الاثنين، يوليو 30، 2012

ميلاد الدولة الحمدانية

قامت الدولة الحمدانية كأثر من سياسة الخلافة العباسية في ترك المجال لقيام حكم ذاتي على الأطراف، وهي السياسة التي بدأها الرشيد مع دولة الأغالبة في المغرب، ثم اضطردت فيما بعد في دول أخرى كالدولة الطاهرية في خراسان على عهد المأمون.

واستطاعت الخلافة عبر هذه السياسة أن تحول مشكلات الأطراف إلى مكاسب، فهي قد تخففت من عبء التعامل المباشر مع اضطرابات هذه المناطق، ثم استفادت بالأموال السنوية التي تأتي في كل عام، فتحول المغرم إلى مغنم!

وقامت كثير من تلك الدول بمواصلة الفتوحات بمعزل عن الخلافة، فالأغالبة فتحوا صقلية وتوغلوا في إيطاليا، والسامانيون فتحوا مناطق واسعة في وسط آسيا وأدخلوا أعدادا هائلة من قبائل الأتراك في الإسلام، والغزنويون فتحوا الهند وأدخلوا مساحات واسعة في أرض الإسلام وغيرهم. كما استطاعت تلك الدول في كثير من الأحيان أن تكون سلاحا قويا في يد الخلافة بعدما صارت إلى الضعف، فحملت عبء مواجهة التمردات المحلية والتمردات ذات المشاريع الكبرى سواء كانت فارسية شعوبية أو خارجية أو علوية أو غير ذلك.

وحديث السطور القادمة بإذن الله سيكون عن الدولة الحمدانية..

***

كانت بلاد الموصل وما يليها شمالا من بلاد الجزيرة الفراتية منطقة كثر استقرار القبائل العربية فيها، فهذه بلاد ديار بكر وديار مضر وديار ربيعة، ولهذا كانت السيادة في بلاد الجزيرة وما يليها غربا من شمال الشام وخاصة حلب لزعماء من العرب[1].

والحمدانيون ينتسبون إلى حمدان بن حمدون التغلبي الذي كان من مناوئي الخلافة في عهد وظهر متحالفا مع الخوارج أيام المعتضد.

لكن ابنه الحسين بن حمدان صار من قادة جيش الخلافة البواسل، وبذل مجهودا كبيرا في حرب الخوارج والقرامطة والروم، ووتولى إمارة ديار ربيعة في عهد المكتفي (292 هـ)، ثم كان أحد القادة الذين نفذوا الانقلاب على المقتدر أول خلافته لصالح ابن المعتز، وكان انسحابه من حصار القصر هو سبب فشل هذا الانقلاب، وقد طاردته الخلافة بعد هذا، وتولى المطاردة أخوه أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان وظفر به بعد عناء، ولولا أن المقتدر بطبعه كثير الصفح والعفو لكان في عداد المقتولين لكنه عفا عنه بل وولاه على قُمَّ في فارس، ثم استقر أمره في قم نحو أربع سنوات حتى تولى ديار ربيعة في الجزيرة الفراتية (298 هـ) وقاد من هناك عددا من الصوائف في جهاد الروم، ثم تمرد على الخلافة (303 هـ) فانهزم أمام جيش الخلافة الذي يقوده مؤنس الخادم فأُسِر ثم حُبِس في بغداد إلى أن قُتِل في محبسه (306 هـ) بعد التاريخ الطويل في جهاد أعداء الدولة من القرامطة والروم وغيرهم[2]، حتى لقد كان يقول حين أُسِر ما يشبه النبوءة: "والله لقد امتلأت صناديقى من الخلع والألوية وأفنيت أعداء الدولة وإنما أصار بى إلى ما ترى الخوف على نفسي وما الذي نزل بى إلا دون ما سينزل بالسلطان إذا فقد من أوليائه مثلي"[3].. فهذا هو الحسين بن حمدان بن حمدون الذي "كان من أجلّ الأمراء بأسا وشجاعة، وهو أوّل من ظهر أمره من ملوك بنى حمدان"[4].

أما الرجل الثاني الكبير من آل حمدان بعد الحسين فهو أخوه أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان، وقد كان أيضا من الأمراء المقدمين في الدولة، وقد تولى الموصل وأعمالها (293 هـ) في عهد المكتفي، استطاع ضبط أمرها منذ تولاها (293 هـ) وأبدى من الصرامة والكفاءة والحزم ما استطاع به إنهاء التمردات الكردية التي شغلت هذه الناحية حتى أنهاها وطارد أصحابها حتى جبال أذربيجان فاستقرت أمور الموصل تحت ولايته، وقد ظل واليا عليها لثمان سنوات حتى جاء القرار بعزله (صفر 301 هـ) فقاوم هذا العزل وأعلن العصيان، فتحركت إليه فرقة بقيادة بني بن نفيس (15 صفر 301 هـ)، ثم تحرك جيش بقيادة مؤنس (ربيع الأول 301 هـ)، وعندئذ أيقن أبو الهيجاء ألا فائدة في الحرب فطلب الأمان وعاد مع مؤنس إلى بغداد، وكعادة المقتدر في العفو رضي عنه وخَلَع عليه. وفي خلال ولايته تمرد أخوه الحسين في الموصل وتولى هو أمر حربه ومطاردته بمعاونة جيش الخلافة حتى أَسَرَه، ثم إنه قُبِض عليه وحُبِس في أزمة أخيه الحسين (303 هـ) وظل في السجن حتى (305 هـ) ثم ولاه المقتدر طريق خراسان والدينور (308 هـ) والشؤون المالية للموصل ونواحيها (314 هـ)، فكان يشرف على ذلك وهو ببغداد، ثم إنه كان من رجال الانقلاب الثاني على المقتدر (317 هـ) وهو الانقلاب الذي كانت فيه نهايته[5] كما سيأتي معنا فيما بعد.

ويعتبر أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان المؤسس الحقيقي للدولة الحمدانية في الموصل، غير أن الدولة الحمدانية لم تقم فحسب على أكتاف عبد الله أو الحسين، ذلك أن باقي إخوتهم كانوا أيضا من الأمراء رجال الدولة؛ فكان إبراهيم بن حمدان واليا على ديار ربيعة (307 هـ) ولما مات (المحرم 308 هـ) خلفه أخوه داود حتى عام (309 هـ)، وكان أبو العلاء سعيد بن حمدان أمير الحرب في نهاوند (312 هـ)، وكان أبو السرايا نصر بن حمدان من رجال الدولة وأمرائها أيضا بل وكان من رجال الانقلاب الثاني على المقتدر (317 هـ) على أنه استطاع الهرب فأفلت من الجزاء وسيطر على الموصل حتى (319 هـ)، بينما كان أخوه داود من الموالين للخليفة وممن ظل على ولائه حتى قُتِل معه (320 هـ).. وكلهم أسهم وأسس في رسوخ نفوذ الحمدانيين في تلك المنطقة.

على أن الأهم من هؤلاء هو الأمير الحسن بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان الملقب بـ "ناصر الدولة"، فهذا الذي كان له النصيب الأوفر من استقرار الدولة الحمدانية منذ أن كان نائبا عن أبيه (308 هـ) فاحتفظ بالموصل لمدة نصف قرن حتى وفاته (358 هـ) فيما عدا فترات بسيطة أهمها ما كان بين عامي (317، 319 هـ) حين عزله الخليفة عن الموصل وولاها عميه أبو السرايا نصر وأبو العلاء سعيد.. وسيأتي تمام قصته وقصة الدولة الحمدانية في حديثنا القادم بإذن الله تعالى.

كان أهم ما استفادته الخلافة من الحمدانيين في تلك الفترة هو تصديهم للمتمردين الأكراد والأعراب المنتشرين في هذه المناطق، وإن كانت الخلافة قد ساعدتهم أحيانا على نحو ما جرى عام (309 هـ) إذ أرسل المقتدر بمحمد بن نصر الحاجب أميرا عسكريا على الموصل لمواجهة تمرد كردي واستطاع القضاء عليه[6].

ونستطيع أن نرصد ثلاث تمردات قوية واجهها الحمدانيون وحملوا عبئها عن الخلافة:

أولها: في عام (314 هـ) شب تمرد جديد من الأعراب في الموصل ومن الأكراد في شهرزور على طريق خراسان، فراسل ناصر الدولة الحسن بن أبي الهيجاء –نائب الموصل عن أبيه- أباه في الأمر، فجمعا القوات واجتمعا حتى أنزلا بالأعراب هزيمة قاسية وأجبروهما على إعادة المنهوبات والأموال، ثم سارا إلى الأكراد فألحقا بهم هزيمة أخرى أدت في النهاية إلى أن يستسلم الأكراد ويعودوا إلى الطاعة والخضوع للخلافة[7].

والثاني: تمرد الأغر بن مطر الخارجي (شعبان 318 هـ) في نصيبين والذي لم يلبث طويلا حتى تصدى له ناصر الدولة الحسن بن أبي الهيجاء –وكان في هذا الوقت أمير ديار ربيعة[8]- فقاتله فهزمه وأسره وأرسله إلى بغداد[9].

والثالث: تمرد صالح بن محمود البجلي الخارجي في منطقة البوازيج (جمادى الأولى 318 هـ)، الذي استعان بأعراب بني مالك فأخذ في اقتحام المدن وجمع الأموال منها بما يراه الحق الشرعي للخليفة كالزكاة والجزية والخراج والعشور، فتولى التصدي له أمير الموصل –في ذلك الوقت- أبو السرايا نصر بن حمدان الذي ظل في مطاردته حتى ظفر به وأسره (شعبان 318 هـ) وأرسله إلى بغداد.

لكن الأيام كانت تخبئ للدولة الحمدانية مستقبلا أرفع وأهم بكثير من مواجهة تمردات محلية.. وهذا بإذن الله حديث المقالات القادمة!

نشر في المركز العربي للدراسات والبحوث



[1] د. حسين مؤنس: أطلس تاريخ الإسلام، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة. ص233.

[2] ابن شداد: الأعلاق الخطيرة في أمراء الشام والجزيرة، تحقيق: يحيى زكريا عبادة، وزارة الثقافة، دمشق، 1991م. والزركلي: الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة عشر، مايو 2002 م. 2/236.

[3] ابن العمراني: الإنباء في تاريخ الخلفاء، تحقيق: قاسم السامرائي، دار الآفاق العربية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1421 هـ = 2001 م. ص158.

[4] ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دار الكتب، مصر. 3/195.

[5] زمباور: معجم الأنساب والأسرات الحاكمة، ترجمة وتحقيق: د. زكي محمد حسن وحسن أحمد محمود، دار الرائد العربي، بيروت، 1400 هـ = 1980 م. ص58، والزركلي: الأعلام 4/82، 83.

[6] ابن الأثير: الكامل في التاريخ، تحقيق: عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1415 ه = 1995م. 7/6.

[7] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 7/27.

[8] في عامة الأحوال كانت ديار ربيعة منطقة تابعة إداريا للموصل، وفي ذلك الوقت كان ناصر الدولة أميرا على ديار ربيعة، وكانت إمارة الموصل لعمه أبو السرايا نصر بموجب قرار الخليفة.

[9] هذا التمرد والذي يليه ذكرهما ابن الأثير مرتين، مرة مختصرين وأرخهما في عام (317 هـ) ومرة مفصلين وأرخهما عام (318 هـ)، انظر: ابن الأثير: الكامل في التاريخ 7/58، 61، 62.