الجمعة، فبراير 20، 2015

موجز تاريخ الدولة الأموية (4)

اقرأ أولاً:

ساد الهدوء بشكل عامٍّ خلال عهد سليمان بن عبد الملك، وكان سليمان ممن يستعين بالعلماء وأهل الصلاح ويُوَلِّيهم، ومن أبرز مستشاريه رجاء بن حيوة وعمر بن عبد العزيز، وكانت سياسته قائمة على الموادعة والملاينة، ووصل آل البيت وآل الزبير، وكان على خلاف مع الحجاج بن يوسف، الذي تمنى أن لا يمكن الله سليمان منه وقد كان؛ إذ مات الحجاج قبل ولاية سليمان، غير أن عهد سليمان شهد مأساة أخرى.

رفض الفاتح العظيم قتيبة بن مسلم الباهلي البيعة لسليمان، وخشيه على نفسه؛ فقد كان قتيبة ممن دعم عزل سليمان من ولاية العهد، فأعلن ثورة على سليمان بن عبد الملك؛ لكن لم يستطع أن يجمع مَنْ معه من الجيش على رأيه، وتطوَّرت الأحداث حتى قُتل قتيبة بن مسلم في هذا الخطأ القاتل والزلة التي أنهى بها حياة الأمجاد الواسعة والمآثر العظيمة، فكم دخل الإسلام بلادًا وقلوبًا بفضل قتيبة بن مسلم، ولقد كان هذا سببًا إضافيًّا ليشتد سليمان بن عبد الملك في عزل رجال الحجاج بن يوسف الثقفي، وتولية مَنْ كان الحجاج قد ظلمهم، أو لهم عنده ثأر، فولَّى يزيد بن المهلب بن أبي صفرة الذي تقصى رجال الحجاج بالانتقام والعزل؛ ومنهم محمد بن القاسم فاتح السند وأحد أكبر الفاتحين في التاريخ الإسلامي، الذي سُجن وعُذِّب، وثمة روايات -أيضًا- تُفيد بأن موسى بن نصير لما حضر من الأندلس إلى دمشق حبسه وغرمه أموالًا، وقيل: عذبه -أيضًا- حتى مات[1]، وهكذا كان عهد سليمان بن عبد الملك هو عهد مقتل الفاتحين الكبار، الذين أعطوا للدولة الأموية وللمسلمين جميعًا مأثرة لا تُقَدَّر بثمن، وهذه المقاتل كانت سُبَّة أُضيفت إلى الدولة الأموية.

لكن الفتوح استمرَّت، بل قام سليمان بمحاولة جريئة لفتح القسطنطينية، فأرسل جيشًا كبيرًا بقيادة أخيه مسلمة بن عبد الملك، وتعامل مع هذا الفتح وكأنه قضية حياته؛ فاتخذ مدينة دابق في شمال الشام مركز عمليات يُتابع منه الوضع، وأقسم ألا يعود حتى يفتح القسطنطينية أو يتوفَّاه الله، وهو ما كان، إذ توفَّاه الله (صفر 99هـ) بعد ثلاث سنوات من الخلافة، وكان من مآثره أنه عهد بالخلافة من بعده لأفضل خليفة في الدولة الأموية؛ وهو عمر بن عبد العزيز.

ولأجل علمه أن ولاية عمر لن ترضي الأسرة المروانية؛ فعمل على التحايل بأن كتب الولاية بالعهد في رسالة هذا نصها: «هذا كتاب من عبد الله سليمان بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز، إني قد وليته الخلافة من بعدي ومن بعده يزيد بن عبد الملك، فاسمعوا له وأطيعوه، واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم عدوكم». وأمر بأن يُبايَع على ما فيها دون أن يعلم أحد بما فيها، وبهذا تمَّ الأمر، ولم يخلُ -مع ذلك- من صعوبات واعتراضات.

كان عمر بن عبد العزيز جوهرة الخلفاء في بني أمية، جدَّد سيرة الخلفاء الراشدين، وأقام العدل في أنحاء البلاد، واعتبره العلماء مجدَّد المائة الأولى الذين أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله يبعثهم لتجديد أمر الدين، وضرب المثال في الزهد والصلاح، والحرص على مصالح المسلمين، وكان من العلماء الذين بلغوا رتبة الاجتهاد في الدين، وجمع خلال الخير؛ حتى كأنه أكثر من شخص واحد؛ بل لقد قال فيه الإمام الذهبي مؤرِّخ الإسلام كلمة عجيبة: «يُعَدُّ في حسن السيرة والقيام بالقسط مع جده لأمه عمر، وفي الزهد مع الحسن البصري، وفي العلم مع الزهري»[2]. والكلام في مدحه يطول، والمواقف التي تروى عنه كثيرة - رضي الله عنه -.

بدأ عمر خلافته بالتخلِّي عن البيعة التي بويعت له، وترك للناس تقديم مَنْ يرضونه في الخطبة التي خطبها أول عودته إلى دمشق، ولكن الناس تمسَّكوا به؛ لما يعرفونه عن شخصه وسيرته وعلمه، ولما رأوا من زهده في الخلافة، فبدأ عمر خلافته بردِّ المظالم، وخرج من كل أملاكه التي آلت إليه بالوراثة أو الهدية، مما كان يحوطها من شبهة ظلم، ثم ثَنَّى بردِّ المظالم التي اقترفها بنو أمية من الناس، ثم عزل الظالمين من الولاة، وولَّى أهل الصلاح، ورفع المظالم عن الموالي والعبيد، وما كان قد وقع من مظالم على أهل الذمة، بل وأمر الجيش الفاتح بعد دخوله سمرقند أن يخرج منها؛ بعد وصول شكوى أهل سمرقند بأن الجيش لم يدخل مدينتهم دخولًا شرعيًّا، وبالفعل كاد القرار ينفذ لولا أن تنازل أهل سمرقند عن شكواهم ورضوا بالفتح وبالمسلمين، ولا يتسع المقام لتتبع مآثره في هذه العجالة.

وكانت سياسة عمر التوقُّف في الفتوح، والاكتفاء بما وصل المسلمون إليه؛ خشية على المسلمين من التوغُّل، الذي يُوقعهم في كمائن الأعداء بعد طول انقطاعهم عن مراكز الإمداد في البلاد الإسلامية، فأعاد جيش القسطنطينية الذي تحول الموقف العسكري إلى غير صالحه، وراسل السمح بن مالك الخولاني -والي الأندلس- بألاَّ يتوغَّل في بلاد فرنسا، وأرسل بهذا إلى عبد الرحمن بن نعيم الغامدي -والي خراسان- إلَّا يتوغَّل في بلاد ما وراء النهر[3] وأن يكتفي بما تم فتحه، ثم راسل ملوك الهند (الأرض التالية للسند التي فتحها محمد بن القاسم)؛ فدعاهم إلى الإسلام وطمأنهم، ووعدهم أن يظلَّ كل منهم على حاله في مملكته، وكان قد وصلت إليهم أخباره وسيرته، فأسلموا ودخلوا في سلطة الخلافة الإسلامية؛ وبذا تمَّ فتح بلا سيف ولا دم، وأمَّا الجبهات التي تعرَّض المسلمون فيها للإغارة -كما وقع من بلاد الترك ومن الروم- فقد تصدَّت الجيوش الإسلامية لها وانتصرت عليها.

وفي سنتين فقط هما فترة عمر بن عبد العزيز في الخلافة تمَّت إنجازات إدارية ومالية ودعوية وسياسية وحربية وقضائية لا تكاد تصدَّق، شمولًا وتنوُّعًا واتِّساعًا، ثم اختلفت الروايات هل مات ميتة طبيعية، أم مات بأثر السم الذي وضعه له أحد الخدم الذين دفعهم بعض بنو أمية الموتورين على عمر؟ ومهما يكن من أمر فقد رحل عمر بن عبد العزيز إلى جوار ربه في رجب من عام 101هـ، وهو في الأربعين من عمره .. فترك سيرة خالدة لا تطويها الأيام، ولا تُنسى عبر القرون والأجيال.

تولَّى بعد عمر بن عبد العزيز يزيد بن عبد الملك، وهي اللحظة التي نبدأ منها المقال القادم بإذن الله تعالى.

نشر في ساسة بوست



[1] وإن كانت هناك روايات أخرى لا تذكر شيئًا عن هذه النهاية المأساوية لموسى بن نصير، بل تذكر أنه مات موتًا طبيعيًّا بعد حجه وهو في المدينة المنورة، والتحقيق المتأني يحتاج بسطًا ليس هذا مكانه.
[2] الذهبي: تذكرة الحفاظ 1/90.
[3] بلاد ما وراء النهر، تعني البلاد الواقعة وراء نهر جيحون، وهو يسمى الآن نهر "أموداريا"، وكان قديما جدا يسمى أكسوس Oxus، والذي تنبع أصوله من جبال طاجيكستان وشمال أفغانستان.