الجمعة، سبتمبر 03، 2021

تلك العتمة الباهرة



ليس من أحد يسير في طريق الحق في هذا الزمن إلا وهو يتخوف على نفسه السجن والأسر والتعذيب، ويكون هذا من أشد هواجسه وأدومها وأكثرها إلحاحا على نفسه!

ولا أعرف أحدا يفضل السجن على الموت، بل كل من أعرف يفضل الموت على السجن!!

وفي ظل هذه الهواجس يثور السؤال المتكرر: ما كان لك ولهذا؟!.. أما كان خيرا لك أن تسكت وتصمت وتعيش مثل الناس؟!.. ماذا لو نزل بك السجن الآن، فكيف يكون حال أبيك وأمك؟ كيف تفعل زوجك؟ كيف سيتربى أبناؤك؟!!

تلك الأسئلة التي ينثرها الشيطان في روعك تزيد ضراوة وشراسة إذا ضاق الخناق عليك، وشعرت بالخطر..

يهرع المؤمن ليتلو على نفسه آيات (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) وأحاديث (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك).. وبقدر ما في زاد الرجل من إيمان بقدر ما يطمئن قلبه بهذه الآيات والأحاديث!

يعين على هذه الطمأنينة أن الطغاة لا يغفرون، ولا يصدر عنهم العفو.. إن الاسم حين يسكن سجلات الطغيان لا يُمحى.. الطاغية نفسه يخبرك ألا سبيل أمامك إلى التراجع، فلا عفو هنا ولا توبة.. ولئن كان الطاغية يتصرف كأنه إله، فإنه لا يفكر أبدا أن يكون كالإله في عفوه ورحمته وقبوله التوبة وإحسانه إلى التائب!

وحيث قد أغلق الطاغية الطريق من جهته، فلم يبق أمامك -أخي الذي اختار طريق الحق- إلا أن تواصل الطريق.. فانظر كيف كان الطاغية من أسباب الثبات والتقدم!!

فلقد أقسمتُ أن لو كان الطغاة يغفرون ويقبلون التوبة، لعاد إليهم كثيرون.. ولكن الله ذو رحمة بعباده الصالحين!

لكن أمرا آخر، غير متوقع أيضا، عرفته من أسباب الثبات.. ذلك هو محنة من لم يكن له في الأمر نقير ولا قطمير.. فإنك حين ترى السجون حافلة بمن لم يفكر يوما في المواجهة أو المقاومة، وترى ما ينزل بهم من العذاب والنكال والإذلال، يندفع إلى رأسك فورا تفكير عنيف يسأل مفترسا: كيف هذا؟ ولماذا؟

ثم لن تجد جوابا إلا ما يندفع إلى قلبك بأنه: لا فرار من القدر، فما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك.. فالقدر فوق الأسباب.. وما كل من سار في الطريق لقي الأذى، ولا كل من ابتعد عنه نجا..

وهكذا، يكون الفرار هو الفرار إلى الله..

تذكرتُ هذا الأمر، إذ قرأت "تلك العتمة الباهرة" للطاهر بن جلون.. وهي من أشهر أعمال أدب السجون في العالم العربي، كتبها صاحبها عن قصة حقيقية لمعتقل قضى ثمانية عشر عاما في سجن تزمامارت المغربي الرهيب، الذي هو علامة على عصر الملك الحسن الثاني.

وقد شاء الله أن تعالى، وذلك من حكمته، أن يبقى اسم تزمامارت علما على هذه الحقبة برغم كل ما بذله ملك المغرب لمحو هذا السجن من سجلات التاريخ.. عدد من المذكرات والأفلام الوثائقية والحلقات التلفازية التي أحيت ذكرى تزمامارت حتى صار عصيا على النسيان.

فمن لم يكن من أهل القراءة فلقد تيسر له أن يستمع، ومن لم يكن من أهل السرد فقد تيسرت له الدراما.. وهكذا يضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء!

وبعيدا عن تزمامارت الآن، فإن أكثر ما جذبني في تلك الرواية أن الذين قضوا في تزمامارت ثمانية عشر عاما لم يفكروا لا في المقاومة ولا المواجهة ولا التمرد، كانوا مجرد جنود، وكانوا ينفذون الأوامر.. بل إن بعضهم ركب السيارات العسكرية لمجرد أن يصل إلى المدينة أو لمجرد أنه نُسِي في إجازة سابقة، فخرج معهم لمجرد أنها وسيلة مواصلات!!

وهكذا إذن، شاب لا يفهم في السياسة ولا يعرف شيئا عن الدين، فهو بين مدرسته العسكرية في أهرمومو وبين بيت الدعارة وبين بيت أهله.. وجد نفسه فجأة مدانا في محاولة انقلاب، دفع ثمنها ثمانية عشرة سنة من عمره!

الجنون والموت من الغيظ هو نتيجة منطقية لاختلال المنطق وانعكاس كل شيء.. وقد مات عدد منهم بالجنون والقهر بالفعل.. ستون سجينا مات نصفهم بالفعل.

لئن كان في مناهضة الطغاة شيء من السلوى، فهي تلك السلوى.. إن الأسير الذي أغاظهم فسجنوه ليس مضطرا لمواجهة هذا الجنون، على الأقل هو يعرف أنه يدفع ثمن الطريق.. وتلك سلوى عظيمة لا يعرف قدرها إلا من اصطدم لأول مرة بالفرعونية والطغيان فتفاجأ بكل هذا الطوفان من الوحشية اللا منطقية واللا معقولة واللا مفهومة والتي لا يمكن حتى التصرف معها بحال!

تلك العتمة الباهرة..

لن أحدثك كثيرا عنها، فإنها من أشهر الروايات، وستجد آلاف المراجعات والمقالات المنشورة عنها.. يهمني أن أشير إلى ما أرى أنه يغيب ذكره..

كنت قد حدثتك أخي القاريء، وربما تكون مللت مني في هذا، أن أدب السجون من ثلاثة فروع أرشحها دائما لمن يحبون قراءة الروايات، وهي: كتب المذكرات والسير الذاتية، كتب الرحلات والأسفار، أدب السجون.. ذلك أنها كتب تجمع بين كونها حقيقية -لا خيالية- وبين كونها خفيفة غير ثقيلة ولا جافة كما هي كتب العلوم الأكاديمية.

إن كتب المذكرات تبسط لنا علوم السياسة والحرب والتاريخ والاجتماع وعلم النفس أيضا، بحسب كاتبها.. وكتب الرحلات والأسفار تبسط لنا علوم التاريخ والحضارة والثقافة والسياسة والاجتماع.. وأدب السجون تبسط لنا علوم النفس والاجتماع والتاريخ!

وربما أقسم أن الذي يعكف على تلك الكتب تدبرا وتأملا، يستطيع أن يستفيد منها ما لا يستفيده الدارس الأكاديمي الذي يقرأ تلك العلوم في أثواب صفيقة غليظة وتصنيفات صارمة جامدة تنسف الانسجام الإنساني الكائن في تلك العلوم، فتجعلها تحليلا جافا لجزئيات متناثرة.

تلك العتمة الباهرة.. كتاب يخوض في علم النفس فحسب!!

هو لا يهتم بالتاريخ ولا بالحديث عن المغرب ولا الملك ولا الانقلاب وأسبابه.. إنما هو تعمق طويل في أساليب النفس حين تواجه محنة ضخمة لا فكاك منها!!

صاحبنا صاحب الرواية كانت له طريقته في ذلك، الاستسلام التام، النسيان التام، الطرد التام للأفكار والماضي، الطرد التام للمستقبل، محاربة الأمل، محاربة الكراهية.. سيبذل جهدا عظيما لكي لا يكره جلاديه، ليس من أجلهم، بل خوفا أن تكون هذه الكراهية هي النار التي ستأكله وتقتله.. سيعكف طويلا على نفسه وتأملاته وصمته الطويل، يحاول بذلك أن ينسحب من نفسه ويحلق في عالم الروح.. نجح أحيانا ووصل لما يمكن أن نسميه مقامات روحية عالية، ولما قد يسميه آخرون تهيؤات وهلاوس..

كان يلح علي طوال القراءة في هذا النمط سؤال يقول: هل هذه أيضا هي طريقة شعوبنا المقهورة في مواجهة محنتها؟.. إن الهرب إلى المخدرات أو إلى كرة القدم أو إلى الشهوة أو إلى الانغماس في عمل الخير أو إلى التصوف المنسحب.. كل هذا أليس هربا؟!

أليست محاولات التماس الأعذار للسلطة والجلادين هو هرب أيضا من مواجهة الحقيقة المرة التي يكون الاعتراف بها محنة بلا حل؟!

هل يكون علم النفس هو صورة مصغرة لعلم الاجتماع؟!

على كل حال، سواءٌ أعجبتك طريقة صاحبنا هذا في مواجهة محنته أم لم تعجبك.. فالمؤكد أنك ستتوقف طويلا أمام أنواع الموت في تزمامارت..

هناك من مات بالإمساك، تراكمت فضلاته في جوفه، تُرك بلا علاج حتى مات.. وهناك من مات بالإسهال، نزف كل ما في جسده حتى مات.. وهناك من مات باحتقان البول!

هناك من مات بالطعام الجيد، فحين تحسنت الأحوال في الشهور الاخيرة -لأن نظام المغرب أُحرج بانتشار فضيحة تزمامارت- لم يتحمل جسد أحدهم الطعام الجيد بعد ثمانية عشر عاما من الطعام الرديء.. فمات!

وهناك من مات من الجنون.. ومن المأساة في تزمامارت أن كلبا عضَّ أحد الجنرالات -فيما يبدو- فحكم عليه بالسجن خمس سنوات في تزمامارت.. لم يتحمل الكلب أسابيع، زمجر وغضب أول الأمر، ثم استكان وأنَّ وبكى ثانيا، ثم جُنَّ وهاج حتى خافه السجانون فلم يجرؤوا على إطعامه، فمات..

وهناك أنواع موت مبتكرة، فهناك من مات بسبب فقد الحِكاية.. كانت الحكاية سلواه، فلما مرض الذي يحكي فسكت وغشي عليه، مات الذي فقد سلواه!!

لكن موتا شدّني جدا.. لقد مات أحدهم من الشكّ..

في كل قصة سجن ستجد قصة معركة بين المساجين، إن الهزيمة تثير الإحباط، وتثير الشك في الطريق، ستقرأ قصة كهذه في كل عمل عن أدب السجون.. وفي قصتنا هنا اشتعلت مشادة بين سجينيْن لحسين وسليم على النحو التالي:

قال لحسين لسليم: أنت ابن زنا، أبوك نديم الملك وسميره، فلولا أنه يعرف أنك لست ابنه لتوسط لك ليعفو عنك!

ردَّ سليم، وقد بلغ منه الاستفزاز مبلغه، بواقعة قديمة خلاصتها أن لحسين استطاع -قبل أن يأتي لتزمامارت- أن يلتقي بزوجته في مستشفى سجن القنيطرة، فوقع بينهما ما وقع بين الرجل وامرأته، فحملت منه، فولدت ولدا.

لم يجد سليم إلا أن يستفزه فيقول له: كيف تصدق أن هذا ولدك؟!.. لقد أنجبته من آخر.. ما الذي يدريك؟!

وهنا انهار لحسين.. لقد وقع في نفسه الشك.. ومع أن سليما بذل كل جهد فيما بعد لينزع عنه هذا الشك وليعتذر عنه بأنها ساعة غضب قال فيها زورا، إلا أن لحسين لم يرجع عن شكه.. لقد حطم تزمامارت نفسيته، وجعلها هشة ضعيفة.. وما زال في شكه حتى مات!!

تلك الواقعة تحديدا قد تفسر لماذا تنتشر بين شعوبنا الشائعات الفجة الحقيرة التي تضرب اطمئنان الناس في أوثق صلاتهم الاجتماعية، إن حياتنا تحت ظل الاستبداد القاهر هي التي تنتج شكوكا فظيعة بين الرجل وزوجه، وبين الرجل وابنه، وبين الرجل وأخيه.. ولذلك تكثر حوادث القتل بشبهة الخيانة!!

الوضع القاهر يهيئ النفس لتصديق كل الشكوك، فإذا كان الفقر مصحوبا بالانحلال الأخلاقي والاجتماعي، فإنه ليس بعيدا أن تكون الجرائم والفواحش هي الحلول الأقرب لتفسير كل شيء.

قبل عقود لم يكن سهلا تصديق أن تزني المرأة بدافع الفقر، أو بدافع الحب.. كانت المجتمعات قوية متماسكة متعارفة.. فللمرأة آلاف السبل لتأكل دون أن تفرط في نفسها، وأمامها آلاف الخواطر والتهديدات لو فكرت في الخروج عن النظام الاجتماعي والمخاطرة بالتفريط في شرفها.. الآن ليس الوضع كذلك.. الآن يسهل تصديق هذا في المجتمع الذي اجتمع فيه الفقر والانحلال.. ولهذا يسهل جدا الإيقاع بين الأسرة الواحدة، ولهذا تكثر الجريمة، ويكثر الانتحار!!

أحد الحراس في تزمامارت بدأ في التعاون مع السجناء، فصار يهرب لهم العقاقير المسكنة أو الفيتامينات.. سأل أحدهم: أي نوع تريد؟ فقال السجين:

أريد أي نوع من العقاقير فعندي كل الأوجاع

نعم.. هكذا كان.. وهكذا هي مجتمعاتنا الآن.. نحن الآن في حاجة لأية عقاقير، ولأي نوع من العلاج، نحن نحتاج كل التخصصات، كل المسعفين، كل الأطباء، كل علماء النفس والاجتماع والدعاة والوعاظ والعلماء..

لقد منع عنا الطغيان والاستبداد كل أنواع الدواء، في الوقت الذي فتح فيه علينا كل أنواع المرض.. وصرنا نحتاج لكل قطرة جهد وكل كلمة حق وكل دعوة خير..

علينا أن نتعامل مع أمتنا بهذه النفسية: نحن بحاجة إلى أية أنواع من العقاقير، لدينا كل الأوجاع!!


هناك 4 تعليقات:

  1. أنا مغربي ولست من المهتمين بهذا الكاتب الفركفوني
    لكن قراءتك لروايته في هذا المقال جعلني أعيد النظر
    اشتقت الى اطلالتك مع أ. محمد ناصر

    ردحذف
  2. وجع مابعده وجع
    هذا حال امتنا مذ فرطنا في سيادتنا

    ردحذف
  3. وكأنك تصف حال كل ليبيا أيام العميل القذافي وحال برقة الأن تحت حكم العميل حفتر، أسأل الله العلي القدير أن يهيئ لبلاد المسلمين أمر رشد يعز فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته.
    سقى الله أرض مصر وحفظ أهلها الكرام من كل سوء، محبكم في الله من بنغازي ليبيا

    ردحذف
  4. نحتاج لكل العقاقير ولاي عقار ، وسينفعنا ايها لأننا اصبحنا نحمل كل الامراض

    ردحذف