحورهم ، وصمت قهقهاتى آذانهم حين عدت لهم من جديد ، إذ كان الأمر فى غاية البساطة .. لقد كانت التهمة " بيع الخمور ..... المغشوشة "
وحين تكفلت بدفع قيمة الكمية المغشوشة ، انتهى كل شئ .

كتبت فى 8/1/2005

صراع فى قسم الشرطة




تنحى ضابط الشرطة فى هدوء ليترك المرأة التى لم تكمل عامها الثلاثين مع أخيها الأكبر ، وقد دخلا فى معركة كلامية صاخبة ، حتى لايمثل وجوده عبئا على أى منهما .
ومالبث أن أغلق الباب خلفه حتى ارتفعت أصواتهما مرة أخرى
صاح فى غضب هادر :
- ماهذا الذى ستفعلينه ؟!!
ردت وهى تغالب دموعها الجارية :
- سأفعل ماسمعت .. سأتنازل عن هذا البلاغ ، وعن القضية كلها .
للمرة العاشرة لم يصدق أذنيه .. نظر إليها فى غضب ممزوج بدهشة عارمة وهو يحاول أن يعصر رأسة كى تخرج تفسيرا لهذا الموقف الذى تقاسمته السخافة والسذاجة والجنون
صرخ فى وجهها :
- كيف تصفحين عن هذا المخمور الذى قتل ابنك ؟!!
قالت ونبرة بكائها تعلو :
- لم يكن مخمورا .. لم يكن مخمورا .. ولاتنسى أنه هو السبب الذى أنقذ الأخرى
- بل كان مخمورا بكل تأكيد .. وإلا فكيف لم ينتبه إلا بعد أن صار الطفلين تحت عجلات سيارته الفارهة التى اشتراها أبوه الباشا لكى يحطم بها أرواح الناس .
- إن كان طائشا ومخمورا ، فهل تستطيع أن تفسر لماذا حملهما بالسيارة إلى المستشفى ؟؟ ولماذا تكفل بكل مصاريف علاجهما ؟؟ ولماذا سلم نفسه إلى الشرطة ؟؟ ولماذا .... ؟؟ ولماذا ؟؟... ولماذا ؟؟

وأضافت باستماتة تشبه تلك الاستماتة التى تقاوم بها دموعها :
- لو كان طائشا مافعل كل هذا ؟
أمسك كتفيها وهزها بقوة صائحا باستغراب وذهول :
- هل أثرت فيك دموعه إلى هذا الحد حتى انستك طفلك الصغير الذى لم تبرد دماؤه بعد ؟
صرخت بكل ماتبقى فى حلقها من صوت وهى تدفع يديه بقوة :
- لاتقل أنى نسيته .. لن تكون أكثر حبا له منى .. إنه ولدى .. ولدى .. أتفهم ؟
وانهارت على مقعدها وكأنها أنهت مخزون طاقتها الذى كان فى عطاء متواصل طوال اليومين السابقين .

اقترب منها واحتواها بين ذراعيه فى عطف حنون ، وسالت من عينه دمعة ساخنة .. مسحها ثم قال بصوت خفيض :
- ياحبيبتى .. لابد أن يأخذ المجرم عقابه ، لو فعل كل الناس كما فعلت لصارت أرواح البشر بلاثمن .. والحمد لله أنه لم يعرف كيف يتصرف حتى سلم نفسه بنفسه لينال عقابه العادل .

ردت بصوت مبحوح كأنه همس بعيد :
- لقد سلم نفسه لأنه إنسان نبيل ، وكان يمكنه أن يواصل طريقه فيموت الولد والبنت كليهما ، ولن يصل إليه أحد ، ولو كان مجرما حقا مادخل السجن بقدميه .

- هل هذا قرارك الأخير ؟
- نعم .. سأدفع له ثمن إنقاذ ابنتى بإنقاذه من السجن .
- والولد ؟!!!!
- هذا قدر الله .. وكان لابد له أن يموت ، فى هذا الحادث أو لأى سبب آخر .

وقف فجأة وقال فى عزم :
- إذن .. سأثبت لك أنه وأهله لايقيمون لحياة الناس وزنا .
وانطلق خارجا من الغرفة إلى ردهة القسم الطويلة ، وطلب من الضابط استدعاء الشاب .

وحينما وقف الثلاثة أمام ضابط الشرطة قال الأخ فى غضب حازم :
- لقد قلت إنك على استعداد لفعل أى شئ .. أليس كذلك ؟
قال الشاب فى توسل :
- ياسيدى أقسم لك أننى حاولت تفاديهما بكل ......
قاطعه بنفس الغضب الحازم :
- أليس كذلك ؟
رد الشاب بسرعة :
- نعم .. نعم .. أنا على استعداد لفعل أى شئ أيا كان ، ولكن يهمنى بالمقام الأول أن تتأكدوا أن الحادث تم رغما عنى ، وأننى أتألم لمقتل الطفل مثلكم تماما .
- لماذا لم يأت أبوك لينقذك من مصيرك ؟ أم أنه يجهز لك كتيبة المحامين ؟
- أرجوك ياسيدى لاتسخر .. أبى مريض ، وقد فضّل أن آخذ عقابى كاملا .
- أنت الوريث الوحيد لأبيك ؟
- نعم
- نريد تنازلا عن كل أموالك كمقابل لحياة الطفل الصغير .
- موافق

أشار ضابط الشرطة بيده ، وهم أن يتكلم لولا ان انطلقت المرأة صارخة
- كفى
وأضافت :
- كفى ياأستاذ أحمد ، لقد دفعت ماهو أكثر من اموالك حين أنقذت البنت الأخرى .. وإذا كان الطفل قد مات فى المستشفى فهذا أجله الذى انتهى .
ثم التفتت إلى أخيها قائلة :
- الآن .. هل تأكدت ؟

وقف الأخ كالتمثال الأصم ، لايختلف عنه إلا فى أمواج الدهشة والذهول التى تتدفق من عينيه ، وهو يرى لأول مرة مشهدا يجمع كل هذا الكم من المشاعر العجيبة والمتناقضة ، وكل هذه التصرفات التى فاقت سعة خياله ، وخيال أى إنسان .
- أنا متنازلة عن هذا البلاغ ياسيادة الضابط .
قالتها المرأة بعزم لايخلو من حزن دافئ وعميق .

أمسك الضابط بقلمه ليكتب بضعة أسطر ، ثم ناولها للسيدة الصغيرة لترسم بتوقيعها نهاية المشهد العصيب .

كتبت فى 4/3/2005، عن قصة حقيقية

قرار





اغلقت الصحيفة فى هدوء غريب كان يعلن عن جولة من جولات الصراع التى تدور فى رأسى ، لكن الصراع لم يدم طويلا ، وقررت فى سرعة ألا أخطو هذه الخطوة أبدا .
لم أفق إلا على ابتسامة أمى الصافية وقد وضعت أمامى طعام الإفطار وهى تصيح فى مرح سعيد وبصوت مطمئن :
- الإفطار يا " بشمهندس " .
رفعت عينى إليها ، وحاولت أن ابتسم ، لكن فمى أعلن عجزه عن الابتسام مما زرع القلق فى نفسها فشعرت بأن هناك مالايسر ، لكنها تجاوزت إحساسها بسرعة واستعادت ابتسامتها التلقائية لتجلس على سريرى المقابل صائحة بنفس السرور :
- هل تسمح لى بالجلوس معك قليلا .. أحب أن أشاهدك حين تأكل .
يستغرب الكثيرون من هذه العلاقة التى تربطنى بأمى حتى لكأننا صديقين ، ولاعجب فهى تكبرنى بتسعة عشر عاما ، مما جعل العلاقة بيننا تشتمل على كل العلاقات المتوقعة بين أم وابنها وأخ وأخته وصديق وصديقته .
وللمرة الثانية عجزت عن إجابة ابتسامتها الصافية لأقول فى هدوء : " تفضلى " .
شعرت فى هذه اللحظة أن هناك مايقلقنى وهمت أن تسأل ، لكنها تراجعت وقد تركز بصرها على الجريدة التى ماتزال فى يدى ، وحاولت لمرة أخرى أن تتجاوز هذا القلق لتسأل :
- ماهى أخبار العالم اليوم ياسيادة المحلل السياسى العظيم ؟
تظاهرت بأنى منهمك فى الطعام ولم أسمع سؤالها ، وأغمضت عينى حين ارتشفت من كوب الشاى فى مشهد يوحى بأننى فى استمتاع أخرجنى من العالم كله .

لم تخدعها محاولاتى وسألت بنفس الابتسامة الصافية ، ونفس الصوت السعيد :
- ترى هل فكرت ماذا سترتدى اليوم ؟
فاجأتها بسؤال لم تكن تحب أن تسمعه :
- أخبرينى يا أمى .. ماذا ستفعلين إذا حدث مكروه وفقد والدى عمله ؟ ماذا سيكون موقفك ؟
نفد صبرها واختفت ابتسامتها التى ظلت محافظة عليها طوال الوقت وقالت فى عناء :
- هل عدنا ثانية لهذا الحوار ؟
- أخبرينى ماذا ستفعلين ؟ .. إنما أسأل فقط .
- هذا الشيطان لايزال يسكن رأسك ؟؟؟!!! أقسم أن هذه الجريدة هى التى أعادتك لهذا الجنون .
- بعيدا عن الشيطان ، وبعيدا عن الجريدة .. أليس هذا هو الواقع ؟
- ماذا تعنى بهذا الكلام ؟
- أعنى أننى لن أتزوج ، ولن اذهب الليلة إلى أى مكان .
لم تتمالك دموعها ، ونظرت إلىّ نظرة المتوسل ، لكننى أبعدت عينى عنها وحولتها إلى هذا العنوان التى يتوسط صفحة الجريدة .
لم تحاول مسح دموعها ، بل قامت مسرعة بل قامت مسرعة إلى الباب ، فتحته ثم خرجت وتركتنى أسبح فى أفكارى .

أدرك تماما أننى أُسبب لأهلى قلقا بالغا ، ولكن أليس هذا القلق أفضل من فضائح مابعد الزواج ؟؟ ماذا سيكون موقفهم حين تنشب بينى وبين زوجة المستقبل الخلافات اللامتناهية لأننى فقدت عملى وصرت عاطلا ، أو حتى لأننى لا أستطيع الوفاء بحاجتها وحاجات الأولاد ؟؟ .. ماهو شعورهم ووضعهم أمام الناس حين أُلقى بنفسى فى قاع النيل ؟؟ .. أو حين تغلى الدماء فى عروقى فأقتل زوجتى وأمضى إلى السجن فيصبح الأولاد بلا أب ولا أم ؟؟ .. أو ماذا سيفعلون حين تنتشر أخبار عجزى لتصل إلى مسامع الجيران فى إحدى خناقات زوجتى الصاخبة ؟؟ .. هل يسعدهم أن تقف زوجتى أمام المحاكم لتطالب بالطلاق لكونى لا أصلح زوجا .
إننى أُجنب نفسى وأجنبهم هذه الفضائح القادمة لاشك إذا فقدت عملى الغير مستقر ، وهاهى نسبة البطالة ترتفع بمباركة حكوماتنا الرشيدة وعهدنا الزاهى .

" إنها ( جهاد ) .. بنت خالك ، وليست فتاة غريبة لتتوقع منها كل هذه الشرور "
هكذا كانت تقول أمى لتؤكد أن كل مخاوفى هراء وأوهام ، وأن ( جهاد ) لايمكن أن تفعل مايضر سمعة عائلتها .

( جهاد ) .. النموذج الأنثوى الوحيد الذى يُشبع كل رغباتى .. روحها الممتلئة حياءا .. بسمتها التى تشع وداعة .. عينيها العسليتين الغارقتين فى الهدوء الساحر .. لا أنسى أبدا يوم أن ضحكت لموقف ظريف فلما انتبهت إلى نظراتى لها سارعت بوضع كفها على فمها ، واحمرّ وجهها خجلا .. لم أر فتاة أخرى حققت صورة الفتاة التى حلمت بها .
لكن ...
هل ستبقى بنفس هذا الجمال والهدوء إذا عجزت عن توفير طلباتها .. هل سيدوم حياؤها وخجلها حين أصير بلاعمل وأجلس أمامها فى البيت ، هل ياترى ستقدر ظروفى وتحترم مشاعرى أم سيظهر الوجه الآخر الذى ظهر فى كل الحوادث التى تمتلئ بها صفحات الجرائد ؟
هل ستصبح اسمها ( جهاد ) واقعا أم أن الظروف ستصبح أقوى ؟

أحسست بشئ يضربنى فى ظهرى .. الفت فإذا هى ( ميار ) بنت أختى ، لابد أن أمى أرسلتها إلىّ كى تخرجنى من خرافاتى ، وبالفعل .. نسيت الدنيا معها وصرت ألاعبها وألقيها فى هواء الغرفة ، ثم التقطها ، وأطير بها وأدور ، وهى تضحك وتصرخ فى سعادة ، ومالبثت أن دخلت أختى :
- كيف حالك يا" بشمهندس "
- أهلا يا ( حنان ) .. الحمد لله
- تبدو غارقا فى اللعب مع ( ميار ) .
- ( ميار ) هذه كل حياتى
- هل تحب الأطفال إلى هذا الحد ؟!!
نظرت إليها باستغراب :
- كيف تسألين هذا السؤال ؟
انطلقت فى هجوم مباغت :
- إذن لماذا لاتريد أن تتزوج ؟
- آه .. تسألين عن الزواج .
- نعم .. لماذا تتخيل أن كل فتاة شيطانا ينتظر أن تقع فى فى مشكلة لكى تفضحك أمام العالم .. وتدوخك فى المحاكم ، أو تقف فى منتصف الميدان لتعلن للجميع أنك ضعيف وعاجز وعاطل .. ثم إنها بنت خالك ، وأنت تعرف أخلاقها ، وهى تحبك كما تحبها أنت .. فلماذا تفعل كل هذا ؟
- لأنه لايوجد دليل واحد يثبت أن ( جهاد ) لن تتحول إلى الصورة الأخرى .
- يعنى ؟؟؟؟؟
- يعنى لن أتزوج .
- وعواطفك ومشاعرك .. وحبك للأطفال .. والفطرة التى خلق الله بها كل الناس ؟؟!!!
- لتذهب كل عواطفى ومشاعرى إلى الجحيم .
سادت فترة من السكون وكل منا ينظر للآخر فى تحد ، ثم خفضت وجهها وقالت فى هدوء :
- ياحبيبى .. لماذا تتوقع الشر قبل الخير ؟
- أنا لا أتوقع .. أنا متأكد .. وانتظرى سأثبت لك .
مضيت خارج الغرفة لأُحضر ( ميار ) التى خافت من الجو المشحون بينى وبين أمها ، وجدتها فى حضن أمى التى كانت تحاول الاستماع إلى حديثنا .
وبعد أن داعبتها قليلا لأُخرجها من حالة الخوف قلت لها :
- ( ميار ) .. ماذا تفعلين لو لم يُحضر لك ( بابا ) العروسة التى تحبينها ؟
وبكل براءة قالت ( ميار ) :
- سأُحضر ( بابا ) غيره .
نظرت إلى امى وإلى أختى فى مرارة وقلت :
- ماذا تقولون الآن ؟
لم ينبسا بحرف ، ومضيت إلى غرفتى تاركا ورائى بحرا من دموع .


كتبت فى 25/3/2005

الأحد، سبتمبر 18، 2005

الأستاذ أكـــرم




التقطت من بين تلال الورق المتراكم على مكتبى هذه الورقة التى تحتوى على إفطارى ، وما إن بدأت فى التهامه حتى بدأ " السادة " المواطنون فى التدفق على المصلحة ، يبدو أننى لن أهنأ بيوم أبدا .

مايقرب من عشرين سنة وحياتى بين هذه الأوراق الصفراء المتراكمة التى ترقد على هذا المكتب المتهالك الذى هو واحد من بين 10 مكاتب تحويها هذه الغرفة الكئيبة .

- هذه الأوراق ينقصها ختم المصلحة ياسيد
هكذا صحت فى وجه هذا العجوز الذى لايريد أن يفهم طبيعة العمل والنظام فى المصالح الحكومية ، ويبدو أن هذا الأسلوب ناجح تماما ، فقد قال الرجل فى انكسار واضح :
- " ومن أين آتى بهذا الختم ؟ "
-" هذا الختم مع الأستاذ أكرم .. وهو على وصول إن شاء الله .. تفضل انتظر على مقعد من هذه المقاعد .

" كان الله فى عونك يا أكرم .. كل شئ فى هذه المصلحة يحتاج إلى هذا الختم اللعين ، وكانه مصباح علاء الدين الذى يصنع المعجزات " هكذا غمغمت لنفسى أثناء التهام الإفطار اليومى الموحد الذى لم يتجاوز أبدا إطار الفول والطعمية حتى اصبحت اقطر زيتا حين اعرق .
ثم مالبث العجوز أن عاد مرة أخرى فى نفس الانكسار :
- يابنى .. إننى قادم من سفر ، ولابد من إنهاء هذه الأوراق لكى أحصل على علاج البنت الراقدة فى البيت .
قلت فى غضب :
- الله يشفيها ياحاج ، مشكلتك مع الأستاذ أكرم .
صاح فى اندهاش حانق :
- وأين الأستاذ أكرم هذا ؟
- يبدو أنه يتناول إفطاره مثل كل الناس .. دقائق ويأتى .

مالى ومال ابنته المريضة أو امه الميتة ؟ تكفينى همومى ، كلنا نمرض ونصح ونمرض ونصح .. لن تنهار الدنيا إذا مرضت ابنته أو حتى ماتت .. اين جريدة الصباح .. آه إنها عند " فتحى " .
فتحت جريدة الصباح اليومية لأمر على نفس العناوين المحفوظة : الرئيس يستقبل فلان ، الرئيس يودع فلان ، الرئيس يفتتح ، الرئيس ينغلق ، أفضل مافى هذه الجريدة شيئين : صفحة الرياضة ، والكلمات المتقاطعة... اين الكلمات المتقـ ... نعم .. إنها هى .
لا ادرى كم من الوقت مر على وانا منهمك فى حل الكلمات المتقاطعة التى لايؤثر على تركيزى فيها إلا أصوات " السادة " المواطنين الذين يكثرون بالخارج ويتزاحمون على المقاعد .. ومالى أنا .. فلينتظروا حتى يأتيهم أكرم .

- " أنت ياأستاذ .. الم يأت الأستاذ أكرم ؟ "
أف .. إنها السيدة التى كانت هنا بالأمس ، وانتظرت حتى ايقنت أن أكرم غائب اليوم ، فكررت الزيارة اليوم .
- لقد ذهب إلى مشوار بسيط ، وسيأتى حالا .. الصبر جميل .. إن الله مع الصابرين .
زفرت فى يأس واضح وعادت أدراجها ، ومازلت أردد : الصبر جميل ، ولا أدرى هل الصبر فعلا جميل أم مرير ؟ فبماذا أفادنى الصبر غير بقاء الحال كما هو .. موظف حقير فى إحدى المصالح ، زوجة تهوى النكد ، أولاد يعرفون إلا المطالبة بالمصروف وأجور الدروس الخصوصية ، صاحب المنزل الذى يشبه عقارب الساعة المضبوطة على أول يوم فى الشهر ليحصل الإيجار ، هذا غير مصاريف المياه والكهرباء والتليفون والضرائب و .... إلخ من هذه الدوامة التى أحياها ... ثم اقول للناس : الصبر جميل .
نعم ... وهل أستطيع أن أقول غير ذلك ؟؟ .. فلماذا لايصبرون هم ويرحمونى من هذا الصداع المتكرر الذى أعانيه كل يوم .

وفجــأة ،،،

" ألا تستطيع يابنى أن تختم لى هذه الأوراق .. لقد تأخرت .. ولابد أن أعود اليوم إلى البلد " قالها العجوز فى استعطاف .
" أين هو مدير المصلحة هنا ؟؟؟؟ أسبوع كامل ولا يأتى هذا الموظف الذى يعطّل مصالح الناس " قالتها السيدة فى غضب .
" يعنى إذا غاب أكرم هذا ، لايستطيع أحد فى كل هذه المصلحة الطويلة العريضة أن يقوم بعمله " قالها رجل فى الأربعينيات فى استنكار .
" حتى متى سننتظر هذا الباشا الذى يسمى اكرم ؟ " قالتها سيدة فى الثلاثينيات فى سخرية .
" هل عندكم فى هذه المصلحة موظف يسمى اكرم أصلا ؟؟؟ " قالها هذه المرة شاب على سبيل الطرفة .

يبدو ان الجميع فقدوا أعصابهم ، ولست فى حالة تسمح لى بالأخذ والرد والخناق والصياح على كل واحد فى هذه الطوابير ، لذا قمت فى هدوء وتركت مكتبى وخرجت من الغرفة فى صمت كامل .

فى أثناء خروجى استوقفنى أحد زملائى قائلا :

- " اكرم .. أنت الوحيد الذى لم تدفع سهمك فى الجمعية " .

9/5/2005