الأربعاء، مارس 27، 2019

سفاح نيوزيلاندا لم يفهم قوانين القتل


كان من المثير في ذلك الكتاب الذي كتبه سفاح نيوزيلاندا أنه سأل وأجاب، فقال: "هل تعدُّه اعتداءًا إرهابيًّا؟ إنه هجوم إرهابي لكنني أعتقد أنه عمل متحيز ضد قوة محتلة". وقد صرَّح في كتابه هذا أنه تلقى مباركة فرسان المعبد على هذه العملية قبل تنفيذها! ومع هذا الاعتراف الواضح الصريح بكونه عملا إرهابيا، وبهذه المباركة، إلا أن أحدا لن يفكر في تصنيف "فرسان المعبد" كمنظمة إرهابية!

هذه ملاحظة نضعها في البداية كي تكون حاضرة، ذلك أن الذين يوصفون بالإرهاب ويوضعون على قوائم التصنيف الإرهابي الدولي إنما هم أناس في بلادهم يقاتلون العدو المحتل الصريح أو النظام الذي صنعه المحتل قبل رحيله ولا يزال يحفظ بقاءه بكل الوسائل والأساليب.

لكن كلمة فرسان المعبد تعود بنا رأسا إلى عصر الحروب الصليبية، وهو العصر الذي تكوَّنت فيه هوية أوروبا ككتلة مسيحية بيضاء، وشهد تشكل الأفكار الرئيسية التي تلتقي عندها الأطياف الأوروبية، لقد كانت الحملات الصليبية طريقة أوروبا للتعبير عن نفسها ولتحديد عدوها الرئيسي: الإسلام!

يتحدث ليوبولد فايس، الذي أسلم وسمَّى نفسه: محمد أسد، عن هذه الفكرة فيقول: "لقد أعطت تجربة الحروب الصليبية أوروبا وعيها الثقافي وكذلك وَهَبَتْها وحدتها. ولكن هذه التجربة نفسها كان مقضيا عليها منذ ذلك الحين فصاعدا بأن تهيئ اللون المزيف الذي كان على الإسلام أن يبدو لأعين الغربيين به، ليس فقط لأن الحروب الصليبية كانت تعني إراقة الدماء ... بل كان أولا، وقبل كل شيء، أذى عقليا نتج عنه تسميم العقل الغربي ضد العالم الإسلامي عن طريق تفسير التعاليم والمثل العليا الإسلامية تفسيرا خاطئا متعمدا، لأنه إذا كان للدعوة إلى حملة صليبية أن تحتفظ بصحتها فقد كان من الواجب والضروري أن يوسم نبي المسلمين بعدو المسيح وأن يصور دينه بأكلح العبارات"، ويلاحظ أسد أن نشيد رولاند صار هو "النشيد الوطني" لأوروبا رغم أن موضوعه يصف ملحمة قبل ذلك العصر بثلاثة قرون، وأن هذه اللحظة كانت تمثل "بزوغ فجر الأدب الأوروبي تمييزا له من الآداب المحلية [الأوروبية] السابقة: لأن العداوة للإسلام إنما صاحبت ظهور المدنية الأوروبية"، ويخلص أسد إلى أن الشخصية الجماعية لأوروبا تشكلت على هذا النحو: "إن خيال الحروب الصليبية لا يزال يرفرف فوق الغرب حتى يومنا هذا، كما أن جميع اتجاهاتها وإرجاعها نحو الإسلام والعالم الإسلامي لا تزال تحمل آثارا واضحة جلية من ذلك الشبح العنيد الخالد"[1].

لم تكن المشكلة –كما يقرر المستشرق الألماني رود بارت- في نقص المعلومات، ذلك أن "العلماء ورجال اللاهوت في العصر الوسيط كانوا يتصلون بالمصادر الأولى في تعرفهم على الإسلام، وكانوا يتصلون بها على نطاق واسع، ولكن كل محاولة لتقييم هذه المصادر على نحو موضوعي نوعا ما، كانت تصطدم بحكم سابق يتمثل في أن هذا الدين المعادي للنصرانية لا يمكن أن يكون فيه خير. وهكذا كان الناس لا يولون تصديقهم إلا لتلك المعلومات التي تتفق مع هذا الرأي المتخذ من قبل، وكانوا يتلقفون كل الأخبار التي تلوح لهم مسيئة إلى النبي العربي وإلى دين الإسلام"[2].

لم يكن الأمر مجرد سوء فهم أو نقص معلومات، بل كان اختيارا للعداء وتكوينًا للهوية، وعلى نحو ما يقول إدوارد سعيد: "زادت الثقافة الأوروبية من قوتها ودعمت هويتها من خلال وضعها لذاتها في مقابل الشرق باعتبارها ذاتا بديلة أو حتى دفينة"[3].

لهذا فكل من كان مسلما لا يعتبر لدى الغرب غربيا، كان هذا قديما وحديثا:

منذ محاكم التفتيش في الأندلس حيث جرى التعامل مع كل المسلمين باعتبارهم غزاة دخلاء وجميعهم إما أُجبر على التنصير أو على الطرد خارج أوروبا، مع أن الأندلسيين كانوا في عمومهم من أبناء هذه البلاد الذين اعتنقوا الإسلام.
وحين غزا الغرب إفريقيا واستعبد شعوبها كانت الرسالة المعنوية التي بررت وفلسفت هذه الاحتلالات هي "عبء الرجل الأبيض"، حتى التعبير عنها بكلمة "عبء" ينبيء عن النزعة العنصرية التي تصف مهمة يقوم بها الرجل الأبيض وهو كاره! وكان هذا العبء متمثلا في نشر (3C) وهي: المسيحية والتجارة والحضارة! لكن اللافت للنظر هنا أن الإفريقي الزنجي الأسود كان يُغرى بالمسيحية لكي يحصل على التحرر، فإذا اعتنق المسيحية قيل له: المسيحية تحرر روحك، بينما يبقى الجسد في عبودية السيد الأبيض!

ويستمر ذلك حتى عصرنا الحاضر التي شهدت فيها أوروبا مذابح المسلمين في البوسنة ثم كوسوفا وقد حدثني مسؤول منظمة إغاثية عملت في كوسوفا أن مسؤولا إنجليزيا في اجتماع معهم قال: لن تسمح أوروبا لكيان مسلم داخلها! ثم ها هو الموقف المعاصر من تركيا ودخولها إلى الاتحاد الأوروبي الذي يرونه ناديا مسيحيا! بل حتى عهد بوش الابن -كما تروي كونداليزا رايس في مذكراتها- كانت المنظومة المدفعية الأمريكية الرئيسية المعدة لمواجهة السوفيت تسمى Crusader (صليبية)!

كنت أندهش قديما حين أقرأ قصص بعض الغربيين الذين اهتدوا إلى الإسلام، كثيرون منهم عبَّر عن موقفه بأنه لم يفكر من قبل في الإسلام باعتباره دينا إفريقيا أو آسيويا، كان يظنه دينا منغلقا على أتباعه لا يرحب بالأوروبيين. هذه النظرة إلى الدين هي ذاتها النظرة العنصرية البيضاء التي تجعل الأديان محصورة في أعراق بعينها أو جغرافيا محددة. سفاح نيوزيلاندا كتب في كتابه هذا أنه يحتقر على وجه الخصوص الرجل الأبيض الذي يدخل في الإسلام، وصفهم بقوله: "أولئك الذين ينتمون إلى شعبنا ويديرون ظهورهم لتراثهم ولثقافاتهم وتقاليدهم، ويصبحون خونة لدماء قومهم".

حتى بعد أن دخلت أوروبا في عصر العلمانية، وتحررت من الكنيسة، ظلت الروح العدائية ضد الإسلام فعَّالة بروح الحملات الصليبية، يُعَبِّر عن هذا المعنى أناس كثيرون باختلاف مواقعهم:

-      ليوبولد فايس الذي أسلم وصار محمد أسد يقول: "ما يفكر الغربيون فيه ويشعرون به نحو الإسلام اليوم متأصل في انفعالات وتأثيرات إنما وُلِدَت في إبان الحروب الصليبية"[4]
-      برنارد لويس المستشرق اليهودي الصهيوني العتيد يقول: "الروح العدائية (ونستطيع حتى أن نقول الصليبية) في فرنسا ما بعد الثورة "العلمانية" وخططها ضد العثمانيين ونواياها في استعادة مجد اليونان رغم العلاقات السياسية الطيبة في الظاهر بينها وبين العثمانيين"[5]
-      القائد العسكري البريطاني ألنبي حين دخل القدس (ديسمبر 1917م): "الآن انتهت الحروب الصليبية"
-      دخل القائد الفرنسي جورو إلى دمشق فركل قبر صلاح الدين قائلا: "ها قد عدنا يا صلاح الدين"!
-      وحتى بوش الابن الذي قال عن حملة أمريكا الجديدة: حربا صليبية، ثم زعم أنها فلتة لسان!

لم تكن فلتة لسان، إنما هو مسار واحد مضطرد، لكننا لا نقرأ التاريخ، فقبل أن تحتل بريطانيا مصر كان قد نادى عليها رئيس الحكومة الفرنسية جامبيتا أن تسارع باحتلال مصر لكي لا تنجح ثورة عرابي الإسلامية فمن واجب بريطانيا أن تقوم بدورها في الحملة الصليبية الحاضرة مثلما فعلت فرنسا في الجزائر وتونس[6]، وهو ما كان. وبعد ذلك الزمن بثلث قرن كان بيكو (الطرف الفرنسي في اتفاقية سايكس بيكو) هو النصير الأول لحركة "سورية فرنسية" التي ترى أن لفرنسا حقوقا تاريخية في سوريا وفلسطين منذ زمن الحملة الصليبية وأنه لهذا ينبغي أن تواصل "مهمتها التاريخية" هناك[7].

المواقف كثيرة، لكن أغرب وأعجب ما رأيته في هذا السبيل هو ما رواه الشيخ أمين الحسيني مفتي القدس في مذكراته، حيث كان يحاول مع الألمان إعلان دعمهم لوحدة الدول المغربية التي تقع تحت الاحتلال الفرنسي في ظل الحرب العالمية الثانية، ففوجئ بوكيل وزارة الخارجية الألماني للشؤون الشرقية يخبره بأن هذا ليس من مصلحة ألمانيا، فحاول أمين الحسيني التلويح بورقة لجوء تلك الدول للشيوعية طلبا للاستقلال، ففوجئ به يقول له: "هذه الدول الأوروبية ترى أن الإسلام أشد خطرا عليها من الشيوعية، لأن الشيوعية تمكن معالجتها وصد خطرها برفع مستوى المعيشة في الشعوب وتوزيع العدل الاجتماعي وغير ذلك من الوسائل، بينما ترى هذه الدول في الإسلام عقيدة زاحفة يُخْشَى خطرها على أوروبا التي نخرت المدنية الفاسدة عظامها، وأضعفت نواحيها الخلقية والروحية والعسكرية، فهم يخشون إذا تألفت هذه الدولة المغربية المتحدة أن يكون لها شأن عظيم، ويتوهمون أنها لا تلبث أن تثب على أوروبا مرة أخرى ويعيد التاريخ نفسه".

هل كان سفاح نيوزيلاندا شذوذا عن الحالة الغربية؟

أبدا.. إنما كان متهورا لا يعرف كيف يتمم الذبح بشكل قانوني أنيق، وبعد حملة إعلامية تُتَمِّم شيطنة المقتولين، كان متهورًا وفجًّا، كان يمكنه أن يلتحق متطوعا بأي جيش غربي (بالجيش النيوزلندي نفسه المشارك في احتلال العراق) ليمارس القتل والقصف وينعم بالبطولة والأوسمة والنياشين، كان يمكنه أن يلتحق متطوعا بشركة أمن خاصة كمرتزق مرموق ليمارس نفس القتل والتعذيب منعما براتب فخم ومزايا عظيمة، كان يمكنه –كبعض أصدقائه الذين ذكرهم في كتابه- أن يلتحق بمؤسسة رسمية فيعمل من خلالها وتحت غطاء القانون فتكون أعماله مجرد أخطاء غير مقصودة من شرطي شعر بالتهديد فتصرف وفق ما يستدعيه الخطر!

كان متهورا.. لم يتعلم بعد فن صناعة العدو وفن قتله!

ومع هذا، فسيقضي أيامه في سجنه المهندم الأنيق، سينفق عليه من ضرائب الذين قتلهم، بينما ستعاني أسر المقتولين ضياعا حقيقيا إن ظلوا في تلك البلاد بلا عائل، أو عادوا إلى البلاد التي خرجوا منها بحثا عن حياة كريمة.




[1] محمد أسد: الطريق إلى الإسلام ص19.
[2] رودي بارت: الدراسات العربية الإسلامية ص9، 10.
[3] إدوارد سعيد: الاستشراق ص46.
[4] محمد أسد: الطريق إلى الإسلام ص17.
[5] برنارد لويس: اكتشاف المسلمين لأوروبا ص62
[6] ريمون فلاور: مصر من قدوم نابليون حتى رحيل عبد الناصر ص 191
[7] ديفيد فورماكين: سلام ما بعده سلام ص214.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق