الأربعاء، أبريل 03، 2019

إلى أهل الجزائر: وقفتم بين موت أو حياة


لأمير الشعراء أحمد شوقي قصيدة ذاعت وشاعت وطارت كل مطار، وتعلَّمها الأولاد في المدارس، ثم حُذِفت من المناهج حتى صارت نسيا منسيا، تلك هي قصيدته الناصحة لأهل الشام، والتي تحثهم وتحرضهم على الجهاد والكفاح من أجل الحرية، كان مطلعها من أعذب المطالع، ثم كان بنيانها من أمتن المعمار، جاء مطلعها:

سلامٌ من صبا بردى أرقُّ ... ودمعٌ لا يُكَفْكَف يا دمشقُ

ثم كان من بديع أبياتها:
وللمستعمرين وإن ألانوا ... قلوبٌ كالحجارة لا تَرِقُّ

وذلك أن الاستعمار الغربي الحديث جاءنا بالوحشية المُبيرة مع الابتسامة اللطيفة الساحرة، وكان لهم من وسائل المخادعة ما اغتر به كثير من قومنا، فحين احتل نابليون مصر أعلن إسلامه وولاءه للسلطان العثماني وحضر مجالس القرآن وتسمى عليًّا وتقرب للمسلمين بأنه دمر الفاتيكان! وهو هو نفسه الذي صب جام غضبه على أهل مصر حتى قتل منهم ما تبلغ به بعض التقديرات سدس سكان الإقليم، وهي أكبر عملية إبادة في تاريخ مصر كلها!
المستعمرون قد يظهرون اللين، والتراجع، ولكن قلوبهم تنطوي على حجارة لا تلين ولا ترق!

بني سوريَّة اطَّرِحوا الأماني ... وألقوا عنكمُ الأحلام، ألقوا
فمِنْ خِدع السياسة أن تُغَرُّوا ... بألقاب الإمارة وهي رقُّ

أكتب هذه السطور في ليلة الأماني، ليلة الشعور بالنصر، وربما الشعور بالوهم.. ليلة عشتها من قبل في مصر، حين سقط مبارك فوالله لكأن الدنيا أشرقت في الليل، ووالله لكأني أرى الأشياء تشع بالنور، وما كان فينا وقتها إلا قلة ضاع صوتها تقول: ما زلنا لم نفعل شيئا!

ما على مبتهج حرج، ومن ذا لا يفرح بسقوط حاكم عربي في بلادنا المنكوبة هذه؟! إلا أن فرط الثقة والوهم الذي قرأته وسمعته ذكَّرني بتلك الليلة التي كنا فيها في مصر، وكنا قد رأينا مثلها في تونس "بن علي هرب.. الجيش التونسي حر"، وقد هتفنا في مصر –والحمد لله الذي عصمني من هذا الهتاف- "الجيش والشعب إيد واحدة"، ورأيت شابا مصريا يقول في غمرة الفرحة: هذا الشعب جبار لن يستطيع أن يحكمه بعد الآن أحد! وهتف كثيرون "ميدان التحرير موجود"!

أكتب إليكم من المنفى، بعد أن صار الثائرون في مصر بين القبور والسجون والمنافي والمخابيء، كتابة عربي مسلم لأهله وإخوانه، قد اتحدت المصائر إذ اتحد الدين واللغة والغاية:

نصحتُ ونحن مختلفون دارًا ... ولكن كلنا في الهمّ شرقُ
ويجمعنا -إذا اختلفت بلادٌ- ... بيانٌ غيرُ مختلف ونُطْقُ

فما سقوط بوتفليقة إلا أول الخطوة الأولى، في طريق التحرر، وهو أسهل ما في المسيرة الطويلة نحو التحرر، وأنتم أدرى الناس بهذا، لقد قدمتم ملايين الشهداء في ثورة من أطول ثورات التاريخ، ومع هذا استطاعت فرنسا أن تلتف على ثورتكم وأن تعطيها لرجالها، فما هو إلا ربع قرن حتى نصبت المذابح مرة أخرى في الجزائر وانقلب جيش فرنسا على رغبة الشعب ووضع واحدا من رجال فرنسا، ثم ها هو ربع قرن آخر وقد تكرر التحدي!

إن الجيوش هي صلب الأنظمة العربية. وبعد الذي حدث في مصر وسوريا وليبيا واليمن يجب أن تقول الشعوب للجيوش: لا أمان لكم أبدا، وكل تصرفاتكم مشكوك فيها حتى يثبت لنا العكس. وأخطر الناس الآن من سيُعَظِّم جيش الجزائر ويُسَوِّق له ويتحدث كأنه عمود الخيمة وأبي الشعب ومسؤول المرحلة.

وإن عزل الجيش لبوتفليقة ليس دليل وطنية، بل ولا هو دليلٌ على شيء في صالح الشعب، كل الاحتمالات مفتوحة وواردة، بل أقوى تلك الاحتمالات أن قائد الجيش طامح للرئاسة، يغريه أن يكرر التجربة المصرية، وما أشد إغراء نموذج السيسي؟!

ولم لا؟! فصاحب التخطيط والهيمنة واحد، موجود خلف الستار يدبر لامتصاص الثورات وإعادة الشعوب إلى الحظيرة التي تتململ لتخرج منها

إن أخطر الناس الآن من سيجزم ويؤكد أن تصرف الجيش هذا تصرف وطني والتحام بالشعب وتحمل للمسؤولية وتقدير للموقف و... و... و... إلى آخر هذا الكلام الذي قيل لتسكين الناس وتبريدهم. نعم، ربما يضطر بعض الساسة والقادة الشعبيين للتحدث بلهجة فيها بعض اللين، لكن على غير السياسيين وغير الجزائريين أن يقولوا الحقيقة لئلا تتكرر الخدعة المصرية.

لكن هذا اللين يجب ألا يُبْذل إلا بقدرٍ محدود معدود، مشروط مضبوط بما يفعله الجيش في هذه المرحلة الانتقالية، التي يجب ألا تطول مهما كانت المخادعات والمناورات، فإن لحظة الثورة هي لحظة الشعب، والركون إلى الراحة الآن اطمئنانا لتصريحات العسكر هو أول الهلاك:

وقفتم بين موتٍ أو حياة ... فإن رُمْتُم نعيم الدهر، فاشقوا

لو أن رجلا لا يتابع شأن الجزائر أصلا فسيلفت نظره من بين كل الأخبار سياق مثير للشك، هذا قائد الجيش كان أول الأمر يهدد ويرغي ويزبد ويريد للناس أن لا تنساق وراء هذا، ثم ركل الناس كلامه وتهديداته فصار الآن يتحدث بالتقدير والتعظيم لإرادة الشعب.. هل مثل هذا يوثق فيه؟!

وكيف يوثق فيه وقد كان قبل أيام في ضيافة محمد بن زايد الذي لقبه بعضهم –عن حق- بشيطان العرب؟! هل لقاء كهذا يمكن أن يكون في صالح الجزائر وأهلها؟! ثم كيف يوثق فيه وهو يريد الآن تهدئة الأمور وانصراف الناس؟ وترك الأمر للجيش باعتباره الأمين على إرادة الشعب؟!

قبل أسبوعين كتبت "نصيحة الثائر لأهل الجزائر"، فمن شاء تكرم وراجعه، ومن شاء اكتفى بهذه الثلاث:

1. لا تثقوا في العسكر ولا في أي فرد من النظام القديم
2. لا تتركوا الميادين أبدا واعملوا وسعكم على الاجتماع على من تعرفون أنه منكم وليس تابعا لأحد في الخارج
3. استعدوا وأعدوا للانقلاب العسكري القادم

ولن يتراجع عسكريٌّ صاحبُ سلاحٍ، مسنود بقوى الاحتلال، عن انقلاب عسكري أبدا إلا إذا عجز عنه، وليس يكون ذلك إلا إذا رأى أمامه شعبا باسلا يضرب المثل في اليقظة والانتباه كما يضرب المثل في الشجاعة والفداء:

وللأوطان في دم كل حرٍّ ... يدٌ سلفت ودينٌ مُسْتحَقُ
ومن يسقي ويشرب بالمنايا ... إذا الأحرار لم يُسقوا ويسقوا
ولا ينبي الممالك كالضحايا ... ولا يُدني الحقوق ولا يُحِقُّ
ففي القتلى لأجيالٍ حياة ... وفي الأسرى فدىً لهمُ وعتقُ

نسأل الله ألا يأتي علينا زمان نتذكر معا فيه هذه المعاني إلا من باب ذكرى المؤمن بنعمة الله عليه، لا ذكرى المنهزم لتفريطه وتقصيره، زمانٌ لا نحذف فيه من مناهجنا الدراسية بيت شوقي هذا بل نكرره فخارا:

وللحرية الحمراء بابٌ ... بكل يد مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق