الثلاثاء، يوليو 26، 2011

اعتصام الدفاع عن الشرعية

وأخيرا.. تحرك الإسلاميون.. والحمد لله رب العالمين.

تحركوا حين استشعروا الخطر، وعلموا أن المجلس العسكري لا أمان له، وأنه يستجيب لضغوط القلة المشاغبة ذات الصوت العالي، ولا يعبأ لمن لا يزعجه، ولا يقدر ثقة من يثق فيه.. ما أحلم الله بعباده، ونسأله تعالى أن تكون إفاقة دائمة حتى يتحقق الحلم المنشود أو نموت دون ذلك.

لقد علمتنا سنين القهر والعذاب ألا نثق في أحد على الإطلاق، وأن ميزان الصدق هو الأفعال لا الأقوال والشعارات والوعود والتطمينات، ولسنا بحاجة أن نفتش في التاريخ ولا أن نأتي بالوقائع، فكل ذهن يقرأ هذه السطور قادر على استدعاء سيل من الوعود والشعارات قيلت في الستين سنة الماضية ولم يُفَعَّل منها شيء.. وقد تمخضت جبال الشعارت عن اللاشيء، وقد كانت قبل ذلك تلد فأرًا!!

كما علمتنا السنين وقراءة التاريخ أن السلطة شهوة، بل هي أكبر الشهوات، وقديما قالت العرب: المُلْك عقيم، يقتل الرجل حتى ولده إن نافسه على السلطان، وأخوف ما يُخاف على السلطان أن يستبد به من يملك القوة والشوكة، فإن استطاع واستبد به وانفرد بالسلطة فموعدنا بعد جيل قادم على أقل تقدير!

هي دعوة لاعتصام إسلامي بعد يوم 29 يوليو المقبل، وقد أثبتنا طوال الأشهر الخمسة وقبلها أننا حريصون على الهدوء والاستقرار، قدمنا التطمينات للجميع، كنا أبعد الناس عن إشعال المعارك، تخلينا عن حقوق وأسرى وأسيرات في سبيل توفير الهدوء لإنهاء الفترة الانتقالية، شكلت وزارتين دون واحد من الإسلاميين ولم نغضب أو ننتقد أو نهاجم، شكلت مجالس حقوقية وهيئات رسمية ولم يترك لنا مقعد واحد ولم نحرك ساكنا، رضينا بأقل من حجمنا الذي تثبته الأعداد (ونعوذ بالله من العجب والغرور)، وحتى كتابة هذه السطور لم تنشأ إلا قناة إسلامية واحدة من بعد الثورة، ولم يسمح لنا بعد بصحيفة واحدة، ولم يوضع واحد منا في منصب رئيس تحرير أو رئيس مجلس إدارة.. والقائمة تطول والجميع يعرفها.

ومع كل هذا لم نتكلم، ولم نعترض، ولم نهاجم.. فلا أحد يزايد علينا في الحرص على المصلحة العامة ولا ابتغاء السلامة الوطنية ولا نشود الاستقرار والهدوء.

وقد آل الحال إلى أننا تلقينا صفعة كبيرة جدا، وساخنة جدا جدا جدا، إذ أجل المجلس الانتخابات البرلمانية لشهرين، والانتخابات الرئاسية إلى أجل مجهول، ونوى وضع وثيقة حاكمة للجنة صياغة الدستور.. وكل هذا دون ذرائع!!! دون ذرائع مطلقا.. وقد كنا نخشى الذرائع فصرنا أهون من أن يُلتمس لإقناعنا ذريعة.. كأنما أتحسس موضع الصفعة على وجهي وفي قلبي وروحي!

هي دعوة لاعتصام لا يطلب إلا شيئا واحدا وحيدا: إعلان جدول زمني واضح لتسليم السلطة.

جدول زمني يقول: الانتخابات البرلمانية ستجري من كذا إلى كذا: المرحلة الأولى في الفترة الفلانية، والثانية في الفترة الفلانية، والثالثة في الفترة الفلانية، وستنعقد الجلسة الأولى في يوم كذا، وسيترك للمجلس مهلة كذا للاتفاق على لجنة صياغة الدستور، التي ستجتمع يوم كذا، لنتسلم منها صياغة الدستور يوم كذا، ويجرى عليه الاستفتاء الشعبي يوم كذا، وتعلن النتائج يوم كذا. وبالتوازي مع عملية صياغة الدستور هذه سيفتح باب الترشيح للانتخابات الرئاسية يوم كذا، وستسقبل الترشيحات يوم كذا، وتقدم الطعون يوم كذا، ثم تجرى الانتخابات يوم كذا، وتعلن النتائج يوم كذا، ويتم تسليم السلطة في يوم كذا.

ولابد أن المجلس –إن كان صادقا- أن يكون قد وضع مثل هذا التصور، فلا أقل أن يعلن عنه، فيريح ويستريح، ويستل من صدورنا شكوكا كثيرة ويعيد إلى نفسه ثقة مفقودة.. ونكون وإياه على الشرط الذي أعلنه، فإن استقام استقمنا وإن اعوج كان حقا علينا أن نقومه، ونعود إلى الميادين.

ولا نريد غير هذا الطلب وحده، وأما سائر الملفات فنحن أولى بها، والسلطة المدنية كفيلة أن تتولاها وتتولانا ونتولاها أيضا، فملف المحاكمات وملف الشهداء والجرحى وملف هيكلة الداخلية وملف الوزارات وكل ما سوى ذلك من الملفات، فإننا نتعهد بإدراتها وتخفيف هذا العبء الذي يبدو أنه يثقل كاهل المجلس العسكري، فهو إما لا يحسن التصرف فيه وإما لا يستطيع مواجهة ضغوط خارجية أو غيرها (هذا عند من يحسنون الظن به).

والخشية أنه إذا انفضت مليونية 29/7 دون اعتصام أن تعود الأمور سيرتها الأولى، ولربما كان المكسب الوحيد أن المجلس لن يحاول استفزاز الإسلاميين مرة أخرى كما فعل في مسألة الوثيقة الحاكمة للجنة الدستور، غير أن باقي المسيرة ستستمر كما هي، إذ سيكون المجلس قد أدرك أن التخدير الهادئ هو الحل، وأن البحث عن ذرائع يبرر بها تأجيلاته الدائمة لنقل السلطة هي السبيل المهذب اللطيف الذي ينبغي عليه استعماله فيما بعد.

إنني اسأل كل إسلامي يعترض على الاعتصام أن يعطيني دليلا واحدا لا ثاني له يدفعه إلى الثقة والاطمئنان في أعضاء المجلس العسكري، إن الإنسان بطبعه عدو ما يجهل، وتلك المرة الأولى التي أرى فيها إنسانا يثق فيمن يجهلهم!!!

فلئن كان واثقا، فإنني أتمنى عليه أن يعطيني بعضا من ثقته هذه، ومعها تصوره البديل إن لم تكن ثقته في محلها.. فلعله إن كان يملك تصورا بديلا أن يشفي صدري القلق الحيران الذي يكاد يطير خوفا من سرقة جديدة لهذه الثورة التي كانت لنا كالماء البارد بعد عطش السنين الحارقة!

وأخيرا: كم أتمنى أن تدخل كلماتي هذه إلى عقول قادة العمل الإسلامي، فإنهم كما قيل لمصعب بن عمير في أسيد بن حضير: سَيِّد مَن وراءه مِن قومه إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان! فلئن نجحوا فإليهم يرجع الفضل عند الله ثم عند الناس والتاريخ، ولئن لم يفعلوا فضاعت الثورة وهم شهودها فأخشى أن تنزل عليهم لعنة الناس والتاريخ، وحسابهم عند الله تعالى هو أعلم بإخلاصهم ونواياهم وما قد كانوا يصنعون.

نشر في: شبكة رصد الإخبارية