‏إظهار الرسائل ذات التسميات ما كتبته بدموعي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ما كتبته بدموعي. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، فبراير 03، 2026

فقدوا رمضان!!

 

هذا باب من الكلام مؤلم ومرير، ومع هذا فمن النافع المفيد أن نعرفه ونتأمله ونستزيد منه، فهو من الأبواب المغفول عنها في كتب الرقائق والتزكية، ثم هو من الأبواب المغفول عنها في التعريف بشهر رمضان وقدره!

ها نحن نتهيأ لاستقبال شهر رمضان، ونُقدم على أيامه فرحين مسرورين، لا يخطر لنا شيء من أنواع المشقة.. فكيف إذا عرفنا أن بعض المسلمين كان يضحي بحياته لكي يتمكن من صيام رمضان وقيامه؟!

سنعرف حين نعرض لقصص هؤلاء المسلمين أن شهر رمضان نعمة عظمى، وأنه ليس يشعر بها إلا من فقدها..

ويكفينا لتقدير هذه النعمة ومعرفة عظمتها أن نتوقف أمام هذا الوصف النبوي له بأنه "نفحة ربانية"، ولعل الذي يتعرض لها فتصيبه ألا يشقى بعدها أبدا!

وقبل أن ندخل في حكاية الذين فقدوا رمضان، والذين ضحوا بحياتهم من أجله، أحب أن أذكر سريعا بثلاثة أمور في هذا الشهر الكريم، أو بالأحرى: ثلاث فرص غالية، كل واحدة منها تكفر الذنوب الماضية، فقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم:

1.    من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه

2.    ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه

3.    ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه

وتكفير الذنوب أمرٌ لا يقدره حق قدره إلا المؤمنون، وإذا أردنا تقريبه لأذهاننا التي تلوثت وتلطخت بالصبغة المادية، فهو يشبه لدى المدين "إسقاط كافة الدين"، ويشبه لدى الغارم "العفو عن كل الغرامات".. وهكذا!

وإذا كنا سنفتح صفحات التاريخ، فإن أعظم دروس التاريخ على الإطلاق أن كل الناس تموت، وأن الدنيا زائلة.. كل الذين سنذكرهم الآن ماتوا، ومات أبناؤهم وأحفادهم، وأحفاد أحفادهم، وأحفاد أحفاد أحفادهم.. كل الذين على هذه الأرض الآن لم يكونوا موجودين قبل مائة عام.. وكل الذين عليها الآن لن يكونوا موجودين بعد مائة عام قادمة.. سيتبدل الناس، وسيصير الجميع في القبور.. وكل هؤلاء لا يتمنى الواحد فيهم أكثر من أن يغفر له ذنبه، أو أن يزداد من العمل الصالح!

وأنت في هذه اللحظات التي بدأت تقرأ فيها هذه السطور، وحتى وصلت إلى هذه الكلمة.. هل تدري أنه قد مات ملايين الناس، ذلك أن الدقيقة الواحدة يموت فيها قرابة سبعين مليون شخص؟!.. كل هؤلاء الآن قد واجهوا حقيقة هذه الدنيا، وكلهم يتمنى أن لو عمل في حياته عملا صالحا يحسن به مصيره الحقيقي في الآخرة.

والآن تعالوا أحكي لكم القصة..

أحدثكم اليوم عن قصة المسلمين الأندلسيين بعد سقوط الأندلس، أولئك القوم الذين ضربوا مثالا أسطوريا في محاولة الحفاظ على دينهم، تحت ظروف في غاية القسوة، ظروف لا ترحم.

بثت قناة قناة الجزيرة فيلما وثائقيا قبل أكثر من عشر سنوات، بعنوان "المساء الأخير"، وفيه عرضت قصة إسباني دخل في الإسلام، وبينما هو يصلي رأته أمه، فسألته: ماذا تفعل؟ قال: هذه هي الصلاة في الإسلام. فقالت له أمه المسنة: لقد كنت وأنا صغيرة، أرى جدي يصحو قبل شروق الشمس، فيغسل أعضاءه بالماء مثلما تفعل الآن، ثم يفعل نفس هذه الحركات!

وهنا كانت المفاجأة: لقد اكتشف الإسباني الذي أسلم، أنه من عائلة مسلمة، وأن جدّ أمه ظل يحافظ على الصلاة حتى ستين سنة مضت! أي أن من المسلمين من ظل متمسكا بدينه أكثر من أربعة قرون سرًّا!!

ويا لها من أسطورة!!

وقد احتفظت لنا صفحات التاريخ ببعض وجوه العظمة التي كان عليها أجدادنا الأندلسيون.. وإليك طرفا منها!

لما سقطت الأندلس، وزال حكم الإسلام منها، ونقض الإسبان ما كانوا قد عاهدوا المسلمين عليه من ترك الحرية الدينية لهم، وجد المسلمون أنفسهم تحت حملة في غاية الشراسة والشدة، استمرت معلنة أكثر من مائة سنة، ثم استمرت سرًّا ثلاثة قرون أخرى!

كان محرما على المسلمين أن يبقوا مسلمين: إما التنصر وإما الموت، وفي أوقات بسيطة سُمح لهم بخيار ثالث هو: مغادرة الأندلس. وحين كان يتاح هذا الخيار كانوا يُهرعون إليه، إلا أنهم إذا اختاروا الرحيل ومغادرة الأندلس كانوا يُحرمون من أبنائهم فكان الإسبان ينتزعون منهم أطفالهم باعتبار أن الأطفال نصارى، ويتخلون عن أملاكهم، ويكونون تحت رحمة البحارة النصارى الذين ربما غدروا بهم وباعوهم عبيدا في فرنسا أو إيطاليا أو ألقوا بهم عبيدا في الأمريكتين!!

وكان هذا العصر هو عصر محاكم التفتيش.. تلك المحاكم الجهنمية التي كانت تجعل نفسها رقيبة على الضمائر والقلوب، فتبذل جهدها بوسائل الترهيب والتعذيب في التحقق مما إن كان هذا المتهم لا يزال في صدره بعض إسلام أم لا.. فإن كان كذلك فمصيره ميتة بشعة، بأدوات تعذيب شيطانية! وإن لم يكن فيكفيه أنه نجا بحياته بعد أن يكون قد خسر أمواله وممتلكاته كذلك.

صفحات تاريخ رهيبة كتبت فيها كثير من المؤلفات، وكثير من هذه المؤلفات كتبها باحثون إسبان وأوربيون أيضا.

ما يهمنا الآن هي قصة المسلمين الذين اجتهدوا ليصوموا رمضان في مثل هذه الظروف القاسية!

في كتاب "دولة الإسلام في الأندلس" للمؤرخ المصري محمد عبد الله عنان، يذكر لنا في المجلد الأخير "نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين" أنه بعد مائة عام من سقوط الأندلس، ومن خلال سجلات محاكم التفتيش، أن قرية مسلاته الموريسكية[1]، المهم أن هذه القرية اتُّهم فيها أربعون أسرة بصيام شهر رمضان[2]!

فهنا ترى أن المسلمين ظلوا يورثون أبناءهم عبادات الإسلام بعد مائة عام!! حتى أنهم اكتشفوا في قرية واحدة أربعين أسرة تصوم.. هذا بخلاف ما لم يكتشفوه، بخلاف ما هو في سائر القرى!

وفي سجلات محاكم التفتيش تظهر بعض البلاغات التي أبلغ فيها النصارى عن المسلمين، التي نرى منها حجم تشوق المسلمين لشهر رمضان، وحجم انتشاره الصوم فيهم، فمثلا تم الإبلاغ عن مسلمة سُمِعت تقول لمسلم آخر إنها ذهبت إلى فضاء القرية لترى الهلال. وكذلك أبلغ عن مسلم نقَّاش رآه أحدهم يتطلع في السماء فسأله: ماذا تفعل؟ وما الذي جاء بك إلى هنا؟ فقال النقاش المسلم إنه جاء لرؤية الهلال، فقال الشاهد: تريد أن تصوم؟ فقال النقاش: أجل، فهناك في أراغون (منطقة في إسبانيا الآن) يصوم الجميع"[3]!

وهنا يبدو أن المسلم ظن نفسه يكلم مسلما، أو ربما كان المُبَلِّغ أحد المسلمين الخونة، فهذا الصنف يظهر في أوقات الشدة ليتقرب إلى أعداء المسلمين.

من أهم الكتب التي تناولت أحوال المسلمين الأندلسيين بعد السقوط في جزئية عباداتهم الدينية تحديدا: كتابان على وجه التحديد، الكتاب الأول هو كتاب الباحثة الإسبانية مرثيدس جارثيا أرينال "محاكم التفتيش والموريسيكيون"، وهو مترجم وصادر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة، وكتاب المؤرخ الإسباني بيدرو لونجاس "حياة الموريسكيين الدينية"، وهذا الكتاب يعتمد على المخطوطات المكتشفة من تراث الموريسكيين أنفسهم، والتي كانوا يكتبونها للمحافظة على الدين وتعاليمه!

في كتاب مرثيدس أرينال تذكر معلومة مهمة جدا، تقول: "بشكل رئيسي فإن العبادات الأكثر رسوخا في حياة الموريسكيين، والتي يرد ذكرها في كل المحاضر تقريبا، هي صيام رمضان، والطهارة، والصلاة"[4].

وتضيف أيضا: "بدون أدنى شك، صيام رمضان هو العبادة الدينية الأكثر تأصلا في حياة المسيحي الجديد[5]، وفي الغالب هي أكثر عبادة يحافظ عليها الجميع. ويمكن القول بأنه آخر مظهر إسلامي من حيث التلاشي... وإضافة إلى كونه شعيرة دينية، إلا أنه سيتحول إلى ملمح للتميز الثقافي، ويصبغ الشخص الذي يحافظ عليه بصبغة خاصة... طابعه الجماعي يجعل منه العبادة الأكثر تأصلا، وبالتالي الأكثر تميزا"[6].

بل حافظ المسلمون على وسيلة المسحراتي، فكان بعض المتطوعين المنظمين يخرجون ليطرقوا على الأبواب ليلا حتى يرد ساكنوها عليهم[7].. وهذا نوع من المخاطرة!

ولا ريب أن المرء حينما يطالع مثل هذه الأخبار، يحزن ويتحسر أن بعض المسلمين يهملون أمر الصيام وهم في مجتمعات مسلمة، وكيف أنهم يتخلون عن آخر شيء تخلى عنه أجدادهم المسلمون في أشد البيئات قسوة وشدة.

لم يحافظ المسلمون على الصيام فحسب، بل كانوا يصومون أيضا الأيام الستة من شوال، ويسمونها الستة البيض، ويحافظون على احتفال عيد الفطر بارتداء الثياب الجديدة أو النظيفة وإخراج الصدقات على فقرائهم.. وكانوا يصومون أيضا من الأيام العشر من ذي الحجة، ويوم عاشوراء، بل منهم من كان يصوم صيام داود، يصوم يوما ويفطر يوما.. ومنهم من كان يحافظ على الاعتكاف لتسعة أيام[8].

ثمة من المسلمين من قُبِض عليه أثناء استطلاعه لهلال رمضان، وذات مرة قبض على نصف قرية لهذا السبب، تقول أرينال: "كان هناك قلق عند انتظار الهلال ومراقبته، وكانوا ينقلون خبر ظهوره بين القرى المجاورة، ويتناقشون حوله. وتسبب هذا الاهتمام بهلال رمضان في محاكمة عدد ليس بالقليل من الموريسكيين. ففي عام 1570، تم القبض على نصف القرية لأنهم خرجوا إلى أماكن الفضاء لرؤية ظهور هلال رمضان، ولما دار جدل حول ما إذا كان الهلال ظهر أم لا انقسموا إلى جماعات متفرقة، وبدأت كل جماعة تدافع عن موقفها بصوت عال، وبالتالي علمت السلطات وقبضت عليهم"[9]!

ولأن المصير كان هو الموت حرقا وتعذيبا، فقد كانت للمسلمين تحايلات كثيرة، وبعض هذه التحايلات كانت تتعلق بالعبادة نفسها، وتقصير وقتها، أو تعويضها في أيام أخرى، ومنها ما فعلوه طبقا لفتاوى من علماء المغرب، أو حتى أفتى بعضهم لبعض بها (مع مراعاة تناقص وانقراض العلماء تدريجيا في بيئة الموريسكيين)..

فمن هذه التحايلات أنهم كانوا يعوضون صيام أيام رمضان في مواسم جني العنب، حيث يخرجون من بيوتهم في القرية، إلى البيوت التي أنشؤوها في الحقول والمزارع، حيث يتجنبون المراقبة اللصيقة بهم، بحجة أنهم يعملون الزبيب. يذكر المؤرخ الإسباني خوليو كارو باروخا، أنه في بداية القرن السابع عشر، يعني بعد حوالي 120 سنة من سقوط الأندلس أن المسلمين كانوا يتحايلون على السلطات الإسبانية، وفي بيوتهم تلك يصومون رمضان ويحتفلون بعيد الفطر، وأنهم كانوا يفرحون ويستبشرون بالمولود الذي يولد في تلك الفترة، لأنهم يتجنبون بهذا تعميدهم في الكنيسة[10].

ومن هذه التحايلات أنهم لم يكونوا يتمّون صيام شهر رمضان كله، بل كانت الأكثرية تكتفي بصيام نصف الشهر أو اثني عشر يوما منه، أو تستغل فترة السفر، فتصوم طوال مدة السفر، لأن هذا يجنبهم المراقبة والوشايات التي يمكن أن تصدر عن جيرانهم إذا لاحظوا امتناعهم عن الطعام والشراب[11].

ومن فتاوى هذه الحقبة، أن يدفع المسلم الكفارة إن كان لا يستطيع الصوم، كأن يكون عاملا في بيت مسيحي ولا يستطيع إلا أن يأكل في الأوقات التي يأكل فيها سيده، فعليه أن يطعم فقيرا، ومثل ذلك من كان مسجونا في سجن محكمة التفتيش أو مأسورا عند بعض المسيحيين.

وكذلك المسلمين الذين يعملون في النقل، وقد كان هؤلاء كثرة، فهذا إذا اضطر إلى صحبة مسيحي في سفر أقل من العذر الشرعي، وعرض عليه المسيحي الطعام، وخاف المسلم أنه إذا لم يأكل أن يثير الريبة فيبلغ عنه، فله أن يأكل أقل الممكن ويبقى صومه قائما، ونيته منعقدة على إكمال اليوم.. فإذا أكل كثيرا فعليه الكفارة!

والموريسكي إذا مات قبل أن يقضي الأيام التي اضطر إلى فطرها، فعلى أقاربه التصدق عنه أو الصيام بديلا عنه.

لا يتسع المقام لمزيد بسط عن أحوال الأندلسيين في زمن اضطهادهم، وما كانوا يفعلونه للحفاظ على الصيام، فضلا عما كانوا يفعلونه من التمسك بالعبادات الأخرى كالوضوء والصلاة والزكاة والزواج والولادة وحتى الدفن، وكيف اجتهدوا ببسالة عظيمة في حفظ دينهم وتعليمه، لكني أرجو القارئ وأوصيه كثيرا أن يقرأ تاريخ هؤلاء، فإنه تاريخ يزيد المؤمن إيمانا، وهو يزكي نفسه ويطهر قلبه، بما يرى من أفعال هؤلاء!

وفي الوقت نفسه، يجب ألا ننسى أشباه هؤلاء في عالمنا المعاصر الآن، وأقصد بهم المسلمين في تركستان الشرقية، والمسلمين في بعض مناطق الهند، والمسلمين في بعض المناطق الإفريقية.. هؤلاء المسلمون لا يتمكنون من صيام رمضان لأن السلطات تجبرهم على الإفطار، ولأن البيئة المحيطة بهم تترصد لهم وتبلغ عنهم إذا عرفوا أنهم يصومون.. طبعا نحن نرى بوضوح ما يحصل من اضطهاد بسبب الحجاب لأنه ظاهر، أما ما يحصل من الاضطهاد بسبب الصيام فيكون أكثر خفوتا.. فأرجو أن يهتم المسلم بحال إخوانه في هذه البلاد.. يهتم لحالهم لمصلحة نفسه، فهو حين يطلع على أحوالهم يزداد إيمانا وتمسكا بدينه، ثم يهتم لحالهم لواجب الأخوة الذي فرضه الله علينا وألزمنا به.

نشر في مجلة أنصار النبي - فبراير 2026م


[1] الموريسكيون هو التعبير المشهور عن المسلمين في هذه الفترة، ومعناها المسلمون الأذلاء أو المسلمون المستضعفون.

[2]  محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس، ط4 (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1997 م)، 6/380.

[3] مرثيدس غارثيا أرينال، محاكم التفتيش والموريسكيون: محاضر محكمة كوينكا، ترجمة: خالد عباس، (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2004م)، ص66.

[4] أرينال، محاكم التفتيش، ص65.

[5] وهي تعني بالمسيحي الجديد: المسلم الذي أجبر على التنصر، فاضطر للتنصر ظاهرا.

[6] أرينال، محاكم التفتيش، ص66.

[7] بيدرو لونجاس، حياة الموريسكيين الدينية، ترجمة: د. جمال عبد الرحمن، (القاهرة، المركز القومي للترجمة، 1993م)، ص209، 214.

[8] أرينال، محاكم التفتيش، ص67؛ بيدور لونجاس، حياة الموريسكيين، 210.

[9] أرينال، محاكم التفتيش، ص66.

[10] خوليو كارو باروخا، مسلمو مملكة غرناطة بعد عام 1492م، ترجمة: د. جمال عبد الرحمن، (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2003م)، ص129، 146.

[11] أرينال، محاكم التفتيش، ص66.

الأحد، نوفمبر 02، 2025

تحت راية الطوفان في بيت حانون!


محمد إلهامي[1]

 

مهما طالت الحياة فإنها تساوي على الحقيقة تلك اللحظات التي يختزنها صاحبها في ضميره، لا ينساها مهما تطاولت السنون، ويتذكرها مهما باعدتها الأيام، فالحياة هي اللحظات المؤثرة.. ولذلك ترى الناس كلهم يشعرون أن أعمارهم قد انقضت سريعا وأن أيامهم قد مضت كلمح البصر!

وقد كان نبينا الأعظم ﷺ في أواخر عمره وهو بالمدينة، وقد قامت دولة الإسلام وترسخت وانتصرت بعد أهوال وأهوال، يتذكر مواقف مكة القديمة، تسأله عائشة عن أشد ما لقي في حياته، فلا يذكر يوم أحد بل يذكر يوم طُرد من الطائف، وكيف هام على وجهه مهموما فلم يستفق إلا في قرن الثعالب، المنطقة التي تبعد عن مكة نحو ستين كيلا، أي أنه مشى تسع ساعات لم يشعر بها من شدة الهم. كذلك فإنه لما تذكر أشد الكروب عليه لم يكن شيء من ذلك في الهجرة أو في المدينة، بل كانت جلسة التحقيق التي نصبها له كفار قريش لما أخبرهم أنه قد أُسْري به، يقول: فكربت كربة لم أكرب مثلها قط!

أتذكر ذلك الآن، لأن واحدة من تلك اللحظات التي لست أنساها، كانت حين وصلتني رسالة من الشهيد القائد محمد زكي، صاحب هذا الكتاب، وكان ذلك صبيحة عيد الفطر (1445ه = 2024م)، ولم أكن أعرفه ولا بيننا اتصال قط.. غير أني لقيت أخاه أبا عبد الله –حفظه الله ووفقه- مرات قليلة في اسطنبول ضمن فعاليات عامة، وحتى في ذلك كان الحديث بيننا قليلا.

أرسل إلي أبو عبد الله رسالة من أخيه، يهنئني فيها بعيد الفطر، وهي رسالة كتبها في أنفاق بيت حانون، أي على خط المواجهة الأولى في أقصى شمال قطاع غزة!!

وقد غمرتني الرسالة بطوفان من المشاعر؛ أشدها علي وأعظمها عندي، العجبُ من أن رجلا في بيت حانون -بين المعارك والأشلاء والكر والفر- يتذكر رجلا مثلي منعما ممتعا في اسطنبول!!

فشكرته ما أسعفتني لغتي في الشكر، ثم صرت أرسل بالاطمئنان عليه بين الفينة والأخرى!

ثم ما لبث بعدها شهورا، أن أتحفني –حين انعقدت الهدنة التي بدأت في يناير 2025م- أن أتحفني بأمرٍ هو أعز وأغلى وألذ وأحلى.. فقد أخبرني أبو عبد الله أن أخاه أبا زكي كتب كتابا بين الأنفاق والعُقَد القتالية، سمَّاه "تحت راية الطوفان".. دَوَّن فيه بعض ما رآه في هذا الطوفان من عجائب وكرامات ومن شدائد ومحن!!

فطلبتُ إليه أن أقرأ الكتاب قبل نشره، لشدة حرصي على تتبع أخبار الرجال الذين لا يظهرون على الإعلام، ولا يبثون مشاعرهم حتى على مواقع التواصل. فوافق مشكورا مأجورا..

وأخبرني أبو عبد الله أن أخاه القائد الشهيد كان يتابعني بل لقد كان يُدَرِّس بعض كتبي للشباب معه! وقد علم الله، لشأني في نفسي أحقر من هذا وأدنى وأهون.. ولَأَن يجري اسمي على لسان مجاهد لهو شَرَف عزيز، فكيف بهذا المقام؟!

وبينما كنت أقرأ الكتاب –الذي هو الآن بين يديك- وألتهمه، وأتشرب ما فيه من رائحة الأنفاس وصهيلها، وهدير المعارك ولهيبها، وما تثيره من المعاني في القلوب والعقول، وما تثيره من الغبار في الأنوف والصدور.. إذ فوجئت بصاحبنا يذكرني في كتابه بثناء حسن.. فصرت في بحر من الحيرة، لا أدري من أي شيء أعجب، ولا على أي شيء أتحسر.. وأسأل الله أن يسترنا بستره الجميل.. غير أن ثناء المجاهد لا يعدله عندي ثناء مهما عَظُم صاحبه في شأن الدنيا!!

ولك أن تتخيل حال رجل مثلي، عاجز في مكانه، آمن في سربه، معافى في بدنه، عنده أقوات يومه وغده وبعد غده.. كيف يكون حاله إن جاءه ثناءٌ من رجل ترفرف روحه فوق رأسه، يخوض أشرف معارك الأمة؟!!

وقد كنت حينها أمرُّ بكربٍ شديدٍ، فأطمعني هذا الكرم الحاتمي السيال، فأرسلت إليه أطلب دعاءه ودعاء من في الثغور لينفك هذا الكرب، فما أقرب أن يستجيب الله لهؤلاء.. فكان كما هو أهله: أجابني بدعائه الشجي الندي، وقد شاء الله بفضله وكرمه وانحل الكربُ بأمر يشبه المعجزة.. فما أحسب إلا أن هذا كان من كراماته!!

ومضت الأيام، وبعد شهور، إذا به يرسل إليّ يطلب مني أن أكتب مقدمة لكتابه "تحت راية الطوفان"، بعد أن أضاف إليه شيئا من أخبار تجدد القتال بعد انهيار الهدنة في مارس الماضي.. ومن ذا يتخلى عن مثل هذا الشرف!

ثم ما هي إلا أربعة أيام بعدها حتى جاءني نبأ استشهاده.. فلما عرفت اسمه ورأيت صورته وسمعت مقاطع نشرت له عرفتُ بعين اليقين ما كنت شعرت به حين قرأت الكتاب بعلم اليقين.. ذلك سمت شهيد! طال الوقت أم قصر!!

إن في الكتاب روحا من صاحبه، وفي الكتاب ترى رجلا ناهلا من القرآن متعلقا به يحسن الاستشهاد منه على المعنى الذي يريده، حركيا عمليا متعاملا مع نفوس الناس وما يصدر عنها حين الشدة من أوجه ضعف أو خوف أو تردد، فقيها يتكلم في عبادات المجاهد: كيف يصلي وكيف يتطهر، بل كيف يعيد بناء المسجد الذي تهدم في المنطقة التي أبيدت لكي يثبت قلوب الناس ويعيد بث الحق والخير فيهم.

فإذا سمعتَ صوته ورأيت صورته -كما في المقاطع التي نشرت له- رأيت شابا وادعا قد أقام القرآن فصاحة لسانه، وللقرآن أثر في لسان قارئه المدمن له يُعرف من مواضع ترقيقه وتفخيمه ومدِّه وقصره ونحو هذا.. وإذا رأيت ثم رأيت وجها منيرا وسمتا مريحا وإلفا محبوبا!!

ما كان مثل هذا ليكون إلا شهيدا..

ولقد شاء الله ألا يكون استشهاده آخر فضائله علي.. فلقد أرسلت زوجه الكريمة -أفرغ الله على قلبها السكينة والرضا- تقول: كان يحب الشيخ محمد إلهامي فأخبروه أن يدعو له!!

فيا لله، كيف أدعو أنا لمن كان غاية أملي أن أرزق شفاعته من بين سبعين؟!!

ثم وصلني بعد ذلك فرحته وثناؤه حين علم بأني سأكتب المقدمة لكتابه.. ومضى قبل أن يعلم أن فرحتي بذلك أعظم وأشد.. وذلك هو الأليق والأكرم، فإنما يسعد مثلي ويشرف بأن يخدم مجاهدا في أشرف معركة!!

***

هذا عن الشهيد وفضله عليّ.. وبقيت كلمة في شأن الكتاب نفسه!

إنه مهما تابعنا الأخبار وحرصنا عليها فإن القائم في قلب المعركة يعرف منها ما لا نعرف، ويرى فيها ما لسنا نراه..

***

لما قرأت الكتاب، وقد قرأته مرتيْن، كان أشدَّ ما لفت نظري كلمته هذه: "لم يُقْتَل أحد من المجاهدين في كتيبتنا جراء الاشتباك مع قوات العدو الراجلة، كل شهدائنا العظام ارتقوا إلى الله بسبب القصف الجوي".

وصاحبنا الشهيد نفسه قد قضى أيضا بالطيران..

ومعضلة الطيران هذه لا بد أن تكون على رأس أولويات العاملين المخلصين في أمتنا، كلٌّ في مجاله وفي ثغره.. ولو قد كان بيدي أمر هذه الأمة، فلربما جعلت نصف مقدراتها لحل هذه المعضلة وحدها، فمعضلة الطيران هذه هي التي تسببت في هزائمنا طوال هذا القرن الماضي، ولو تخيلنا تاريخ هذه الأمة وعدوها والمعارك التي نشبت فيها وحذفنا منها الطيران لكنا الآن نكتب تاريخا آخر تماما!

إن رجال أمتنا في كل معركة مقاومة يثبتون أنهم على قلتهم وضعف عتادهم قادرون على الصمود لجيوش هائلة من عدوهم، لولا هذا السلاح اللعين الذي يرمينا بحممه من السماء ولا نستطيع له دفعا!

ونعم، إن معضلة الطيران هي فرع واحد من معضلة الأنظمة الخائنة التي تحكم بلاد العرب والمسلمين، فأولئك هم الذين أخضعوا الأمة وأذلوها ومنعوها أن تتقدم وحرسوا تخلفها ليزداد العدو تفوقا، فهم أصل كل بلاء وجذر كل نكبة وبذرة كل مصيبة تعيشها أمتنا.. نعم، المعضلة الكبرى في تاريخنا المعاصر هي الأنظمة الحاكمة الخائنة التي خانت الله ورسوله والمؤمنين ومَكَّنت العدوَّ منا.. ولن نتقدم شبرا قبل أن نتعامل مع هذه الأنظمة باعتبارها أنظمة احتلال أجنبية، مهما بدا أنهم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا.

أقول: إن معضلة الطيران هي فرع من هذه المعضلة الكبرى، لكنها على الحقيقة أشد هذه المعضلات وأخطرها في الباب العسكري.. ويحتاج هذا الأمر تفكيرا مطولا وعملا مضنيا ومخلصا من سائر العاملين لحلِّها.. ونعم، إن الحل الجذري الأول هو إسقاط هذه الأنظمة الحاكمة الخائنة، ولكن حتى بعد إسقاطها وقبله وإلى أن نتمكن من ذلك فيجب أن يبدأ تفكير ونقاش وعمل طويل في حل هذه المعضلة!

لست متخصصا في شيء من هذه المجالات ولكن أذكر هذا لإثارة الأفكار:

إن من واجب المهندسين والكيميائيين والفنيين وأمثالهم: العمل على تطوير طيران مكافئ للعدو، فإن لم يمكن فتطوير سلاح مضاد للطائرات يصده، فإن لم يمكن فتطوير طيران يستطيع أن يمثل رادعا، فإن لم يمكن فتطوير سلاح آخر يمكن أن يصيب من عدونا مثلما يصيبون منا فيتحقق توازن الردع إن لم يتحقق توازن القوة!

ومن واجب المبرمجين والقراصنة الإلكترونيين وأمثالهم: بذل غاية الجهد والوسع في العمل على اختراق أنظمة الطيران، وإفسادها وإتلافها وتضليلها، أو اختراق قواعدها أو أبراج مراقبتها، أو الرسائل المشفرة المتبادلة بين الطيارين والقواعد الجوية!

ومن واجب هؤلاء القراصنة وأمثالهم اختراق الأنظمة وقواعد البيانات والوصول إلى بيانات الطيارين أو العاملين في القواعد الجوية أو نحوهم ممن يمكن عبر الوصول إليهم بالاختراق أو الاستمالة أو التحييد أن يتعطل سلاح الطيران!

ولا يقتصر الأمر على أبناء العلوم التطبيقية البحتة التقنية الفنية، بل حتى العلماء والفقهاء والدعاة والمتخصصون في علم النفس والاجتماع والقانون وغيرهم، كل هؤلاء ينبغي أن يفكروا كيف يمكن أن يخدموا الأمة في حل معضلة الطيران هذه..

هذا المتخصص في علم النفس هل يستطيع أن يستخرج لنا صفات نفسية خاصة تتكون لدى الطيارين والعاملين في سلاح الجو، ويقترح علينا أساليب التعامل معها، فنأخذها منه ونوصلها للعلماء والفقهاء والدعاة والإعلاميين والمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي؟!

وهذا المتخصص في علم الاجتماع، هل يستطيع أن يستخرج لنا أو يفيدنا بأنماط ينبغي أن نفهمها أو نتعامل معها في بيئة الطيارين والعاملين في سلاح الجو، فنبثها عنه على ألسنة الدعاة والإعلاميين والمؤثرين، بحيث نستطيع كف عادية هؤلاء من خلال نبذهم اجتماعيا أو إشعارهم بالعار؟!

ألا ينبغي أن يتداعى العلماء إلى مؤتمر فقهي جامع يجمعون فيه المسائل المتعلقة بالطيران وواجبات الأمة فيه، بداية من واجبات التصنيع والتطوير التي هي على الحكام والدول، مرورا بواجبات المتخصصين في كل فن، وإصدار الفتاوى للطيارين المسلمين والعاملين في سلاح الجو وفي الدفاع الجوي، حول ما يملكون من وسائل دفع العدو، سواء بإذن قادتهم أو بغير إذنهم، أو في ضرورة نشر تقنية الطيران تصنيعا وترويجا وحثا، بل وفي ضرورة نشر ثقافة تضليل الطيران المعادي، وكيف يمكن للناس أن يساعدوا المجاهدين في ذلك، وفي حث الناس على التبرع والتطوع والوقف لتطوير هذا المجال.. إلخ!

وقل مثل هذا في كل مجال وباب.. إن نازلة الطيران هذه يجب أن ينهض لها كل عامل مخلص ليرى ما الذي يمكنه أن يفعل فيه!

 

***

يعد هذا الكتاب من الردود العملية الشافية للضلالات الفكرية المنحرفة التي تظهر في عصرنا، والتي يحملها منتسبون إلى المشيخة، فمنهم الفاسقون ومنهم الضالون، ومنهم الذين اشتروا الدنيا بالآخرة..

أولئك الذين يطعنون بعقيدة المجاهدين –زعموا- وأنها لم تكن نقية، وأنها رايات ملتبسة.. وكذبوا!

فالعقيدة كما تظهر في فلتات لسانهم هي الاقتصار على ركن التصور النظري الرابض في زاوية علم الكلام، وعلى القضايا التي لم تُثر في عصر الصدر الأول أصلا.. وأما العقيدة كما تظهر في فعالهم فهي متابعة هوى السلطان مهما كان خائنا ومتخاذلا بل مهما ظهر منه الكفر البواح!

وبئس المنتسب إلى العلم، يطعن في العمالقة المجاهدين..

ومن الردود النافعة على هذا الانحراف والضلال مثل هذه الكتب.. تلك التي تنقل حياة المجاهدين وزوايا نفوسهم، فترى فيها هذا النَّفس العالي في فهم الإيمان وقضاياه، وفي التعلق بالقرآن واستنباط معانيه، وفي الحرص على العبادة والطاعة في فروع الفقه عند المجاهدين، وفي هذه الشفافية الرقيقة في التعامل مع خطرات النفس ووساوسها..

تأمل مثلا هذه العبارات المنقولة من هذا الكتاب:

"يظن من يقرأ أخبار المجاهدين أن مقابلة العدو هي البلاء الوحيد في الميدان، والحقيقة أن الميدان طريق مليء بالبلايا، فبالرغم من قسوة المعركة ووعورة المسير، هناك عقبات أخرى، قد تكون من قبيل المخمصة والعطش وأوامر لا توافق الهوى، وهذا ما تقرره الآيات، وكل هذه الاختبارات وظيفتها تهيئة النفوس وإعدادها، فعلى مثل هذا فلتوطن النفس أيها المجاهد"

"النيات تتقلب على المجاهدة، وهنيئا لمن تفقد نيته"

"اعلم أنك إذا جردت القصد له تعبداً، فيلزم أن تصبر لما يختاره لك، فقد تحب الخشوع بلا كلفة، فيختار لك عبودية المجاهدة، ويبتليك بالشواغل وفقد اللذة ونحوها، حتى تجر د قصدك له وتصطبر لعبادته، ثم سيفيض عليك بلطفه ورحمته ولو بعد حين"

"سورة إبراهيم سورة الفتوحات، عاهدت رب ي أن أتلوها وأنا في طريقي لغزوة مباركة ففتح الله بالفتوحات الكثيرة"

"إن تغيير السياسات وأسلمة المجتمع له ضريبة باهظة، وأعداؤنا يعرفون هذا جيداً، فلقد سمع الكبير والصغير أن من أهداف الحرب عند اليهود هو إنهاء حكم حماس في غزة، ويعتقد كثير من الناس أنه لا ينبغي لنا طلب الحكم، وأن سبيل الأنبياء هو الدعوة فقط"

"رجال الله في غزة لو قادهم سين من العلماء لعلمهم التوحيد على مقاييسه النظرية، ولو قادهم سين آخر من الفقهاء لعلمهم البدعة وخطرها على العقيدة، ولو قادهم سين ثالث من العلماء لعلمهم آداب الحديث وعدم رفع الصوت على الأجانب، وأخلاق النبي المتواضع الحنون، ولو قادهم سين من الناس لعلمهم التوبة من الذنوب، وأنه ينبغي ترك جهاد الشوكة حتى نجاهد أنفسنا، ولو قادهم خامس لفصل لهم في الفرق الضالة وبين لهم خطرها عليهم، وأن معركتنا الحقيقية معهم لا مع العدو الكافر الصائل المجرم، هذا غاية ما سيضيفونه على قاموس رجال الله العاملين المجاهدين".

وأكتفي بذلك..

ولكن الذين يتكلمون في شأن المجاهدين، من أولئك القاعدين المترفين، هم الذين نتشكك حقا في عقيدتهم، ليست العقيدة بمعنى التصور النظري الكلامي، بل بمعنى حب الله وخشيته ورجائه وتولي أوليائه والتبرؤ من أعدائه.. إلى آخر هذه الأصول الكبرى التي ضلوا عنها وأضلوا! فصاروا ينطقون بكلام المنافقين {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قُتِلوا}.. فهم أولى بالطعن وبالشك، فسمتهم ولسانهم ينبيء عن منافقين لا عن متشرعين ومتفقهين!

***

رحم الله حبيبنا القائد الشهيد أبا زكي محمدا بن زكي حمد.. وتقبله في الصالحين، ورفع درجته في عليين..

اللهم آجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرا منها!

ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون..

محمد إلهامي

4 ربيع الثاني 1447ه

اسطنبول 26 سبتمبر 2025

 



[1] هذا المقال هو مقدمة كتبتُها لكتاب "تحت راية الطوفان" للشهيد القائد محمد زكي حمد، ورأيت نشره في مجلة أنصار النبي لتعميم الفائدة والتعريف بالكتاب وصاحبه.

السبت، أكتوبر 04، 2025

إلى السادات الأكرمين من المجاهدين والمرابطين

 


رسالة إلى السادات الأكرمين المجاهدين والمرابطين من أخيكم المقصر، المحبوس في عجزه المقهور في بيته..

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المجاهدين وقائد الغر الميامين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..

أما بعد..

فإلى سادتي الكبار الأجلاء، الأولياء الأصفياء، العمالقة الميامين، من اصطفاهم الله على كل العالمين، فأسكنهم في خيرة أرضه التي يجتبي إليها خيرته من خلقه، واصطفاهم على العالمين فجعلهم من المجاهدين عند مسرى نبيه في الأرض المقدسة المباركة، واصطفاهم على العالمين فجعلهم من الطائفة المنصورة التي لا يضرها من خالفها ولا من خذلها حتى يأتي أمر الله!

إني أتصاغر في نفسي حين أتحدث إليكم، تصاغر من فاتته المقامات العظيمة التي أقامكم الله فيها، حتى أجرى على أيديكم المعجزات والكرامات، وأعاد بكم إحياء النفوس والقلوب، وأدخل بكم في دينه أفواجا من الناس كانوا من أهل الكفر فأسلموا لما رأوْه من صبركم وثباتكم وبطولتكم.. فمن كان هذا حالهم، فلا ريب أنهم عند الله في المكان الرفيع، في مقام القرب والاطصفاء..

ولئن ابتلاكم الله بالشدة والأذى، فتلك سنة الله في أوليائه المقربين المصطفين، فإن أشد الناس بلاء: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل.. ولا يزال البلاء بالرجل حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم، فهنيئا لكم من رجال تقدمون على الله بلا خطيئة.. وإنه لمقام وحالٌ لا يشعر به ولا يتحسر على فواته إلا من فاته هذا الاصطفاء والاختيار، فهو يعرف كيف يكون قدومه على الله!!

سادتي المجاهدين المرابطين الميامين..

إني وإن تصاغرت في نفسي حين أكلمكم، فإن لي بابا إليكم، وهو باب النصيحة في الدين، فقد جعلها الله تعالى نصيحة عامة، يجوز فيها للأدنى أن يتكلم مع الأعلى والأرفع، فقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.

وإن في نفسي أمورا، أبسطها بين يدي سادتي المجاهدين المرابطين، لعلهم يرون فيها ما يستحق النظر والأخذ بعين الاعتبار..

وإني وإن كتبتها من مكتب وثير في أمنٍ وعافية، فلقد كتبتها بروح تحلق عندكم، وبصر يتعلق بكم، وقد فارقنا منذ نشبت هذه الحرب لذة الطعام والشراب والنظر إلى أهل وولد، فما نأكل شيئا إلا ويذهب طعمه لتذكرنا إياكم، ولا ننظر في أهل ولا ولد إلا ضاعت لذتها لمعرفتنا بما تعانونه في ذلك.. فاقبلوها مني على الضعف والعجز والتقصير.. فإن الذي أضمنه من نفسي أني أحبكم غاية الحب، وأحرص عليكم غاية الحرص!

سادتي المجاهدين المرابطين..

إن الذي دخل منكم في طريق الجهاد هذا إنما دخله وهو يطلب الشهادة، فإن الله تعالى لم يضمن لأحدٍ من الناس النصرَ، إنما ضمنه لعموم الأمة، وأما آحادها وفئاتها وبعض حركاتها وجماعاتها فإنهم يقاتلون لأن ذلك هو الواجب عليهم، ولأن الشهادة هي الأجر المضمون لهم.

ولذلك فإن الله تعالى وعد المجاهدين بالمغفرة والنجاة من العذاب والخلود في الجنة، وجعل ذلك ثمرة التجارة مع الله، ثم جعل النصر في الدنيا أمرًا على البيع لعموم الأمة، قال تعالى:

{يا أيها الذين آمنوا: هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم؟

تؤمنون بالله ورسوله، وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، ذلكم خير لك إن كنتم تعلمون.

يغفر لكم من ذنوبكم، ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار، ومساكن طيبة في جنات عدن، ذلك الفوز العظيم.

وأخرى تحبونها: نصر من الله وفتح قريب}

وأصرحُ من ذلك وأوضح قوله تعالى في سورة التوبة {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يُقاتلون في سبيل الله فيَقْتُلون ويُقتلون، وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله؟! فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم}

فها أنت ترى آية لا حديث فيها عن النصر في الدنيا. هذا مع أن السورة نزلت في وقتٍ كان المسلمون فيه منتصرين وقد عادوا من غزو الروم في تبوك.. ولكن العقد والوعد هو كما كان أول الأمر: الجهاد مقابل الجنة. والنصر قد يأتي وقد لا يأتي لكل مجاهد.

وعلى ذلك مضى النبي وصحبه الكرام، وقد قُتِل في مكة مسلمون تحت التعذيب لم يروا النصر ولعله لم يخطر لهم ببال. بل إن الزعماء الذين بايعوا النبي على تأسيس الدولة المسلمة –في بيعة العقبة الثانية- ماتوا قبل أن تنتصر الدولة، وبعضهم مات قبل أن تقوم الدولة أصلا[1].

ولقد قُتِل جلة من الصحابة في بدر وأحد والخندق، ولم يروا حتى بلوغ الدولة المسلمة درجة الأمن والاستقرار!

وأما الذين بقوا منهم، أولئك الذين رأوا مشاهد النصر والفتح، فقد جال بخاطرهم أن قد حان وقت الراحة، فما هو إلا أن ذَكَّرهم الله تعالى وحذَّرهم من هذا الخاطر، وأنزل عليهم {وأنفقوا في سبيل الله، ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، فإذا القتال عند الله هو النجاة، وإذا ترك القتال في سبيل الله هو التهلكة.

فالعهد الذي أخذه الله على عباده هو الجهاد والقتال في سبيله، والمقابل هو: الجنة!

ولهذا بشَّر النبي ذلك المجاهد المتجرد من شأن الدنيا القائم في مكانه حيثما وضعه أميره، فقال: طوبي لعبد آخذ بعنان فرسه، أشعثٌ رأسه، مُغْبَرَّة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، وإن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع".

أقول هذا كله مخافة أن يكون قد تسرب إلى النفوس بعض تعلق بالدنيا، أو بعض جزع بعد طول الصبر، أو بعض ملل وتشوق إلى الراحة.. وإنها لثغرة في النفس قد تحمل صاحبها على أن تتشقق صلابته أو تُخْتَرَق صرامته، أو يتخلى عن بعض احتياطاته.. فنُنْكَب فيه، وليس يعوضنا عنه شيء من أهل هذه الدنيا.

لقد فهمت من سيرتكم ومشاهدكم شيئا لم أفهمه من الكتب ولا من الشروح ولا من العلماء، فهمتُ من حربكم هذه كيف أن أجر الرباط فوق أجر القتال، وقد جاء هذا في أحاديث عدة عن النبي صلى الله عليه وسلم:

1.    "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه أجري عليه عمله الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه، وأَمِنَ الفتان".

2.    وفي حديث آخر: "رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل".

3.    وفي حديث آخر: "كل ميت يُخْتَم على عمله، إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمن فتنة القبر".

تلك أحاديث لم أفهمها إلا في هذه الحرب الأخيرة: إن المرابط هو اليقظ الصبور، هو ذلك الذي لا يمل مقامه في الرباط، ولا تفتر يقظته مع طول المراقبة والانتظار، فهو فوق المقاتل في ضبط النفس وتملكها والتمكن منها وإخضاعها للوازم الجهاد في سبيل الله، فإن المقاتل قد تعينه نفسُه الشجاعةُ المقدامة إذ هو يقاتل ويهاجم، ولكن المرابط الصبور يحمل نفسَه الملولةَ على الصبر والرباط.. فلهذا كان له أجرٌ ليس لغيره.. لئن مات وهو مرابط، فإن أجره يبقى مكتوبا كأنما هو مرابط حتى يوم القيامة!!

فتأمل أخي المرابط المجاهد في رجلٍ رابَطَ شهرين أو ثلاثة أو عامين أو ثلاثة، ثم يرى ميزانه يوم القيامة وقد رابط خمسين سنة أو مائة سنة أو خمسمائة أو ألف سنة بحسب ما يفصل بينه وبين يوم القيامة!!

إن الصبر نصف الإيمان.. ولقد طالت هذه المعركة بما لم يكن أحد يحسب، ولكننا والناس نرى منكم بعد هذا الطول شدة وبأسا وبسالة وإقداما يجعلنا في حيرة: أي بشر هؤلاء؟ وكيف هم بعد كل هذا ما زالوا يقاتلون ويذيقون عدوهم من بأس الله الذي وعدهم به {ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب}..

لولا اشتعال النار فيما جاورت .. ما كان يُعرف طيب عُرف العود

ولولا طول المعركة ما عرفنا أصالة معدنكم ولا سمو نفوسكم ولا اصطفاء الله لكم من بين خلقه!

إنكم لا تعرفون ماذا يفعل الله بقلوب الناس بكم، ولا كيف يحيي بكم النفوس، ولا كيف يوقظ بكم الضمائر.. ولئن طال الوقت واشتد الصبر فهو خير لكم في الآخرة، وهو لحكمة يعرفها الله في الدنيا، فالله قد عوَّدنا الجميل ونحن نقيس على ما تعودنا منه سبحانه.. فلئن شئتموها طوفانا يتحرر به الأسرى فلعل الله قد شاء أن يجعلها المعركة الكبرى التي يتحرر فيها المسرى.. فيكون لكم من الأجر فوق ما طلبتموه، ليس أجر تحرر المسرى فحسب، بل أجر إيقاظ الأمة والنفوس!

إنني في مكاني بالخارج أرى ماذا فعل الله بكم في نفوس الناس: قوم نشطوا بعد يأس، وقوم عملوا بعد قعود، وقوم أسلموا بعد كفر، وقوم تابوا بعد غفلة، وقوم يدخلون في سلك الجهاد بعد أن كانوا متنعمين لا يفكرون في دين ولا في جهاد.. إنكم تغرسون غرسا عظيما، يوشك أن ينبت، وأن يثمر.. والله يدبر أمرنا وأمركم، ويدبر بكم ولكم، ويصنع لنا ولكم وبكم.. وهو وحده الحكيم اللطيف علام الغيوب.

ولقد تفضل الله على قومٍ فساقهم إلى الجنة في السلاسل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.. ألا تعرفون كيف أن بعض الأسرى في الفتوح الإسلامية قد صاروا في صفوة المجاهدين الفاتحين؟.. نعم، كان الأسر والسلاسل في أول أمرهم طريقهم إلى الدرجات العلا من الجنة.. فكم من شدة ومحنة كانت هي نعمة الله الكبرى على عبده، وهي التي أصاب بها الفردوس الأعلى!

فتعلقوا بالصبر، وتمسكوا بالصبر، وتشبثوا بالصبر.. وكونوا كما أراد الله من عباده {اصبروا، وصابروا، ورابطوا، واتقوا الله، لعلكم تفلحون}

واعلموا –سادتي المجاهدين والمرابطين- أنكم أهل العمل.. وأنكم الخبر والموضوع.. ومثلكم أجل وأعلى من أن يتعلق بكلام المحللين والسياسيين ومن يبيعون الكلام على الفضائيات ونحوها.. إنما هذه أسواق منصوبة للكلام، وهي أحيانا من مراكز التضليل والخداع.

وقد رأيتم كيف أن ترمب كان يُعلن أنه ينهى إسرائيل عن ضرب إيران، ثم ضربت إسرائيل بعدها بساعات، وتبين أن هذا التصريح من ترمب كان جزءا من الخداع والتضليل. وقد نَدَر جدا أن يُستشف من الفضائيات والأخبار شيءٌ ذو بال. ومن كان عارفا بالحال حقا زهد في هذه الفضائيات وما فيها ومن فيها.. إنما يُستفاد منها فهم عقل العدو كيف يعمل في جانبه الإعلامي.. وأما المحللون، فقومٌ مهروا في توليد الكلام وتشقيقه وتفريعه بلا طائل.. وأغلبهم تستطيع أن توجز كلامه في الساعة في عبارة واحدة لا تزيد عن السطر الواحد، ولكنه يجب أن يملأ الوقت ويكثر الثرثرة، فتلك هي مهمته!

أنتم أعلى وأجل من أن تتعلق نفوسكم بقول هؤلاء وتحليلهم.. فهم في الجملة أدنى عقلا منكم، وأدنى معرفة بالحال منكم، وأعجز عن استشفاف القادم منكم أيضا.

وإن من إحسان الله إلى عباده المقربين أن يجردهم من كل تعلق إلا به، وأن يقطع عليهم كل سبب إلا سببه، {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا: جاءهم نصرنا}.

فما هو إلا الصبر..

أسأل الله تعالى أن يفرغ عليكم الصبر والسكينة والرضا والبركة، وأن يسدد رميكم وأن يقذف الرعب في قلوب عدوكم.. إنه ولي ذلك والقادر عليه!

 

أخوكم المحب لكم



[1] لمن أحب أن يراجع التفاصيل، ينظر: www.youtube.com/watch?v=3I53LN5iBso