‏إظهار الرسائل ذات التسميات تصحيح مسار الحركات الإسلامية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تصحيح مسار الحركات الإسلامية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، يناير 04، 2024

لماذا نحتاج أن ندافع عن غزة؟ وكيف نتخلص من العجز؟

 عند صدور هذا العدد من المجلة ستكون الحرب على غزة قد ناهزت التسعين يوما، وقد رأينا فيها من طوفان المشاهد في كل اتجاه، طوفان الإجرام والتوحش والظلم، وطوفان الدم والألم والمرارة، وطوفان الخزي والعار والخذلان والذلة، وطوفان العزة والمقاومة والبسالة والتحدي! ولكل قوم طوفانهم! ويوم القيامة يرى كل واحدٍ منهم طوفانه على نوعيْن فحسب: طوفان من الحسناتٌ أو طوفان من السيئات!

وفي هذه السطور أريد أن أتحدث عن الطوفان الذي يشملنا نحن، وهو طوفان الضعف والعجز، وكيف يمكن أن نتخلص منه!

من المؤسف أن كثيرا من الناس يستسلمون لهذا العجز، ولا يفكرون في أن يرفعوه عن أنفسهم، ويحسبون أنهم إذا عجزوا فقد برؤوا من المسؤولية.. فإلى هؤلاء نتكلم!

ولكي يكون الكلام لكل العاجزين، فسننحدر بالكلام وننحط به حتى يشمل الجميع: المؤمنين والكافرين، الذين ينتظرون اليوم الآخر والذين يحبون الحياة الدنيا، الذين يسعون إلى رضا الله والذين لا يفكرون إلا في مستقبلهم ومستقبل أولادهم.

دعونا نفكر بعيدا عن الإسلام والأخلاق والإنسانية، بل ودعونا نترك أهل غزة للموت دون أن تطرف لنا عين، دعونا نفكر في أنفسنا فقط، فلنفكر فقط كحيوانات تريد أن تعيش حياتها في رفاهية وأمن.. المفاجأة هنا، أنه حتى بهذا المنطق وحده: يجب أن نفعل كل ما نستطيع لغزة!

1. يجب أن نفعل كل ما نستطيع لغزة لأننا نكتشف الآن أن غزة تَصُدُّ عنا وحشًا بشريًّا دمويا فظيعا للغاية هو إسرائيل، وهذا الوحش لا يتورع ولا يتردد –كما نرى في الصور والمقاطع المرئية- عن تقطيع الأطفال وتحويلهم إلى أشلاء، وعن هدم المستشفيات، وعن تعرية الشيوخ في الساحات وشحنهم في السيارات عرايا تحت ظل البرد والصقيع... إلخ! ولقد قال وزير دفاعهم دون أدنى شعور بالعار بأنه يعتبر هؤلاء الناس "حيوانات بشرية"، وخرج بعض أحبارهم يتلو علينا من كتابهم المقدس عبارات تسمح لجنودهم بإبادة الجميع: النساء والأطفال والرضع وحتى الحيوانات، وأفتى لهم بعض الحاخامات بجواز اغتصاب البنات والنساء للترفيه عن جنودهم.

وبالتالي، وأرجوك تذكر أننا ما زلنا نفكر كحيوانات تريد أن تعيش حياتها الدنيا، وبغض النظر عن أي دين أو أخلاق أو إنسانية.. بالتالي، فنحن الفريسة التالية التي تنتظر أن يأتيها الإسرائيليون، ليرتكبوا فينا نفس ما يفعلونه الآن.. إن هذا الوحش العنيف يجب أن نفعل كل ما نقدر عليه لكي يتوقف وينكسر وينهزم في غزة!

2. ثم يجب أن نفعل كل ما نستطيع لغزة، لأن هذا الوحش الإسرائيلي مدعوم بوحوش أخرى أكبر وأقوى وأكثر شناعة وفظاعة: أمريكا وأوروبا.. فبعدما عشنا زمانا طويلا نسمع أحاديث حقوق الإنسان وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها وحقوق النساء وحقوق الأطفال واحترام سيادة الدول والخوف من المقاتلين الأجانب ومن الجهاد العالمي.... إلى آخر هذا الطابور الطويل! إذا بكل هذا يتبخر الآن، وتقف كل هذه المؤسسات عمليا إلى جانب الوحش الإسرائيلي، من أول مجلس الأمن المرهون بفيتو واحد، وحتى مواقع التواصل الاجتماعي التي تزيل الحسابات والصفحات من أجل منشور واحد لا يوافق ما تسميه معاييرها.. لا بل على العكس، لقد تدفقت الأسلحة والمساعدات والخبرات على إسرائيل، وجاءها المتطوعون من يهود ومن غيرهم لكي يقاتلوا معها، فاتضح أن لديهم جهاد عالمي ومقاتلون عابرون للحدود، ولكنه على هواهم.

ونحن –لمرة أخرى، وكحيوانات تحب أن تعيش في أمن ورفاهية- من مصلحتنا أن ينكسر الوحش الإسرائيلي، وأن تنكسر مساعدات الوحوش الكبرى، لأن انتصارهم في غزة سيعني توسعهم في أراضينا وبلادنا.. ونحن جيل قريب العهد بالاحتلال الأجنبي: الإنجليزي والفرنسي والأمريكي والروسي، فمن لم يدركه بنفسه –كما في العراق وسوريا وأفغانستان- فقد أدركه أبوه وجده في سائر بلادنا العربية.. وبالتأكيد، فلكي نحفظ أنفسنا ونحفظ أبناءنا فيجب ألا نسمح بانكسار غزة.

3. ثم يجب أن نفعل كل ما نستطيع لغزة، لأن هذا الوحش الإسرائيلي، وهذه الوحوش الداعمة له، تعتمد بشكل أساسي ورئيسي ومفصلي على وحوش أخرى لا تقل قسوة ولا شراسة ولا تلمظا.. تلك هي الأنظمة العربية الحاكمة التي تقوم بدورها في تكبيل الشعوب وتقييدهم، وتقوم بدورها في حصار غزة وتركها في مجاعة ومذبحة.. لقد رأينا في هذه الأحداث أنهم يمتلكون قلوبا قاسية وغليظة وصخرية، قلوبا لا تتحرك أبدا، قلوبا قد نُزِعت منها الرحمة والشفقة وكل ما يميز البشر، ولم يبق فيها إلا الوحشية الدموية.. إنها أنظمة تتفرج مستمتعة على ما يجري، بل تريد أن ينتهي الأمر بسرعة، وما لم تنطق به ألسنتهم الرسمية يتسرب إلينا عبر ألسنتهم الإعلامية، وعبر التصريحات التي ينقلها الأجانب عنهم في صحافتهم وإعلامهم.

إن هذا كله يعني بوضوح أنه إذا سقطت غزة، أو حتى إذا لم تسقط غزة، فبعيدا عن غزة كلها، وبعيدا عن أي حساب للدين والأخلاق والإنسانية، هذا يعني أننا أيضا تحت حكم هذه الوحوش المفترسة التي لا تسكنها أية ذرة من الرحمة أو الشفقة!

نحن إذن، وعمليا في براثن الذئاب والضباع التي لا إشكال لديها أبدا في افتراسنا وتقطيعنا وتجويعنا وتعطيشنا إذا رأوا أن هذا في مصلحتهم!!

إنه مستقبل أسود مظلم كالح لا بد أن نهرب منه!!

وإن المشاهد التي نزاها في غزة، سنراها غدا في أنفسنا أو في أبنائنا وأحفادنا، ولئن كانت غزة تقاوم، وتستطيع أن تصيب من الصهاينة، فإن الشعوب المقيدة المكبلة التي لا ترى في هذه الأنظمة عدوا ستكون أسهل في افتراسها، وستكون أعجز عن المقاومة من غزة وأهل غزة..

وإذن.. فلا بد إذن أن تكون لنا القدرة على المقاومة.. لا بد أن نتخلص من هذا العجز.. لا بد أن نفعل شيئا ندفع به عنا ذلك المصير الشنيع الذي ينتظرنا إذا سقطت غزة لا سمح الله!

خلاصة ما يسفر عنه البحث والتفكير في رفع هذا العجز ثلاثة أمور كبرى، وكل واحدة منها صعب وثقيل وعظيم التكلفة، بنفس صعوبة وثقل وفداحة النكبة التي نحن فيها فعلا، وداخل كل أمرٍ من هذه الثلاثة تفاصيل لا يمكن أن يحيط بها مقال ولا كتاب، وهي متروكة لكل قارئ ينظر فيها ليرى ماذا يستطيع أن يفعل.

هذه الأمور الثلاثة، أو لنقل: هذه العُقَد الثلاثة هي: عقدة الأفكار، وعقدة السلاح، وعقدة الأموال.

(1) عقدة الأفكار

لا بد أن نتخلص من كل فكرة تقيدنا وتكبلنا..

إذا كانت هذه الوحوش لا تقدس شيئا ولا تحترم شيئا وتخترق بنفسها القوانين التي كتبتها والدساتير التي ألفتها.. فلماذا نحترم نحن هذه القوانين وهذه الدساتير؟!

نحن إذا كنا مسلمين فسنعرف أنه لا طاعة إلا في المعروف ولا طاعة لمخلوق في معصية الله.. هذه قاعدة قاطعة في ديننا، فلا شيء عندنا نحن المسلمين يسمو فوق القرآن والسنة، وكل قانون أو دستور أو تشريع يحل حراما أو يحرم حلالا فهو باطل، من واجبنا أن نعصيه ما استطعنا، وأن نقاومه ما استطعنا، وأن نغيره ما استطعنا. فحتى لو صدر الباطل عن حاكم عادل فلا طاعة له، فكيف إذا صدر عن حاكم جائر أو حاكم خائن!

لابن تيمية عبارة ذهبية يقول فيها: الحاكم العدل يطاع إلا فيما عُلِم أنه معصية، وأما غير العدل فلا يطاع إلا فيما علم أنه طاعة.. فلو كان المسلمون يحكمهم من لا يتوثقون من عدله ويتشككون فيه، فإنهم يطيعونه إذا أمرهم بطاعة، كأن يأمرهم بالصلاة أو بالجهاد! وأما إذا أمرهم بشيء لا يعرفون ما إن كان من الطاعة أو من المعصية، فالأصل أنهم يعصونه لتشككهم في عدالته.

وهؤلاء الذين يحكموننا ويكبلوننا الآن، أقل وصف يصدق فيهم هو وصف الجائر.. فما منهم واحد عادل.. ولو أردنا الحق، فبميزان الإسلام، ما منهم أحد إلا وقد ظهر منه الكفر البواح لا شك في ذلك.

هذا إذا كنا مسلمين نلتزم الإسلام، فإما إذا لم نكن مسلمين وفَضَّلنا أن نكون كافرين وعلمانيين وماديين.. فأما إن كانت كل غايتنا المحافظة على سلامة حياتنا الحيوانية الجسدية المادية.. فهؤلاء الحكام أنفسهم قد ارتكبوا الخيانة الواضحة الصريحة، وقد اقترفوا كل ما هو ضد مصالحنا، وقد ظهر منهم ما يدل على شرهم وتوحشهم، وأنهم لا يترددون في سحق الشعوب كما يسحقون الحشرات.. لا رحمة ولا شفقة ولا تردد!

يجب التخلص من كل الأفكار السَّامَّة التي تسري في جسد الأمة، تلك التي تجعل من هؤلاء أولياء أمور تجب طاعتهم بعدما ظهرت خيانتهم، وتجعل من مؤسساتهم التي أنشؤوها لتكبيل الناس مؤسسات وطنية يجب احترامها والمحافظة عليها.. هل يمكن أن يتحرر سجين من سجنه، وهو يحترم مدير السجن ويلتزم قوانين السجن؟!!

 

(2) عقدة السلاح

حق التسلح من حقوق الإنسان الفطرية الطبيعية، لم يفكر الإنسان في أي لحظة أن يتخلى عما يدافع به عن نفسه إلا حين ابتلينا بالنكبة التي تسمى "الدولة"، حيث تحتكر الدولة "القوة"، فتصير الدولة صورة كبيرة من مزرعة الدجاج.. أسراب من الدجاج الأعزل، يحبسها ويذبحها جزار واحد، لأنه يملك القوة والسكين!

فلو أن هذه الدولة كانت دولة وطنية ترعى مصالح شعبها، وتوفر له الأمن والرفاهية، ويشعر في ظلها بالحماية من العدو المحتل.. لو كانت الدولة كذلك، لكان النقاش في تسلح الشعوب محل نظر!! أما وقد ثبت بالوقائع والدلائل أنها دولة جبارة علينا خوارة على عدونا، فالأمر لا يحتمل التفكير ولا النظر!!

وهؤلاء الأمريكان والإسرائيليون أنفسهم، جيوش قوية مدججة، وشعوب مسلحة أيضا.. لم يستطع الديمقراطيون بعد الجهد أن ينزعوا من شعبهم حق التسلح، وأما الإسرائيليون فهم يحبذون أن يتدرب شعبهم على المزيد من التسلح، واستعمال المزيد من الأسلحة!

يجب أن تسعى شعوبنا إلى حق التسلح. التسلح هو الأمر الوحيد الذي سيجعلنا نستطيع المقاومة، حتى لو هُزِمنا في النهاية فسنهزم في ساحة القتال لا تحت يد من يتفننون في التعذيب والتقطيع والتجويع وانتهاك الأعراض! ويمكن أيضا أن ننتصر! أو قد نصل إلى صيغة لا غالب ولا مغلوب فنحسن وضعنا في الحياة!

لما احتكرت السلطة السلاح صارت البلطجي الأكبر! صارت المسلح الذي يذبح ما يشاء من الناس، لا قانون ولا قضاء ولا صحافة إلا بالقدر الذي يسمح به، أو بالقدر الذي يحقق له مصالحه. ونحن أمة تتعب الآن من عدِّ مذابحها التي لم يحاسب فيها أحد!

السلطة في بلادنا ليست إلا عصابة مسلحة، عصابة تملك أن تجعل إجرامها قانونا ودستورا، تضع عليه لافتات: مصلحة الوطن والأمن القومي وحماية الشعب... إلخ هذه الترهات والخرافات!

 

(3) عقدة الأموال

ومثلما يجب أن تنكسر هذه الهيمنة الكاملة لهذه الأنظمة على الأسلحة، يجب أن تنكسر هيمنتها على الأموال أيضا.

يجب أن نحتفظ بأموالنا بين أيدينا، ذهبا أو نقودا أو أصولا.. لقد سحبوا منا الذهب والفضة وأعطونا بدلا منها أوراقا يصدرونها في مطابعهم، جعلوا لها –بسلاحهم- قوة الأموال، ثم صارت قيمة الأموال تتناقص (يسمونها للتطليف والخداع: التضخم) لأنهم بفسادهم نهبوا البلاد والأموال ولم يحسنوا استثمار مواردها، وأمتنا هي أغنى بلاد الله في هذه الأرض: مياه ونفط ومعادن وثروات مكنوزة وأراض خصبة وبحار غنية وموقع ممتاز يتحكم في طرق التجارة والمواصلات.. ليس في هذا العالم أمة مثل أمتنا في قدراتها الاقتصادية.

ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، فجعلوا الأموال أرقاما في بطاقة ممغنطة، كي لا يتكلفوا الطباعة إذا أعطوا، ولا يتكلفوا البحث إذا أخذوا ونهبوا.. ثم الآن يجعلونها في أكواد مشفرة، كي يضغطون زرا إذا أعطونا أموالنا، ويضغطون زرا إذا أردوا سحبها، ويشاهدون حركة كل قرش بين أيدينا، فإذا غضبوا على أحد منعوه حتى الطعام والشراب، ولم يستطع أحد أن يغيثه بكسرة خبز أو بشربة ماء (فكل هذا مراقب!)

كلما سحبنا أموالنا من بنوك هذه الأنظمة استطعنا أن نفعل بها ما نريد أو ما نقدر عليه.. حتى لو سنعيش حياتنا على المقايضة بالسلع والخدمات.. فهذا أحسن من أن تكون ثرواتنا في يدهم، يضيعونها في ملذاتهم أو في خياناتهم أو يصادرونها بجرة قلم أو بضغطة زر!

بمنطق الإسلام؛ يجب أن نثور على هذه الأوضاع وأن نقاتل عن إخواننا قبل أن نقاتل عن أنفسنا، وأن ندافع عن مسرى نبينا قبل أن ندافع عن أبنائنا!

وبمنطق الكفر والحياة الرخيصة يجب أيضا أن نثور على هذه الأوضاع وأن ننتزع حياتنا الطبيعية كما يعيش الناس، وساعتها سنرى أن غزة تمثل تجربة حية أمامنا، وساعتنا ستوجب مصلحتنا الرخيصة علينا أن نسارع في إنقاذ غزة لأنها حصن إذا انهار فسيزداد توحش هذه الوحوش الغبية والجائعة!

المقاومة ليست أمرا سهلا.. ولكن لا حياة بدونها!

والذي يقاوم ينتصر أو يستشهد أو حتى ينهزم وقد أدَّى ما عليه أمام الله ثم أمام أبنائه وأمام التاريخ، والله يوفيه أجره يوم القيامة.. وأما الذي يذل ويخضع ويستكين، فسيدفع من تكاليف الذل أكثر مما حاول أن يتجنبه من تكاليف المقاومة! وسيرى نفسه وأبناءه بعده يُفعل بهم ما يكره دون أن يملك لهم شيئا! ثم يأتيه الموت ويبعث يوم القيامة ليرى أنه قد خسر خسرانا مبينا!

نشر في مجلة أنصار النبي ، يناير 2024

الاثنين، ديسمبر 04، 2023

أين الطريق إلى نصرة غزة؟

 

أنهيت قبل فترة قراءة مذكرات موشيه ساسون، السفير الإسرائيلي الثاني في مصر، والتي ترجمت ونشرت بعنوان "7 سنوات في بلاد المصريين"، وهي تلك السنوات التي تلت اتفاقية السلام لتبدأ فيها عملية التطبيع (1981 – 1988م)، والواقع أنها مذكرات مفيدة للغاية، يحكي فيها السفير، بأقصى ما أوتي من مهارات سياسية وقدرات بلاغية قصة محاولة اختراق المجتمع المصري وإشرابه السلام مع إسرائيل.

وفي هذه المذكرات كثير من الأمور التي ينبغي التوقف عندها، إلا أنني أتوقف في هذا المقال مع ثلاثة أمور فحسب، هي الأخطر والأعظم فائدة في سياق حديثنا الآن عن كيفية نصرة غزة.

وها هنا أمر يجب بيانه: إن الحديث في نصرة غزة لا يختلف كثيرا عن الحديث في نصرة النبي ﷺ، وذلك من أربعة أوجه:

1.    نصرة غزة وبقية المسلمين هي من صميم نصرة النبي ﷺ، فإن نصرة المسلمين هو تنفيذ لتعاليمه ووصاياه ﷺ، وهو دفاع عن أمته ﷺ.

2.    نصرة غزة هي جزء من نصرة قضية المسرى، الأرض المباركة التي أسري به ﷺ إليها وعُرج به منها، ثم نزل ﷺ من السماء إليها كرَّة أخرى ليؤم الأنبياء والمرسلين! فهي أخصّ في النصرة مما سواها من القضايا!

3.    غزة ذاتها إنما انتفضت لأجل اقتحام مسرى النبي ﷺ ولأجل ما كان اليهود يتفوهون به من سب النبي ﷺ والإساءة إليه، وهو الأمر الذي شاهده المسلمون جميعا وعجزوا أن يفعلوا شيئا. فنصرة غزة إنما هي نصرة لأنصار النبي ﷺ، ودعمٌ وإسنادٌ لهم.

4.    لا تختلف الحركة في نصرة النبي ﷺ ضد الإساءات الموجهة إليه في فرنسا أو السويد أو الهند أو إسرائيل عن نصرة المسلمين في غزة، فإننا نجد أنفسنا في كل مرة مضطرين إلى إطلاق حملات إعلامية، وتدشين دعوات لمقاطعة اقتصادية، وإصدار البيانات والفتاوى، ثم نعجز عما فوق ذلك. وكثيرا ما نرى أنظمة الحكم قد عصفت بكل هذا وضربت به عرض الحائط وهرولت لعقد صفقة مليارية أو معاهدات اقتصادية جديدة، هذا إن لم تسلط إعلامها على تسفيه هذه الحملات والطعن فيها، وإن لم تسلط أجهزة أمنها على اعتقال هؤلاء الذين حاولوا نصرة النبي ﷺ!!

وبهذا نجد أننا، أعني الشعوب العربية المسلمة، في وضع لا يختلف كثيرا حين ننصر النبي ﷺ ضد الإساءات أو حين ننصر غزة ضد المذابح. إننا في عصر الدولة الحديثة التي تؤسس نظامها على أن تتحكم السلطة في كل شيء، فليس للإنسان أي قدر من الحرية خارج باب منزله، اللهم إلا أن يلهو ويأكل ويشرب ويطرب، فكل نشاط خارج المنزل هو نشاط يجب أن تأذن به السلطة. وما دام أن الوضع لا يختلف كثيرا، فإن البحث عن طريق الحل لن يختلف كثيرا.

 

أولا: سرُّ التغيير عند الحاكم وحده!

عرف موشيه ساسون أن مهمته في مصر ليست سهلة، ولما حضر إلى مصر قدَّر أن ثلاثة تخوفات تعترض طريقه، أهمها وأولها هو: ما مصير السلام إذا مات السادات؟

يقول ساسون: "كما هو الحال في كل الدول العربية في الشرق الأوسط: كل شيء يتم بواسطة الرئيس. كل القرارات الهامة، بما في ذلك قرارات عن الحرب أو السلام هي قرارات شخص واحد. "الزعيم"، وكثيرا ما يحدث أن الرئيس لا يكشف ما بداخل قلبه لأي شخص كان". ومن هنا فقد كان قرار السلام متعلقا ببقاء شخص السادات في سدة الحكم، وكان القلق سائدا ومسيطرا بشأن الوضع إذا ما اختفى هذا الشخص.

ولم تتأخر إجابة هذا السؤال، فبعد أشهر من قدوم ساسون إلى السفارة جرى اغتيال السادات أمامه في المنصة، وسارع الجميع إلى طمأنته وطمأنة إسرائيل بأن حسني مبارك هو ربيب السادات، وأن السادات قد أعدَّه لاستكمال هذه المهمة، وخرجت التصريحات الرسمية من المسؤولين، ومن أصدقاء السفير في الوزارات وأروقة السياسة، وحتى من جيهان السادات، وكلها يقول: لا تقلق! مبارك على خطى السادات.

وقد رأى السفير من مبارك ما جعله يستنتج في نهاية حصاد رحلته السياسية أن السلام قد استمر "بفضل شخص واحد: محمد حسني مبارك، لأنه لو أراد الرئيس مبارك، لكان في مقدوره –بعد اغتيال السادات مباشرة- أن يلغي بكلمة واحدة اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، وذلك دون الكثير من المعترضين في الداخل ووسط هتافات العالم العربي كله... طالما لن يحدث في المنطقة شيء خطير جدا سيكون عمر اتفاقية السلام على الأقل مثل عمر الفترة التي سيظل فيها الرئيس مبارك جالسا على مقعد الرئاسة".

وبقية القصة معروفة، فلقد طال عهد مبارك لثلاثين سنة، وأنشأ جيلا من العسكريين ليس لهم من العسكرية إلا اسمها وزيُّها، بينما أحسنهم تاجر طامع، وأسوأهم عميل خائن، يشارك الآن بكل جهده في الحرب على غزة.

إننا نضيع الوقت والجهد والمال إذا لم نقصد إلى تغيير الحاكم، سواء أكان ذلك سلما أم حربا، بانتخابات أو بانقلاب أو بثورة أو بأي شيء آخر. والأمة المحبوسة كالسجين في زنزانته، إن لم يحتل لأخذ المفتاح فلا بد أن يكسر الباب أو يحفر النفق أو يقتل السجان.. وإلا ظل بقي في الأسر إلى أن يموت!

 

ثانيا: مصير الخيانة والتطبيع المرتعش!

أما التخوف الثاني الذي طارد موشيه ساسون فهو: هل سيبقى السلام قائما بعد إعادة كامل سيناء إلى المصريين؟

لمن لا يعرف فإن إسرائيل لم تستكمل انسحابها من سيناء إلا بعد ثلاث سنوات من توقيع اتفاقية السلام، أي أن السفير الإسرائيلي قد جاء وصار يسرح ويمرح في مصر ولا تزال سيناء محتلة!

ومصدر هذا التخوف لدى ساسون نابع من حقيقة أن الشعب المصري لم يكن مؤيدا للسلام مع إسرائيل، وأنه أجبر على هذا "السلام" بقوة السلطة وقهرها، وبينما كان السادات مندفعا في مسار التطبيع بلا حد إذ جاء اغتياله على المنصة فوضع حدَّا لهذا الاندفاع، وجعل مبارك يسير في مسار التطبيع بيد مرتعشة وإجراءات مترددة ومحاولات يوازن فيها بين التمسك باتفاقية السلام وترك مساحة للشعب لينفس عن نفسه.

وقد زادته السياسة الإسرائيلية حرجا وارتعاشا، فقد تصرفت إسرائيل في المنطقة بعربدة لم تبالي معها بأي إحراجات قد تسببها لمصر. لقد كان النظام المصري يسعى جاهدا لإقناع بقية الأنظمة العربية بفائدة السلام مع إسرائيل وضرورته، وبأن مصر لم تنخلع من مكانها ومكانتها العربية بهذا السلام المنفرد وإنما صنعت السلام لتستطيع حماية الدول العربية. وبينما هو كذلك إذ ضربت إسرائيل المفاعل النووي العراقي بعد ثلاثة أيام من لقاء السادات وبيجين في شرم الشيخ. ولما جاء مبارك غزت إسرائيل لبنان حتى اجتاحت بيروت ونُفِّذ تحت إشرافها مذبحة هائلة في الفلسطينيين (مذبحة صابرا وشاتيلا)، ثم اغتالت أبا جهاد في تونس، وغيرها من الأحداث. وبهذا وجد النظام المصري نفسه عريانا! وعايش الحقيقة الفاضحة! لقد اختطفت إسرائيل منه السلام، وجمَّدته واقفا في الزاوية لتستكمل هي عربدتها في المنطقة! ورأى العالم العربي الشقيقة الكبرى وقد استسلمت ووقفت تتفرج دون أن تجرؤ على فعل شيء!

وهذا هو التخوف الثالث الذي ضاق به صدر ساسون: ماذا سيكون مصير السلام مع مصر إذا دخلت إسرائيل حربا مع دولة عربية أخرى؟

في نهاية خدمته عاد ساسون وهو مرتاح لأسئلته الثلاثة؛ لقد بقي السلام بعد اغتيال السادات، وبقي بعد تسليم سيناء كاملة، وبقي رغم الحروب التي دخلتها إسرائيل مع العالم العربي. ولكنه مع ذلك عاد وفي صدره غصة: لأن التطبيع كان مرتعشا وبطيئا ومترددا، بل كان "ضحلا" كما يقول، وظل يتشكى من هذا الوضع حتى جلسته الوداعية الأخيرة مع مبارك.

وفي الواقع، لقد كان هذا البطء والارتعاش والتردد بفضل المقاومة، المقاومة التي كانت ذروتها اغتيال السادات نفسه. ومثلما كان اغتيال الملك عبد الله الأول ملك شرق الأردن قد عَطَّل قطار التطبيع العلني أربعين سنة، فقد عَطَّل اغتيال السادات التطبيع العلني أربعين سنة أخرى! وهذا ما صرَّحت به جولدا مائير، رئيسة الحكومة الإسرائيلية في مذكراتها، حيث قالت: "قبل ستة أشهر من تأسيس الدولة (إسرائيل) تقابلت مرتين مع الملك عبد الله ملك شرق الأردن وجدّ الملك حسين. ومع أن كلا اللقاءيْن بقيا سرا... فلا أحد يعلم حتى اليوم مدى مسؤولية الشائعات التي انتشرت عنها عن اغتياله. والاغتيال مرض مستوطن في العالم العربي، وأحد الدروس الهامة التي يجب أن يتعلمها القادة العرب، وهي الصلة بين السرّية وطول الحياة. وقد أحدث اغتيال الملك عبد الله تأثيرا ظل قائما على كل القادة العرب الذين تلوه. وأذكر أن عبد الناصر قال لأحد الوسطاء الذين أرسلناهم إليه: لو أن بن جوريون جاء إلى القاهرة للتحدث معي فسوف يعود بطلا، أما إذا ذهبت إليه فسوف أُقْتَل عند عودتي. والواضح أن هذا الموقف ما زال قائما".

لكن السفير ساسون، ولأنه مكلَّف بمهمة تثبيت السلام وترويج التطبيع، بذل جهدا مضنيا لكي ينفي أي ارتباط لهذين الاغتياليْن بالعلاقة مع إسرائيل. ولكن مجهوده لم يغير من الواقع شيئا، لقد اضطر مبارك طوال عهده أن يسمح للشعب ونقاباته وجماهيريه بالإساءة إلى إسرائيل، ومنع السياحة إلى إسرائيل، وحظر التبادل التجاري، وأوقف العلاقات الثقافية، وسمح بمواد إعلامية تهاجم إسرائيل، ولم تجرؤ صحيفة على نشر بيانات السفير الإسرائيلي. كانت هذه طريقته لكي يحمي نفسه من الناس، ويمد يده إلى بقية الدول العربية، وليوصل إلى إسرائيل أنه ساخط على سياستها التي لا تأبه له!

يؤكد هذا أن هذا المسار الذي انتهجه مبارك كان ينحدر ناحية القرب من إسرائيل وتمكين التطبيع كلما شعر بأنه في أمان، وأنه قد قبض على زمام الحكم، حتى انهار تماما وصار مجرد شرطي في السنوات العشر الأخيرة من حكمه، لا سيما وقد أراد أن يضع ابنه جمال مبارك بعده!

لقد كانت المقاومة الشعبية لهذا السلام هي التي أجبرت الحاكم على أن يتزن ويداري خيانته ولا يتوغل فيها. وقد تعرض السفير نفسه إلى محاولتي اغتيال أثناء هذه السنوات السبع!

 

ثالثا: الناس على دين ملوكهم!

سرعان ما أفرزت سياسة السلطة نتائجها العفنة! في كل شعب أناس يطمحون ويطمعون وتحركهم مصالحهم، حتى لو أبدوا استعدادهم للخيانة! لقد استيقظت الخلايا التي أرادت الاستفادة من الوضع الجديد.

في الحفل الأول الذي حضره السفير في مصر، فوجئ برجل عجوز يقبل عليه ويسأله ثم يأخذه الحنين الشديد، ما كان هذا الرجل سوى كمال رياض مسؤول التواصل مع الإسرائيليين في عهد الملك فاروق، وأول من سعى للسلام معها قديما ولكن تعنت الإسرائيليين أفشل الأمر، فمن بعد ما اختفى طوال ثلث القرن استيقظ ليجدد الوصل مرة أخرى. وقد سار على هذا الدرب آخرون، ولقد كانت مهمة السفير أن يستكثر من هؤلاء وأن يبحث عنهم، فوجد بغيته في أسماء كثيرة، وروى مواقف عديدة له مع نجيب محفوظ وعمر الشريف وغيرهم من النخبة المصرية، فضلا عن أصدقائه الأعزاء من الطبقة السياسية والوزراء مثل: كمال حسن علي ويوسف والي وجيهان السادات وعبد الهادي قنديل الذي كان وزير البترول وغيرهم.

ولكن، جاء من وراء ذلك آخرون من عامة الشعب أرادوا أيضا أن يستفيدوا من الوضع الجديد، وأن تكون لهم علاقة طيبة بالسفير الإسرائيلي، أو أنهم سرعان ما استجابوا لأي بادرة بدأ بها السفير نفسه.

ومع ذلك فلم يصفُ للسفير ولم يطب له مقامه بالقاهرة، والسر في ذلك هو حصيلة الأمريْن اللذيْن ذكرناهما، لقد كانت حصيلة هذين الأمرين: انفراد الحاكم بالقدرة على التغيير، وكون الحاكم الذي جاء قد اتعظ من مصير الرئيس المغتال، أن سار حسني مبارك سيرة بطيئة مترددة مرتعشة، وعلى مثل مسيرته هذه سار كثير من الناس خلفه!

يقول ساسون: "علاقة الطبقة المثقفة في مصر بي كانت تتغير طبقا للأوامر، كل شيء حسب البارومتر السياسي"، بل ذكر السفير أن مجرد التلميح والإشارة من الرئيس كانت تترجم فورا إلى صلة أو قطيعة. فإذا كان مبارك راضيا فإنه يذكر السفير بقوله "السيد ساسون"، فكأنها كلمة سحرية تفتح له الأبواب، وأما إن كان ساخطا على إسرائيل فهو يقول: الخواجة ساسون أو المستر ساسون، فعندئذ تنغلق الأبواب المفتوحة!

وإذا أقام السفير حفلا في بيته جاء إليه أولئك المتسلقون، فإن وجدوا حضورا رسميا في الحفل رضوا وأكلوا وشربوا وطربوا، فإذا لاحظوا غياب التمثيل الرسمي انسلوا خارجين وما كادوا يجلسون!

يقول ساسون: "في دولة مثل مصر وحتى أيامنا هذه، كل شيء فيها طبقا لما يقوله الرئيس "الريس"، فإن تصريحات الرئيس أو تصرفاته تجاه إسرائيل لها آثارها المباشرة على تصرفات الطبقة الحاكمة في مصر".

إن الحكام يستطيعون إفساد الشعوب بأشد مما تستطيع الشعوب إصلاح الحكام، ويبلغ الأمر معهم حدًّا خطيرًا، فإن بعض الذين استأنسوا بالسفير وبادلوه ودا بود، كانوا أقارب لشهداء سقطوا على يد الإسرائيليين، وأحيانا كانوا عسكريين قد أصيبوا بالفعل في حروبهم مع الإسرائيليين! ومنهم ذلك العقيد الذي صار مديرا للمتحف الحربي وقد أصيب بالشلل لفترة أثناء عبوره القناة!

إن أشد ما في هذه المذكرات من الآلام قصة المرأة التي كانت تعمل خادمة في بيت السفير الإسرائيلي، لقد كانت أرملة شهيد أخذ إلى الحرب وقتل فيها، ثم لم يكفها المعاش الذي تصرفه الحكومة لها، فاضطرت أن تعمل خادمة، ثم ساقتها المقادير إلى أن تخدم سفير الذين قتلوا زوجها!! والأشد مرارة من هذا أن المرأة لا تعرف شيئا عن إسرائيل ولا عن الحرب.. لقد سلبت السلطة منها زوجها، ثم سلبت حقها في الحياة الكريمة، ثم سلبت وعيها حتى لم تعد تعرف عدوا من صديق!

ومثلها ذلك الفلاح الذي قُتِل أخوه في الحرب ثم فوجئ أنه سيعمل تحت إشراف خبير إسرائيلي، ولكنه لشدة الفقر وضيق الحال اضطر أن يكمل عمله وهو كاره، حتى إذا ألف اليهودي لم يعد يشعر معه بغضاضة! وأشد من ذلك أن من الفلاحين من لم يكن يعرف شيئا عن إسرائيل ولا أين تقع، لقد مسخت السلطة بما نشرته من الفقر والحاجة طبيعة الناس، حتى صاروا كما قال ميخال سيلع (مشرف مشروع التعاون الزراعي) إن من الفلاحين من "لم يعرف حتى ما هي إسرائيل وأين تقع. يهتم المزارع المصري بشيئين: إعالة أسرته وإقامة منزل له".

 

الخلاصة:

إذا نحن لم نتخلص من الحكام الخونة فستكون النتيجة كالآتي:

1.    انكسار غزة وابتداء مسار آخره تدمير الأقصى

2.    توغل الإسرائيليين في بلادنا فوق ما توغلوا، وهيمنتهم عليها فوق ما هيمنوا

3.    انتشار الفقر والقهر سيجعل أبناءنا وبناتنا وزوجاتنا وأخواتنا خادمات عندهن! لا يعرفن عدوا من صديقا، ولا يعرفن لم وفيم حاربنا وحوربنا، وقاتلنا وقوتلنا!

وتلك هي المأساة العظمى..

نشر في مجلة "أنصار النبي ﷺ"، ديسمبر 2023

السبت، نوفمبر 04، 2023

طوفان الواجبات.. وواجبات الطوفان

 تتبارى الأقلام في وصف المأساة، وتجفل أكثرها عن الذهاب نحو الحلول العملية والواجبات المفروضة، ولأننا هنا في ساحة "أنصار النبي ﷺ"، فلا يسعنا أن نبقى في الكلام المكرر المعاد، ولا أن نتبارى مع القائلين والكاتبين، بل لا بد لنا أن نذهب نحو الكلام المفيد، الكلام الذي ينبني عليه عمل.

 

(1) العلماء والفقهاء

أشد الناس محنة في هذا العصر هم العلماء، إنهم ورثة الأنبياء الذين أوكلت لهم مهمة بيان الرسالة بعد انقطاع عصر النبوة، شعارهم شعار الأنبياء من قبلهم {يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله}، وما تزال الأمة في كل حين تنادي عليهم أن قوموا بواجبكم في البيان والإنكار، بل في قيادة الأمة نحو التحرير، بل يشتط البعض ويفرط فيأخذ في إدانتهم وتقريعهم.

وبديهيٌّ أننا نتكلم هنا عن علماء الحق والصدق لا عن علماء السوء وطلاب الدنيا بالدين فهؤلاء إنما هم جزء من العدو، وهؤلاء يستحقون كل تقريع وتأنيب وإنكار.

العلماء في عصرنا هذا مكبّلون مقيَّدون بقيود كثيرة، وهم الآن يدفعون ثمن عصور الاستعمار الأجنبي وعصور الطغيان المحلي، حيث انتزعت من العلماء سائر مصادر قوتهم واستقلالهم، وحيث أزيحوا عن مراكز التأثير والنفوذ السياسي والقضائي والاجتماعي أيضا. وهذه قصة طويلة لا يتسع المقام لها، ولكن القصد أن نظام الدولة المعاصر قد سلب العلماء نفوذهم وجعلهم موظفين لدى الساسة وكبَّلهم في كل شيء لا بقيود الأمن والخوف والسجن فحسب، بل بقيود كثيرة من الراتب وتصريح الخطابة وإلقاء الدروس والخروج في وسائل الإعلام ونحوه!

فمن يطالب العلماء الآن بأن يجددوا عصر ابن تيمية والعز بن عبد السلام، كمن يطالب كتائب القسام ومجاهدي الشام أن يجددوا فتوحات ابن الوليد والمثنى والقعقاع! وكم من عالِمٍ نطق بكلمة حق فسيق إلى السجن أو إلى الموت، ولم يجد من الشعوب نصيرًا! فمصيرُ هذا العالِم يُثَبِّط غيره عن أن يفعل مثله! فكلا الطرفين مكبل: العالِم والأمة!

ومع ذلك فلا نهضة للأمة بغير العلماء، والعلماء هم أول الناس مسؤولية عن تغيير هذه الأوضاع، وهم أولى الناس بالتفكير في الحلول.. وإني لأحسب أن العلماء اليوم يحتاجون إلى عقد مجمع فقهي (ولو كان سرًّا، ولو كان من خلال الانترنت.. إذا لم يتسر لهم اجتماع آمن في عاصمة ما)، ليتباحثون في نوازل كهذه:

1.    لماذا تعجز الأمة عن مدّ يد العون إلى أهل غزة؟

2.    فإن كان هذا بسبب ضعف الأمة وخورها وانصرافها.. فلماذا؟ ومن أين نبدأ؟

3.    وإن كان هذا بسبب الحكام الذين يكبلون حركتها ويمنعون الأمة من نصرة إخوانهم.. فما سبب ذلك؟ هل هو عجز وضعف منهم؟ أم هو تواطأ وخيانة؟!

4.    فإن كان عجزا وضعفا فما السبيل إلى تقويتهم ودعمهم وتحويل عجزهم وضعفهم إلى قوة وقدرة؟ وماذا ينبغي على الشعوب أن تفعل؟ وعلى كل واحد في مكانه أن يفعل؟!

5.    وإن كان خيانة وتواطأ فما هو توصيفهم الشرعي؟ وكيف يمكن العمل على إزالتهم وإزاحتهم واستبدال غيرهم بهم؟ وماذا ينبغي عندئذ أن يقال وأن يُكتب وأن يفتى به لمن يعمل في جيوشهم وشرطتهم ومخابراتهم وإعلامهم؟ وكيف يمكن للشعوب التي يرى بعضها أن لهؤلاء طاعة عليهم أن تسعى في خلعهم؟

6.    وما حقيقة الموازنة بين المصالح والمفاسد المترتبة على بقائهم أو على السعي في خلعهم؟ هذا والسادة العلماء هو أول من يعرف أن حساب المصالح والمفاسد لا يتوقف عند الحال بل يمتد إلى المآل. ولا يتعلق فقط بهذه المعركة أو بهذا الجيل بل يمتد إلى غيرها من المعارك والأجيال؟

7.    وسواءٌ أكان الحكام في حال عجز أو حال خيانة، فما هو موقف الشعوب من الاتفاقيات التي أبرمها هؤلاء مع الصهاينة وحلفائهم؟ هل لهم أن ينتهكوها؟ هل لهم أن يخفروا أمانهم ويستهدفوا أفراد الصهاينة ومصالحهم في كل مكان؟ وإذا فعلوا فسُجِنوا أو قُتِلوا فما حكم الفاعل وما حكم الذي يأمر ويقضي وينفذ السجن والقتل على من استهدف صهيونيا؟!

8.    ما الرأي في توسيع المعركة خارج ديار فلسطين، واستهداف المصالح الصهيونية، والمصالح الداعمة لها في كل العالم؟

9.    ما الرأي في عمل العاملين في الشركات الأمريكية أو التي تغلب فيها النسبة للملاك الأمريكان، أو في شراء العلامات التجارية لهذه الشركات: سواء في الملابس أو المطاعم أو المقاهي؟

10.          ما حكم المتخلف عن نصرة إخوانه المسلمين بمثل هذه الأمور؟ وهل يلزمه التوقف في الحال أم مراعاة التخلص التدريجي مما هو فيه من اتفاقيات وعقود؟ وماذا يكون الموقف إن كان كل هذا لا يكاد يؤثر في المعركة القائمة أو كان لا يؤثر في أية معركة لضعف حجم تأثير المقاطعة في هذا المنتج أو هذه السوق أو تلك الشركة والعلامة التجارية؟

11.          هل يجوز لأهل غزة اقتحام الحدود المصرية طلبا للغذاء والدواء وحصولا على المساعدات المحجوزة عنهم؟ فإذا مُنِعوا من ذلك فهل لهم أن يقاتلوا أفراد الجيش المصري؟ وما حكم من سيقاتلهم من هذا الجيش؟

12.          هل يجوز لأهل الأردن اقتحام الحدود مع إسرائيل مع ما في ذلك من الخطورة عليهم، لا من قِبَل إسرائيل وحدها، بل من قبل الجيش الأردني أيضا؟ وذات السؤال يقال: في هذه الحال ما حكم القاتل والمقتول؟!

13.          وقبل كل ذلك وبعده، كيف يمكن التخلص من هذا النوع من النظام الذي سلب من الأمة ومن علمائها القدرة على الفعل، وجعل كل شيء محتكرا بيد السلطة وحدها، حتى صارت الأمة كالدجاج المحبوس في الحظيرة، مهما اخترقتها الحسرة واستهلكها البكاء لا تستطيع أن تفعل شيئا.. إن التفكير في الصيغة المعاصرة من النظام الإسلامي الذي تستعيد فيه الأمة قوتها والعلماء نفوذهم هو من أخطر ما يجب أن يشغل عقول أهل العلم.

هذه الأسئلة كلها يترتب عليها أمور كثيرة، وتفتح نقاشات أخرى في موضوعات أخرى، ولكن الخروج منها ولو بأقل قدر من الاتفاق هو مفيد للغاية في توجيه النظر الفقهي، وترشيد الخطاب الدعوي، وإلهاب الخطاب الوعظي.. وهو ضروري في توضيح وفهم الواقع المعاصر، وفي التماس الطرق وفتحها، والإشارة إلى الممكن والواجب من الأعمال! وما من شك في أن أمة الملياريْن فيها من يستطيع أن يفعل شيئا إذا جاءته الفتوى المناسبة، وكان هو في المكان المناسب!

إن تحت أهل العلم حشودا من الدعاة والوعاظ والكُتَّاب والإعلاميين، ممن يرقبون قولهم، ويستطيعون أن يعيدوه ويجددوه بوسائل وأساليب مختلفة. إن العالم الصادق لا يعرف كيف هو حجم تأثيره في نفوس المسلمين الصادقين، فإن المسلم ما إن يبصر عالِمًا يثق بعلمه وفهمه، ويثق بدينه، إلا ويكاد أن يكون له كالمريد المطيع، يشير فيجيب، ويأمر فيأتمر.

 

(2) العلماء التطبيقيون

إن أول ما يُستفاد من معارك أمتنا، بما فيها معركة طوفان الأقصى، أننا أمة لا تفتقر إلى الباسلين والفدائيين والاستشهاديين، فالعدو المتفوق المدجج بالسلاح وبعد ثلاثة أسابيع يتخوف من الدخول إلى غزة، لكنه يسكب عليها من نيران طيرانه ما لا قبل لهم به وما لا يتسنى لأحد دفعه!

لو تخيلنا أننا استطعنا أن نشل طيران العدو، أو أن نكافئ طيرانه بطيران لنا، لكانت نتائج المعارك كلها مختلفة. فمنذ أن ظهر الطيران في أوائل القرن الماضي حتى بدأت خسائرنا تتكاثر وتزداد بسرعة وقسوة، ومع أن أمتنا استطاعت بعد التضحيات الهائلة أن تتحرر في كثير من المعارك، وأن تنتصر بالصبر وطول الأناة، فإن كثيرا من المعارك انتهى بانتصار العدو لتفوقه في الطيران!

إن أمتنا أمام تحدٍ فظيع في مسألة الطيران، وهذه لا يقوم لها إلا علماء الهندسة والاتصالات والميكانيكا والمقذوفات ومن حولهم ممن يعملون في هذا المجال!

ونعم، مثلما نحن مكبلون في أمور كثيرة، فنحن مكبلون في ساحة البحث العلمي، سواء من جهة الإمكانيات المتاحة والخبرات الفنية، أو من جهة الخوف والرعب من السجون والمعتقلات.. ومع ذلك فلا سبيل إلا المحاولة والمقاومة والتفكير في الحلول.. لست أشك أدنى شك في أن الذي سيخترع حلا لمشكلة الطيران هذه سيخلد اسمه في الأمة بل في العالم كله لألف سنة على الأقل، وسيفتخر به حفيده بعد أربعين حفيد.. إنه سيعيد التوازن مرة أخرى بين الضعفاء والأقوياء، بين الشجعان المتشبثين بأرضهم وبين الجبناء الذين يقذفون بالنار من السماء!

والأمر هنا لا يتعلق بالطيران وحده، ربما يستطيع أن يفعلها مبرمج يخترق الشبكات أو الرادارات أو أجهزة التحكم المختلفة في التوجيه، وليس بعيدا أن يفعلها مهندس مبتدئ يهتدي إلى ثغرة ما أو إلى سلاح ما أو إلى تشويش ما، فيتمكن بذلك من شلِّ هذا التفوق الجوي الملعون!

وقد يفعلها آخرون من الكيميائيين أو من غيرهم، ممن قد يستطيعون اكتشاف مادة أو تركيبة أو سلاح بيولوجي أو كيميائي، يمكن أن يُحمل على رؤوس صاروخية مقذوفة، فيتيح للمقاومة أن تقذف عدوها بهذا النوع من السلاح، وتملك بهذا ورقة تفاوض بها وتساوم وتقايض، بأن أي قصف جوي للمدنيين سيقابل بقصف صاروخي بهذا السلاح البيولوجي أو الكيميائي!

إنني أكتب، ولا شك يبدو في كتابتي جهلي بالموضوع، وربما تثير بعض عباراتي سخرية المتخصصين.. ولن أدافع عن نفسي، فإنما القصد أن أثير بعض الأفكار، وأن أوجه النظر إلى أن مشكلة الطيران لن تتعلق بفنيات الطيران وحدها.

إن معارك الأمة يجب أن يحتشد فيها الجميع، وكل امرئ في مكانه أعرف وأعلم بما يستطيع أن يفعل، وهو إذا كان صادقا وحاملاً للهمّ حقا، فستنبثق في ذهنه الأفكار الغزيرة والوسائل العديدة التي يمكنه أن يفعلها. إن سائر العلوم المدنية التي تستخدم في التطبيقات المدنية كتصنيع الثلاجات والغسالات والتكييف والكمبيوتر وغيرها من الأجهزة تقوم على قوانين علمية، وهذه القوانين يمكن بقليل من التفكير أو بكثير منه أن يستفاد بها في التطبيقات الحربية لتكون سلاحا بين يدي المجاهدين.

 

(3) علماء العلوم الإنسانية

إن مجالات العلوم الإنسانية مثل: علم النفس والاجتماع والاقتصاد والإعلام والتربية والتاريخ والفنون بأنواعها هي من أهم وأخطر أنواع العلوم، على رغم ما يكتنفها من مشكلات داخلية ومن قيود مكبلة كالتي تفرض على الجميع.

ومع ذلك فإن المجدّ المجتهد المخلص في شيء من هذه العلوم يستطيع أن يفعل الكثير والخطير والمهم أيضا، فإن الله تبارك وتعالى قد أودع في النفس البشرية قوانين وسننا، وأودع مثلها في المجتمعات، وظهرت ثمار هذا كله في حركة التاريخ.. إن اللوحة التي يرسمها حاذق مهموم، أو بيت الشعر الذي يخرج من عقل ذكي وقلب ملتهب، أو الخطبة التي يهدر بها صادق مخلص، أو المقال الذي يكتبه بصير خبير بطبائع النفوس... إلخ! كل هذا يساهم في تحويل الآراء، وتجنيد الفدائيين، وتبصير الغافلين! وهل الفدائي البطل إلا ثمرة كلام كثير صنع نفسه وشكّل عقله واختلط بروحه؟!

لكن معضلة مجالات العلوم الإنسانية هي في كثرة الكذب والوهم والخيال، وفي صعوبة التفريق بين الحق والباطل، إن الآلة التي يصنعها المهندس لا مجال فيها للوهم، فهي تعمل أو لا تعمل، وإنما مشكلة المهندس: هل يستعملها في الخير أم في الشر؟ في المهم والضروري أم في الترفيه والتمتع؟.. أما الكلام الذي يقوله عالم نفس أو اجتماع أو اقتصادي أو تربوي أو مؤرخ أو إعلامي فمعضلته الحقيقية أنه لا يمكن اكتشاف الكذب والوهم فيه إذا أُحْسِنَتْ زخرفته وصياغته.. ولهذا كم راجت من أوهام وخرافات وأكاذيب تلبست بلباس العلوم ونطق بها من يقال عنهم خبراء وأساتذة!

وهنا تأتي معضلة الأمانة: فالواجب ألا يتكلم في الشأن إلا من كان على علم بما يقول، وكان في قوله هذا صادقا متورعا. ثم الواجب على المستمع أن يتأمل في القائل، فلا يتبع إلا من يثق في دينه وفي علمه معا.

 

(4) وآخرون من ورائهم

قد وزَّع الله الأرزاق والمواهب والقدرات.. سيظل العلماء في كل مجال محتاجين إلى آخرين من ورائهم، سيحتاجون إلى آخرين لم يرزقوا موهبة العلم في أي مجال لكن رزقوا مواهب أخرى، وهذا موضع اختبار الله لهم:

1.    فمن أولئك من رزق المال والقدرة على الكسب وأنعم الله عليه بالثراء، فمثل هذا عليه واجب الإنفاق والدعم والرعاية لكل هؤلاء السابقين.. فكم في بلادنا من أقعدته الحاجة والانشغال بها عن السعي في قضايا الأمة والتفكير في شأنها!

2.    ومنهم من رزق الشهرة والانتشار الواسع، فمثل هذا عليه واجب التعريف بهم والدلالة عليهم وتوجيه الأنظار إليهم.. فكم في بلادنا من أذكياء أفذاذ لا يُعرفون، فلو كانوا قد أتيحت لهم النوافذ المناسبة لجنت الأمة من ورائهم الخير الكثير، ومن يدري: لربما استطاع بعضهم تغيير التاريخ!

3.    ومنهم من رزق علاقات كثيرة ممتدة ومتنوعة، فمثل هذا عليه واجب تيسير الطريق لهم، ليوضع كل امرئ في موضعه ويتوسد الأمر إلى أهله.. فكم في بلادنا من كفاءات مطمورة مدفونة لم تستفد منها الأمة لأنها لم تعرف أو لم تستطع أن تكون في المكان الصحيح.

4.    ومنهم من رزق القدرة على الإدارة والتنفيذ، فهو قادر على أن يسمع ويفهم، ثم هو يستطيع تجسيد الأفكار في مؤسسات وشركات يعجز عن إنشاء مثلها الخبراء أصحاب الأفكار، فمثل هذا عليه واجب جمع الطاقات المتناثرة وتنظيمها.. فكم في بلادنا من متناثرين لا يعطلهم عن العمل الجاد ولا يعطل الأمة عن الاستفادة بهم إلا افتقادهم لهذا المدير!

وآخرون لا أستطيع أن أحصيهم ولا يستطيع خيال كاتب أن يجمعهم! ولكن في ما مضى إشارة كافية.

إن طوفان الأقصى، وما نراه من العظمة التي يسطرها إخواننا في فصائل المقاومة! ثم ما نراه من حمام الدم الذي يسيل، يفرض علينا طوفانا آخر.. ذلك هو: طوفان الواجبات.

نشر في مجلة أنصار النبي ، نوفمبر 2023

الخميس، سبتمبر 21، 2023

لطمتان في وقت واحد!

 



كان من عجائب التوافق أن وقع النصر والتحرير في أفغانستان في نفس الوقت الذي شهد انهيار تجربة حركة النهضة في تونس، حيث جرى الانقلاب على راشد الغنوشي وإزاحته من المشهد، فكان ذلك بمثابة اللطمتين المتعاكستيْن في وقت واحد: انتصار طالبان، وانهيار الغنوشي!

لقد انتصر أولئك الذين يُوصمون بأنهم متشددون في الدين، لا يفهمون العالم ولا يحسنون التقدير، وانهار ذلك الذي قدَّم أكثر المحاولات التطويعية للإسلام لكي يوافق المزاج الغربي، فسعى جهده لتطويع الإسلام فكريا ليجعله مجرد نسخة حداثية غربية، وسعى جهده لتنفيذ كل التوصيات العملية السياسية التي تجعله حزبا سياسيا أليفا ولطيفا ملتزما إلى أقصى حد بالمواصفات التي تطمئن الغربيين وتؤكد لهم أنه حزب "معتدل"!

ولذلك عاشت البيئة النخبوية الثقافية الإسلامية في صدمة ارتباك لفترة من الزمن، ولا تزال آثارها باقية حتى لحظة كتابة هذه السطور، فأي محنة أشد من هذه يمكن أن يعيشها أولئك الذين عاشوا أعمارهم يُنَظِّرون لأن التشدد هو مشكلتنا الثقافية التي سببت هزيمتنا وتخلفنا! وعاشوا يرسمون لنا أن التقدم والتطور كامن في الاستفادة من الحداثة الغربية وفهم التجربة الغربية في الانتقال من التخلف إلى التفوق.

ثمة أسباب عديدة يمكن أن تفسر نجاح طالبان ومن ورائها الشعب الأفغاني في دحر الاحتلال الغربي، وتفسر نكسة الحركات الإسلامية في العالم العربي، ولكني أريد في هذه الأسطر أن أتوقف عند سببٍ واحدٍ أراه أحد الأسباب الرئيسية في تحقيق الفارق بين التجربتيْن: ذلك هو الإيمان بـ "الدولة"!

إنه ما من صانع قرارٍ غربي حاول أن يبحث أسباب فشلهم في أفغانستان، إلا وقد توقف عند الفشل في بناء "الدولة"، بل لقد كان عدم وجود "الدولة الحديثة" مخيفا للأمريكان قبل احتلالهم، ولذلك اقترح بول وولفوتيز قبل الاحتلال أن يبدؤوا باحتلال العراق، إذ فيها دولة حديثة وجيش نظامي، ومن ثَمَّ سيسهل تحقيق النصر الأمريكي، بينما أفغانستان التي لا فيها دولة حديثة ولا جيش نظامي سيصعب الانتصار عليها[1].

وفيما بعد احتلال أفغانستان، لخص زلماي خليل زاده مسؤوليته فيها بقوله "توسطت في نزاعات بين أمراء الحرب، وحثثتهم على التعاون مع الحكومة الوطنية، كما ساعدت القادة الأفغان على وضع حجر الأساس للمؤسسات الوطنية، مثل: الجيش الوطني الأفغاني"[2].

وتقول كونداليزا رايس، التي عملت مستشارة للأمن القومي ووزيرة للخارجية، عن الفرق المتنوعة التي عملت في أفغانستان: "مع أن هذه الفرق كانت متنوعة التركيب والنشاط إلا أن لها جميعا هدفا واحدا، هو مد سلطة الحكومة الأفغانية المركزية"[3].

ومثلها يقول روبرت جيتس، الذي تولى وزارة الدفاع الأمريكية بعد دونالد رامسفيلد، وكان قد تولى قديما رئاسة المخابرات المركزية الأمريكية: "كانت عشرات الدول والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية منخرطة في محاولة مساعدة الأفغان على تأسيس حكومة فاعلة"[4]، ويقول أيضا: "إن هناك تركيزا كبيرا في إنشاء حكومة مركزية قوية في بلد لم يسبق له عمليا أن كانت فيه حكومة، وتركيزا بسيطا جدا في تحسين الحكم والأمن والخدمات على صعيد المحافظة والقضاء، بما في ذلك الاستفادة أكثر من زعماء العشائر الأفغانية المحلية ومجالسها"[5].

ولا يقتصر الأمر على الأمريكان وحدهم، ففي مذكرات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والتي صدرت قبل أقل من عام (صدرت في أكتوبر 2022م)، نرى نفس الأمر أيضا؛ فقد روى نتنياهو أن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري أراد إقناعه بالموافقة على مقترح للسلام، ولكن نتنياهو أصرَّ على أن يحتفظ بحق اقتحام المناطق الفلسطينية بقواته الأمنية والعسكرية "لاستئصال الخلايا الإرهابية"، ولما طمأنه كيري بأن الأمريكان سيدربون قوات الأمن الفلسطينية للقيام بهذه المهمة، لم يطمئن نتنياهو، فاقترح عليه كيري ترتيب زيارة سرية لأفغانستان ليطلع بنفسه على إنجاز الأمريكان في تدريب الجيش الأفغاني، فقال نتنياهو: "في اللحظة التي ستغادر فيها أفغانستان ستقضي طالبان على هذا الجيش"، يواصل نتنياهو: وهذا ما حدث فعلا في 2021، ما إن سحبت أمريكا آخر قواتها حتى تبخر الجيش الأفغاني خلال أيام[6]!

ولقد كرر نتنياهو أكثر من مرة، في مذكراته، أن القوات التي يدربها الاحتلال لا تتمتع بنفس الإيمان والتضحية العقائدية التي تتمتع بها المنظمات التي يسميها "إرهابية"، ومن هنا قرأ سيطرة طالبان على أفغانستان كنموذج متكرر لسيطرة حماس على غزة (2007م) وهزيمتها لقوات السلطة الفلسطينية، ولسيطرة حزب الله على لبنان (2000م) واستعصائه على قوات الجيش اللبناني[7].

الخلاصة المقصودة أن الشعب الأفغاني احتفظ بعافيته، ولم تستطع "الدولة الحديثة" أن تكسر المجتمع الأفغاني ولا أن تتغلغل فيه وتتغول عليه، ومن ثَمَّ بقي المجتمع قادرًا على مقاومة الاحتلال، واحتضان المقاومة، ونبذ السلطات العملية المرتبطة بالمحتلين! وأهم من ذلك أن الأجهزة التي بناها الاحتلال لم ينظر إليها الأفغان باعتبارها مكسبا ولا على أنها مؤسسات وطنية يجب الحفاظ عليها!

بينما العكس تماما هو ما وقع في عالمنا العربي، وقد ازدادت محنة العرب حين نشأت هذه "الدولة الحديثة" وجيوشها النظامية بأيدي الحكام المحليين، مع أنهم كانوا عمليا تحت نفوذ الأجانب المحتلين، ومن المؤسف أن الحركات الإسلامية في العالم العربي –مع وجود الغفلة وطول الزمن- اعتبرت أن هذه المؤسسات الدولتية هي من المكاسب الوطنية التي تتحتم المحافظة عليها.

لقد ارتكب الغنوشي كل تنازل ممكن بغية المحافظة على الدولة ومؤسساتها، وأبدى عبد الفتاح مورو احترامه الكبير للطاغية المجرم للحبيب بورقيبة –مع أن مورو من ضحايا التعذيب في عهده- لأنه بنى "مؤسسات الدولة التونسية"، وكان الرئيس مرسي رحمه الله حتى جلسة محاكمته الأخيرة يطلب جلسة خاصة يُفضي فيها إلى قضاته بما لديه من أسرار لأنه كان رئيس دولة ويملك ما يرى أنه يجب ألا يُذاع!! ثم مات في نفس هذه الجلسة!! لقد كان وفيا لمنطق الدولة –مع كل أسف- حتى مات مقتولا على يد هذه الدولة نفسها!!

لقد سمحت الحركات الإسلامية العربية لهذه الدولة ومؤسساتها أن تفترسهم، ولم تفكر حتى الآن في أن هذه "الدولة" إنما صُنِعت أساسا لا لخدمة الشعب، بل للسيطرة عليهم وتنظيم امتصاص أموالهم، ولم تكن هذه الدولة إفرازا طبيعيا لديننا ومجتمعنا، وإنما نزلت علينا عبر الاحتلال وصنائعه، فما من قصة احتلال ولا هيمنة أجنبية إلا وكان لها صراع عنيف كسرت فيه المجتمع، وجردته من سلاحه، وهيمنت على أوقافه، وسيطرت على أمواله!

إن قوة المجتمع الإسلامي كامنة في توزع القوة فيه، فجيشها لا يحتكر السلاح ويجرد الرعية منه، والسلطة لا تسيطر على أنشطة المجتمع وفعالياته العلمية والاقتصادية والاجتماعية، والتماسك القبلي والعشائري هو أحد أهم عوامل القوة الداخلية والخارجية وليس نقطة ضعف كما تنظر إليه الحداثة التي لا تريد إلا سلطة قوية شاملة ومواطنا فردًا متجردًا من كل قوة ومربوطا بها في كل خطوة!

النظام الإسلامي نظام يحرص على قوة المجتمع وقوة العلماء وقوة التلاحم القبلي، لأن مجتمعًا بهذا الأسلوب لا يمكن احتلاله ولا يمكن الطغيان عليه، ولو حدث، فإنه احتلال متعثر وزائل، وهو كذلك طغيان محدود ومتهدد.

والدولة التي تتوغل على المجتمع لا تكتسب قوَّتَها إلا على حساب قوته، وكلما اختُزِلت القوة في السلطة كان الجميع مهددًا، فإذا استبد بالسلطة طاغية لم يستطع أحد أن يقوم له، وإذا هَزَم أجنبي جيش الدولة الرسمي فقد انهارت البلد كلها ولم يعد فيها مقاومة.

ونحن في الذكرى الثانية لتحرر أفغانستان، نعيد ونكرر ونجدد التهنئة على ما كتبه الله لهم من النصر، ونعيد ونكرر ونجدد الأمل في أن تبقى أفغانستان مجتمعا قويا متماسكا متلاحما، متمسكا بالدين وحريصا عليه، مستعصيا على استبداد طاغية محلي أو على احتلال طاغية أجنبي.


نشر في مجلة الصمود، الناطق بلسان الإمارة الإسلامية في أفغانستان، سبتمبر 2023



[1] كونداليزا رايس، أسمى مراتب الشرف، ص114.

[2] زلماي خليل زاده، السفير، ص7.

[3] كونداليزا رايس، أسمى مراتب الشرف، ص139.

[4] روبرت جيتس، الواجب، ص248.

[5] روبرت جيتس، الواجب، ص238.

[6] Benjamin Netanyah, BIBI: My Story, p. 527.

[7] Benjamin Netanyah, BIBI: My Story, p. 527-8.