‏إظهار الرسائل ذات التسميات من زوايا التاريخ. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات من زوايا التاريخ. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، أغسطس 05، 2020

الرحالات الحجازية: عالم من المتعة


من يقرؤون في بلادنا قلة، وهذا أمر مؤسف.. غير أن الأشد أسفا من ذلك أن هذه القلة القارئة ينصرف معظمها نحو قراءة الروايات والقصص والمواد الخفيفة اللطيفة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، لا.. بل الحق أنها تضر ولا تنفع، وأنها تؤذي ولا تُصلح!


والإكثار من قراءة الروايات يشبه الإكثار من الاستماع إلى المسلسلات والأفلام، وأكبر الضرر أن تكون مادّة العقل وأفكاره ورؤاه وتصوراته مبنية على قصص خيالية حبكتها عقول المؤلفين، بينما حقيقة الحياة أكثر تركيبا وتعقيدا وعمقا. إن هذا الحال يشبه كثيرا أن يكون كل غذاء الجسم من المأكولات السريعة: حلوة الطعم حافلة بالمقبلات ولكنها مضرة بالجسم.

ربما كان الكثير من الشباب معذورا، لم يجد من يوجهه إلى المعرفة الثقيلة الرصينة النافعة، وربما كان العذر في أن هذه المعرفة النافعة لم تُكتب بأساليب سهلة مبسطة مشوقة تمتع القارئين، فظلت حكرا على المتخصيين فيها وعلى من يتصبر لها ويتجلد أمامها حتى يفهمها فيذوق لذتها.

وأكثر ما أشعر بهذا المأزق حين يتكاثر في بريدي سؤال متكرر: ماذا نقرأ في التاريخ؟ وكيف نتخلص من عقدة أن ما نقرأه سرعان ما ننساه؟!

هذا مع أن التاريخ مَبْنَيٌّ على القصص والحكايات، حتى لقد أوصى بعض العلماء طالبَ العلم أن يتعلم التاريخ "خاصةً وقت راحته وسآمته من تعلم غيره من العلوم، فإن هذا العلم سهل جداً، ومَنْشَط ومُنْتَزَه ولذة، لا ينبغي لأحد أن يخلو منه"[1]، فيجتمع في مطالعة كتب التاريخ "ترويح للخواطر وعِبَرٌ لأولى البصائر"[2]. وقد تكرر في كلامهم أن علم التاريخ "يستمتع بسماعه العالم والجاهل، ويستعذب موقعه الحمق والعاقل، ويأنس بمكانه وينزع إليه الخاصىِ والعامي، ويميل إلى رواياته العربي والعجمي"[3].

لقد جُبِل الإنسان على حب القصة، وعلى الشغف بالسرد، حتى لو أنه يعرف نهاية القصة فإنه لا يزال يستمع إليها معجبا بها، وبهذه الفطرة سمعنا قصص الطفولة من آبائنا وأمهاتنا عشرات المرات ولم نكن نشعر بالملل.

فلماذا إذن يستثقل الشباب في زماننا قراءة التاريخ ويستخفون قراءة القصة؟!

لهذا أسباب عديدة بعضها يتصل بمناهج التاريخ المعاصرة التي اهتمت بالتحليل والتعليل والتفسير واتخذت لنفسها من المناهج والأساليب الأكاديمية ما أبعدها عن الجمهور، وبعضها يتصل بأساليب تدريس التاريخ في مدارسنا، وبعضها يتصل كذلك بالضعف العام للهمم والركون إلى السهل في عالمٍ تسيطر عليه حضارة اللذة والسرعة وسرعة تقلب المزاج وحب الراحة!

كنتُ أجيب السائلين بأن عليهم أن يتركوا الروايات ويقرؤوا كتب المذكرات الشخصية وأدب الرحلات وحتى أدب السجون، ففيها يتحقق جانب المتعة بالسرد والوصف إلى جانب كونها حقيقية وليست خيالا ابتدعه عقل مؤلف! فتكون قراءتها اطلاعا على حقيقة العالم وعلى العالم الحقيقي، ويكتسب القارئ فيها ثقافة ووعيا بما يجري في دنيا الناس وما يؤثر عليه في دنياه وفي أخراه أيضا.

وهذه السطور هي تعريف بكتاب عظيم اجتمع فيه العلم والمتعة، الدين والدنيا، النفع واللذة، ذلك هو كتاب "الرحلات الحجازية" للشيخ الدكتور محمد موسى الشريف.

مؤلف هذا الكتاب عُرِف بغزارة الإنتاج، وقائمة كتبه طويلة متعددة منها ما بلغ عددا من المجلدات ومنها الكتيبات الصغيرة.. وقد حدثني –حفظه الله- أنه صار يتعمد أن يخرج كتبا صغيرة لأن همم القراءة قد ضعفت، وهو لا يحب أن يظل العلم حكرا على المتخصيين والقلة من ذوي الهمة.

وقد دفعته هذه الرغبة فيما يبدو لتلخيص وتهذيب عدد من الموسوعات الكبرى العلمية، لتكون أيسر على القارئين، ككتاب "سير أعلام النبلاء" للإمام الذهبي والذي بلغت به بعض الطبعات خمسين مجلدا وهو سجل حافل للشخصيات الكبيرة في التاريخ الإسلامي لسبعة قرون، حيث اختصره د. موسى الشريف إلى أربعة مجلدات بعنوان "نزهة الفضلاء"، ومثل ذلك كتاب "الوافي بالوفيات" للصفدي وهو سفر ضخم في التراجم اختصره إلى مجلدين بعنوان "الأخبار العليّات"، ومثلهما كتاب "رياض النفوس" وهو تراجم لأعلام المغرب الإسلامي اختصره في مجلد واحد. ثم أتمَّ مسيرة التراجم بكتاب آخر اختصره من تسعة عشر كتابا في التراجم لأعلام الإسلام بين القرن الثامن حتى القرن الثالث عشر الهجري، وسماه "المختار المصون من أعلام القرون" في ثلاث مجلدات.

لكن الكتاب الذي نحن بصدده مُخْتَصَرٌ من بين نحو الثلاثين مجلدا، فقد نهضت همة الشيخ إلى جمع أربعة وعشرين كتابا كتبها أصحابها عن رحلتهم إلى الحج، ثم اختصر ذلك في كتاب واحد، فخرج الكتاب في ثلاث مجلدات كأنه خلاصة الخلاصة ورحيق الرحيق، وسمَّاه "المختار من الرحلات الحجازية إلى مكة والمدينة النبوية"!!

وقد اتسعت دائرة الجمع، فشملت القدامى كابن جبير وابن رشيد الفهري وابن بطوطة كما شملت المتأخرين كشكيب أرسلان ورشيد رضا وعلي طنطاوي ومحمد حسين هيكل. كما شملت كذلك كتب المستشرقين الغربيين الذين تنكروا كمسلمين ليشاهدوا الحج ويكتبوا عنه، مثل فارتيما وجوزيف بتس وريتشارد بيرتون.

فاجتمعت في هذا الكتاب أنواع من المعارف واللطائف وزوايا النظر لاتساع الزمان وتعدد الرجال، فلكل زمان أهله وأفكاره وقضاياه، ولكل مؤلف رؤاه وقضاياه وما يلفت نظره وما يعتمل في نفسه، حتى الأساليب اللغوية الأدبية قد تنوعت في هذا الكتاب بين القديم والحديث، المشرقي والمغربي، الأصيل والمترجم.

كأنه صورة بانورامية مصغرة وشاملة لرحلة الحج عبر عشرة قرون، تمر فيها على أحوال مكة والمدينة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية، وعلى طرق الحج وأحوالها وأوضاعها وما يكتنف الحاج فيها من المشاق وما وُضِع له فيها من التسهيلات، ومواقف الحكومات من الحج ما بين المنع والتضييق أو الفسح والتشويق، وطبيعة التنظيم لقافلة الحج والقائمين عليها وتدابيرهم في الحماية والحراسة ونحو ذلك، وأحوال المطوفين في مكة والمُزَوّرين (أي الذين يرشدون الزائرين) في المدينة وتعاملهم مع المسلمين ممن لا يعرفون العربية وما يقع بينهم وبين الحجاج من تراحم أو ضده، وما يقع في الحج من التعارف والتآلف واللقاء بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وما يقع للحجاج عند مغادرة بلادهم من التوديع وعند العودة إليها من الحفاوة.

وكأنه بستان متنوع من الخواطر والنظرات الإيمانية التي جالت في صدور أصحابها وهم في الديار المقدسة، وبستان متنوع من صور الشوق العظيم الذي يغمر قلوب المسلمين، فمنهم من حجَّ فارتوت أشواقه وتجددت، ومنهم من لم يدرك ولكن قَلَمًا لأحد هؤلاء الرحالة سجَّل هذه الأشواق.

وظهر في هذه الرحلات آثارٌ علميةٌ واجتماعيةٌ يصعب أن تُدرك بوضوح في مصادر التأريخ التقليدية، كذلك الذي يقع بين الحجاج وبين المدن على طريق الحج من الإقامة والزواج والتعليم والتجارة، وما يتعرض له الحجاج من المغامرات مع قطاع الطريق أحيانا ومع غيرهم من قوافل الحج أحيانا أخرى، وما شاع في بعض الأزمنة والأمكنة من العادات والتقاليد الدينية والدنيوية، وما يترنم به الحجاج من الأناشيد والأهازيج، وما أصدره بعض العلماء من فتاوى لإسقاط فرض الحج حين يبلغهم ما في الطريق من الصعوبات والمخاوف، وكيف استقبل الناس هذه الفتاوى فمنهم من غلبه الشوق ومنهم من غلبه الخوف.

ولا تخلو هذه الرحلات من فوائد قوية في الأحوال السياسية لبلاد المسلمين، لا سيما ما تعلق منها بأمراء مكة والمدينة وأعيانهما، وأوضاع الخلافة الإسلامية لا سيما في العصر المملوكي والعثماني، وما كان يلقاه الحجاج من الرعاية أو الإهمال، وكيف أدارت السلطة شأن الحجاج بداية من تمهيد السبل والحماية من قطاع الطرق وتنفيذ الحجر الصحي ومتابعة شؤونهم في التنقل والإقامة ورفع المظالم، وذلك المشروع الكبير الذي تعلقت به قلوب المسلمين في عهد السلطان عبد الحميد: سكة حديد الحجاز!

ومن عادة المؤلف حفظه الله، أنه يضع في نهاية الكتاب فهرسا للفوائد، يضع فيه ما هو جدير بالنظر والمطالعة من المعارف اللطائف والغرائب والمواعظ وما يثير التأمل، وهذا الفهرس هو من بدائع ما يفعل المؤلف، ومن يبدأ بقراءته يزداد شوقا لمطالعة الكتاب. وقد صرَّح في كتابه "رحلتي مع القراءة" بقوله:

"لما تعمقت في القراءة رأيت أن أضع علامة على المواضع المهمة في الكتاب حتى أعود إليها فيما بعد، وقد أفادتني هذه الطريقة فيما بعد، فقد كنت إذا أردت الرجوع إلى كتاب قرأته من قبل فإني أقلَّب صفحاته لأعرف المواضع المهمة فيه. وربما وضعت بعض التعليقات داخل الكتاب على ما أجده جيداً أو مستهجناً مما أقرؤه. وربما وضعت في صدر الكتاب بعد فراغي من قراءته رأيي فيه وفي مصنفه بكلمات موجزة قليلات. ثم إني انتهيت في القراءة إلى وضع فهرسة خاصة لفوائد كل كتاب أقرأه غالباً، وذلك الفهرست -فهرست الفوائد- هو العمل الأرضى عندي في باب القراءة؛ وذلك لأن الفهرست يعد خلاصة ما في الكتاب".

وللمؤلف أيضا كتابان آخران يتعلقان بأمر الحج، أولهما كتاب "المقالات النفيسة في الحج إلى الأماكن الشريفة" وهو قريبٌ من فكرة كتاب "الرحلات الحجازية" إلا أنه عن المقالات لا عن الرحلات، وفيه جمع المؤلف عشرات من عيون المقالات التي كتبها أئمة وعلماء ودعاة وأدباء في شأن الحج ومعانيه وفقهه وآثاره في النفس والمجتمع وما يوصى به للحاج في نفسه أو ما يُرفع للحكام والأمراء من النصائح في باب الحج، وقد استخرج هذه المقالات من المجلات والجرائد وكثيرٌ منها هو في حكم الضائع لأنه لم يُجمع ضمن كتب أخرى لصاحبه. فهذا الكتاب بستان آخر في عالم الحج والحجيج، وشعاع نور بديع تشاركت في نسجه ورسمه أقلامٌ أصيلة رصينة.

وثانيهما هو كتاب "الشوق والحنين إلى الحرمين"، وهو مستخلص من كتاب "الرحلات الحجازية"، إذ أفرد المؤلف أخبار الشوق والحنين لدى الحجاج وما يتصل بها في ذلك الكتاب الصغير، وحسنًا فَعَل، إذ هو أرجى أن ينتشر ويُقرأ ويتحقق منه معنى التشويق والتحفيز إلى الحرمين الشريفين.

والخلاصة المقصودة أن كتاب "الرحلات الحجازية" هو نموذج بديع وعظيم للكتب التي ننصح أن ينصرف إليها الشباب عن غيرها من الروايات الأدبية والخيالية، فلا بد للمرء أن يكون حريصا على عقله كما هو حريص على جسمه، بل غذاء العقل أهم وأولى من غذاء الجسم، لا سيما وكثيرٌ من غذاء العقل النافع هو أيضا غذاء ممتع ولذيذ.

نشر في مجلة المجتمع الكويتية، أغسطس 2020


[1] ابن حزم، رسائل ابن حزم، 4/73؛ ابن الجوزي، شذور العقود في تاريخ العهود، تحقيق: د. أحمد عبد الكريم نجيب، ط1 (د. م: مركز نجيبويه، 2007م)، ص33، 34.
[2] ابن الأكفاني، إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد، نشر: طاهر بن صالح الجزائري، (بدون بيانات نشر)، ص18؛ وانظر: مسكويه، تجارب الأمم، 1/49.
[3] المسعودي، مروج الذهب، 2/53.

الأربعاء، ديسمبر 04، 2019

مصير المواطن الصالح


روى الشهيد سيد قطب في مذكراته قصة بليغة معبِّرة، وهي تتماس مع ما كنا كتبناه في العدد الماضي عن "نكبة الشعوب العزلاء"، وهذه القصة الحقيقية وقعت في قريته موشا التابعة لمحافظة أسيوط، وكانت في العقد الثاني من القرن الماضي، والجدير بالذكر هنا أن هذه المذكرات التي تحكي طفولة سيد قطب وأيامه في القرية إنما كُتِبَتْ ونُشِرَت قبل أن يتحول إلى الفكر الإسلامي وقبل أن يتعرف على الإخوان المسلمين. وأهمية هذه القصة في أنها تختزل كثيرا من الحقائق التي لا تزال حاضرة حتى الآن.

سأنقل القصة أولا، ثم أعقب عليها بما يهمنا من الوقوف عنده.

قال سيد قطب:

"صحت القرية مروعة على صهيل الخيل وقعقعة السلاح، وخطوات الجند الثقيلة، يأخذون مشارفها جميعا إلى الحقول، ويجوسون خلالها في جلبة وضوضاء على غير عادة لها من زيارة الجند في مثل هذا العديد وذلك الضجيج.
وكان أول من كشف الخبر أولئك الذين تقتضيهم أعمالهم أن ينهضوا مع الفجر مبكرين ليغادروا القرية جميعا، فأوثقوهم بالحبال والسلاسل، وجعلوهم عندهم رهينة حتى لا يعودوا فيُنَبِئوا القرية النبأ، ويفسدوا التدبير الذي وضعته القوة الهاجمة على الناس وهم نيام.

ونفذت الخطة نفسها مع خفراء المشارف، فأديرت أيديهم إلى ظهورهم، وكُمِّمت أفواههم بحيث لا يستطيعون الكلام ولا الصياح، ثم اقتيد الجميع في عجلة إلى دوار العمدة الذي أوقظ في البكور، وحُجِز في غرفة من غرف دواره، ريثما يجتمع إليه مشايخ القرية الخمسة الذين جاء بهم العسكر من بيوتهم، فصُنِع بهم هناك ما صُنِع بالخفراء.

وكانت القرية كلها قد استيقظت مروَّعة، لأن صهيل الخيل وقعقعة السلاح والهمسات الوجلة التي أخذت تتدسس إلى كل بيت ودرب قد فزَّعت الناس وملأت قلوبهم رعبا. ماذا؟ ماذا؟ إنها حملة لجمع السلاح!

حملة من مائتي جندي يقودها ضابط تعهد للسلطات بجمع السلاح من قرى المديرية جميعا، واختار هذه الطريقة المروّعة ليبدأ بها عمله، فلم تعلم القرية ماذا يبغي، ولا حتى العمدة والمشايخ، إلا بعد أن صار المقبوض عليهم بالعشرات، ومن بينهم مشايخ البلد الخمسة، وكلهم مكتوفوا الأيدي بالحبال، تتلقاهم الأيدي بالصفع، والأرجل بالركل، دون أن يعلموا شيئا عن حقيقة ما يُراد بهم.. سوى أن الحكومة هنا، والحكومة تصنع هذا وسواه.. فالذين عاصروا الحكم التركي لا يزال بعضهم يعيش.

كانت السلطات قد أصدرت أمرا عسكريا بجمع السلاح، وعهدت في تنفيذه إلى رجال الإدارة، وهؤلاء عهدوا بتنفيذه إلى عُمَد البلاد كالمعتاد، فاجتمع بذلك عدد من قطع الأسلحة كالذي يجتمع كلما صدر أمر من هذا النوع، وهو عادة لا يساوي إلا نسبة صغيرة من الموجود في أيدي القرويين.

ولكي ندرك حقيقة الحال، يجب أن نعلم أن السلاح في القرية يملكه فريقان؛ الفريق الأول: هم أصحاب الحقول والمواشي وخفراؤهم الخصوصيون الذين يسهرون على أموالهم من اللصوص، والفريق الثاني: هم هؤلاء اللصوص الكثيرون الذين يجدون هذه الحرفة –على ما فيها من مخاطر- أضمن للعيش من العمل المرهق في الحقول.

ونَقْصُ السلاح في أيدي أصحاب الحقول والمواشي معناه زيادة في ارتكاب الجرائم، والاعتداء على بيوتهم وحقولهم ومواشيهم، أما نقص السلاح في أيدي اللصوص فمعناه تجريدهم من بعض وسائل الرزق التي اختاروها لأنفسهم في الحياة!

كلا الفريقين إذن حريص على اقتناء السلاح، ولما كان العمدة يخشى أفراد الفريق الثاني تارة، وتتفق مصلحته الخاصة مع وجودهم تارة، فإن جمع السلاح في كل مرة كان ينصبّ على الفريق الأول بكل تأكيد.

ولكن الأمور لا تجري في القرية بالعنف، ولا حسب الأوامر الرسمية، إنما تجري حسب المواضعات العرفية، فالعمدة يعلم بالضبط كم قطعة من السلاح في كل بيت، وما نوع كل قطعة، فإذا طلبت الحكومة جمع السلاح اتفق مع بعض من يملكونه على تقديم القطع القديمة منه، ولكي لا تكون المسألة مكشوفة، فإن بعض القطع الحديثة تُزَيِّن المقدار المجموع، ويُوَرَّد للسلطات كآخر ما استطاع العمدة أن يحصل عليه.

وطبيعي أن هذا كله لا يتم بالمجان، فلكل شيء ثمن، ولكل خدمة مقابل في الريف، فإذا خطر للسلطات أن ترسل بقوة وعلى رأسها ضابط لتولي هذا العمل، فالمرجع هو العمدة وبإشارته يتم كل شيء، وغداءٌ فخمٌ على أوزي وبعض أزواج الديكة والدجاج والحمام كفيلٌ مع الوسائل الأخرى بتسوية كل شيء، وإتمام المحاضر على خير ما يرام!
أما هذه الطريقة المبتكرة، فقد تفَتَّقَت عنها عبقرية ذلك الضابط، الذي تعهد للسلطات بجمع السلاح جمعا حقيقيا من جميع قرى المديرية، فاتخذ هذا الأسلوب البارع المفاجئ الذي روعت له القرية كلها في جنح الظلام.

ونعود إلى هؤلاء المشايخ الخمسة الذين أديرت أيديهم إلى ظهورهم، أُلْصِقَتْ وجوههم بالحائط دون أن يعلموا شيئا مما يُطلب إليهم من مهام الحكومة التي اعتادوا أن يتلقوها بين الحين والحين، كجمع أنفار السخرة لإصلاح الجسور، ولتنقية الدودة من المزارع الكبيرة، أو قتل الجراد فيها، دون أن ينالوا على ذلك أجرا، لأن أجورهم –إن حُسِبَت لهم أجور- تذهب إلى جيوبٍ أخرى، وتؤخذ بصماتهم على أوراق لا يدرون ما هي، ثم ينصرفون وبحسبهم أنهم قد انصرفوا ناجين، بعد أن يكونوا قد كُلِّفوا استحضار طعامهم من بيوتهم طوال مدة السخرة التي تنقص أو تزيد!

لم يفصح لهم أحد عن هذه المهمة المطلوبة منهم في هذه المرة، ولكن أفصحت لهم السياط التي أخذت تلهب ظهورهم من أيدي الجنود، عن أن اليوم ليس كالأيام، وإنما هو العذاب الأليم الذي لا يملكون له ردًّا وهم مسجونون!

ثم أخذ الرصاص يدوي فوق رؤوسهم هم والخفراء المُوثقون، والأهالي الذين اصطيدوا من مشارف القرية ومن طرقاتها حسبما اتفق حتى امتلأ بهم فناء الدوار!

هذا الرصاص للإرهاب، وبلبلة الأفكار، وإتلاف الأعصاب، وبينما هذا الفزع الأكبر يُخيِّم عليهم، ويكاد يُفقدهم صوابهم، أُمِر كلٌّ من المشايخ أن يُملي على الشاويشية أسماء مائتي رأس أسرة ممن يملكون سلاحا في البلدة، وأن يُعَيِّن نوع قطع السلاح التي يملكونها!

وإذا كان قد بقي فيهم إلى الآن عقلٌ أو ذاكرة، فقد أخذ كل منهم يُملي الأسماء، وكلما توقف برهة ليتذكر، نزلت السياط على ظهره وجنبيه، فارتفعت حرارة العدّ، ومضى كالمجنون يُملي الأسماء!

وانتهت العملية فإذا في يد كل جاويش بيانٌ عن مائتي عائلة تحمل سلاحا، وأمام كل اسم نوع القطع التي يملكها رأس هذه العائلة.

ولسنا في حاجة إلى أن نقول: كيف كانت هذه البيانات، ولا مدى مطابقتها للواقع، فالشيخ المصلوب المجلود المهدد بالموت من الرصاص المتطاير فوق رأسه، لا يُطلب إليه في هذه الحال أن يتحرى شيئا، ولكننا نستطيع أن نؤكد أن أحدا من كبار الأشقياء المرهوبين لم يرد اسمه في هذه القائمة، وإذا كانت بعض الأسماء قد وردت فإنما هي لصغار الأشقياء الذين لا عصبية لهم في البلد ولا نفوذ!

وانتهت هذه المرحلة ووقف المشايخ الخمسة يلهثون من التعب والفزع والألم، أما العمدة فقد اشترى نفسه وكرامته من أول الأمر، لقد كان حصيفا، رأى العين الحمراء، فسارع إلى وسيل مضمونة لإرضاء الحكام، هَدَتْه إليها تجربة طويلة وذكاء عملي ومقدرة على جميع الوسائل والاتجاهات!

ثم بدأت المرحلة الثانية، فانطلق الخفراء مع الجنود وهو مكتوفو الأيدي، يجوسون معهم خلال القرية ليدلوهم على البيوت، وليدقوا الأبواب يطلبون رؤوس العائلات، ويصروا على استحضار أكبرهم سنا، وكلما استحضروا منهم جماعة ذهبوا بهم إلى الدوار.. وهناك يُصنع بهؤلاء ما صُنِع من قبلُ بالمشايخ والخفراء قبل أن يُسْأَلوا شيئا وقبل أن يجيبوا، حتى إذا أُشْبِعوا ضربا وترويعا وإهانة صُرِّح لهم عما يُطلب منهم من قطع السلاح حسب البيانات. فأما إذا صادف أن كانت القطع المطلوبة من أحدهم مطابقة لما عنده فقد أحسّ بالفرج وبادر بالإقرار وطُلب أن يسمح له بإحضارها، ولكنه لم يُجَب إلى طلبه، إنما يُستدعى أحد أبنائه أو أحد أفراد عائلته، فيشاهده هكذا، ثم يلقى هو الآخر بعض الصفعات واللكمات، ثم يتلقى الأمر منه أن يستحضر قطع السلاح المطلوبة، فيخرج ركضا لاستحضارها، حتى إذا تمَّت معاينتها وظهرت مطابقتها للبيانات المكتوبة أُفرج عن الرجل وابنه أو قريبة، فخرجا لا يدريان النور من الظلام لشدة ما لَقِيا من اللكم والصفع، ومن الفزع والروع، وانصرف أهله لعلاج جروحه وكدماته بالزيوت والمُسَكِّنات!

وأما إذا صادف أن اختلفت البيانات عما عنده من السلاح، أو لم يكن لديهم سلاح أصلا، فالويل له والثبور، يُعاد جلده ولكمه وصفعه ما دام يُنكر، أو يقرّ بسلاح آخر غير السلاح المطلوب، وفي الحالة الأخيرة كان يُحْضَر السلاح الذي يملكه، ثم يظل يُطالب بقطع السلاح الأخرى التي أملاها الشيخ وهو في ذهول الروع والآلام!

عندئذ يضطر المسكين أن يعترف بما ليس عنده، وأن يطلب مهلة لإحضاره من مكمنه البعيد، وفي هذه المهلة ينطلق أبناؤه وأقاربه يبحثون عن قطعة سلاح مطابقة للبيانات، لشرائها حيث تكون، فإن لم يجدوها في القرية ركبوا أسرع دوابهم للبحث عنها في القرى المجاورة، فيسمح لهم الحراس بالخروج بحجة أنهم ذاهبون لاستحضار سلاحهم المودع عند أقاربهم في هذه البلاد، اطمئنانا إلى أن رأس الأسرة رهين لدى القوة، وعذابه مرهون بالوقت الذي يقضونه غائبين.

وعندما يُوفَّقون إلى القطعة المطلوبة يؤدون الثمن الذي يطلبه صاحبها مهما ارتفع. وكثيرون انتهزوا هذه الفرصة فبالغوا في أثمان القطع المطلوبة، كما أن الكثيرين أيضا ظهرت أريحيتهم في إنقاذ المكروبين بأرخص الأسعار.
عندئذ يبتسم الضابط العبقري وهو يشاهد قطع السلاح المطلوبة تُحضَر بعد الإنكار، ويردّ ذلك إلى عبقريته الفذة التي أرشدته إلى اختيار أقوم طريق!

في نهاية اليوم كانت الأسلحة المجموعة تُصَنَّف أكواما أكواما، فهذه بنادق، وهذه غدارات، وهذه مسدسات، وهذه طبنجات، وهذه سيوف، وهذه سكاكين كبيرة، وهذه بلط، وهذه مزاريق، وكل "ماركة" من هذه الأنواع مرتبة وحدها، والضابط العظيم ينظر مرتاحا منتفشا كالديك إلى انتصاره الكاسح على أولئك القرويين الملاعين..

وكان في كل بيت من بيوت القرية مناحة صامتة، فهذا مشجوج الرأس، وذلك مرضوض الأضلاع، وذلك ملتهب الجلد، وهذا ممزق الأشداق، وكان نسوة وأطفال القرية يغدون ويروحون بالزيوت وكمادات الماء الساخن والبارد يسعفون بها المصابين.

وكان كثيرون من أهل القرية قد باعوا مواشيهم وطعام أطفالهم وحلي نسائهم ليشتروا بها قطع السلاح التي قيل إنها عندهم، وهم لم يحملوا في حياتهم سلاحا. لقد كان هؤلاء هم جماعة الفقراء الذين أكمل المشايخ بهم العدد، وهم في مأمن من ردّ الجميل، إذ لا قوة لهم كالأشقياء، ولا جاه لهم كالأثرياء.

ويمرّ على هذه الحادثة أكثر من ربع قرن! والطفل لا يزال يذكرها كأنها حادث الأمس القريب، لقد فزع للهول كما فزع كل طفل وكل رجل وكل امرأة. وفي أثناء هذه السنوات يسمع أن هذا الضابط الوحش قد رُقّي فصار في وقت من الأوقات وكيلا لمدير الأمن العام، اعترافا بكفايته في صون الأمن وحفظ النظام، فيكمن في نفسه شعور بالأسى الدفين.

ثم يسمع إشاعات بعد ذلك أنه لاقى حتفه وهو يزاول شناعة من هذه الشناعات، فيحس أن كابوسا ثقيلا قد رُفِع عن صدره، وتنفس الصعداء".

انتهى الاقتباس من مذكرات الشهيد سيد قطب.. وبقي أن نُعَلِّق عليه بما هو مقصود المقال، فنقول وبالله التوفيق:

1. أما الطغيان والجبروت والإجرام في السلطة المصرية فهو حديث طويل، وليس هو المقصود بالكلام هنا، ولكنه إجرام متأصل قديم، وحتى إشارة سيد قطب إلى "الحكم التركي" الذي لا زال يعيش بعض من أدركوه، فإنما المقصود به حكم أسرة محمد علي وليس الحكم العثماني، فقد انخلعت مصر من الحكم العثماني منذ 1805 مع تولي محمد علي للسلطة، وهذا الهجوم الذي تنفذه السلطة على الناس إنما هو أسلوب محمد علي في جمع المصريين للتجنيد الإجباري، ويمكن العودة في تفاصيل هذه المآسي لكتاب "كل رجال الباشا" (ص145 وما بعدها)، ومن وقتها صار الشعب المصري كالعبيد لدى السلطة، حتى إن الرحالة الإنجليزي ريتشارد بيرتون –الذي زار مصر في منتصف القرن التاسع عشر- يتحدث عن تقليد مستقر في ضرب المصري بالقفا إذا دخل قسم الشرطة. (رحلة بيرتون، 1/9، 105).

إن الشعب قد صار مجموعة من العبيد بإمكان ضابط الشرطة أن يستبيحه كيفما شاء، أي أن العيش في مصر مرهون بمزاج ضابط الشرطة غالبا، فإذا خطرت له فكرة في إطار صلاحياته فبإمكانه أن ينفذها بما يحيل حياة الناس جحيما دون أن يبالي.

وبينما كانت تحتفظ القرى بنوع من الأعراف وحفظ المقامات واحترام الكبير، فإن السلطة لا تفهم هذا كله، إن حضور السلطة إلى القرية يعني انهيار كل القيم والأعراف والتقاليد، لتبرز الحقيقة الوحيدة: السيد والعبيد، وللسيد أن يفعل ما شاء بمن شاء كيفما شاء! لا معقب ولا رقيب.

ليس هذا فحسب، بل إن كفاءة الضابط تقاس بما يُحدثه من الترويع، ومن تحقيق علاقة السيد بالعبيد، فقد وصل إلى أن صار مديرا للأمن العام، ولم يلق جزاءه العادل إلا على يد مواطن "خارج عن القانون"!!

2. وأما اللافت للنظر والمثير للغيظ معا أن هذه السلطة المتوحشة لا تقيم الأمن، ولا تقضي على اللصوص، بحيث يضطر الناس إلى التسلح لحماية أنفسهم وأموالهم ، ولكن الحكومة تمنع حيازة السلاح تحت مبرر أنها الجهة التي تحتكر السلاح وتتكفل بحفظ الأمن وإقامة العدل. فكأنها تمنع عنك حيازة الماء لأنها تتكفل لك بإروائك من العطش ومع ذلك فإنها لا تفعل، فإذا حاولت أن تشرب فأنت مهدد بالعقاب!

لن نخوض الآن في حق حمل السلاح الذي هو حق أصيل للبشر منذ وُجِدوا على هذه الأرض، ولم يكن معرضا للنقاش إلا في عصر الحداثة هذا، مع أن بلاد الحداثة الآن تسمح بحمل السلاح وتتساهل في الترخيص به، إلا بلادنا، التي يُراد لشعوبها أن تعيش كالفراخ والدجاج تنتظر دورها على يد الجزّار. ولذلك كان التجريد من السلاح في مقدمة القرارات التي أصدرتها سلطات الاحتلال والتغريب منذ نابليون وحتى الآن.

لكن الذي يجب الخوض فيه والتركيز عليه، هو هذا الفارق بين الفريقيْن المسلحيْن في القرية، فثمة فريق يحمي السلاح ليدافع عن نفسه، وثمة فريق يحمل السلاح ليُهاجِم به فيسرق وينهب. أما الفريق الأول فهو خارج عن "القانون" في مسألة حمل السلاح وحدها، وأما ما سوى ذلك فهو مواطن صالح ملتزم بشروط السلطة: يؤدي الضرائب، يعمل بالسخرة، يتحاكم إلى المحاكم... إلخ! وأما الفريق الثاني فهو خارج عن "القانون" دائما، حياته هي نفسها الخروج على "القانون"..

فماذا كان المصير؟!

كان المصير أن هؤلاء الخارجين عن القانون هم الذين كانوا بمنأى عن السلطة، هم الذين كانت لهم من القوة والهيبة ما منع مشايخ البلد أن يُبْلِغوا عنهم حتى وهم في العذاب، لقد فضَّل مشايخ البلد أن يكتبوا أسماء الفقراء والتعساء ومن لم يحمل سلاحا قط ليُكملوا به العدد ولا أن يقتربوا من فئة اللصوص المسلحين..

وهكذا، لم يدفع الثمن إلا المواطنون الصالحون الملتزمون بالقانون، بل ودفعه أولئك الضعفاء الذين لم يحملوا سلاحا أصلا لأنه ليست لديهم أموال يحرسونها أو ليست لديهم أموال يشترون بها سلاحا، بينما نجا من هذا المصير أولئك الذين مزَّقوا القانون وخرقوه ووضعوه تحت أقدامهم وعاشوا حياتهم لا يعترفون به ولا يقيمون له وزنا.

وهذا الوضع مستقر مستمر حتى يومنا هذا، فالسلطة في بلادنا تتحالف مع اللصوص والبلطجية ومنظمات الإجرام وتجار السلاح والمخدرات والأعضاء البشرية والآثار، وبينهما تحالفات وصفقات وخدمات متبادلة، بينما لا يُطبَّق القانون إلا على "المواطن الصالح"، فهذا المواطن الصالح يعاني من البلطجي واللص والمجرم ثم لا يجد طريقا إلا أن يشتكي للشرطة، وعند الشرطة يعاني مرة أخرى، بحسب ما يجده من الظروف وما يكون من مزاج الضابط الذي سيتولى أمره.

في هذه الحال، يجب أن يسأل المرء نفسه: هل من المفيد أن تكون هذا "المواطن الصالح"؟

3. وقعت هذه القصة في قرية موشا المنزوية في بلاد الصعيد، ولكنها تعبير حقيقي ممتاز عن السياسة الدولية، القوة الدولية التي تمثل السلطة العليا يمكنها أن تستبيح ما تشاء من العبيد بفارق القوة التي تملكها، وحتى السلطة المحلية التي تخدمها وتوفر عليها الوقت والجهد، يمكن أن يعنّ لها في بعض الأحيان أن تتجاوزها وتتدخل بنفسها لتنفذ ما تراه في صالحها.

إن عمدة القرية لم يكن متمردا، ولا مشايخ البلد، بل هم ممثلوا السلطة العليا، هم الذين يديرون لها الأموال والثروة ويجمعون لها الضرائب والعاملين بالسخرة، ولكنهم يحتاجون في سبيل هذا لبعض المهارة والحكمة التي تفرضها الأعراف التي جعلتهم في موضع السلطة فيراعونها. السلطة القوية الغاشمة لا تعترف بهذا كله حين تريد. مثلما لا يتردد الضابط وجنوده في حبس العمدة ومشايخ البلد وإهانتهم، لا يتردد ترمب في إهانة وإذلال عملائه في السعودية ومصر رغم أنهم لم يفكروا في التمرد عليه، فهو ينهب بالمليارات ويفرض العقوبات ويهدد ويسخر، والعبيد يواصلون الخدمة ولا يفكرون في التمرد!

وحدهم الذين تسلحوا بأنفسهم، وغامروا بها، وخاطروا، وصاروا لا يبكون على شيء.. وحدهم الذين ينجون من الإهانة والإذلال.. فإما عاشوا كما أرادوا، وإما ماتوا موتا سريعا لا إهانة فيه ولا إذلال. وحدهم أولئك الذين استطاعوا الانتقام من الضابط الوحش الذي صار بوحشيته مدير الأمن العام!

استشهاد القسام وعزام

مرت في شهر نوفمبر ذكرى استشهاد رجلين من أعظم المجاهدين في التاريخ الإسلامي الحديث، وهما الشيخ عز الدين القسام (20 نوفمبر 1935م) والشيخ عبد الله عزام (24 نوفمبر 1988م)، وكلا الرجلين مثَّل رمزًا للمقاومة الإسلامية في عصره وفي الأجيال التالية له حتى يوم الناس هذا!

كلا الرجلين من رجال الأزهر الشريف، غير أنك لن تجد الأزهر المعاصر يحتفي بهما ولا يذكر لهما مآثرهما ولا يدرس سيرتهما، وما ذلك إلا أن محاولات تحطيم الأزهر وتدجينه قد آتت ثمرتها، وصار الأزهر يدفع عن نفسه وصمة التطرف والإرهاب!!
وكلا الرجلين وجد طريقه للجهاد حين أغلق عليه الجهاد في بلده، فقد جاهد القسام في سوريا حتى أغلق عليه السبيل وضاقت به المسالك، فوجد سبيلا له للجهاد في فلسطين حتى لقي الشهادة. وحاول عزام أن يتصدى في قلة للاجتياح الإسرائيلي لقريته في نكبة 1967 ثم ضاقت عليه سبيل الجهاد في بلده فوجد سبيله للجهاد في أفغانستان وكان شيخ المجاهدين العرب. وبهذا حقق الرجلان بسيرتهما واستشهادهما واقع أن الجهاد ماض إلى يوم القيامة، وأن الأمة أمة واحدة، وأن الحدود بينها ليست إلا ترابا وخيالا ولو تواطأ على ترسيخها وتعزيزها طواغيت الغرب والشرق.

وكلا الرجلين لا يزال حيا في ضمير الأمة وبين صفوة شبابها رغم أن السلطة ومنافذ تعليمها وثقافتها وإعلامها يعمل على طمسه وطمره أو على وصف طريقه ومنهجه بالتطرف والإرهاب، فضمير الأمة أبقى وأعمق، هذا مع أنه يجب أن نلوم كثيرا من الحركات الإسلامية كذلك أنها لم تسع في إحياء سيرة هذين الرجلين ولا تدريس سيرتهما ولا العناية بإنتاجهما (لا سيما الإنتاج العلمي الكبير لعزام)، فالذين حملوا على عاتقهم إحياء هذه الذاكرة إنما كانوا من الشباب الذين خلت أيديهم من عوامل القوة والنشر والترويج.

حماس والجهاد الإسلامي

من أخطر ما وقع في الساحة الإسلامية الشهر الماضي هي الحرب التي عانت منها غزة، والتي بدأت باغتيال القيادي في الجهاد الإسلامي بهاء أبو العطا. إن ثمة انقساما حصل في ساحة غزة التي هي من أهم معاقل المقاومة، ونموذج المقاومة الراشدة التي تمزج السياسي بالعسكري وتوازن بين قوة العقل وقوة الساعد، وغزة عزيزة على كل مسلم، ثم هي أعز على كل مهموم بشأن الإسلام وشأن المقاومة. إن غزة بقعة مضيئة في الصمود ونموذج لم يكن يتوقعه أكثر الناس تفاؤلا، مع ما في كل تجربة من الهنات والأخطاء التي لا تخلو منها تجربة بشرية.

لكن الذي حدث هذه المرة هو الأخطر في سياق أن العدو استطاع أن ينفذ عمليته بعد تخطيط وتصعيد إعلامي ثم عملية ميدانية تستهدف بوضوح إنشاء حالة الانقسام والشقاق بين حماس والجهاد، وهو الأمر الذي لا نستطيع القول أنه قد فشل فيه، بل على العكس، ما نراه من الحوارات بين شباب الفصيلين وما ندّ من بعض العناصر من الأفعال يشير إلى وضع مثير للخوف والقلق على العلاقة بينهما، وهو أمر يجب أن تتداعى له العقول والقلوب للإصلاح قبل أن يتسع الشقاق. ولعل هذا يكون أولى أولويات أهل الرشد في الساحة الفلسطينية!

الحكم بإعدام هشام عشماوي
أذاعت صفحة المتحدث الإعلامي للعسكر المصري أنهم حكموا بالإعدام على هشام عشماوي، رائد الصاعقة المنشق عن الجيش المصري، ومؤسس تنظيم المرابطين، ولكن اللافت للنظر أن جملة التهم التي أذاعتها هذه الصفحة لا تتضمن فيما بينها اعتداءا واحدا على مدنيين، بل كانت كل التهم هي مشاركته أو تنفيذه في قتال ضد العسكريين. وهذا الوضع طبقا للعلوم الأمنية العلمانية وتشريعاتهم القانونية لا تندرج تحت مسمى "الإرهاب"، بل يدرجونها تحت مسمى "التمرد"، فالإرهاب هو غالبا عمل ضد المدنيين وبلا أهداف سياسية وليست له حاضنة شعبية ولا يعبر عن قضية مشروعة، بينما التمرد هو عمل ضد نظام السلطة وله قضية مشروعة ويتمتع بحاضنة شعبية ويسعى لتحقيق أهداف سياسية.

والشاهد أن السلطة المصرية نفسها التي تهرف بوصف الإرهاب لم تحاول حتى أن تلفق تهمة "إرهابية" لخصمها الذي أزعجها، والذي لم تستطع أن تصل إليه بنفسها، وإنما سُلِّم لها تسليما.

وبالنسبة للسلطة المصرية فيعتبر الحديث عن محاكمة عادلة نوعا من الهزر والسفاهة، فإذا كان الذي هتف في وسط الجموع وأمام الشاشات "سلميتنا أقوى من الرصاص" قد حُكِم عليه بالإعدام عدة مرات وبمئات السنين، فكيف بالذي خاض المعركة ضدهم، من بعد ما كان واحدا منهم؟!

ولا يمكن في هذه العجالة الحديث عن قضيته، وقد تناولناها سابقا في هذا المقال، ولكن الذي يمكن قوله: إنه وإن لم ينصفه التاريخ بعد سقوط هذا الحكم العسكري، فحسبه أن الله هو الرقيب الحسيب الذي لا يُظلم عنده أحد.

نشر في مجلة كلمة حق 

الثلاثاء، يوليو 21، 2015

محنة الشرعية مع الجواد الخاسر

بينما ينظم أحمد عرابي أمور جيشه لمحاربة الإنجليز الذين نزلوا إلى مصر إذا بالسلطان العثماني عبد الحميد الثاني يصدر فرمانا يعتبر فيه عرابي عاصيا وخارجا عن الطاعة، فيما بدا وكأنه تأييد من الخليفة لاحتلال الكفار لبلد من بلاد المسلمين، وقد فتَّ هذا المنشور في عضد عرابي ومن معه فكان من أشد ما نزل بهم، لا سيما وهي طعنة جاءت من مأمن، إذ مهما بلغ الخيال لم يكن أحد في صف عرابي يتخيل أن يصدر مثل هذا عن السلطان العثماني.

وقد أثارت هذه الواقعة، وما زالت، نقاشا طويلا بين المهتمين بالتاريخ، فمن كره العثمانيين (بدافع ديني أو قومي أو وطني أو علماني) جعل هذه الحادثة ضمن سهام هجومه وطعنه، ومن أحب العثمانيين ودافع عنهم ظل يبحث عن المطاعن في عرابي وشخصيته وثورته ولم يتحفظ أن يأتي في سبيل هذا بأقوال العلمانيين والصليبيين ومن عُرِفوا بالعداء للدين.

والأمر على الحقيقة لا ينبغي أن يؤخذ بهذه البساطة والسطحية، بل لا بد من تعمق في الظرف التاريخي، للخروج بما ينسجم مع شخصيات الحدث وتاريخها وعطائها.

والواقع أنه في زمن الانحطاط والاستضعاف تصير الخيارات كلها مريرة، إذ لا يستطيع أحد أن يتخذ الموقف الصحيح أو الأصح، بل يجتهد ليبحث عن الخيار الأقل سوءا. وهذا أمر ينبغي أن يفقهه الشباب المسلم كي يفهموا واقعهم أولا ويتفهموا كثيرا من تاريخهم وحاضرهم فيكونون بذلك أقدر على حل مشكلات واقعهم بغير مثالية حالمة وتصلب لا مآل له إلا الكسر.

لقد انفصلت مصر عمليا عن جسد الدولة العثمانية قهرا وقسرا منذ عهد محمد علي، ثم تعمق هذا الانفصال في عهد خلفائه في مصر وخلفاء السلطان محمود الثاني في اسطنبول، وبدعم ورعاية من الدول الأجنبية.

كانت السلطنة العثمانية قد وصلت إلى حالة بائسة من التخلف العلمي والعسكري الذي يثمر هزائم متتالية أمام الدول الأوروبية التي توحدت وتوحشت على اقتسام تركتها، وكانت مصر قد وقعت عمليا في هيمنة النفوذ الأجنبي وتدفق عليها الأجانب الذين صاروا يتمتعون باستقلال مالي وقانوني وحماية أجنبية، وصاروا هم سادة البلاد والمتحكمين في اقتصادها وسياستها.

وفي بداية عهد عبد الحميد الثاني (الرجل الذي يتَّفَق الجميع على ذكائه وتدينه ويختلفون على قوة شخصيته، كما يتفقون على استبداده ويختلفون حول تفسيرها وتبريرها)، نبتت في مصر –لظروف كثيرة ليس هنا مقام بيانها- حركة وطنية مقاومة للنفوذ الأجنبي كان رأس حربتها في الجيش المصري عبر عسكريين مصريين وصلوا في ظروف استثنائية إلى مراتب قيادية، واستطاعوا بالفعل أن يجبروا الخديوي على تغيير الحكومة وإجراء انتخابات مجلس النواب وإصدار دستور وتقليص نفوذ الأجانب في الحكومة.

كان طبيعيا أن يجد فيهم عبد الحميد أمله، كما كانوا يجدون فيه "الشرعية" لحركتهم!

من جهته، أصدر عبد الحميد فرمانا (5 شعبان 1296هـ = 25 يوليو 1879م) بعزل الخديوي إسماعيل، وهو العزل الذي اتفق عليه الجميع: الثوار الذين عانوا من سياسته المهلكة للعباد والبلاد، وعبد الحميد الذي يراه قد أسلم مصر فعليا للنفوذ الأجانب، والأجانب الذين تحققوا من أن بقاءه يساوي اشتعال ثورة ينبغي احتواؤها قبل أن تستفحل.

ولما اشتعلت الثورة في عهد الخديوي توفيق، كان السلطان عبد الحميد داعما ومساندا لها، وقد أرسل وفدا عثمانيا (6/10/1881م) لاستطلاع الأحوال في الظاهر وداعما للثورة على الحقيقة، فشمل برنامجه لقاء ممثلي الثورة (البارودي وزير الحربية في حكومة الثورة والزعامات الشعبية كشيخ الأزهر ونقيب الأشراف وشيخ المالكية وغيرهم)، وكان هذا مفهوما للجميع حتى لقد أرسلت بريطانيا وفرنسا سفينتان حربيتان في مظاهرة عسكرية أمام الإسكندرية وأعلنتا أنهما لن تنصرفا إلا بانصراف الوفد العثماني الذي يمثل تدخلا في الشؤون المصرية (!!).

وعندما زاد نفوذ عرابي ووقف أمام المطالب الأجنبية بمنع مجلس النواب من مناقشة الميزانية وتشكلت حكومة موالية أكثر للثورة برئاسة البارودي (وكان عرابي فيها وزيرا للحربية) زاد عبد الحميد في دعمه فمنحه رتبة أمير لواء والباشوية، والوسام الحميدي من الطبقة الأولى، ومانع ما استطاع في عقد مؤتمر الدول الأجنبية للبحث في شأن المسألة المصرية، وسعى في إقناع من استطاع من الدول بأن الأمر لا يستدعي عقد مؤتمر، ثم لما تبين أن إنجلترا عازمة جعل عقد المؤتمر في الآستانة ليكون على علم به ولئلا تنفرد بريطانيا بالقرار، كذلك ماطل عبد الحميد مع القوى الأوروبية التي كانت تضغط عليه لإعلان عصيان عرابي وإرسال قوة عثمانية لدعم سلطة الخديوي، وكانت بينه وبين عرابي خطوط اتصال سرية ورسائل وموفدين تدعمه وتؤيده، وبلغ الأمر من وجوه الدعم حدَّ أن السلطان عبد الحميد حرضهم على خلع توفيق وإنهاء حكم الأسرة العلوية، فجاء في إحدى رسائله "لا أهمية فيمن يكون خديو مصر، ويجب أن تكون أفكار والي مصر ومقاصده وسيرته خالصة من الشوائب، بحيث إن جميع حركاته تكون متجهة لصيانة مستقبل مصر ولتوطيد عرى العلاقات الوثيقة مع عرش الخلافة"[1].

باختصار: فعل عبد الحميد كل ما وسعه دبلوماسيا لمنع تدخل الأجانب في مصر، وإنقاذها مما كانت فيه من النفوذ الأجنبي.

وعلى الجهة الأخرى تمسك عرابي بمساندة عبد الحميد الثاني، وأعلن أنه يطلب الإصلاح "باسم الذات الشاهانية"، وأنه يصدر عن أوامر السلطان وتوجيهه، وأنه مقيم على طاعته ومنتمٍ إليه، ولما انحاز الخديوي توفيق صراحة إلى الإنجليز خلعه قادة الثورة فأعلنوا عزله بانحيازه للإنجليز، وصار عرابي الممثل للسلطان العثماني في مصر.

ولا يصدق عرابي أن السلطان عبد الحميد هو الذي أصدر بيان العصيان، فهو يقول في تقرير كتبه قُبيْل المحاكمة "لم يستنكر السلطان أبدًا ما فعلنا، لا في أثناء تلك المفاوضات ولا فيما بعدها حتى وقتنا هذا، بل إن السلطان أيّد أفعالنا بالقول وبالعمل"، وهو يتهم الصدر الأعظم (رئيس الوزراء في الدولة العثمانية) بأنه كاتب منشور العصيان هذا –وليس السلطان عبد الحميد- بضغط من الإنجليز الذين أرادوا تهدئة المسلمين في الهند ومنعهم من استغلال الأحداث في ثورة.

والعجيب أن عرابي –وهو المطعون في ظهره المغدور به- كان أشد تفهما لموقف السلطان عبد الحميد الثاني من سائر من يتشدقون ويتمسحون به للطعن في السلطان، فهو يقول بأنه ربما يكون السلطان مضطرا "إلى إصدارها مراعاة لظروف الأحوال، والخوف من ظهور المسألة الشرقية في مظهر يصعب استدراكه ويعز تلافيه"[2].

وعرابي في هذا التفسير أرفع نفسا وأبعد عن الضغينة وأشرف ممن يتخذه سبيلا للطعن في عبد الحميد، فالواقع أن منشور إعلان عصيان عرابي لم يصدر إلا بعد أن تمكن الإنجليز من نزول مصر فعلا والاستيلاء على الإسكندرية، وبعد أن وصلت قواتهم القادمة من البحر الأحمر والتقت مع قواتهم القادمة من البحر المتوسط، وهي اللحظة التي استبانت فيها هزيمة عرابي.

لقد ظهر منشور العصيان يوم (6 سبتمبر 1882م) أي قبل الهزيمة الفعلية في التل الكبير بستة أيام فقط، وقبل احتلال القاهرة بأسبوع واحد، وبعد ضرب الإسكندرية بشهرين!!

لقد أراد السلطان عبد الحميد أن لا يكون في معسكر المهزومين بل في معسكر المنتصرين ليكون له مكان في "مستقبل مصر" والمسألة المصرية، إلا أن تقديره كان خاطئا وإن كان له وجه من النظر، خصوصا وأن الإنجليز دخلوا مصر وهم يعلنون أنهم إنما قدموا لحماية الأجانب وإعادة سلطان الخديوي مع الإقرار الكامل بشرعية السلطان العثماني.

وهكذا اضطرت الخلافة العثمانية للتخلي عن أحد أخلص أبنائها بعد أن صار جوادا خاسرا لا يمكن المراهنة عليه، وهنا يثبت التاريخ لمرة أخرى أن الشرعية لا بد لها من القوة، وأن القوة الخالية من الشرعية أقدر على صناعة –أو حتى شراء- شرعية لنفسها تحكم بها.

ومع هذا الدرس فيجب أيضا أن نستوعب الدرس الآخر، ذلك هو إعذار الرجال حين يضطرون إلى ما يخالف سيرتهم ومسيرتهم، فنحن نعذر عبد الحميد في مثل هذا الموقف، كما نعذر عرابي في موقف الثناء على الإنجليز بعد عشرين سنة من السجن والنفي والهزيمة لما عاد شيخا كبيرا محطما.

وفي عصر الاستضعاف الذي نحن فيه يجب أن نعذر الرجال والأبطال فيما يتخذونه من مواقف تنزل عن حد المثالية في ظروف الاضطرار والإكراه، فلم يعد للمسلمين اليوم عاصمة واحدة آمنة ينطق فيها أحد بالحق الكامل، لم يعد للمسلم أرض آمنة في كل هذه المعمورة ليقول فيها ما يحب الشباب المتحمس أن يسمعه، فما من حركة إسلامية وما من عالِمٍ إلا وهو مضطر لنوع موازنة، حتى "الدولة الإسلامية" (داعش) التي يراها أنصارها على صورة "نقاء المنهج" تركت ضريحا تركيا لم تمسه بسوء حتى دخل الأتراك ونقلوه ولم تستطع إنزال الهدم به لكونه شركا على نحو ما فعلت في غيره!!

وعلى كل حال فأهل العمل يعرفون ويعذرون، وتبقى المشكلة في أهل الكلام الذين يشوشون الوعي ويزرعون التنطع وينشرون التشدد بما يجيدون من التسفيه والتشويه!

نشر في تركيا بوست 



[1]انظر فيما كان بين السلطان عبد الحميد الثاني وعرابي، محمود الخفيف: أحمد عرابي المفترى عليه، مؤسسة هنداوي، القاهرة، الطبعة الأولى. ص209 وما بعدها.
[2] مذكرات الزعيم أحمد عرابي، تحقيق د. عبد المنعم الجميعي، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 1425هـ = 2005م. 2/703.