الاثنين، يوليو 04، 2011

مسؤولية الإعلام عن تخلف الأمة

روى ابن قتيبة في عيون الأخبار أن أبا حية النميري، وكان مشهورا بالجُبن مع الكذب والتعالي، كان له سيف يسميه "لُعاب المَنِيَّة" رغم أن ليس بينه وبين الخشبة فرق، سمع يوما صوتا خارج الدار فظنه لِصًّا فخرج حاملا خشبته ينادي: أيها المغترّ بنا والمجترىء عليّنا، بئس واللّه ما اخترت لنفسك، خير قليل وسيف صقيل، لعاب المنية الذي سمعت به، مشهور ضربته لا تخاف نبوته، اخرج بالعفو عنك وإلا دخلت بالعقوبة عليك، إني واللّه إن أَدْعُ قيساً تملأ الأرض خيلاً ورجلا، يا سبحان اللّه، ما أكثرهم وأطيبهم! ثم فتح الباب فإذا كلب قد خرج، فقال: الحمد اللّه الذي مسخك كلبا وكفاني حربا.

وإن مثل إعلامنا في العالم العربي الآن كمثل أبي حية، يختلق القضايا الموهومة ثم يُشبعها مناقشة ومتابعة وتحليلا ورصدا، ولا يكاد ينتهي من حادثة إلا ليبدأ في أخرى تدور في نفس سياق القضايا الموهومة.

خذ مثلا قضية "الدولة الدينية، والدولة المدنية"، ذلك الأمر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بفعل الهوس الإعلامي، تبدو القضية وكأنها فكرة طرحت نفسها الآن للمرة الأولى، رغم أن نقاشها بدأ منذ نحو مائة عام في العالم الإسلامي، وقد كُتب فيها ما لا يكاد يحصى من الدراسات والمقالات والكتب حتى صار اتهام الإسلام بالدولة الدينية اتهاما مُمِلاًّ وسخيفا، إنها تهمة لا نجدها حتى في كتب المستشرقين منذ نصف قرن على الأقل! فهل هذا فِعْل جاهل لا يعلم أم فِعل مُغرض لا يريد أن يفهم؟!

ومثل هذا كثير في عالمنا العربي، إذ تظل القضايا المطروحة "محلك سر"، كأنما الحياة لا تتحرك ولا تفرض قضايا جديدة هي أولى وأهم، ولم يعد غريبا أن تقرأ الرد على ما يطرحه الإعلام الآن في كتاب مات صاحبه منذ قرن!!

هذه الأزمة التي تفرض التوقف والتكرار وإعادة هضم المهضوم وإنتاج المستهلك إنما هي صورة للمشكلة العميقة التي تجعل النموذج الغربي هو النموذج المقدس الذي تُحاكَم إليه المواقف والرؤى، فبه تُقَاس وبه يُقضى عليها بالصلاحية أو عدمها، وهو حديثٌ مُنْسَحِقٌ حضاريا، جعلنا في "مأزق حقيقي لا يمكن الخروج منه إلا بتجاوز الإشكاليات الأساسية" بحسب د. رفيق حبيب (القبطي ديانة والمسلم حضارة) الذي يقول بأن "شرط الديمقراطية كقاعدة للعمل السياسي تحول إلى معيار تملكه القوى العلمانية، فأصبحت هذه القوى هي المسيطرة على المفهوم، وهي الداعية له، وعلى هذا الأساس أصبحت هناك فئة محددة تملكل أن تقرر ديمقراطيةة القوى الأخرى من عدمها، ويتعقد الموقف بسبب تبني هذه القوى في معظمها للنموذج الغربي، مما علها وكيلا للحضارة الغربية، وفي نفس الوقت صاحبة الحق الوحيد في قبول ورفض القوى السياسية الأخرى وتحديد مدى صلاحيتها للعمل السياسي، وبهذا فُرِض النموذج الغربي باعتباره الإطار المرجعي لتحديد "الشرعي" وعزل "غير الشرعي". أدى ذلك بالضرورة لأزمة "الإسلامي" فأي طرح إسلامي يوضع على معيار غربي حتى يتم قبوله أو رفضه"[1].

لا يريد القائمون على الإعلام أن يفهموا أن خصوصياتنا الثقافية ضرورية لبناء حضارة متفردة، حتى لو سُقنا لهم كلام واحد من أهم فلاسفة الحضارة في القرن العشرين، وحتى لو كان فرنسيا؛ يقول فرناندو بروديل: "الشائع في كل حضارة أنها تُبْدي نفورا من اعتناق فكر ثقافي يطرح دعامة من دعائمها الراسخة للمناقشة، ولئن كان هذا النفور وذلك العداء الخفي نادرا نسبيا فهو يؤدي دائما إلى صميم الحضارة... وربما وجدنا حضارة ما إذا ما وُوجهت لذلك تستبعد في عناد ومكابرة هذا أو ذلك من أية إسهامات خارجية، فليس هناك حضارة –كما قال مارسيل موس- جديرة باسم الحضارة ليس لها عادات الرفض والنفور من الإسهامات الدخيلة"[2].

إلا أن الإعلام لدينا ينفر مما يميزنا! وأكثر ما يبدو هذا واضحا لدى الحديث المفزوع عن "السلفيين"، وهو حديثٌ ما بقي له إلا أن يصفهم بأصحاب الأنياب والمخالب النازلون من الفضاء والقاصدون تدمير الحضارة الإنسانية، وهذا الفزع المرعوب يوحي كأن السلفيين ظهروا فجأة في مجتمعاتنا العربية لا أنهم بشر منا يعيشون بيننا نعرفهم ويعرفونا منذ زمان.. كأنما نزل السلفيون فجأة في مجتمع غربي، فانتبه لهم إعلام غربي، فانتفض يريد بحث هذه "الظاهرة الغريبة الجديدة التي خرجت في غفلة من الزمان"!!

بل إن إعلاما يقوم عليه مسلمون لا يُخفي انزعاجه من أمور هي من صميم ديننا وتراثنا، فتجد مسلما ينزعج من اللحية والجلباب والنقاب وما إلى ذلك.. كأن رسولنا لم يكن ذا لحية، أو أن زوجاته لم يَكُنَّ منتقبات، أو كأننا ما عشنا عمرنا الحضاري كله نرتدي الجلباب والعباءة والعمامة حتى خلعناها في لحظات الهزيمة العسكري والنكبة الحضارية!!

لا يدري هؤلاء أن تغريب المجتمعات الإسلامية، بل والشرقية كلها، أمر مستحيل، لم تفلح فيه مائتا سنة من السيطرة الكاملة فكيف يمكن أن تفلح الآن والغرب في تراجع والمسلمون في تقدم، وهم الآن أكثر وعيا ويقظة وأشد مقاومة واعتزازا بأنفسهم؟!

كيف والغرب أساسا لا ينظر بعين التقدير إلا لمن يختلف عنه وينافسه لا لمن يُتابعه، وهي الحقيقة التي عبر عنها المؤرخ البريطاني المعروف أرنولد توينبي حين قال "ظللنا نطارد الرجل التركي ونهاجمه لكي يترك دينه، لأنه كان ينظر إلينا من علٍ كأننا خنازير برية، فلما ترك دينه وتبعنا احتقرناه، لأنه لم يعد عنده ما يعطيه"[3].

إن القراءة في كتب الغربيين الذين أسلموا، أو أنصفوا الإسلام وإن لم يُسلموا من المستشرقين وغيرهم، لتكشف بوضوح أن البداية كانت من نقطة الإعجاب بما عندنا من "اختلافات" عن النموذج الغربي، وبما نملك من خصوصيات ثقافية وحضارية، والأمثلة في هذا تطول ولا يحتملها المقام.

إن الأمر يستلزم جهادين: جهاد دعوي في نشر الفكرة الإسلامية والتأسيس لها، وجهاد سياسي يسعى إلى تصحيح مسار الأمة بأن يعود ممثلوها الطبيعين إلى موقع "النخبة"، ولعل الثورات العربية تكون بداية هذا التصحيح! وإنه حقا كما قيل:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جُهَّالهم سادوا

نشر في مجلة الوعي الإسلامي - 552 - شعبان 1432 هـ / يوليو 2011


[1] د. رفيق حبيب: تفكيك الديمقراطية، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى، 1417 هـ = 1997م. ص22.

[2] فرناندو برودويل: تاريخ وقواعد الحضارات، ترجمة وتعليق سفير. د. حسين شريف، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999م. ص25.

[3] أرنولد توينبي: الإسلام والغرب والمستقبل، ترجمة نبيل صبحي، الدار العربية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1969 م.