الأربعاء، مايو 29، 2019

ليه السيسي ما ينفعش يتباع؟


يوما ما من عام 2001 أرسل أستاذ مصري للهندسة النووية رسالة نشرها بريد الأهرام، يتذكر فيها أسماء دفعته من طلاب الهندسة النووية بجامعة الإسكندرية، وكيف صار كل واحد منهم أستاذا لهذا التخصص في أمريكا وكندا وألمانيا وغيرها، ولم يبق أحد منهم إطلاقا في مصر، ثم تساءل عن جدوى بقاء قسم للهندسة النووية بجامعة الإسكندرية طالما أن البلد لن تستفيد منهم، إذ حقيقة الأمر أن البلد تنفق على الطلاب ليستفيد منهم الأجانب!

بعد نحو عشرين عاما من هذه الواقعة كان خير ما تفتَّق عنه ذهن عبد الفتاح السيسي الذي صار رئيسا لمصر أن يأخذ من هذه الدول ضرائب على العقول المهاجرة، ثم يقهقه ضاحكا، من السعادة أو من البلاهة لا فرق، وكان الجدير به أن يتحسر على هذه الكفاءات وأن يسأل نفسه: لماذا تهاجر وكيف يمكن استعادتها والاستفادة منها!

لكن سؤال الأستاذ يظل يطرح نفسه بقوة: ما فائدة قسم الهندسة النووية في بلد لا تنوي ولا تفكر في أن تكون قوة نووية، ومن ثم فلا مجال أمام خريجي هذا القسم إلا أن يكونوا تروسا في آلة القوى النووية الكبرى؟

وعلى نمط سؤال الأستاذ نريد أن نطرح ذات السؤال على باقي "مؤسسات" و"قطاعات" بلادنا العربية المنكوبة:

فإن لم تكن هذه الأنظمة تفكر في التحرر وأن تكون قوة حقيقية تملك قرارها فلماذا يكون لديها الجيوش؟ ولماذا تستنزف الأموال الهائلة في صفقات سلاح خيالية ثم لا تجدي شيئا! إنك لو فتشت في تاريخ العرب المعاصر لن تجد جيشا أخطأ ذات مرة ودخل في حرب ضد عدو للأمة، إنما هم يحاربون بعضهم وهذا إن حاربوا من الأساس. حتى حرب أكتوبر اليتيمة في هذا التاريخ المعاصر لم تكن حربا بالمعنى التقليدي للحرب وإنما كان عملية خاطفة مفاجئة استهدفت تحرير بضعة كيلومترات وتجميد الموقف العسكري، ثم إنها لم تنته بنصرٍ بل لقد انتهت بالتعادل في أحسن الأحوال أو بالهزيمة العسكرية طبقا للوضع الذي انتهت إليه. على أننا لو تجاوزنا كل هذا وقلنا إنها كانت نصرا فهل هذا النصر الوحيد اليتيم طوال القرن الماضي يكافئ ما خسرته الأمة من أرواح أبنائها وشبابهم ومن أموالها التي موَّلت صفقات السلاح الفلكية؟!

وإذا كان الأمن في بلادنا ضائعا، وتتزايد معدلات الجريمة بسرعة مجنونة، كما يتزايد معها انحسار دائرة الأمن حول العواصم والمدن ومنابع الثروة ويتزايد الانفلات الأمني في الزوايا والحواري والقرى والأرياف والمناطق المهمشة.. إذا كان الوضع كذلك فما فائدة وجود الشرطة؟ قد يمكن تحقيق هذه الأهداف ببساطة من خلال شركات الأمن الخاصة التي ستعفي بلادنا من بذل شباب أبنائها وأعمارهم ثم ستعفيها من بذل أموال التسليح في صفقات المدرعات والأسلحة وقنابل الغاز وأنواع التجهيز. لا سيما وشركات الأمن الخاصة تطورت لمنظمات عالمية عتيدة التدريب والتجهيز والتسليح!

إذا كانت كليات القانون تنهمر علينا بعشرات ومئات آلاف الطلاب سنويا بعد دراستهم الطويلة لمطولات القوانين وفلسفاتها وتاريخها وأقسامها وإجراءاتها، لكن لن تستقبل المؤسسات القانونية إلا أبناء كهنة القانون وأقاربهم لتعيد تدويرهم في مناصب آبائهم وأصهارهم، ثم يعيدون هم تكرار سيرتها الفضائحية التي جعلت القضاء في بلادنا مضرب المثل في الفساد والظلم بل وفي الكوميديا السوداء الأليمة التي تسحق يوميا الأرواح والأعمار والأموال والدموع: بين المشانق والسجون والغرامات.. إذا كان هذا هو الحال فلماذا تفتح كليات القانون أفواهها لتستهلك أعمار هذا القدر الهائل من الشباب وأموالهم وهم لن يعملوا بالقانون، ولو عملوا به لكانوا هم أمثلة قتل القانون؟!

ومثل هذا يقال عن كليات الإعلام التي بعدما تدفق الخريجين فلن يجد سوق الإعلام في بلادنا إلا صاحب الواسطة لا صاحب الموهبة، أو في أحسن الأحوال صاحب الموهبة الذي لا تنقصه الواسطة، فإن كان ولا بد فصاحب موهبة لا تنقصه موهبة بيع نفسه وضميره لتتأقلم مع منظومة السوق الإعلامي وقيمه، لتخرج الشاشات وهي تعزف منظومة شاذة كئيبة من الانهيار الفكري والتفاهة المعرفية فضلا عن الانحطاط الأخلاقي المريع.

ومثل ذلك أيضا عن الكليات الشرعية التي كأنها تكاد تجدب من إخراج الفقهاء الجامعين بين علم الشرع وعلم الواقع، ثم بين العلم والعمل، فأكثر خريجيها ساكت، وكثير منهم منافق، وأقل القليل منهم: عالم صادح بالحق رافض للظلم عارف بما يجب أن يُقال وكيف يقال.

السبب في بقاء كل ما سبق هو نفسه السبب في فسادها..

يمكن للحاكم في بلادنا أن يترك العقول تهاجر إلى بلد أخرى لتخدمها في الفيزياء والكيمياء والهندسة النووية، فهو بهذا يؤدي دوره في دعم وتمكين المنظومة العالمية التي مَكَّنَتْه من الحكم وأجلسته على كرسي السلطة في بلادنا. إلا أنه لا يمكن أن يتخلى عن الجيش والشرطة والقضاء والإعلام ونحوهم.. لسبب بسيط: أن خدمتهم لهذه المنظومة العالمية نفسها إنما تكون من داخل هذه البلد!

مؤسساتنا في الحقيقة هي مؤسسات إنتاج وتصنيع العبيد، مؤسسات تجهيز الجنود والبيادق لتركيع الشعوب وإخماد حركة تحررها:

هي جيوش لم توجد لكي تحارب العدو أو لتحمي الحدود بل لكي تمارس الحكم وتنقلب عسكريا وتنصب المذابح في الشوارع، فإذا جاءها العدو انسحبت وتركت الأراضي حلالا زلالا، هذا إن لم تتنازل عن الأرض باتفاقيات سياسية من غير حرب أو نتيجة للحرب. ومع كل ما أنفق على هذه الجيوش لتجهيزها وتدريبها وتسليحها إلا أنها تخفق في مواجهة مجموعات مسلحة صغيرة، فلا جيش السعودية (التي تضرب المثل بأرقام صفقات التسليح) والإمارات يستطيع الانتصار على الحوثيين، ولا جيش مصر يستطيع حسم المعركة مع تنظيم ولاية سيناء، ولا جيش لبنان يجرؤ على التفكير في مواجهة حزب الله، ولا جيش سوريا يتمكن من مواجهة التنظيمات المسلحة، وهذا كله مع وفرة المال والدعم الاستخباري والسياسي والعسكري أحيانا، ومع سخاء هذه الجيوش في ارتكاب المذابح دون تردد!!

وهي شرطة لم تؤسس لحفظ أمن الناس والدفاع عن ممتلكاتهم، بل للسيطرة عليهم وتكبيلهم وإخضاعهم لإرادة السلطة، ولذلك فهي أكفأ في التعامل مع مظاهرة احتجاجية أكثر من كفاءتها في التعامل مع معركة شوارع بين مجموعة من البلطجية، أو مع مجموعة تهريب مخدرات. وفي هذا السياق يتحول أفرادها (مثل إخوانهم عناصر الجيش) إلى مسوخ بشرية لا إنسانية، لا تفهم غير لغة القوة وإطاعة الأوامر، لقد جرى إعدادها وتجهيزها منذ لحظة الالتحاق الأولى بالكلية لكي يكونوا آلات قاسية باردة لا تفكر في معنى ما تفعل ولا في أخلاقيته.

وهو قضاء لم يوضع لإقامة العدل بل لشرعنة سياسة السلطة، وتحويل عملية الظلم والسحق إلى منظومة فلسفية منمقة مزخرفة مشحونة بالألفاظ الرتيبة والتعبيرات الرصينة، ونصب تمثال القانون في موضع تمثال الصنم في العصر الجاهلي، حيث عليك أيها المواطن احترام القانوني مهما كان ظالما ولا أخلاقيا، ثم عليك احترام القضاء مهما انتهك القانون وتعدى عليه في سبيل شرعنته سياسة السلطة التي لم تعد تتفق مع القانون كما وضعته لنفسها!

وهو إعلام لم يكن يوما لتوعية الناس بل لتعبيدهم، لإخضاع نفوسهم وعقولهم لرغبة السلطة، لنشر التفاهة والسقوط والانحلال فيهم، إعلام يقوم بمهمة تصنيع الإله الذي يجب أن يطاع في هذه البلد، وهو الرئيس أو الملك بطبيعة الحال، فكل رئيس في بلده إله، ما أجمله وما أحكمه وما أعدله، معبود الجماهير مهيب الركن حكيم الأولين والآخرين، يرعى العلم والفن والثقافة والرياضة والمرأة والفقير... إلخ!

مثل هؤلاء لا تقبل دول الهيمنة أن نصدرهم لها كما يقبلون علماء الكيمياء والفيزياء والهندسة النووية، فمثل هؤلاء يقومون بدورهم في بلادنا، إنهم أركان مصنع إنتاج العبيد، وحراس آلة الاستبداد الوحشية، إنهم خط الدفاع الأول عن المنظومة العالمية المهيمنة، وهم مخلبها الأول والأقوى والقليل التكاليف.

لهذا كله لن تجد السيسي يقهقه طالبا ضريبة عقل مهاجر، بل سيقف صارما ليقول: أنا لو ينفع اتباع لاتباع. فهو يعرف والبقية يعرفون إنه "ما ينفعش يتباع"!

الأربعاء، مايو 22، 2019

هل حقا يحب المغامسي إزاحة آل سعود وعودة عمر؟


أقسم صالح المغامسي يمينا مغلظة على أن الإخوان المسلمين لو بُعِث فيهم عمر بن الخطاب فلن يرضوا به خليفة للمسلمين لأنهم لا يقبلون أن يكون الخليفة إلا منهم.

وتلك يمينٌ كاذبة سيُسأل عنها أمام الله تعالى، وهي يمينٌ تدل على أنه يجتهد من نفسه لينافق السلطة السعودية لا أنه في عداد المضطرين والمقهورين، فإن المضطر المقهور يتخلص من المأزق بأدنى الوسائل وليس يبتكر مثل هذه الكلمات العظيمة!

لا الإخوان المسلمون ولا غيرهم من الحركات الإسلامية ولا من عموم المسلمين الذين يحبون الدين مهما بلغت انحرافاتهم يخطر في باله أن يعترض على عمر بن الخطاب لو بُعث فيهم، ولو أننا جمعنا المسلمين في صعيد وأقسمنا عليهم أن يصدقونا في تمنيهم أن يُبعث فيهم عمر بن الخطاب من جديد لهللوا فرحا وبكوا أملا.. اللهم إلا قليلا! وأولئك القليل هم هؤلاء الحكام الذين ينافقهم المغامسي ثم إخوانه في نفاقهم.

ذلك أن عمر بن الخطاب لو قيل له أن واليا ممن تغلب على المسلمين يبذل أموالهم لقيصر الروم مع شدة حاجتهم إليه، ثم هو يبذلها لمن يقتلهم ويذبحهم في مصر واليمن وليبيا كما بذلها أسلافه من قبل في الجزائر والعراق لما قرَّ لعمر قرارٌ حتى ينزل به من العقوبة ما هو أهله! فليس يخاف من انبعاث عمر بن الخطاب إلا من يخاف من جرائمه ومخازيه أن تنزل به عقوبة عمر!

وما لنا نذهب في الخيال وقد كفانا القوم مؤونة الخيال وقالوا بألسنتهم وأقلامهم قول السوء:

إن أول الذين سينزعجون من انبعاث عمر رجل مثل عبد الحميد الحكيم مدير "مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والقانونية" الذي مقره في جدة بالسعودية، حيث دعا العرب للاعتراف بأن القدس رمز ديني لليهود كما هي مكة بالنسبة للمسلمين، ثم إنه قدَّم قبل أيام (8 مايو 2019م) تهنئته لإسرائيل قائلا بصريح العبارة: "أقدم التهنئة بذكرى 71 عاما لإرادة شعب جعل من الحلم حقيقة بدولة من العالم الأول اسمها إسرائيل في محيط يقدس موروث الناصرية والإسلام السياسي يطعن في شرعيتها ويشرعن تدميرها، 71 عاما من إنكار العرب لحق اليهود التاريخي بدولتهم لم يجلب لهم إلا دمار أوطانهم كمسارح للحروب الأهلية تعبث بها طهران صباح مساء". فمثل هذا لا بد أنه ينزعج من عودة عمر الذي فتح بيت المقدس، ثم إنه سينزعج من عمر تارة أخرى لأن عمر أجلى اليهود من خيبر، ولعله كتب فعلا تهنئته لعودة اليهود إلى خيبر اعترافا "بحق اليهود التاريخي" فيها، ولكنه ينتظر الوقت المناسب لنشرها.

أول من سينزعج من عودة عمر رجل مثل المخرج السعودي علي الهويريني الذي يرى أن الفتوح الإسلامية كانت تخلفا وأنها كانت نكسة على الإسلام وأنها جلبت العداء للأمة الإسلامية، وقد نعى على جيوش الفتح الإسلامي أنها اتجهت إلى شمال إفريقيا ولم تتجه جنوبا إلى أعماق إفريقيا حيث نيجيريا (تأمل جهله بالجغرافيا!!) وإثيوبيا. لقد كان يدين جيش عمر الذي قاده عمرو بن العاص والذي فتح مصر ثم اتجه إلى الشمال الإفريقي بقيادة عقبة بن نافع وبسر بن أرطأة حتى فتحوا طرابلس، ثم أكملوا فتح تونس في عهد عثمان بن عفان رضي الله عن الجميع. والفضيحة أنه لا يعلم أن الجيوش الإسلامية توغلت جنوبا حتى وصلت إلى دنقلة وفتحت ما بعد الشلال الرابع وبموازاة الشلال الخامس على نهر النيل، أي أنهم لم ينسوا إفريقيا التي يحزن على تركها بلا فتح، على أن حركة الفتوح كانت تستهدف إنهاء الوجود البيزنطي في الشمال الإفريقي الذي كان هو القوة الأساسية التي تواجه الإسلام في سائر جناحه الغربي: في الشام ومصر والشمال الإفريقي. وليس المقام مقام ردٍّ وتفنيد، إنما هو مقام بيان البلوى التي ابتلينا بها، والتي نوردها لنقول كيف كان علي الهويريني سينزعج من عودة عمر التي تعني عودة الفتوحات العظيمة شرقا وغربا.

لم يقف الأمر عند عمر بل تجاوزه إلى آخرين سينزعجون من هو خير من عمر، سينزعجون من عودة أبي بكر الصديق؛ فلقد أخرجت لنا السعودية في العقود الأخيرة من يتهم أبا بكر الصديق أنه مؤسس فكر التكفير، فقد نشرت صحيفة الرياض الرسمية السعودية تقريرا لأحمد الجميعة أستاذ الصحافة بكلية الإعلام بعنوان "الإرهاب لا دين له ولا وطن" (العدد: 13375، بتاريخ 5 فبراير 2005م) كان مطلعه على هذا النحو: "لم يخرج فكر التكفير إلى الوجود بغتة بل إن له جذوراً وسوابق في التاريخ الإسلامي ولعل أول وأهم واقعة تاريخية عبرت عن ميلاد فكرة التكفير في الإسلام هي "حروب الردة" التي خاضها الخليفة أبوبكر الصديق في مطلع عهده"، ثم قال بعد ذلك: "وبذلك تكون حروب الردة أول بيان رسمي يعلن ميلاد أيديولوجيا التكفير".

ترى إذا قيل لهذا أن أبا بكر سيبعث خليفة من جديد، فماذا يكون موقفه من خلافة مؤسس أيديولوجيا التكفير؟!!
بقيت مرتبة أخرى أحط محجوزة لكاتب سعودي آخر أشهر من جميع من سبقوا، ذلك هو تركي الحمد الذي قال هذه الكلمة العظمى، "جاء رسولنا الكريم ليصحح عقيدة إبراهيم الخليل، وجاء زمن نحتاج فيه إلى من يصحح عقيدة محمد بن عبد الله". ولما اشتعلت ضده حملة على تويتر دَعَمَه أستاذ سعودي آخر هو وائل القاسم بقوله: "صدق الدكتور (تركي الحمد) في كل تغريداته التي ألهبت سياطها ظهور القطيع. نعم نحتاج إلى تصحيح عقيدة محمد ودين محمد ونصوص محمد بن عبد الله".

ليست المشكلة هنا في مجرد الكلمة التي يقولها أحدهم، المشكلة في أن قائل هذه الكلمات إنما يحظى بالتقدير والعناية في السعودية، ويوضع في مصاف النخبة المثقفة، وهو يمرح ويصول ويجول على الفضائيات والصحافة ومواقع التواصل في زمن الاعتقالات العامة والتخويف والترويع والإجبار على السكوت وإغلاق حسابات التواصل. ويحدث هذا كله في ذات الوقت الذي تطالب النيابة السعودية فيه بإعدام سلمان العودة وغيره من المشايخ، وتضع قائمة للاتهامات من بينها: تأسيس منظمة لنصرة الرسول!!

إن الذي يتخوف وينزعج من عودة عمر وأبي بكر ومحمد صلى الله عليه وسلم هو من ينوي بناء الكنائس في مهد الإسلام، وعنه تتسرب الأخبار والوعود بقرب بنائها وأن الأمر مسألة وقت، لا بل تتسرب الصور والفيديوهات لمساكن وبنايات اتُّخِذَتْ فعلا كنائس وتجري فيها الطقوس والشعائر المسيحية، فلئن كان صالح المغامسي يحب عمر بن الخطاب حقا فليواجه هذه الوقائع المعلنة والكتابات الصريحة قبل أن يقسم بالله هذا القسم المغلظ على غيب مكنون في الصدور تُكَذِّبه أحوال أصحابه وأعمالهم.

لكن ثمة سؤال هنا: ترى لو بعث عمر بن الخطاب فسأل المغامسيَّ: ماذا فعلت لرفع الظلم عن إخوانك المشايخ أو عن غيرهم من أهل مصر واليمن والشام والعراق.. ترى كيف سيقول المغامسي؟! هل يحب المغامسي حقا أن يبعث عمر بن الخطاب ويزيح آل سعود ويعود خليفة للمسلمين؟!.. هل يجرؤ المغامسي أن يعلن تأييده لإزاحة آل سعود من الحكم وأن يجاهد مع عمر ضدهم؟

ألا صدق القائل: ما شيءٌ أولى بطول حبسٍ من لسان!


الخميس، مايو 16، 2019

أيام ثقيلة: أوضاع العالم الإسلامي في 2019


من المغرب غربا حتى الصين شرقا، ومن نيوزيلاندا جنوبا حتى السويد شمالا، يبدو ثمة خيط متصل من الأزمة العامة لدى البلاد والأقليات الإسلامية.

في أشد لحظات التفاؤل بسقوط الشيوعية كان فرانسيس فوكوياما يضع قسمته للعالم إلى قسمين: "عالم ما بعد التاريخ" الذي يسكنه "إنسان ما بعد التاريخ"، و"عالم التاريخ" الذي يسكنه "إنسان التاريخ"، ووضع فوكوياما حدودا صارمة تضمن أن يتمتع إنسان ما بعد التاريخ بثروات إنسان ما قبل التاريخ دون أن يستطيع هذا الأخير مضايقة الأول في أرضه أو تهديده بسلاح ما، وأعلن أنه يجب التعامل بالقوة مع عالم وإنسان التاريخ. لكن تصدى هنتنجتون للرد عليه  في "صدام الحضارات" فدعاه لأن يكون واقعيا وعقلانيا وأن يبصر أن العالم ينقسم إلى حضارات، كل قوم يعكفون على هويتهم التي تميزهم وينفخون فيها الروح والحياة ويتمسكون بها وينسجون حولها أحلامهم وآمالهم، ومن ثم فيجب علينا أن نحدد من نحن لنحدد من الذين ينبغي أن نكرههم ونعاديهم ونحاربهم! وبالرغم ما بين الرجلين من اختلاف وتناقض إلا أنهما يتفقان أن العقبة الرئيسية التي تواجه الغرب هي الحضارة الإسلامية التي تبدي تصلبا كبيرا أمام التغرب كما أنها تهيمن على مركز الجغرافيا العالمية وأهم الموارد الاقتصادية وبالتالي فالحرب معها محسومة.

بدا عالم ما بعد الثورات العربية أنه تحقيق لهذه التوقعات بقرب الحرب العامة على المسلمين، بل لقد كتب جورج فريدمان في 13 يناير 2015 أن الحرب قد بدأت بين عالم الإسلام وعالم المسيحية، وأن عالم المسيحية مضطر لأن يقاتل الجميع طالما أنه لم يخترع جهازا بعد يمكن أن يفرق بين المسلم الإرهابي وغير الإرهابي!

ولا تزال البيئة الأكاديمية الغربية تكرر فكرة أن المشكلة الرئيسية في كون الإسلام نظاما وليس مجرد دين، فهذا هو "الاستثناء الإسلامي" الذي قدمه شادي حميد، ولهذا فإن محاولة إنشاء دولة إسلامية في النظام الدولي العلماني المعاصر هي محاولة لإنشاء "الدولة المستحيلة" كما قدمها وائل حلاق. وهذه الفكرة قديمة تكررت في كتابات المستشرقين، وبغض النظر عن أهداف قائليها فإن التوظيف العملي المعاصر يفضي إلى التعامل مع الإسلام والمسلمين تعاملا عدائيا كتهديد حضاري خطير.

وقد تفاعلت عوامل متعددة مثل الثورات العربية ونتائجها التي أبرزت التيارات الإسلامية (السياسية في التجارب السلمية، والجهادية في التجارب العسكرية)، وصعود الاتجاهات اليمنية والمتطرفة في أمريكا وأوروبا والهند والصين، لتجعل عالم ما بعد الثورات العربية عالما ساخنا يمور بالاضطراب والحركة والتغيرات اليومية.

وفي هذا الإطار يبدو عام 2019 وكأنه سيشهد واحدة من أكبر موجات التغير الحاسمة في العالم الإسلامي، وهو الأمر الذي حاولت هذه الورقة تقديم تصور عام له، لا يستهدف التحليل والاستشراف بقدر ما يستهدف تقديم الرؤية العامة ووضع المشاهد إلى جوار بعضها لتبدو خريطة العالم الإسلامي متصلة كجسد واحد كما هي في الحقيقة لا كما تجبرنا الدراسات الجزئية المتخصصة على تقطيعها وتجزئتها.

المغرب

يعيش المغرب نذر تجدد حراك الريف الذي انطلق قبل أعوام قليلة ولكنه أُخْمِد وأودع رموزه السجن وكان من أبرز ما فتَّ في عضده أنه جاء في زمن انتصار الثورات المضادة، لكن الحراك الذي تشي به صفحات التواصل الاجتماعي وبعض المشاهد في مدرجات الكرة تقول بأن التململ لم يسكن تماما، والآن حين نجح الجزائريون في إسقاط بوتفليقة تجددت هذه الروح في جيرانهم المغاربة، وبدأ يزداد ويتواصل ما يعتبره البعض نذر تجدد الحراك من جديد.

كما يعيش المغرب حرجا آخر قد يؤثر على موقف السلطة يتعلق بصفقة القرن، وذلك أن ملك المغرب هو رئيس لجنة القدس التي انبثقت من منظمة المؤتمر الإسلامي ويفترض أنها المعنية بالدفاع عن القدس وتراثه وفيها مؤسسة بيت مال القدس الذي يفترض به رعاية شأن السكان والصحة والتعليم ونحو ذلك.

لهذا، يقدِّر البعض أن تفاعل المطالب الداخلية مع لحظة صفقة القرن قد يؤدي إلى حراك جماهيري في المغرب الذي ظل قصيًّا عن الربيع العربي، بعدما احتوى الملك موجتها الأولى بحكومة العدالة والتنمية فنزع بذلك فتيل الحراك الشعبي.

الجزائر

وإلى جوار المغرب تعيش الجزائر تداعي انتفاضتها التي أسقطت بوتفليقة وتواصل السعي نحو استكمال طريقها في لعبة شد الأعصاب وعض الأصابع مع النظام العسكري وأبناء فرنسا، ويبدو المشهد الجزائري حتى الآن تكرارا للنموذج المصري، المتمثل بإعادة تلميع العسكر الجزائري الذي يحتكر إدارة المشهد في زاوية الغموض والظلام بلا مشاركة مع أطراف شعبية وبحرص شديد على التذرع بالقانون والدستور لإبقاء الأحوال على ماهي عليه، بل يصل التشابه إلى تفاصيل صغيرة مثل القبض البطيئ المتدرج على عصابة النظام القديم، والتجاذب الحاصل بين فريق العسكر وبعض فريق أبناء فرنسا، وحالة الشيطنة العامة للإسلاميين.

وأشد ما يعاني منه الوضع الجزائري هو ضعف الصوت الممثل لعموم الشعب وغياب القيادة الممثلة للحراك التي تستطيع أن تضع نفسها طرفا في صناعة القرار، وهو التهديد الذي يجعل كل الحالة الثورية الجزائرية معرضة للسرقة والاحتواء وتجديد نفس النظام القديم بوجوه أخرى.

ثم تزيد الجزائر عن الوضع المصري مشهد تفجير الملف العربي الأمازيغي الذي تعمل أطراف كثيرة على تغذيته الدائبة، ومشهد التفزيع والتخويف الدائم من العشرية السوداء التي لم تندلع إلا بسبب سياسة العسكر الجزائريين أساسا والتي هي تهديد مبطن بأنهم قد يكررونها مرة أخرى!

تونس


وإلى جوار الجزائر تقبل تونس تقبل على مرحلة انتخابات قادمة ستكون هي المقياس الأخير للخيط الرفيع المتبقي من ثوب الثورة التونسية. ذلك أن رهان حركة النهضة وحلفائها الذين مثلوا حكومة ما بعد الثورة قام على قاعدة التنازل المستمر للحفاظ على مكسب التحول الديمقراطي، حتى جرى تسليم البلد مرة أخرى لممثلي النظام القديم بأشخاصهم وبشرعية كاملة، مقابل أمل منشود أن تظل الآلية الديمقراطية هي الآلية الوحيدة المعتمدة في تكوين هياكل السلطة.

وبناء على هذا التصور يترقب الجميع وضع الانتخابات المقبلة، فإن كانت انتخابات نزيهة وحصل فيها تبدل لمواقع السلطة والمعارضة فهذا يعني أن الثورة التونسية ما يزال فيها رمق وروح وإن كانت الأخرى فستكون هذه الانتخابات هي إسدال الستار على مشهد الثورة وإعلان تنصيب النظام القديم الذي نجح في احتواء الثورة وركوبها وإعادتها إلى ملعبه.

على أن الأوضاع في ليبيا والجزائر ستكون حاسمة في سلوك السلطة في تونس، فإن استطاع حفتر اقتحام طرابلس واستطاع العسكر الجزائريون امتصاص الثورة أو السير في طريق إخمادها فالأغلب أن سلطة السبسي ستتعامل بنفس الفجاجة والعنف المعتاد من نظام بن علي، وإن كانت الأوضاع في ليبيا والجزائر على العكس من هذا فإن الميزان سيميل إلى صالح الروح الشعبية.

ليبيا


إلى جوار تونس تعيش ليبيا واحدة من أحرج فصول ثورتها، حيث لا يزال حفتر على أبواب طرابلس مدعوما بالقوى الإقليمية (خصوصا: مصر والسعودية والإمارات) والدولية (خصوصا: أمريكا وفرنسا بالإضافة إلى الأمم المتحدة)، دعما سياسيا وعسكريا. فيما يتواصل الضغط على القوى الثورية التي تفتقد القيادة الحقيقية الجامعة وتتحرك في ظل هامش ضيق من المساحة السياسية والدعم المفقود بعد تضعضع أحوال الحلفاء في قطر وتركيا والسودان، فالحصار حول قطر واتهامها بدعم الإرهاب أدى إلى انسحابها من ملفات عديدة وتقليص الحركة في ملفات أخرى كذلك فإن المشكلات الداخلية والخارجية في تركيا تجعل من مسألة ليبيا مسألة متأخرة في جدول الأولويات العاجلة، كما أن انهيار نظام البشير في السودان والذي كان –لأسباب وموازنات خاصة- داعما لحكومة طرابلس ضد حفتر وتبدل الوضع فيها لصالح المحور السعودي الإماراتي، كل هذا يعود بالضعف على حالة القوى الثورية في طرابلس.

ومما يزيد في أزمة ثوار طرابلس ومن انحاز إليهم أنهم فيما يخوضون المعارك عسكريا عند طرابلس فإنهم يفقتدون المقاتل الصلب في دهاليز السياسة أمام مكر مبعوثي الأمم المتحدة والوسطاء الدوليين.

مصر


إلى جوار ليبيا يبدو المشهد المصري أكثر استقرارا، لكنه الاستقرار الذي لا يضمن أحد متى ينفجر، فبحسب العديد من التقارير الصادرة عن الاتحاد الأوروبي ومؤسسات دولية ومراكز بحثية تبدو الساحة المصرية مُنْذِرة بانفجار لا يُدرى متى هو ولا كيف يكون.

إلا أن هذا ليس الأمر الوحيد الذي يثير سكون المشهد المصري، بل إن التحرش الجديد بتركيا حول الحدود المائية وعمليات الحفر والتنقيب عن غاز شرق المتوسط يُنذر بتطورات متسارعة في ظل التصريحات التركية العازمة على التنقيب أمام التصريحات الأمريكية والمصرية والقبرصية، وفي السنوات القليلة الماضية تطور سلاح البحرية المصرية تطورا مثيرا للنظر وهو الأمر الذي لم يحدث منذ نحو قرنين بعد تدمير أسطول محمد علي باشا وفرض معاهدة لندن التي سرَّح فيها أسطوله، ولم تحاول مصر منذ ذلك الحين تطوير أسطولها البحري لا في عهد الاحتلال ولا في عهد العسكر، إلا ما كان مؤخرا من نظام عبد الفتاح السيسي، وهو ما يتأكد يوما بعد يوم أنه إعداد ضمن حلف مصري إسرائيلي يوناني ضد تركيا.

ثم يأتي بعد ذلك ملف صفقة القرن الذي هو الملف الأكبر للسيسي ليحصل على الرضا الأمريكي (ومصطلح "صفقة القرن" نفسه إنما سُمِع لأول مرة من السيسي في حضرة ترامب في أول محاولة لتسويق نفسه لديه)، والمؤكد أن مصر ستتولى على الأقل استقبال نزوح فلسطيني غزي في سيناء، ولا زال السيسي منذ تولى وهو يُجَهز سيناء لهذا الوضع بداية من حفر قناة السويس الجديدة التي تضاعف عزلة سيناء والتخلي عن تيران وصنافير وعن الضفة الغربية لخليج العقبة (تحت زعم المشاريع والاستثمار) وإصدار قوانين تبيح تملك الأجانب في سيناء وتهجير رفح المصرية وإزاحة سكانها إلى الغرب في عمق سيناء. كل ما سبق يجعل الأيام القادمة في مصر أياما مضطربة وساخنة كذلك.

السودان


إلى الجنوب من مصر تعيش السودان فصلا آخر خطيرا من أيامها بعد الانقلاب العسكري الذي امتطى الحراك الشعبي وأزاح عمر البشير، والآن يتولى أمر المجلس العسكري رجال معروفون بالتواصل القوي مع السعودية والإمارات إذ هم مهندسي المشاركة السودانية في حرب اليمن، فوق أنهم شركاء في فساد نظام البشير نفسه، فضلا عما رشح من سياستهم التي تضع السودان في المحور السعودي الإماراتي المصري، وتثير العداء مع المحور التركي القطري، ومع ذلك كله فإن نوايا البقاء في السلطة مسيطرة على تصريحاتهم بتطويل الفترة الانتقالية وهو ما يثير المخاوف مجددا من إخماد الثورة السودانية بالترغيب والترهيب، بالمذبحة والمناورة.

الخليج


إلى الشرق من مصر والسودان يعيش الخليج على صفيح ساخن، الإجراءات التي يتخذها محمد بن سلمان لتحطيم ما هو راسخ في المجتمع السعودي بل وحتى في تقاليد الأسرة الحاكمة، ثم السياسات الاقتصادية الجديدة، كل هذا يؤدي إلى توترات متسارعة وانهيارات لا يزال أغلبها مكتوما تحت القبضة الأمنية العتيدة، إلا أن لحظةً –لا يبدو أنها بعيدة- مثل وفاة سلمان قد تسفر عن خروج المكتوم إلى السطح، وساعتئذ سيكون الاختبار الحقيقي لسياسة ابن سلمان وتمكنه، فإن استطاع تجاوز اللحظة فقد تمَّ له الأمر، وإن لم يستطع فإن البلاد ستدخل في دوامة لا يُستطاع توقع آثارها وتفاعلاتها، ذلك أن نحو مائة سنة من حكم الأسرة السعودية الثالثة قد يؤدي انهيارها لحالة شبيهة بالتمزق القبلي والاضطراب السياسي الذي كان سائدا قبل عبد العزيز، إضافة إلى الحزازات التي صنعها حكم آل سعود ليس في نفوس القبائل فحسب بل في المحيط السعودي نفسه في قطر واليمن وإلى حد ما في عمان والكويت.

ومن المؤكد أن أي اضطراب في السعودية سيساوي اضطرابا يشمل الخليج والمنطقة، إذ أن الانقسام الحالي في الخليج يُرَتِّب انقساما طبيعيا داخل الأسرة الحاكمة السعودية في لحظة البحث عن بديل، وفيما تظهر قطر كأول المستفيدين والحريصين على إزاحة جناح بن سلمان تظهر كلا من الكويت وعمان في نفس هذا المعسكر وإن في مرحلة متأخرة وبدرجة أقل من الحرص.

ومع هذا فإن ثمة ملفان كبيران يمكن أن ينفجرا في أي وقت، لا سيما وقت وفاة سلمان، وهما دور السعودية في صفقة القرن المرتقبة وإلى أي حد يمكن أن تمرَّ موجة التطبيع العنيفة التي تفرضها السلطة السعودية شعبيا على مجتمع ساد فيه إلى الأمس التدين السلفي. والثاني هو ملف الاستنزاف المستمر في حرب اليمن والتي تشهد تقدما للحوثي على الأرض وسيطرته على المزيد من المناطق كما أنه استطاع تهديد الأجواء السعودي بقصف صاروخي متكرر وطائرات مُسَيَّرة.


اليمن


بحسب تقرير صادر عن منسقية الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في اليمن (7 مايو 2019م)، فإن اليمن يشهد أسوأ أزمة إنسانية في العالم، حيث يحتاج نحو 80% من سكانه إلى الحماية أو مساعدات إنسانية، وأكثر من ثلثي المديريات اليمنية (230 من 333 مديرية) تواجه خطر المجاعة، وأن التمويل لخطة الاستجابة الإنسانية لم يتحقق منها سوى 14% من احتياجات تقدر بأكثر من 4 مليارات دولار.

بينما يشهد الوضع السياسي في الجملة تقدما مستمرا للحوثيين وسيطرتهم على العديد من المناطق، وضعف وتراجع المقاومة التي تعاني من نقص الدعم المتوفر من الحلفاء، ففي ظل الانقسام في الموقف بين السعودية والإمارات من ناحية وقطر من ناحية أخرى فقد أدَّى هذا إلى تراجع الدور القطري في اليمن، ثم إن الخلاف في الأهداف بين السعودية والإمارات ألقى بآثاره على الأوضاع على الأرض حيث تهتم الإمارات بالسيطرة على اليمن الجنوبي والموانئ وجزيرة سقطرى ولا تهتم كثيرا بما يجري في الشمال فضلا عن عدائها الأصيل لحزب الإصلاح (الإخوان المسلمين) الذي يتولى مقاومة الحوثي في مناطق عمقه القبلية، بينما السعودية تهتم أكثر بما يجري في الشمال اليمني وتضع عينها أكثر على ميناء الحديدة الواقع غربي اليمن على ساحل البحر الأحمر، كما أن سياستها منذ بداية الحرب هي إعادة الحوثي للمفاوضات وليس التمكين للإصلاح، وهو الأمر الذي حدَّد سياسة السعودية في دعم الحوثي إلى أن انقلب الأخير عليها باحتلاله صنعاء ليلة وفاة الملك عبد الله.

الأردن


إلى الشمال من السعودية سيكون ملف صفقة القرن هو المثير للاضطرابات، وقد بدأت الأردن تشهد هذا التوتر المكتوم، والذي تختلف فيه التحليلات، إذ يبدو ملك الأردن رافضا لصفقة القرن ومعترضا عليها، وقرارات العزل لمجموعة من رجال الاستخبارات، بل وما يتسرب من قرارات تحفظ واعتقال لنافذين في الأسرة الملكية، تشي بأن ثمة ما يدور في الدهاليز، وهذا الوضع يفسره بعض المحللين باعتبار أن الأردن إذا فقد ورقة القدس والقضية الفلسطينية فلن يعود له دور إطلاقا في السياسة الإقليمية، وذلك ما يفسر تمسك الملك بالأوضاع السابقة على صفقة القرن.

بينما يذهب آخرون إلى أن الملك يمارس نفس المسرحية التي مارسها أبوه الراحل الملك حسين من قبل في حرب الخليج الثانية، ففي ذلك الوقت انقسم الموقف العربي من احتلال صدام للكويت فاتخذ الملك حسين موقفا غير متوقع وهو تأييده لموقف صدام، وقد سَوَّق صدام موقفه هذا بأنه بداية لتوحيد الأمة العربية لتحرير القدس وتمثل في هذا بصلاح الدين الذي وحَّد مصر والشام قبل تحرير القدس كما تذرع بالإسراف والترف الذي تعيشه دول الخليج ثم بالتحالف الدولي الذي تكون ضدَّه بقيادة أمريكا، وبتصريحاته المتكررة بقصف إسرائيل (وهو ما نفَّذ رشقات منه فيما بعد)، ومن ثَمَّ فقد كان الموقف الفلسطيني مدفوعا بالرغبة أولا في نجاح الخطة أو في تصديق وجود قيادة عربية تتأهب لتحرير القدس ثم مدفوعا بخريطة المعسكرات التي تكونت ضد العراق ليقف إلى هذا الجانب، وحيث يشهد الأردن كتلة شعبية كبرى من الفلسطينيين المهجرين بعد نكبتي 1948 و1967 فإن أي وقوف ضد العراق في ذلك الوقت كان يعني اضطرابا خطيرا على النظام السياسي، ولكن الملك حسين استطاع أن يمتص الغضب الأردني (والفلسطيني خصوصا) في الأردن عبر اتخاذه موقف التأييد والمساندة لصدام حسين (في مشهد مستغرب على طبيعة الملك وسياساته من قبل ومن بعد)، حتى إذا تم احتواء المشهد وقُصِف العراق عاد الملك سيرته الأولى.

بعض التحليلات تستدعي هذه الصورة لتستنج أن موقف الملك الحالي في نفس إطار امتصاص الغضب الشعبي عبر التظاهر بالوقوف في جانبهم إلى أن يتم الأمر لتعود الأمور سيرتها الأولى، ويشهد لذلك لقاءاته بالمعارضة الإسلامية وحضوره المؤتمرات والفعاليات المعنية بمسألة القدس وتقديم خطاب مرتفع اللهجة ليس معتادا منه.

سوريا


إلى الشمال من الأردن لا تزال الأوضاع في سوريا على صفيح ساخن، ويبدو أن الخلاف حول إدلب دخل في مرحلة التفجير بين أطراف القضية: الروسي والتركي، وهو خلاف يدخل على خطه التدخلات الإيرانية والأمريكية والإسرائيلية والأوروبية، فعلى خلاف ما استقر عليه الوضع في مؤتمرات آستانة وسوتشي وتفاهمات القمم التركية الروسية الإيرانية، فقد بدأت القوات السورية مدعومة بالقصف الجوي الروسي بمهاجمة المناطق التي كانت تركيا هي الضامن فيها لوقف إطلاق النار في ظل صمت تام من الجانب التركي، بل لقد تعرضت بعض نقاط المراقبة التركية لقصف من القوات السورية، وهذه المناطق هي التي تجمعت فيها القوى الثورية المسلحة التي هُجِّرت من المناطق المختلفة تدريجيا، فضلا عن المجموعات الجهادية التي لا تملك خيارا آخر. ويعد هذا التطور الأخير هزيمة للسياسة التركية وتدميرا لأهم أوراقها في الملف السوري.

وهذا الهجوم الأخير، سواء كان لفرض المنطقة العازلة التي تمخضت عنها تفاهمات سوتشي أو هو هجوم يعبر عن خلاف تركي روسي، فإنه في النهاية يقلص المساحة التي تعمل فيها المجموعات الجهادية وبقية القوة الثورية السورية، وثمة مؤشرات لوجود خلافات تركية روسية حقيقية بما يعني أن فرض المنطقة العازلة نفسه وما ينتج عنه من موجة نزوح جديدة إنما يساوي خسارة متزايدة للثورة السورية التي تضعضع أمامها موقف الحليف التركي الضامن، وهو ما يعني بالضرورة أن تآكل مساحات المحرر مستمر ولو على المدى المتوسط، إلا أن يتغير الظرف الإقليمي والدولي تغيرا حادا.

وبعيدا عن مشهد إدلب فإن مجموعة الأطراف الدولية تمارس تدخلها وتكوين تحالفاتها وأذرعها في ملف المسلحين وملف القوات الكردية في مناطق الشمال السوري، وهو لا يزال ملفا حافلا بالتناقضات والمصالح المتضاربة وإن يكن الآن أسكن من الملف المتفجر في إدلب.

ثم تأتي بعد ذلك عاصفة صفقة القرن التي ستلقي بظلالها على الوضع السوري لا سيما بعد حسم مسألة الجولان بقرار ترامب، وبعد سلسلة الضربات الموجهة للقوات الإيرانية ومراكز الأسلحة في سوريا.

العراق


إلى الشرق من سوريا تأتي العراق، ولا يزال العراق يحتفظ بجيوب تنظيم الدولة الذي تناثر وتمزق بعد هزائمه في الموصل والرقة والباغوز، وهذه المجموعات التي تناثرت في الصحراء لا يبعد أن تعيد تكوين نفسها من جديد. يرى البعض أن تنظيم الدولة لا بد سيعيد تكوين نفسه لكونه تنظيما عقائديا صلبا لا يُستغرب أن يتحول من حرب المواجهات المفتوحة إلى حرب العصابات التي كان عليها قبل 2014، ويرى آخرون أن تنظيم الدولة –لا سيما بعدما لحقه من هزائم- صار كشركة مساهمة مخترقة من عدة أطراف، وهذا يعني ضمن ما يعني أن قرار إعادة تنشيط بعض المجموعات قرار يمكن لطرف إقليمي أن يتخذه ضمن أوراقه في الخريطة السياسية. والمقصود أنه بغض النظر عن تحليل بنية التنظيم فإن احتمال عودته لا تزال مطروحة.

وبعيدا عن تنظيم الدولة فإن التوتر الشعبي العام في العراق نتيجة الفساد الضارب أطنابه في الحكومة العراقية في بغداد وانهيار الخدمات وتعدد الحوادث وكثرة الميليشيات المسلحة وما بينها من صراع معلن أحيانا ومكتوم أحيانا أخرى على مساحات النفوذ، كل هذا يضيف مزيدا من أسباب المعاناة في العراق ويجعل الاستقرار فيه أمرا بعيد المنال في المدى المنظور.

كذلك فإن التململ الدائم في المنطقة الكردية التي تَعَرْقَل إعلان انفصالها بعد التحالف الإيراني التركي مؤخرا لا يعني أن هذا الملف طويت صفحته، إذ لا يزال الملف الكردي واحد من أهم الملفات التي تعبث بها القوى الدولية لاستنزاف إيران وتركيا، وفي حال حصول أي تغير كبير في أي من هذين البلدين فإن الأكراد في العراق هم الجزء الأهم والأقوى ضمن المجموعات الكردية الأخرى وهو الجزء المؤهل للانفصال، مما سيكون له تداعيات خطيرة.

ومع هذا كله، إلا أن أخطر ما سيؤثر على العراق هو هذه العاصفة القادمة على إيران، فلا تزال العراق تحت النفوذ الإيراني على الحقيقة، وفي ظل ما تشهده إيران من تصعيد متسارع ضدها فلا بد أنها ستحاول من جديد استعمال أوراقها في العراق بما في ذلك أوراق المقاومة المسلحة ضد القواعد الأمريكية هناك، وهو ما سيعيد تشكيل وضع الخريطة العراقية التي لا يبعد أن تشهد من جديد صحوة لتنظيم الدولة أو القاعدة أو حركات المقاومة السنية (فضلا عن الشيعية في الجنوب) كنوع من دفاع إيران المبكر عن نفسها.

وقبل الانتهاء من هذه الأسطر حذرت واشنطن رعاياها من السفر إلى العراق بسبب التوترات المتصاعدة، ونبهت على رعاياها داخل العراق بتوخي الحيطة والحذر والابتعاد عن التجمعات العامة.

إيران


إلى الشرق من العراق تعيش إيران الآن فيما يبدو واحدة من أحرج لحظاتها مع هذا التصعيد الأمريكي المستمر ضدها، والذي لم تملك أوروبا أن تصمد فيه أمام الرغبة الأمريكية بالانسحاب من الاتفاق النووي، فبعد قليل من التباطؤ والاعتراض الرسمي التحق الاتحاد الأوروبي بالركب الأمريكي، وبدأت سلسلة من العقوبات الأمريكية الإضافية على إيران وتوسيع نطاقها، حتى صرح وزير الخارجية الأمريكي بأن الهدف هو حرمان إيران من صادرات النفط تماما الذي يشكل المصدر الرئيسي للدخل. وإلى لحظة كتابة هذه السطور تتصاعد التهديدات الأمريكية والتصريحات الإيرانية المقابلة.

تعد إيران في هذه اللحظة في واحدة من أشد لحظات ضعفها بعد الاستنزاف المستمر الطويل في سوريا والذي أهلك صفوة قوتها العسكرية والمالية، وانتهى الأمر إلى دخول روسيا إلى المشهد السوري وامتلاكها القرار الأعلى، فلم تستطع إيران رغم كل هذا النزيف المستمر أن تحتفظ بسوريا كحليف قوي أو كمنطقة نفوذ خالصة، ومن هذه الزاوية تعد القضية السورية واحدة من الخسائر التي تكبدتها إيران، لا سيما بعدما بدأت إسرائيل تنفذ قصفا جويا على مخازن أسلحة وقوات إيرانية في سوريا في مشهد قد يشير إلى انتهاء فترة التهادن الإيراني الإسرائيلي الذي استهدف الحفاظ على نظام الأسد لتبدأ فترة تصفية النفوذ الإيراني في سوريا.

وسواء تطورت الأمور نحو حرب عسكرية ضد إيران أو وقفت عند العقوبات الاقتصادية والحصار السياسي فإن الأيام القادمة في إيران ستكون عصيبة بكل المعاني، لا سيما الوضع الداخلي الذي قد يلقي بانعكاساته على الانكماش الإيراني في عدد من المفات الخارجية، ففي النهاية لن تستطيع إيران بعد العقوبات الاقتصادية القاسية أن تواصل دعم أذرعها ونشاطها عبر العالم مثلما كانت من قبل.

تركيا


إلى الشمال الغربي من إيران تأتي تركيا، وتركيا تشهد الآن واحدة من أشد لحظات أزمتها وضعفها الداخلي والخارجي أيضا، فهي متورطة في إدارة مناطق الشمال السوري، وهي ضامنة لمنطقة إدلب التي تنهار الاتفاقيات حولها.

ومن وجهة نظر تركيا فإن إدارتها لمناطق الشمال وضمانها لوضع إدلب هما الورقتان اللتان تنتظر فيهما تركيا تنفيذ بقية الأطراف لتعهداتها بشأنهما، لقد سارت الأحداث في سلسلة يمكن وصفها من زاوية تركية بأنها كالآتي: تركيا فعلت كل ما أمكنها لمنع تطور المشكلة السورية إلى مشكلة كردية داخلية، وقد استلزم هذا أن تكون طرفا مغلوبا على أمره في التفرج على تصفية الثورة السورية في سائر المناطق وتهجير المسلحين إلى إدلب في الشمال، على أمل أن يحترم الآخرون تعهداتهم فيما بعد، والآن: يبدو أن هؤلاء الآخرين يتنصلون من هذه التعهدات لتكون تركيا في ورطة عظيمة مع روسيا التي تحتاجها بشدة في ظل العلاقات المتوترة مع الاتحاد الأوروبي والأمريكان، وهي الحاجة التي تعرفها روسيا وتضغط بها لتفعل ما تشاء رغم أنف تركيا الحليف المضطر إليها!!

استمرار القصف على إدلب فضلا عن تدميره لأهم ورقة تركية في الملف السوري فإنه سينتج موجة نزوح جديدة إلى الأراضي التركية أو إلى الأراضي التي تديرها تركيا في الشمال السوري، وهو ما يمثل عبئا إضافيا، كما أنه –وهو الأهم والأخطر- يؤدي بالضرورة إلى تدمير الورقة الثانية في مناطق الشمال السوري، ففضلا عن أنه لا يمكن ضمان التزام الروس والإيرانيين بتعهداتهم فيها فإن تعدد الفصائل والمجموعات العسكرية وتعدد ولاءاتها ووقوعها ضمن منطقة تشتبك فيها قوى دولية مختلفة يمن سينضاف إليهم من المجموعات الجهادية من إدلب، كل ما سبق سيجعل تركيا تفقد الورقة الثانية وتخرج من الملف السوري لا بخفي حنين بل بخسائر سياسية واقتصادية وعسكرية كبيرة، فضلا عن تغير الخريطة الجيوسياسية التي تجعل الملف الكردي يتحول إلى درجة أكثر خطورة.

دوليا يتواصل الابتزاز الدولي لتركيا، وبدا هذا واضحا في الحفاوة الدولية بذكرى مذبحة الأرمن هذا العام، كذلك فإنه إذا صدقت التسريبات وأصدر ترامب قرارا بإعلان الإخوان جماعة إرهابية فسيكون هذا ورقة جديدة في ملف الضغط والإحراج والابتزاز السياسي الدولي لتركيا.

داخليا تعيش تركيا أزمة أخرى، إذ أوضحت الانتخابات البلدية الأخيرة تراجعا واضحا في التأييد الشعبي لحزب العدالة والتنمية، ويعتبر خسران الحزب لمقاعد أنقرة واسطنبول هزيمة رمزية مؤثرة وإن كانت لا تؤثر كثيرا على مجمل سياسة البلديات الفرعية التي ظل الحزب ممسكا بأغلبية كبيرة فيها، وفي لحظة كتابة هذه السطور أعلنت اللجنة العليا للانتخابات عن قرارها إعادة الانتخابات في اسطنبول، وهو ما يجدد المناخ الانتخابي الاستقطابي مع أنه قد يكون فرصة ثمينة للحزب لإعادة الاعتبار إلى صورته، إلا أنها فرصة محفوفة بمخاطر إثارة الفوضى من قبل المعارضة التي توحد فيها الطرفان النقيضان (حزب الشعب الجمهوري الأتاتوركي وحزب الشعوب الديمقراطي الكردي! مع أن الحزب الثاني يتأسس على المظلومية الكردية التي أنتجها الحزب الأول، ومع أن الحزب الأول يتأسس على الوحدة التركية التي لا تعترف بأعراق أخرى).

لكن نتائج الانتخابات الماضية أسفرت –ضمن ما أسفرت- عن ارتفاع أصوات معارضة داخل الحزب كان من أهمها رسالة رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، وهو ما أثار توقعات بنيته تأسيس حزب جديد يتألف من الشخصيات التي تركت حزب العدالة والتنمية مثل الرئيس السابق عبد الله جل ووزير الاقتصاد الأسبق علي باباجان وآخرين. وهي خطوة إذا حدثت ستسبب مزيدا من ضعف السياسة التركية ومزيدا من الضعف في حاضنتها الشعبية.

وما إن أعلنت اللجنة العليا للانتخابات قرارها بإعادة الانتخابات في اسطنبول حتى شهدت الليرة التركية انهيارا حادا في قيمتها، يبدو أنه سيتواصل في الأيام القادمة، وهذا الضغط الاقتصادي هو واحد من أهم أسباب التراجع السياسي لحزب العدالة والتنمية، فالاقتصاد التركي برغم قوته إلا أن بنيته كسوق مفتوح تجعل تأثر العملة ينعكس سريعا على الأسعار فيطال هذا المواطن البسيط بشكل مباشر.

أفغانستان


إذا عدنا إلى إيران واتجهنا شرقا فسنجد وضعا ملتهبا آخر في أفغانستان، فقد اختتمت قبل أيام قليلة جولة المفاوضات السادسة بين طالبان والأمريكان في الدوحة دون نتائج تذكر، بينما تواصل قوات طالبان العمليات ضد القوات الأمريكية وقوات الحكومة الأفغانية العميلة، وما رشح عن جولة المفاوضات من الحديث حول سلاح طالبان والاعتراف بحكومة أفغانستان يدل على أن مشوار المفاوضات لم يدخل بعد في سياق الجدية، بل يميل الباحث إلى اعتقاد أن هذه المفاوضات مجرد محاولة أمريكية لدراسة عقل قيادة طالبان وتوجهاتها أكثر منها مفاوضات حقيقية، في محاولة لتحقيق تقدم لم تستطع القوات الأمريكية تحقيقه من خلال العمليات العسكرية. وإذا صحَّ هذا فمعناه أن المفاوضات تسير إلى طريق مسدود وأنه سيعقبها التهاب الوضع مجددا في أفغانستان في محاولة من كلا الطرفين لدخول الجولة القادمة وقد صارت لهم على الأرض أوراق جديدة.

باكستان


شهدت نهاية شهر فبراير الماضي تصعيدا عسكريا مفاجئا بين الهند وباكستان، حيث اقتحمت مقاتلات هندية الأجواء الباكستانية وتصدت لها مقاتلات باكستانية وأسفر الاشتباك عن تحطم مقاتلتين هنديتين وأسر طيار هندي، وتسارع المشهد بإغلاق الهند أربع مطارات في شمال البلاد، وبدأت حرب تصريحات وتحركات على الأرض حتى إن باكستان سحبت عددا من قواتها من الحدود الأفغانية لتحشدهم نحو الحدود الهندية، وفيما بدا الخطاب الباكستاني حريصا على التهدئة ونزع فتيل الأزمة بدا الخطاب الهندي عنيفا وحاد اللهجة. فيما يبدو نزع فتيل الأزمة بالإفراج الفوري الباكستاني عن الطيار الهندي الأسير، وهدأت الأمور.

قبل هذه الواقعة بثلاثة أيام فقط كان قاسم سليماني يطلق تصريحات نارية ضد باكستان بعد تفجيرات زاهدان، ويتهم باكستان بأنها تسمح بنفوذ واسع للمال السعودي الذي يصنع الإرهاب ويعبر الحدود إلى إيران. وقبلها بأيام أخرى كان محمد باقري رئيس هيئة الأركان الإيراني يهدد بأن إيران قد تمارس ضرب مراكز "الإرهاب" في باكستان بنفسها. ولكن ما لبثت أن وقعت عملية أخرى في إبريل قُتل فيها جنود باكستان وأعلنت باكستان أن المنفذين إنما جاءوا من إيران. وعند نهاية شهر إبريل أعلن المسؤولون في البلدين تشكيل قوة مشتركة لمكافحة الإرهاب. وقرأ البعض في هذه الخطوة محاولة من باكتسان لتقوية الصلة بإيران في مواجهة الخطر المحتمل الذي تتوقعه من الهند.

انعكست هذه الأحداث على الداخل الباكستاني، إذ نشطت السلطات الباكستانية في تتبع ومراقبة المدارس والمعاهد الدينية بذريعة مكافحة الإرهاب، لسحب الذريعة من الهند ومن إيران وكخطوة تحاول بها جذب الأمريكان إلى صفها فيما يمكن أن يحدث بين البلدين، وهذه السياسة الأمنية الداخلية تزيد من التوتر العام في باكستان لا سيما منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر وحرب أفغانستان وما تبعها من مواجهات دامية متعددة الفصول.

الأقليات الإسلامية


إلى الشرق من باكستان تبدأ قصة الأقليات الإسلامية بعد اختفاء الدول الإسلامية (فيما عدا بنجلاديش التي سيأتي الحديث عنها ضمن أقلية الروهينجا)، وستُكْمِل الأقليات الإسلامية خط الأزمة الملتهب في الهند، وفي بورما، وفي تركستان الشرقية.. فضلا عن خط الأزمة المتصاعد لدى الأقليات الإسلامية في أوروبا وأمريكا.

1. الهند: بدأت في الهند الانتخابات البرلمانية يوم 11 إبريل الماضي وينتظر إعلان نتيجتها يوم 23 مايو الجاري، والهند دولة ذات نظام برلماني، بما يعني أن هذه هي الانتخابات الأهم هناك. هذه الانتخابات ربما هي الأعسر على المسلمين منذ استقلال الهند قبل سبعين سنة، فبالرغم من أن الأقلية الإسلامية في الهند هي أكبر الأقليات المسلمة في العالم، إلا أنها تُواجَه بخطاب طائفي عنصري هندوسي بغيض، فالحزب الحاكم الذي فاز في الدورة الماضية وتعد المؤشرات في صالحه أيضا لهذه الانتخابات يعمل على تحويل الهند من دولة ديمقراطية علمانية إلى سياسات يمينة عنصرية هندوسية، وقد جاء هذا الحزب في وقت مواتٍ تماما، مع وجود ترامب في البيت الأبيض، فضلا عن العلاقة المتميزة التي يتمتع بها مع إسرائيل، وكذلك مع دول الخليج ولا سيما الإمارات التي تدعم بقوة وسخاء السياسات اليمينية ضد المسلمين والمنظمات الإسلامية في الهند، ويعول الحزب الحاكم على الفوز مجددا بما يتيح له تغيير الدستور لحساب تمكين الطائفة الهندوسية وتقليص المساحات الممنوحة للآخرين لا سيما الأقلية المسلمة. وقد حملت الدعايات الانتخابية عددا من الشعارات التي تهدد بإنهاء الوجود الإسلامي في الهند.

2. سريلانكا: إلى الجنوب من الهند ثمة حملة عاتية تجري على المسلمين في سريلانكا، بعد التفجيرات الأخيرة التي كانت بمثابة الشرارة لسياسات أمنية عنيفة تجاه المساجد والجمعيات الإسلامية، فضلا عن موجة أخرى من خطاب الكراهية والتحريض ضد المسلمين في سريلانكا، وفيما يبدو فإن هذه الحالة ستتحول إلى أوضاع قانونية جديدة تزيد من معاناة المسلمين الذين يعانون أصلا من السياسات الحكومية هناك.

3. الروهينجا: لا تزال مأساة الروهينجا قائمة في ظل غض الطرف دوليا عن سياسات الحكومة في بورما رغم التقارير العديدة التي أصدرتها المنظمات الدولية بما فيها الأمم المتحدة نفسها، وهو الوضع الذي سمح باستمرار حملة الحكومة في بورما على أقلية الروهينجا التي تجد نفسها بين جحيم المجموعات البوذية المتعصبة المتسلحة بالدعم الحكومي وبين إغلاق الحدود أمامهم كمهاجرين في تايلاند، أو الأوضاع القاسية شديدة السوء في ملجئهم الوحيد المتاح في بنجلاديش في مخيمات مبنية من القش والخشب والأقمشة في مناطق ذات مناخ مطير تتجدد فيه السيول والعواصف وتنتشر فيه أمراض الأحراش والغابات. ولا تبذل حكومة بنجلاديش شيئا ذا أثر لهؤلاء اللاجئين، بل على العكس فهي تتاجر في أموال الإغاثات القليلة المقدمة إليهم من منظمات إنسانية محدودة، إذ أن حكومة بنجلاديش تحتل مرتبة متقدمة في سلم الفساد، فضلا عن النظام السلطوي الديكتاتوري العلماني والذي تحولت البلاد تحت سلطته إلى واحدة من أفقر دول العالم.

4. تركستان الشرقية: ثم إلى الشرق من بنجلاديش الأقلية المسلمة المنسية: التركستان الشرقية، شعب الأويغور الذي يشهد واحدة من أعنف وأعتى وأشرس حملات الاعتقال والتطهير والتعذيب والإفناء والتذويب على يد السلطات الصينية، التي أنشأت العديد من مراكز الاعتقال الضخمة وحشدت فيها أعدادا غفيرة من شعب الأويغور، فضلا عن سياسات التعايش (بمعنى وضع صيني في كل بيت أويجوري كسيِّد عليهم ورقيب أيضا) والإخاء (بمعنى تشجيع -أو إجبار- زواج الإيغورية المسلمة من الصيني الملحد)، وقد أورد العديد من الناجين من هذه المعسكرات شهاداتهم على التعذيب الوحشي الذي يجري فيها لإنهاء الهوية الإسلامية والإلزام بالعقيدة الشيوعية التي يمثلها الحزب الشيوعي الحاكم، بل وأوردت العديد من الشهادات أن السلطات الصينية قامت بحملة لتعقيم المسلمات الإويغور، وهو ما يجعل فناء هذا الشعب مسألة وقت. وشعب الأويغور هم من المسلمين الأتراك وهم أعرق المسلمين في هذه الأنحاء إذ يمتد إسلامهم إلى الفتوح الأموية على يد قتيبة بن مسلم الباهلي الذي فتح مدينة كاشغر عاصمة التركستان في نهاية القرن الأول الهجري، وكان الأويغور دائما أرقى الشعوب التركية حضاريا وثقافيا، وجرى احتلال تركستان الشرقية على يد الصينيين عام 1948م.

5. المسلمون في الغرب: إذا انتقلنا من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب فسنجد وضع الأقليات الإسلامية في أوروبا تعاني من صعود الأحزاب اليمينية التي تضع في صلب برنامجها مكافحة الهجرة والحفاظ على هوية أوروبا التي يرون أنها مهددة على يد المسلمين تحديدا، وتعد حادثة نيوزيلاندا (وهي حادثة غربية حضاريا رغم أنها شرقية جغرافيا) المؤشر الأكبر الذي أشار إلى حقيقة تصاعد الهجمات ضد المسلمين والمساجد، وهو الأمر الذي يمتد من نيوزيلاندا شرقا حتى كندا غربا ليشمل كل الوجود الإسلامي في أوروبا وأمريكا. وفي أمريكا يعيش المسلمون أجواء شبيهة بلحظات ما بعد 11 سبتمبر بل ربما أسوأ حيث مثَّل خطاب ترامب وسياساته فرصة واسعة لتصاعد خطاب الكراهية ضد المسلمين، سواء في البيئة السياسية وتحت قبة البرلمانات الغربية أو في البيئة الأكاديمية أو في البيئة الإعلامية.

الحركات الإسلامية


يشير مصطلح "الحركات الإسلامية" إلى التيارات الإسلامية التي تمارس أعمالا تؤثر حركيا في المشهد السياسي، ولذلك يختلف هذا عن مصطلح "التيارات الدينية" التي تتسع لتشمل الاتجاهات المهادنة سياسيا أو المنعزلة عن المجال السياسي. وعادة ما يشير مصطلح الحركات الإسلامية إلى ثلاث اتجاهات كبرى فاعلة هي: الإخوان المسلمون، التيارات السلفية، التيار الجهادي.

هذه الاتجاهات الثلاثة تعاني ضعفا وانحسارا واضحا على سائر المستويات، وقد تلقى كل منها ضربة قاصمة في منطقة نفوذه الأصلية:

1. فأما التيار السلفي العلمي والحركي فقد تلقى هذه الضربة في السعودية مع سياسات ولي العهد محمد بن سلمان الذي يطمع أن يكون أتاتورك الجزيرة العربية فيكرر فيها تجربة أتاتورك العلمانية عقيب إسقاط الخلافة، وقد شهد التيار السلفي أوسع هجمة إعلامية حكومية وأوسع حملة اعتقالات للعديد من رموزه، وأُجْبِر آخرون على السكوت التام وإغلاق حساباتهم بمواقع التواصل، بينما أجبر آخرون على تقديم مراجعات واعتذارات صريحة، وهذا إضافة إلى إغلاق وتجميد وتقليص العديد من الجمعيات والمؤسسات الدعوية مما سبب انهيارا حادا في نشاطاتها، وإلغاء الأنشطة الدعوية المسجدية وفرض سياسات أمنية وصلت إلى الشعائر والعبادات كصلاة التروايح والاعتكاف في رمضان.

2. وأما الإخوان المسلمون فقد كانت الضربة القاصمة في مصر التي هي مركز قوتهم ونشاطهم الأول من بعد الانقلاب العسكري (يوليو 2013م) وهي السياسات التي لا تزال مستمرة والتي أسفرت عن تحقيق انهيار هيكلي كبير للجماعة وتحول أعضائها الفاعلين من القادة والكوادر إلى الهجرة في المنافي أو دخول السجون، مع مصادرة عامة لأهم أذرعها الاقتصادية ومؤسساتها المالية والاستثمارية، وعمليا فإن الجماعة في هذه المرحلة لا تستطيع أن تكون طرفا في المعادلة السياسية لا سيما بعدما ضربها الانقسام الداخلي الذي أسفر بدوره عن تفلت النسبة الأكبر من الشباب داخل مصر وخارجها.

3. وأما التيار الجهادي فقد تلقى أيضا ضربة عسكرية قاصمة غادر بها مناطق قوته الأساسية، فتنظيم الدولة الذي تمدد على مساحة واسعة بين العراق وسوريا واستولى على مقدرات واسعة قد خسر كل أراضيه، والمجموعات الجهادية التي نشطت في الثورة السورية صارت محصورة في منطقة محدودة في الشمال الشرقي لسوريا مركزها إدلب، وبقية الأجنحة الجهادية الأخرى تتراجع بوضوح مستويات نشاطها في إفريقيا أو آسيا أو أوروبا.

وعلى الجانب الآخر تشهد الحالة الإسلامية ازدهار "حركات" أخرى كانت تحسب قبل ذلك على فئة "التيارات الدينية" مثل الصوفية والسلفية المدخلية الجامية التي هي التمثيل الحكومي في التيار السلفي، وهذا الازدهار إنما في سياق محاولة تحطيم الحركات الإسلامية المشار إليها، ولهذا جرى دعم كبير للتيار السلفي المدخلي الذي يمكن القول بأنه استند أصالة إلى الأموال والنفوذ السعودي سواء في السعودية أو في مصر أو المغرب العربي وقد بلغ أقصى لحظات قوته في ليبيا حيث يملك التيار المدخلي ميليشيات مسلحة قوية تقاتل ضمن صفوف قوات خليفة حفتر. كذلك جرى كما جرى دعم آخر شبيه للتيار الصوفي الذي استند أصالة إلى الأموال والنفوذ الإماراتي وإن لم يصل حتى الآن إلى مستوى من الفاعلية تشبه المداخلة في ليبيا.

خاتمة

طبقا لهذه المؤشرات والاتجاهات العامة فيبدو واضحا أن خريطة البلاد والحركات الإسلامية عند نهاية 2019 ستكون قد تغيرت كثيرا عنها في هذه اللحظة، وهو ما يجعل العالم الإسلامي مقبلا على جملة من التحديات الثقيلة التي لا يبدو حتى الآن أن ثمة من يفكر فيها بمنظور إسلامي عام فضلا عن أن يوجد من يُعوَّل عليه في التصدي لها.

ومع هذا فحركة التاريخ لا تعرف المستحيل، كما أن تفاعلات الأحداث الكثيرة كثيرا ما تنتج ما لم يكن في الحسبان، فلم يكن يخطر ببال أحد في أكتوبر 2001 أن أمريكا قد تجلس في مفاوضات بعد ثمانية عشر سنة مع طالبان، ولم يكن يتصور أحد أن صفعة على خد البوعزيزي قد تتسبب في انطلاق شرارة ثورات عربية متصلة، ولم يكن يتصور سياسي ما قد أربع سنوات أن ترامب بسياساته وأسلوبه يمكن أن يكون رئيس أمريكا القادم.

لقد شهدت السنوات الماضية أن النظم العربية والجماعات التقليدية تعاني تصلبا وجمودا يجعل سقوطها أسهل مما كان متوقعا، وإلى لحظة كتابة هذه السطور تبدو النظم أكثر قدرة ومرونة على تجديد نفسها من الجماعات التقليدية، فهي تمارس الآن استعادة ما خسرته في جولة الربيع العربي الأولى ويتكون بينها تحالف عميق واسع لمضادة الحراك الشعبي، ويبقى أن تعيد الجماعات تكييف نفسها طبقا لتحديات المرحلة أو أنها ستعاني من السقوط النهائي والاستبدال.

إذا استطاعت هذه الورقة رسم صورة عامة لعموم المشهد الإسلامي ينبني عليها بذور تفكير شامل في عقل قارئ مسلم مهموم، فستكون قد حققت هدفها.