الاثنين، يوليو 27، 2020

أخصر المختصر في ملامح النظام السياسي الإسلامي


أخصر المختصر في ملامح النظام السياسي الإسلامي

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

ما زالت تزداد قناعتي كل يوم بأن المعضلة المعاصرة التي تواجه المسلمين ليست معضلة شبهات تحتاج إلى ردود وتوضيح وبراعة في البيان والتفسير والتفصيل، بل هي معضلة عجز وإخفاق تحتاج إلى كفاءة في العمل والإنجاز والبناء والتكوين.

فالشبهة مهما كانت متهافتة فإنها تستمد قوتها إذا نطق بها القوي الغالب المتمكن، والحق مهما كان سديدا فهو مخدوش مُزْدَرى إذا نطق به الضعيف المهضوم، تلك طبيعة النفس البشرية، فإذا انقلبت موازين القوى فإذا بالشبهة المتمكنة التي كانت تهيمن في زمن القوة تزول كأنها غمامة صيف تنقشع، وإذا المهضوم المزدرى إذا غَلَبَ انتصرت أفكاره وأقبل عليها الناس بلا عسر.

ومع هذا كله، فلا بد من البيان فإنه أول العمل، وقد جعل البخاري بابا في صحيحه بعنوان "باب العلم قبل القول والعمل"..

ثم أقول: وما زالت تزداد قناعتي كل يوم بأن الإنتاج المعاصر في باب السياسة الشرعية ليس قليلا ولا هو ضعيف أو ضحل، وإنما هذا كلام من لم يكن لهم حظٌّ من الاطلاع على ما أنتجه المعاصرون في باب السياسة الشرعية أو ما صار يسمى "الفقه السياسي الإسلامي"، والواقع عكس ذلك، فإن قضية الدولة الإسلامية كانت هي القضية الأكثر حرجا لدى المهمومين بقضايا الإسلام، طوال قرنٍ أو قرنين على الأقل، وأنتجوا فيها كثيرا جدا. إلا أن أكثر هذا الإنتاج غير معروف ولا مشتهر، وما ذلك إلا لأن موازين القوى –والتي من بينها منافذ الإعلام والثقافة- تسهم في طمر هذا الإنتاج وغمره. وإنما المنشور كثير جدا، وأكثر منه غير المنشور الذي لا يزال رابضا على رفوف المكتبات في الرسائل العلمية بكليات الشريعة والقانون والحقوق والاقتصاد والسياسة، فكثير من طلاب هذه الكليات عبر هذه العقود بحثوا الموضوعات المعاصرة والقضايا الملحة في الإسلام أو مقارنا بغيره من النظم الوضعية. وهذا فضلا عن إنتاج المجامع الفقهية ومراكز البحوث الإسلامية المتعددة التي حاولت سد هذه الثغرات وتقديم مشروع إسلامي.

ولكن، وبسبب ما ذكرناه من هيمنة العلمانية على المجال العام ومنافذ التعليم والثقافة، فلا تزال الحاجة ماسة لتعريف المسلمين بملامح النظام السياسي الإسلامي، وكيف أنه متفرد متميز عن غيره. كما لا تزال الحاجة ماسة إلى تبسيط هذه المادة العلمية وتقديمها بمختلف الصور ووسائل الشرح لتحقق أكبر انتشار بين عموم المسلمين، وعموم غير المسلمين أيضا.

وفي النهاية، فمهما كان ثمة نظرية عظيمة متقنة محكمة، فلا مجال لرؤية عظمتها إذا لم تكن ثمة فرصة للتطبيق والتنزيل، وهنا تظهر بشكل أقوى موازين القوى التي لا تسمح بأدنى قدر من تحقق الفكرة في واقع الحياة. فمهما امتلكنا من البلاغة والفصاحة وأحسنَّا الشرح والبيان والتفصيل، فلن يتغير شيء في الواقع.

لهذا الذي سبق كله، حاولت في هذه السطور القادمة اختصار أهم الأفكار التي أرى أن عموم المسلمين في حاجة لاستيعابها جيدا في ملامح النظام السياسي الإسلامي، وليس لي إلا غرض واحد فيها لو أنه تحقق فقد تمَّت النعمة، وهو: تجميع هذه الأفكار المتناثرة في خيط واحد لدى العقل المسلم، خيط يتصل فيه ما هو ديني بحت بما هو دنيوي بحت، يتصل فيه معنى التوحيد العقدي بشكل النظام السياسي، وهذا الاتصال هو الذي أستشعر كثيرا في نقاشاتي مع الشباب أنه مفقود أو غير واضح.

ووضعت هذه الأفكار في نقاط، حاولت أن تسلم كلُّ واحدة منها للتي بعدها، فأسأل الله أن أكون قد وفقت في هذا:

1.    اختلف معنى كلمة "السياسة" عبر الزمن، وفي زماننا هذا يُقسم المعاصرون "السياسة" إلى ثلاثة فروع كبرى هي: النظرية السياسية، النظم السياسية، العلاقات الدولية.

2.    مهما جاء أحدٌ بمشروع تغيير وإصلاح، فإنه لا يستطيع أن ينفكَّ عن واقعه ولا أن يبدأ من الفراغ، وإنما يأخذ من واقعه لمشروعه، ويعاني مضايقاته، ويتصرف في اضطراراته، ويوازن بين المصالح والمفاسد حتى يبلغ ما يريد. ولم يستطع المثاليون المتعلقون بالأحلام المستعلنون برفض الواقع المتعالون على السنن، أن ينجزوا التغيير في واقع الحياة.

3.    الموازنة بين المصالح والمفاسد، مهما كُتِب فيها نظريا، فإنها متعلقة بحكمة العاملين وقوة فهمهم للسنن وحسن بصيرتهم في تقدير المآلات، ومن ثمَّ فالحديث النظري إنما هو رسم للخطوط العامة والقواعد العريضة وتوضيح للأهداف والغايات، فهو كالهداية والإرشاد وليس قيدا لتعطيل العمل أو القعود بالعاملين. وهو تحديد للوجهة والطريق وليس حثًّا على المسارعة في هدم الواقع ومخالفة سنن التدرج ومراعاة الطبائع والتقيد بحكم الضرورة والاضطرار.

4.    تراجعت حركة الاجتهاد في الفقه السياسي لظروف عديدة: سياسية وعلمية، فالمجتهد في باب الفقه السياسي بحاجة إلى إدراك ثلاثة أمور: علم السياسة الشرعية، والعلم بالواقع المعاصر، وإدراك الفوارق بين النموذج الإسلامي والمعاصر على مستوى التنظير وعلى مستوى التطبيق التاريخي والواقعي. وهذه الأمور يتعذر تحصيلها في الأوطان التي يحكمها الاستبداد وينشر فيها التخلف العلمي.

5.    ومن شأن هذا أن يقع الخلاف الكثير والواسع أحيانا بين مكونات وأطياف العمل السياسي الإسلامي، فالخلاف قد يحدث في الاجتهاد نفسه، وقد يحدث في تنزيل هذا الاجتهاد على الواقع، وقد يحدث في كليهما. كما أن التطبيق العملي لهذا الاجتهاد قد يتناوله الخطأ، والعبرة بمجمل أحوال العاملين، ويجب أن تتسع الصدور لمن دلَّت مجمل أحواله على الرغبة الصادقة لخدمة الإسلام والمسلمين، مهما وقع الخلاف بيننا في التأصيل أو في التنزيل أو في التطبيق.

6.    الأصل الأول الكبير الذي قام عليه الإسلام هو التوحيد، الذي هو شهادة "لا إله إلا الله"، ومن هذا الأصل الكبير تتفرع سائر الأصول والفروع التي تمثل نظام الإسلام في واقع الحياة. ومن ثم، فإن التوحيد يمثل صلب النظرية السياسية الإسلامية.

7.    تتمثل أهم آثار "التوحيد" في "النظرية السياسية الإسلامية" في أنه يحسم الإشكاليات الكبرى المعضلة التي اختلفت فيها النظريات السياسية الوضعية، وذلك لوضوح التصور العام والقيم الأساسية والأهداف النهائية وطبيعة العلاقات السياسية والاجتماعية.

8.    إن الله تبارك وتعالى قد اختص نفسه بالخلق والأمر {ألا له الخلق والأمر}، ومن ثم فإن البشر سواء، ولا فضل للحاكم على المحكوم وإنما هو وكيل عنهم، وهم جميعا –الحاكم والمحكوم- يعملون لتنفيذ أوامر الله التي أنزلها على رسوله، ومن هنا نزع الإسلام كل الأصول والقواعد التي يقوم عليها الطغيان، فالحاكم ليس إلها ولا شبه إله ولا ينحدر من نسل الآلهة، كما أن القوانين والشرائع التي تهيمن على المجتمع ليست من إنتاج الحاكم أو النخبة الحاكمة وليست وثيقةً كتبها المنتصر في لحظة ما، بل هي شريعة الله التي يعلمها ويخضع لها الجميع.

9.    وكل محاولة للطغيان على البشر تبدأ منذ اللحظة التي يتغلب فيها أحدهم، فيكتب في لحظة نصره الوثائق والقوانين التي يحكم بها الناس، ليتحول انتصاره إلى حالة شرعية وتتحول مقاومته إلى حالة خروج عن الشرعية تستوجب العقوبة. هذا الطغيان على الناس يراه الإسلام "عبودية لغير الله"، ويعتبر المسلمون أن من مهماتهم إنقاذ الناس بإخراجهم من عبادة غير الله إلى عبادة الله، وبذلك يخرجون من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

10.          هذا التأسيس العقدي للتوحيد يتفوق على كل تأسيس آخر فكري ونظري، لأنه يستمد قوته من كونه دينا وعقيدة، وليس مجرد فكرة أو فلسفة، وبهذا يتحول المسلم –من هذه الزاوية- إلى طاقة عملية جبارة في التغيير، لا إلى مجرد عنصر يحمل فكرة ثورية فحسب!

11.          وبعد هذا التأسيس العقدي، فإن الإسلام يبني نظامه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي بحيث يقلص الصلاحيات الممنوحة للحاكم ويجعلها في الحد الأدنى اللازم لإدارة وتدبير شأن الناس، وفي نفس الوقت يزيد من التكتل الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع، بحيث تكون القدرة على اضطهادهم واستعبادهم أصعب ما يكون، إذ هي خروج على الشريعة وعلى النظام الاجتماعي الراسخ في نفس الوقت.

12.          بهذا صار مستقرا لدى المسلمين، حتى في عصور هيمنة الإمبراطوريات التي يزعم حكامها أنهم يحكمونها بقداسة إلهية، أن الحاكم مجرد بشر وأنه وكيل عنهم وأن مهمته تنفيذ الشريعة ورعايتها، وأنهم مكلفون برقابته والنصح له وتقويمه سرا وجهرا، وأن خروجه عن الشريعة يسقط شرعيته ويبيح الخروج عليه. وهذه الأصول والثوابت لم تصل إليها الأنظمة المعاصرة حتى الآن، ويبقى على المسلمين مهمة الاجتهاد المعاصر في التحقيق الأمثل لهذا النموذج، كتدبير شأن اختيار الحاكم وتدبير طرق رقابته وتقويمه، ومقاومته وعزله.

13.          وبملاحظة التطبيق التاريخي للنموذج الإسلامي في مقابل النظم الأخرى بما فيها الديمقراطية المعاصرة، يمكن القول بوضوح بأن أشد حكام التاريخ الإسلامي استبدادا كانت صلاحياته أقل كثيرا من أكثر حكام الديمقراطية المعاصرة، وهذا الحاكم الأشد استبدادا في الحضارة الإسلامية كان محكوما في تصرفه –رغبا أو قسرا- بقيود أخلاقية لا يلتزم بها أكثر حكام الديمقراطية المعاصرة.

14.          تتمثل المعضلة الأساسية في الواقع المعاصر في أن الاستعمار الأجنبي والأنظمة التي أنشأها في بلادنا قد أزاحت هيمنة الدين من واقعنا، لتحل محلها هيمنة الدولة، وعملت الدولة بكل طاقتها على أن يتحول الدين إلى شأن شخصي وطقوس شعائرية لا دخل لها في المجال العام، إلا أن يكون هذا التدخل في خدمة الدولة، وبالتالي يصير الدين خادما للدولة بدلا من أن تكون الدولة خادمة للدين.

15.          وحيث جرت إزاحة الدين فقد ارتكبت هذه الدولة الكثير من الجرائم في حق الأمة، ولكن هذه الجرائم كانت تُقَدَّم باعتبارها حداثةً وتطورًا وسياسات دنيوية. ومن هذه الجرائم التعدي على كرامة الناس وحريتهم بالتدخل المتغول في شؤونهم ومنعهم من التنقل ومن الزواج ومن التجارة ومن البناء ومن التدريس ومن أي نشاط بدون تصريح مسبق، وإجبارهم على أنشطة اقتصادية وتعليمية وثقافية تحددها هي، ومنها التعدي على أموال الله كالأوقاف وفرض الضرائب عليهم وهو عدوان على أموال الناس بغير حق، فضلا عن إشاعة الفاحشة والانحلال والتفلت الأخلاقي، وغير ذلك كثير. إلا أن المشكلة الأساسية أنه لا يمكن تقييم هذه الأفعال على أنها جرائم إلا بوجود الميزان الإسلامي، فإذا فُقِد هذا الميزان أو أزيح فإن هذه الأفعال تُصَوَّر باعتبارها سياسات حديثة!

16.          وهذه الدولة التي صنعها الاستعمار هي ذاتها وحدة في شبكة دولية أسس لها هذا الاستعمار الأجنبي وسمَّاها "النظام العالمي"، وفي هذا النظام العالمي يتجسد معنى الطغيان الذي حاربه الإسلام، فقد وضع المنتصرون بعد الحرب العالمية الثانية جملة من الوثائق والقواعد والنظم التي ترسخ هيمنتهم على العالم، وقدموها باعتبارها "النظام العالمي" و"الثقافة العالمية" و"القانون الدولي" و"الشرعية الدولية"، وأعطوا لأنفسهم حق معاقبة الخارج عليها بأنواع العقوبات التي تبدأ بعدم الاعتراف وتمر بالحصار وتنتهي بالاحتلال العسكري.

17.          بُني النظام السياسي الإسلامي على نظريته السياسية، وكان تطبيقا عمليا لها، وقد وقع فيه سائر ما يقع في أي عمل إنساني، وهو وجود مسافة بين التنظير والتطبيق ناتجة عن الخطأ والقصور الذي يصيب أي عملية بشرية، ولكنه مع ذلك ظل أفضل نموذج تطبيقي لتجربة سياسية في التاريخ {كنتم خير أمة أخرجت للناس}، وبينما تمثلت لحظته النموذجية في عصر النبوة ثم عصر الخلافة الراشدة، فقد بدأ النقصان التدريجي مع عصر الدول الأموية والعباسية والعثمانية، ثم انهار مع سقوط الخلافة الإسلامية (1924م).

18.          تمثلت أهم ملامح النظام السياسي الإسلامي في التطبيق العملي لكون الأمير وكيلا عن الشعب، يأتي لهذا المنصب باختيار الأمة وتفويضها، ويظل تحت مراقبتها ولها حق نصحه وتقويمه، وحق مقاومته وعزله إن خرج عن الشريعة، ومع أنه قد حصل انحراف مبكر لمسألة اختيار الحاكم، إلا أن ذلك لم يتحول أبدا إلى عمل مشروع في كتب الفقه والسياسة الشرعية بل ظل هو خلاف الأصل وجائزا للضرورة، ولم يستطع ملك أو سلطان مهما كانت إنجازاته أن يبدل الأساس العقدي –الفكري والنظري- فيجعل نفسه مكتمل الشرعية وقد جاء بالتغلب.

19.          كذلك تمثلت في كون النظام السياسي الإسلامي قد حقق أكبر قدر معروف من التمكين المجتمعي في أي نظام سياسي، لقد كان من آثار العبادات والمعاملات الإسلامية أن حققت تلاحما عظيما وقويا بين أبناء الأمة مما جعل الطغيان عليهم لا يقارن بالطغيان الذي وقع على أمم أخرى في فارس والهند والصين وأوروبا، ولم يوجد في العالم الإسلامي قط طبقية أو عبودية على النحو الذي وُجِد في الأمم الأخرى، بل ولا حتى وُجِد في الديمقراطية المعاصرة. لقد كانت الصلاة والزكاة والصيام والحج تزيد يوميا وشهريا وسنويا من التلاحم الإنساني بين عناصر الأمة، وكانت تعاليم صلة الرحم وحسن الجوار والتكافل والإنفاق بالصدقة وإقامة الأوقاف وعمل الخير وتقديم المعونة تزيد من التكتل الجغرافي والقبلي لأبناء الأمة ليكونوا مجتمعا متماسكا. وهذا كله يجعل الطغيان على هؤلاء والاستبداد عليهم عملية صعبة على أي مستبد، ومحفوفة بالمخاطر.

20.          وحقق النظام الإسلامي أكبر قدر معروف في تقليص صلاحيات السلطة، فلم تكن السلطة في الحضارة الإسلامية تتغول على أنشطة المجتمع العلمية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، ولم يستطع حاكم مسلم مصادرة الأوقاف التي كانت تمثل تمويلا ذاتيا واستقلالا ماليا للمجتمع، كما أن ما فُرِض من الضرائب والمكوس في فترات ما لم يتمتع أبدا بالشرعية ولم يستقر لفترة طويلة، وظل المجتمع حتى في حالات الضعف والانهيار العسكري قادرا على مواصلة العطاء الحضاري.

21.          هذه الملامح العامة، التي نضطر لشرحها لعموم الجهل بها في الواقع المعاصر، ترسم ملامح النظام السياسي الذي نطمح إليه، فهو النظام الذي يقلص مساحات السلطة وتغولها، ويعيد تمكين المجتمع ويقويه، وهو ما يترتب عليه بالضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع الطبيعي للثروة، كما يتحقق به وقف التغول السلطوي على النشاط المجتمعي.

22.          وهذا النظام الذي نطمح إليه لا يمثل إنقاذا لأمتنا وحدها، بل نحن نقدمه لكل العالم إنقاذا لهم، ونرى أن كل مجهود المجتمع المدني في الديمقراطيات المعاصرة، وكل الأفكار التي قامت عليها النقابات والجمعيات الأهلية والأنشطة الاجتماعية لا تحقق جزءا بسيطا من التلاحم والتماسك الذي يحققه النظام الإسلامي، فنحن نؤمن أن هذا النظام ينقذ كل البشر من الاستبداد والطغيان الذي يهيمن عليهم، والذي يتزخرف ويتزين بشرعية شعبية وهمية من خلال عملية انتخابات مزيفة تجري تحت التحكم الكامل لأصحاب النفوذ والتأثير.

23.          وعلى هذا فالنظام السياسي الذي نأمله هو الذي تقل فيه صلاحيات السلطة إلى الحد الأدنى، ويزداد فيه تمكين المجتمع إلى الحد الأقصى، ونرى أن تطبيق القيم والنظام الإسلامي هو السبيل الوحيد الكفيل بالوصول إلى هذا الهدف.

24.          نرى أن السلطة السياسية يجب أن تتقلص إلى وزارات محدودة تنظم قطاعات: الجيش والشرطة والقضاء والمالية والخارجية. وهي القطاعات التي تقوم بمهمتي حفظ الأمن والدفاع وما يتعلق بهما. بينما يوكل تنظيم قطاعات التعليم والإعلام والثقافة والصحة والزراعة والصناعة وبقية النشاطات إلى العمل المجتمعي والأهلي والخيري.

25.          ومع ذلك، فإن القطاعات التي تتولاها السلطة لا تُنْتَزَع من المجتمع كلية، وإنما المجتمع مساند لها وداعم بمجهوده في وجودها، فمثلا:

-      الشعب يجب أن يكون مسلحا ومدربا، فانتشار التسليح والقدرة على استعماله يعصم الأمة من استبداد وطغيان الحكام في الداخل كما يجعل عملية احتلالهم الأجنبي عملية بالغة الصعوبة، ويساعد انتشار السلاح في استتباب الأمن وانخفاض الجريمة، وهذا يرفع عبئا كبيرا من أعباء الجيش والشرطة والقضاء.

-      وأعيان الشعب وزعماؤه يجب أن يكون لهم الحق في حل الخصومات والنزاعات من خلال القضاء العرفي والأهلي الذي يقضي بالشريعة، فهذا يعزز الأمن الاجتماعي ويقضي على كثير من أسباب التحايل وهضم الحقوق وبطء التقاضي.

26.          كما أن القطاعات التي يتولاها المجتمع، يمكن للسلطة أن تساهم فيها بالتوجيه والتخطيط والمشاركة لكن دون هيمنة واحتكار:

-      فيمكن للسلطة أن تبني المستشفيات وتنشيء المدارس والجامعات والأندية الرياضية والنشاطات الثقافية وغيرها، تنشيء ذلك وتموله من فائض الموارد المالية الشرعية التي ترد إليها.

-      كما يمكن أن تشير في كل هذه الأنشطة بالتوجيه والإرشاد لرؤوس الأموال نحو بناء مستشفى بعينها أو في مكان بعينه لحاجة المجتمع لذلك، أو الاستثمار في منطقة بعينها أو مجال بعينه. يمكن لخريطة اقتصادية تضعها السلطة أن تصنع التوازن بين مجالات النشاط الاجتماعي الذي يقوم به المجتمع نفسه.

27.          ويجب أن يكون واضحا أن من مهمات السلطة حراسة الدين ورعايته، ومن ضمن ذلك تعهدها بإقامة الشعائر ورعايتها كالصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها، وهي أمور تزيد من تماسك المجتمع وصلابته.

28.          ولا يجوز للسلطة فرض ضرائب إطلاقا، فهذا من الكبائر في الإسلام، وهناك الكثير من البدائل التي يمكن بها سد عجز ضروري في الموارد كالاقتراض والمشاركات أو إعطاء مزايا بعينها لمن يستثمر في مجال ما لا تتشجع له رؤوس الأموال، فإن لم يكن فقد أجاز العلماء فرض الضرائب على الأغنياء دون الفقراء بقدر الحاجة والضرورة وبشكل استثنائي مؤقت.

29.          والسلطة بالأساس لا يحوزها إلا من اختارته الأمة بإرادتها الحرة، ولها الحق في نصحه ومحاسبته وعزله، وآليات الانتخاب والمراقبة والعزل متروكة لأهل الزمان والمكان طالما كان ذلك في إطار الشرع لا خارجا عنه. سواءٌ أطلق على هذا اسم "الديمقراطية" أو أي اسم آخر، فالعبرة بالمعاني والمسميات.

30.          استقلال الأمة وتحررها هو الهدف الأول والأكبر والأعظم أمام كل مشروع تغيير، ولا يمكن تحقيق أدنى تمكين قبل تحقيق هذا الاستقلال، الاستقلال السياسي والاقتصادي، وهذا الاستقلال السياسي والاقتصادي لا يمكن أن يتم دون قوة العقيدة والفكرة المهيمنة على عموم الأمة –وفي الطليعة منها: العاملون والقادة- ولا يمكن أن يتم دون قوة عسكرية تنتزع هذا الاستقلال انتزاعا ثم تحميه وتحرسه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الأحد، يوليو 05، 2020

توقف مجلة "كلمة حق"


قد تمَّ فضل الله علينا، وأتمت مجلة "كلمة حق" ثلاث سنوات، في أيام حرجة من عمر الأمة الإسلامية، ومثل كل شيء له أول فلا بد أن يكون له آخر، فهذا العدد هو تمام السنوات الثلاث وهو كذلك العدد الذي ستتوقف بعده المجلة.

اخترنا اسم "كلمة حق" تيَمُّنًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"، وقد رأينا من واقعنا أن الناطقين بكلمة الحق ندرة، وأن كلمة الحق قد وُضِعت دونها السقوف والخطوط الحمراء الموضوعة للقنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية بما فيها تلك التي ترفع الثورة والإسلام شعارا لها، فخطرت لنا فكرة المجلة حتى يسَّر الله فتحققت.

وقد وصلت كلمة حق إلى السلطان الجائر فبدأ الهجوم عليها منذ اليوم الأول في صحافة وإعلام دول محور الشر العربي، وزعموا أنها مؤامرة كبيرة وأنه قد رُصِد لها تمويل ضخم، وما كانت المجلة سوى ثلاثة أفراد وكُتَّابٌ تطوعوا فأنفقوا وقتهم وجهدهم وكتبوا، ما فعلوا ذلك إلا ابتغاء الأجر عند الله!

وقد دهشنا نحن أنفسنا لما وصلت إليه المجلة في القلوب والأسماع، في شرق العالم الإسلامي وغربه، مما لم نكن نتصور مجرد تصور أنه قد نصل إليه، مع ضعف الحال والإمكانيات من جهة، ومع ثِقَل المادة ورصانتها من جهة أخرى، فلم نكن نقدم ترفيها ولا مادة جذَّابة بمعيار الجمهور ولا ابتغاء تحقيق الجماهيرية. ثم قد وجدنا من ردّة فعل أنظمة الشر العربي ما لفت أنظارنا إلى أن هذا الصوت الضعيف المبحوح الشارد في جنبات مواقع التواصل الاجتماعي إنما هو صوت مسموع، وأنه يؤرقهم، وإننا لنبتغي عند الله الأجر في إغاظة هؤلاء.

وقد تكاثرت الحملات الإعلامية، وتكاثر تسليط البلاغات على حسابات المجلة على المواقع المختلفة، فأغلق الموقع الأساسي للمجلة بعد بضعة أعداد، وأغلق لها بعض الحسابات على عدد من المواقع، وازدادت وتيرة حذف المقالات، وكنا في كل مرة نسلك سبيل البدائل ونحاول استدراك ما فات، والنهوض من جديد بوسائل أخرى وعلى نوافذ أخرى في ظل ما هو متاح، حتى كان هذا الشهر الماضي إذ تمَّ إغلاق صفحة المجلة على الفيس بوك. وستبقى مشكلة مطاردة صوت الإسلام الثوري المقاوِم طالما بقيت النوافذ المتاحة رهينة بمزاج السيد الغربي المتفوق، فهذه مشكلة تتعلق بموازين القوى والهيمنة، وهي مشكلة حضارية كبرى.

ونحسب أننا في هذه السنوات الثلاث قدَّمنا –أو على الأقل: دعمنا- خطابا كان مفقودا في عموم الساحة الثورية، خطابٌ كله تكاليف ومغارم، وما لنا رجاءٌ إلا أن يتقبله الله فيجعله خالصا لوجهه الكريم، فلئن كان قد تقبله الله فكل ما سوى ذلك هين.

وإذا كان لنا من رجاء نقدمه للقارئ الكريم، فهو أن يحتفظ بأعداد هذه المجلة وينشرها ما وسعه ذلك، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، والدالّ على الخير كفاعله، عسى الله أن يجعل ذلك كله في ميزان حسناته.

-      يمكن الوصول إلى جميع أعداد المجلة من هنا: https://archive.org/details/klmtuhaqy1

-      ويمكن الوصول إلى جميع الهدايا التي كانت ترافق أعداد المجلة، والتي هي مختصر كتب رأينا أنها مفيدة ونافعة من هنا: http://archive.org/details/klmtgift

-      ويمكن الوصول إلى الأعداد وهداياها، وتحميلها مباشرة، عبر قناة "أرشيف مجلة كلمة حق" على تليجرام: https://t.me/klmtu

كذلك يمكن البحث عن المقالات المنشورة في المجلة من خلال:

-      قناة التليجرام https://t.me/klmtuhaq

-      أو حساب تويتر https://twitter.com/klmtuhaq

وفي حال كان المقال المنشور محذوفا فيمكن الوصول إليه عبر هذه الطريقة التي يشرحها الفيديو على هذا الرابط: https://archive.org/details/klmtremov

وقد أعددنا هذا الرابط، وهو ملف صفحة ويب بسيط، وعليه معظم المقالات المنشورة في أعداد المجلة، ويمكنك من خلاله البحث عن الكلمة التي ترغب، كما هو الحال في أي صفحة انترنت:

وبعد هذا كله، فإذا رغب القارئ في الوصول إلى شيء لم يستطع العثور عليه، فيمكنه أن يراسلنا عبر الصفحة البديلة للمجلة على الفيس بوك: http://fb.com/Klmtuhaq2

ولعل القارئ الكريم لا ينسانا من دعوة خالصة بظهر الغيب، ولعله إن شاء الله لا يكون آخر اللقاء بكم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

السبت، يوليو 04، 2020

كيف عامل المسلمون عبيدهم؟.. شذرات من مؤلفات الرحالة الغربيين



إذا كنتَ تائها في بعض الأدغال أو الصحاري فليس من نعمة أغلى عندك وأثمن من أن تجد لافتة بائسة تدلك على الاتجاه! هذه اللافتة وحدها هي الهداية والإنقاذ من التيه والنجدة من الضلال، فإذا وجدتَ مع ذلك متطوعا كبير الوقت يعرض عليك المساعدة فأنت الآن في ذروة النعيم، ولعلك تريد أن تبذل له بعض عمرك وأيامك نظير هذا الإنقاذ من الحيرة والضلال!

لا بد أنك مررت بمثل هذا الموقف أو بشئ شبيه منه، يمكنك أن تستعيد هذه المشاعر، فإنما هذا مَثَل الكتاب ومَثَل الرسول! إن الآية الواحدة تعصمك من التيه عقودا وقرونا حين تكشف لك الحق، ولولاها لهلكت الأعمار والعقول والأجيال قبل أن تصل إلى الحق ولعلها لا تصل! وإن الرسول الذي شرح الآية وبذل حياته في محاولة الهداية وتقديم القدوة والأسوة يوفر عليك مثل هذا في الوصول للفهم الصحيح للآية وتطبيقها.

لقد ظلت أوروبا حتى وقت قريب تنظر للأعراق الأخرى نظرة دونية، ويتجادل علماؤها وفلاسفتها فيما إن كان بعض الناس بشرا أم أنهم ليسوا كذلك. وإذا وقع الاتفاق على أنهم بشر فهل هم في نفس المرتبة مع الأوروبيين أم أنهم في مرتبة أدنى ويحتاجون بالضرورة إلى الأوروبي ليقوم بمهمة تحضيرهم واستعمالهم. وهذا نقاش قديم اشترك فيه طابور طويل من الفلاسفة والقساوسة والمنظرين والسياسيين منذ أفلاطون وأرسطو مرورا بجون لوك وجوبينو ولا يزال يتجدد في أيامنا هذه مع صعود اليمين ونظريات العرق الأبيض.

وفي عصر الاحتلال الأوروبي للعالم، الذي هو عصر النزعة العلمية (العلموية)، قدمت هذه العلوم خدماتها للساسة في تبرير وشرعنة احتلال الشعوب، بإنتاجها نظريات التفوق الطبيعي للأوروبي الأبيض ونظريات التدني والانحطاط الأصيل لبقية الشعوب. وهذا مجال واسع اشترك فيه طابور طويل من علماء الأنثروبولوجيا والاجتماع والمستشرقون مثل: صمويل مورتون وكارل فون ليناس.

ولا يمكن الحديث هنا عن نظريات علمية مجردة أو آراء موضوعية ناتجة عن مجرد التأمل والتفكير والبحث، بل إن الغرائز والشهوات والأطماع والمصالح السياسية والاقتصادية تضغط على الإنسان وتشكل أفكاره وتؤثر في نظرياته، إن الأمر يؤول في النهاية إلى "اتباع الهوى" وأخلاق الشح والأثرة والظلم والاستبداد، ولكن هذه الدوافع تتزين بالنظريات العلمية والآراء الفلسفية.

هنا تبدو القيمة العليا والنعمة العظمى بوجود نص إلهي مقدس يقول (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) وبوجود رسول يقول "لا فضل لعربي على أعجمي ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح"، ثم إن هذا الرسول قضى حياته لترسيخ هذه المعاني حتى صار القرشي عمر بن الخطاب يقول عن الأسود الحبشي بلال "سيدنا"!

ولهذا فلم تتطور نظريات وبحوث المسلمين –من مؤرخين وأدباء ورحالة- نحو العنصرية التي تحط من إنسانية الأقوام الآخرين، غاية ما هنالك أن يوجد من حاول تفسير بعض الظواهر الاجتماعية أو التاريخية أو النفسية من خلال اللون والبيئة والمناخ والحجم، بينما لم يكن ثمة من نزع عنهم الإنسانية أو رآهم في مرتبة أقل من البشر أو في مرحلة مما قبل التاريخ، بل شهد التاريخ الإسلامي صعودا قويا لطبقات العبيد الذين أُسِروا إلى مراتب السياسة والجيش، منذ العصر الثاني للدولة العباسية مرورا بالمماليك والإنكشارية، فضلا عن صعودهم بما حققوه في العلم والعبادة، حتى انتشر ذكرهم حتى في كتب الزهد والرقائق.

لولا وجود هداية النص وهداية القدوة لما وصلنا إلى ترسخ معنى المساواة بين الناس، إذ مهما اجتهد بعض الفلاسفة والمنظرين والمفكرين في إثبات أن البشر جميعا متساوين في الإنسانية فإن هذا لن يعدو أن يكون قولا ضمن أقوال، ورأيا ضمن آراء، حتى لو سُجِّل في حقبة ما ضمن وثائق عالمية لا تساوي –عمليا- ثمن الحبر الذي كتبت به!.. بغير وجود النص المقدس والعقيدة الدينية التي تأمر بالمساواة وتحرص عليها لن يكون ثمة عاصم من انزلاق الفكر إلى الآراء والنظريات البغيضة التي تجيز استعباد الإنسان والحط منه!

وفي هذا المعنى يقول الرئيس المجاهد علي عزت بيجوفيتش: "إن المساواة والإخاء بين الناس ممكن فقط إذا كان الإنسان مخلوقاً لله، فالمساواة الإنسانية خصوصية أخلاقية وليست حقيقة (مادية)، إن وجودها قائم باعتبارها صفة أخلاقية للإنسان، كسمو إنساني أو كقيمة مساوية للشخصية الإنسانية، وفي مقابل ذلك إذا نظرنا إلى الناس من الناحية المادية فالناس غير متساوين... فطالما حذفنا المدخل الديني من حسابنا سرعان ما يمتلئ المكان بأشكال من اللا مساواة: عرقيّاً وقوميّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً. إن السمو الإنساني لم يكن من المستطاع اكتشافه بواسطة علم الأحياء أو علم النفس أو بأي علم آخر"[2]. ولهذا فقد لاحظ المستشرق الفرنسي الشهير جوستاف لوبون "أن العرب يتصفون بروح المساواة المطلقة وفقا لنظمهم السياسية، وأن مبدأ المساواة الذي أعلن في أوربا قولا لا فعلا راسخ في طبائع الشرع (الإسلامي) رسوخا تاما، وأنه لا عهد للمسلمين بتلك الطبقات الاجتماعية التي أدى وجودها إلى أعنف الثورات في الغرب ولا يزال يؤدي"[3].

يفتح موضوع العنصرية نقاشات طويلة، فللكاتب أن يفرد حديثه عن عظمة الإسلام في التعامل مع الأقوام المفتوحة، أو عن عظمة الفقه الإسلامي في التعامل مع حقوق العبيد والأرقاء، أو عن تاريخ العبودية وجرائم الاحتلال الغربي في إفريقيا لأربعة قرون على الأقل، أو حتى عن أوضاع السود والملونين في أمريكا حتى الآن، إلا أن ثمة بابا في هذا الموضوع لا يزال لم يُفتح بعد، وذلك هو ما تواتر وتكاثر في روايات غير المسلمين –من المستشرقين والمؤرخين والرحالة الأجانب- عن تعامل المسلمين مع عبيدهم وأرقائهم. فقد أنتج هؤلاء في القرون الثلاثة الماضية كثيرا من المؤلفات والتقارير التي مهدت لمرحلة الاحتلال ورافقتها ولا تزال مستمرة حتى الآن، وقد سجَّل كثيرٌ من هذه المؤلفات أحوال البلاد العربية والإسلامية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فمنها ما كان تشويهيا ومنها ما كان منصفا، ومنها ما كان واقعيا ومنها ما زادت فيه جرعة الخيال، إلا أنها في كل الأحوال مصادر تاريخية لا غنى عنها. ثم إنها تتميز في موضوعنا هذا بكونها شهادة "شاهد من أهلها"، فهي بيان وحجة على لسان أعدائنا لتاريخنا العظيم الذي هو شعبة من تفسير قول الله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وقول الله تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس).

سنحاول في هذه السطور القادمة التقاط شذرات بسيطة من مناطق متفرقة، على سبيل فتح الباب أو حتى فتح الشهية، لعل باحثا يتفرغ له فيخرج منه بسفر عظيم.

تركيا

أفرد المستشرق البريطاني الشهير توماس أرنولد فصلا عن تحول العبيد المسيحيين إلى الإسلام في العهد العثماني، وذلك في دراسته الشهيرة الضافية "الدعوة إلى الإسلام"، وكانت مادة هذا الفصل خليطا من الأقوال والتحليلات التي تحاول تفسير لماذا اندفع العبيد النصارى إلى اعتناق الإسلام، فالأمر المؤكد أن الذين اعتنقوا الإسلام حتى وهم في العبودية كانوا أكثر بكثير جدا ممن بقوا على المسيحية، وقد ذهب المؤرخون النصارى مذاهب كثيرة في تفسير هذا التحول وفي التحسر عليه كذلك، والتقط بعضهم أن السر في ذلك هو ما للعبيد من حقوق مرعية، يقول: "كان للرقيق كما كان لسائر المواطنين حقوقهم، بل قيل إنه كان للعبد أن يقاضي سيده إذا أساء معاملته، وأنه إذا تحقق القاضي من اختلاف طباعهما اختلافا بينا إلى حد تعذر الاتفاق بينهما فله أن يرغم السيد على بيعه"، وقد نقل أرنولد بعض أقوال الغربيين المتحسرين على إسلام العبيد النصارى لما يرونه من حسن معاملة المسلمين، فمن ذلك: "في الوقت الذي لم يقض على أجسامهم بما أظهره لهم من رعاية وتقوى، صمم بدهائه الشيطاني على أن يقتل أرواحهم بتجريدهم من إيمانهم. ويمكن أن يشهد على هذه الحقيقة تلك الجموع من المؤمنين الذين لا يدخلون تحت حصر؛ ذلك أنه على الرغم من أن كثيرين منهم كانوا على غاية الاستعداد بأن يموتوا في سبيل العقيدة المسيحية... قد نفث فيهم، بإنقاذهم من الموت الجسدي، وحملهم إلى الأسر، فأفسدهم بمرور الزمن، ودفعهم بخسة إلى أن يُنكروا إيمانهم بالمسيح". وسجل رحالة إنجليزي في القرن السابع عشر أنه "كان قليل منهم يعود إلى وطنه؛ وأقل منهم من كان له من الشجاعة والثبات ما يمكنه من الاحتفاظ بدينه المسيحي"[4].

الكويت

أقام ضابط الأمن السياسي البريطاني ه. ر. ب. ديكسون، حوالي ربع قرن في منطقة شمال الجزيرة العربية وشرقها، وكان له دور سياسي مهم في خضم النفوذ البريطاني المهيمن على المنطقة، وجاء كتابه "عرب الصحراء" بمثابة تقرير شامل عن حياة سكان هذه الأنحاء، ويقع هذا الكتاب –كما يرى كثيرون- ضمن الكتب التشويهية في كثير من الأمور مما اضطر دار النشر إلى حذف بعض الفصول والفقرات التي اشتدت فيها جنايته على الشخصيات والموضوعات، ومع ذلك، فنراه يقول في شأن تعامل العرب مع عبيدهم: "الغالبية من الناس يعاملون عبيدهم من العاملين في خدمتهم بالأعمال المنزلية معاملة حسنة، ولا أبالغ إذا قلت إن بعضهم يعاملهم كأطفالهم تماما، فلهم حرية التزاوج بالطريقة المناسبة وبمساعدة أسيادهم، ولهم الحق بالتناسل بمقدار ما يشاؤون، ويعامل أطفالهم كما يعامل أطفال أسيادهم، يلعبون معا ويعيشون معا، ولا أبالغ إذا قلتُ: إن سيدات البيت يعاملن هؤلاء معاملة أفضل، وحتى في بعض الأحيان لا تختلف عن معاملة أخت لأختها"[5].

الحجاز

من أشهر الرحلات الاستشراقية وأشملها رحلة تشارلز داوتي إلى الجزيرة العربية، فإنها حافلة بالتفاصيل، وقد ترجمت في أربعة مجلدات إلى اللغة العربية، قضى فيها صاحبها عامين في أنحاء الجزيرة العربية (1876 – 1878م)، ومن أعجب ما ورد فيها مما يخص حديثنا هنا أن داوتي رأى عبيدا أفارقة في الجزيرة يحمدون الله على فضله أنهم صاروا عبيدا، وذلك أن هذه العبودية كانت طريقهم لاعتناق الإسلام وسكنى أرض الحرمين، يقول:

"ظروف العبيد هي دوما أمور مقبولة في الجزيرة العربية، وغالبا ما تكون ظروفا سعيدة؛ والعبيد هنا ينشأون باعتبارهم إخوان مساكين وفقراء لأبناء الأسرة، وهو نوعٌ من مكافأة الرب لرب الأسرة المسلم المتدين، وهم العم لهؤلاء العبيد أثناء عبوديتهم، وهو أيضا الأب بالنسبة لهم... ورب البيت هنا إذا كان من النوع الذي يخشى الله ويخافه يعتق عبيده خلال بضع سنوات قلائل؛ وهو لا يعتقهم ويرسلهم لحال سبيلهم خاويّ الوفاض؛ ولكن في الجزء المرتفع من الجزيرة العربية (حيث لا يمتلك العبيد فيه سوى الأغنياء) يقوم ذلك الرجل الطيب بتزويج العبد المعتوق سواء أكان ذكرا أم أنثى ويعطيه شيئا من ثروته ومقتنياته... هؤلاء الأفارقة لا يحسون بأي قلق أو ضيق لأنهم كانوا عبيدا في يوم من الأيام -إنهم في أغلب الأحيان يكونون أسرى من الحروب- بالرغم من أن تجار العبيد كانوا يختطفونهم من والديهم. كان الرعاة الذين يتبنون أولئك العبيد ويشترونهم يضمونهم إلى عائلاتهم، ويقومون بتختين الذكور منهم – وكان ذلك يُقَوِّي من روح هؤلاء العبيد المعنوية، حتى فيما يتعلق بعاطفة الحنين إلى الوطن القوية- لقد نظر الله إليهم في محنتهم، وبوسعهم أن يقولوا: هذا فضل الله، لأنهم استطاعوا عن طريق ذلك الذي حدث لهم أن يدخلوا في الدين المنقذ. ومن هنا فهم يعتقدون أن هذا البلد، الجزيرة العربية، هو الأفضل حيث أعتقوا فيه، وأن الحياة المدنية في هذا البلد أفضل من بلدهم، وأن هذه هي بلاد الحرمين الشريفين، أرض محمد (صلى الله عليه وسلم) ولذلك شكر هؤلاء العبيد الله على بيع أجسادهم في أسواق العبودية"[6].

ليبيا

توقف المؤرخ الإيطالي إتّوري روسّي متعجبا، وهو يرصد وضع تجارة الرقيق في طرابلس الغرب (ليبيا) في منتصف القرن التاسع عشر، ومجهود أوروبا وبالذات الإنجليز في محاربة هذه التجارة و"إنقاذ" العبيد، وخلص بعد الاستعراض إلى القول: "الغريب أن عملية الإنقاذ هذه قد تعرضت لصعوبات جمة، من قبل هؤلاء العبيد أنفسهم، الذين عاد عدد كبير منهم إلى أسياده، بعد تحريرهم وإعتاقهم، كما تعود البهائم المعتادة على النير وحمل الأثقال. عاجزين عن أن يشقوا لأنفسهم طريقا خاصا مستقلا، وقد تخلوا في غير أسف عن تلك الحرية التي لم يرغبوا فيها، رغم ما كان يُوَفَّر لهم من حماية ومساعدة. ومن الحق أن يقال: إن وضع هؤلاء العبيد، لم يكن سيئا قاسيا، وأن أصحابهم كانوا يعاملونهم معاملة إنسانية في العادة، كما أن أوضاع العبيد في البيئة الإسلامية لم تكن مهينة، كما يمكن أن تبدو على ضوء الأفكار الحديثة، في المساواة بين البشر"[7].

مصر

كان جوزيف بتس بحارا إنجليزيا لكنه وقع في أسر الجزائريين عند السواحل الإسبانية في حروب القرن السابع عشر، فبقي أسيرا وزار مع سيده مكة، وكتب رحلته إلى الحج، وفي أثنائها مروره بمصر، فوصف فيها حال العبيد والجواري على هذا النحو:

"في الجزائر أعترف أن إجبار الرقيق على التحول للإسلام ليس أمرا شائعا، رغم أنني –علم الله- قد عانيت بما فيه الكفاية منهم، لكن في مصر وتركيا –دعني أؤكد- أن الأمر يختلف. فالجواري والعبيد الذين هم في مرحلة الشباب يلحقون مباشرة بالمدارس لتعلم القراءة والكتابة فهم مخلوقات جاهلة بائسة، وحقيقة فإنهم بعد تحولهم للإسلام تسير أمورهم في هذه الأنحاء على نحو أفضل، وقد يتفوقون كأبناء سادتهم إن كانوا أذكياء، ويقال إن هؤلاء المتحولين للإسلام يلقون حظوة أكثر من الأتراك الأصلاء... ويفخر العبيد والجواري الذين بيعوا هنا أن يوسف (عليه السلام) قد تم بيعه في مصر"[8].

وبعد قرنين من رحلة بتس، أي في منتصف القرن التاسع عشر، وصل إلى القاهرة أشهر رحالة إنجليزي في عصره وهو ريتشارد بيرتون الذي ملأت رحلاته ثلاثة وأربعين مجلدا وكان يجيد خمسا وعشرين لغة، وكانت رحلته للحج في ثلاث مجلدات، الأول منها هو ما كان في وصف الأحوال في مصر، وجاء فيه:

"لقد عرف الإنجلير لتوِّهم أن العبيد ليسوا بالضرورة أكثر الناس بؤسا وأحطهم مرتبة. فهناك من لديه الشجاعة الكافية ليخبر الشعب الإنجليزي أن الرقيق في بلاد الشرق عامة، يأكل أفضل بكثير من الخدم أو حتى أفراد الطبقات الدنيا ممن ليسوا عبيدا، وهذا أمر حقيقي. فالشريعة الإسلامية تلزم المسلمين بمعاملة رقيقهم برقة بالغة، والمسلمون –بشكل عام- حريصون على الأخذ بتعاليم نبيهم. فالرقيق يعد فردا من أفراد الأسرة... وعندما لا يكون العبد راضيا بمعيشته ففي وسعه أن يجبر سيده على بيعه بالطرق المشروعة. والعبد في بلاد الشرق لا ينعي هم الطعام أو السكن أو اللباس أو الاستحمام، كما أنه معفى من دفع الضرائب، ومعفى من الخدمة العسكرية ومن دفع أي مبالغ لسيده"[9].

إن المتأمل في الأحوال العامة للعبيد في عموم تاريخنا الإسلامي سيجد أنهم كانوا في حال أفضل من حال السجين في السجون المعاصرة، بما في ذلك السجون الغربية. وكلما أطلنا التفتيش في تاريخنا وتراثنا –بشرط أن نتخلص من ضغط الثقافة الغالبة- كلما ازدننا إيمانا أن نبينا إنما هو "رحمة للعالمين" وأن البشرية تنتظر صحوة هذه الأمة لتزيل ما رسخ في أقطار هذه الأرض من الجرائم والمظالم.

نشر في مجلة المجتمع الكويتية، يوليو 2020م 



[1] باحث في التاريخ والحضارة الإسلامية، تويتر @melhamy
[2] علي عزت بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة: د. محمد يوسف عدس، ط1 (القاهرة: دار الجامعات، 1997م)، ص100.
[3] جوستاف لوبون، حضارة العرب، ترجمة: عادل زعيتر، (القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب، 2000 م)، ص391.
[4] توماس أرنولد، الدعوة إلى الإسلام: بحث في تاريخ نشر العقيدة الإسلامية، ترجمة: د. حسن إبراهيم حسن وآخران، (القاهرة: مكتبة النهضة العربية، 1971م)، ص200 وما بعدها.
[5] ديكسون، عرب الصحراء، ط2 (دمشق – بيروت: دار الفكر – دار الفكر المعاصر، 1998م)، ص456، 457.
[6] تشارلز داوتي، ترحال في صحراء الجزيرة العربية، ترجمة: صبري محمد حسن، ط2 (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2009)، الجزء الأول، المجلد الثاني، ص384، 385.
[7] إتوري روسي، ليبيا منذ الفتح العربي حتى 1911، ترجمة: خليفة التليسي، ط2 (طرابلس: الدار العربية للكتاب، ص1991م)، ص452.
[8] جوزيف بتس (الحاج يوسف)، رحلة جوزيف بتس إلى مصر ومكة والمدينة المنورة، ترجمة ودراسة: د. عبد الرحمن عبد الله الشيخ، (القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب، 1995 م)، ص37، 38.
[9] ريتشارد ف. بيرتون، رحلة بيرتون إلى مصر والحجاز، ترجمة وتعليق: د. عبد الرحمن عبد الله الشيخ، (القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب، 1994 م)، ص63.