السبت، يوليو 16، 2011

يا معشر الإسلاميين: ما نيل المطالب بالتمني!

ليس أسوأ من الحالة الإسلامية الحالية إلا الحالة التي سنصير إليها لو استمرت نفس هذه المسيرة، وليس مقبولا أن تملك الزعامات الإسلامية –سواء كانوا شيوخا أو جماعات- هذا الكم الأقوى والأكبر من القوى البشرية، ثم هي بنفسها التي تظل تكبلها وتطالبها بالهدوء والانتظار والتعقل وتفويت الفرص وسحب الذرائع، وكأنما كتب على الإسلاميين دائما أن يتحركوا في الإطار المسموح به.

الإسلاميون هم أكثر المطالَبين بحماية هذه الثورة وحراستها، فلو أنها فشلت لكانوا هم أول الضحايا بلا جدال، ولو أنها سرقت منهم لكانوا هم أيضا أول الضحايا بلا جدال، كم مرة سيبذل الإسلاميون دماءهم في الثورات ثم يسرقها منهم خسيس يجيد تبديل جلده؟!! إن هذا هو تاريخ مائتي عام سبقت والمهم الآن ألا يأتي من يكتب ذات الكلام بعد نصف قرن آخر!

لكن صرحاء مع أنفسنا، لقد كشفت لنا هذه الشهور الخمسة النفيسة من بعد الإطاحة بمبارك ما لم نكن نكتشفه في غيرها من الشهور:

1. الإسلاميون تقريبا بلا أصدقاء، وقد محصت الأيام صورة كثيرين ظنناهم موضوعيين أو شرفاء، فبدا أنهم ليسوا إلا وجوها أخرى من خدم النظام القديم كانت ترتدي أقنعة وتتخفى تحت مساحيق التجميل.

2. لقد حدث الانقسام فعلا بين الإسلاميين وغيرهم، أو قل بين الإسلاميين وبين الظاهرة التليفزيونية التي لا تملك إلا الشاشات والصحف بينما هي أول من تعرف حجم نفسها شعبيا.. ومن ظن أنه يمكن إعادة التوحد مرة أخرى فهو واهم، وما حدث في جمعة 8 يوليو خير دليل.

3. أثبتت مظاهرات الجمعة أنه بدون الإسلاميين لا يمكن إخراج مليونيات شعبية، مهما بذلت النخبة وامبراطوريتها الإعلامية من مجهود، وهؤلاء يكذبون كما يتنفسون دون شعور بالخجل، فإذا فشلوا في إخراج مليونية فإن الآلاف يتحولون إلى مليونية ناجحة وفريدة وعظيمة ويصابون بالإسهال في التقديرات والأرقام، أما إذا شارك الإسلاميون فخرجت مليونية فإنهم ينسبون النجاح لأنفسهم وحدهم.

4. المجلس العسكري يمارس السلطة بمعزل عن الجميع، ولا يدري أحد كيف تسير الأمور، ولا ماذا يُقال للخارج ولا ماذا يخطط للداخل، ثم أضاف إلى ذلك عدة لقاءات مغلقة، منها لقاء بالبرادعي فهدأت من بعده نبرة الدستور أولا وسرى بينهم ارتياح مريب، ومنها لقاء بالبابا شنودة فهدأت من بعده النبرة الطائفية بل صرح البابا بأنه يصلي من أجل المجلس العسكري!! ومن يدري مع من كانت اللقاءات الأخرى؟ ولا ماذا قيل فيها؟

5. إلا أن المجلس العسكري يتعامل مع الإسلاميين بجزرة الانتخابات، والتي تم تأجيلها بالفعل، وبعدما كان الكلام عن انتخابات برلمانية في سبتمبر ورئاسية في ديسمبر، ذهبت الانتخابات البرلمانية إلى نوفمبر وذهبت الرئاسية إلى المجهول.. والإسلاميون يتغاضون عن كل ما يحدث من خطايا المجلس العسكري ابتغاء أن تعبر هذه الفترة الانتقالية بلا ذرائع يستخدمها العسكر لنقض التحول الديمقراطي.

إذا قمنا بترتيب الأولويات فسنجد أننا في وجه المجلس العسكري الذي نقض فترة الستة أشهر، وقد ذهبت الستة أشهر ولم تحدث ولا خطوة واحدة على مسار التحول الديمقراطي، وبيانات المجلس العسكري في هذه الفترة، لا سيما البيان الأخير، متوجهة لمن يشاغبه ويثير له الإزعاج.

وهذا في النهاية لا يعني إلا أن الإسلاميين انسحبوا بإرادتهم من المشهد العام، أو قل هم يُسحبون منه بإغراء "جزرة" الانتخابات التي تتأجل في كل مرة، ألا تكفي فترة الأشهر الخمسة ليدرك الإسلاميون أن العسكر لا يتحركون إلا بالضغط، وهو في الحقيقة ضغط يبدؤه العلمانيون ولا ينجح إلا بدعم وحشد ومساندة الإسلاميين؟!! فإلى متى يقبلون دور التابع القابع في خانة رد الفعل؟!!

ينبغي أن يكون معلوما أن الذي يتعلل بالذرائع يمكن أن يصنع الذرائع بنفسه لكي يتخلص من التزاماته وتعهداته، غير أن الذي حدث أن المجلس العسكري قد أجل الانتخابات بلا ذرائع.. قمة الاستهانة بالإسلاميين! بل قمة استهانة الإسلاميين بأنفسهم وقوتهم ورضاهم بموقع المراقب المنتظر الذي يرجو ويتمنى، وصدق الذي قال: وما نيل المطالب بالتمني.

ليس طبيعيا ولا منطقيا أن نثق بالمجلس العسكري الذي لا نعرفه، ولا نعرف أيا من أفراده، ليس لديهم من رصيد لدينا إلا ما يقدمونه من "أفعال" وليس "أقوال / وعود / تطمينات ...."، وهم على مستوى الأفعال لم يقدموا شيئا إلا تحت الضغط!

لا نرجو صداما مع الجيش، ولكن:

إذا لم يكن إلا الأسنة مركب ... فما حيلة المضطر إلا ركوبها

وبديهي أن الدماء التي سالت لم تكن لتغيير اسم المستبد، بل لتغيير النظام والدخول في تحول ديمقراطي حقيقي، إن الكرة في ملعب المجلس العسكري، وهو لا يبدو مخلصا للتحول الديمقراطي حتى الآن، وعلى هذا المستوى لم يقدم سوى أقوال ووعود تخالفها كثير من الأفعال على الأرض.

وطالما ظل الفعل الإسلامي في موقع المؤثر للسلامة، المبتعد عن الكريهة، فإن فعل المجلس العسكري سيظل في موقع الإغراء بجزرة الانتخابات حتى تأتي اللحظة التي يمكن فيها الانقضاض على مسيرة التحول الديمقراطي كله.

يرتكب الإسلاميون خطئا بشعا وفاحشا إذا ظنوا أن النخبة وإعلامها، ومن ورائهم الغرب وأمريكا سيضغطون على المجلس العسكري لإحداث ديمقراطية، يعرف الجميع أن الإسلاميين هم المستفيدون منها، إذا جاءت اللحظة التي يقرر فيها المجلس العسكري إنهاء التحول الديمقراطي والانقضاض عليه فإن النخبة وإعلامها ومن ورائهم الخارج سيدعمونه شريطة أن يضمن مصالحهم.. ما يعني أن انتهاء اللحظة الثورية ليس في صالح الوطن، لكن أول ضحاياه وذبائحه وفرائسه ليس إلا الإسلاميين!

وعليه فيجب أن نخرج من الكذبة التي كاد البعض يصدقها، وهو أن ثمة قوى سياسية أخرى في مصر، هذا الوهم الذي نبت في عهد مبارك ليحاول الإخوان جعل حركة المعارضة حركة وطنية وليست إسلامية فحسب.. وهو الوهم الذي لم يصدقه مبارك نفسه، فكان لكل التيارات الأخرى صحف وبرامج يمارسون فيها معارضتهم بخلاف الإسلاميين.. مبارك الذي كان يتحمل نقد إبراهيم عيسى وعبد الحليم قنديل وعلاء الأسواني لم يكن يتحمل نقد محمد عباس ولا إبراهيم شكري ولا عادل حسين، بل ولا تحمل مقالات هادئة في صحيفة إسلامية، وانقضى عهده وليس من "أبطال المعارضة" إسلامي واحد يملك صوتا في صحيفة أو قناة!

الدرس المستفاد من هذا: أن أي نظام يستطيع أن يتحمل نقد من لا يملكون إلا الكلام، وهم أيضا يستطيعون التعايش دائما، بمرتبات ممتازة ووضع اجتماعي فاخر، ويفهمون الإطار ويلتزمونه.

وعليه فلا ينبغي تعليق آمال على التوحد مع "القوى" الأخرى (وما هي بقوى، بل مجرد صوت عال)، ولا انتظار أن تقدم مصلحة الوطن وتحوله الديمقراطي على مصلحة وجودها في الصدارة، فإنهم لا يفعلون.. بل ولا يحترمون رفاقهم (رفعت السعيد في اليوم الثاني للاتفاق على قائمة موحدة –فشلت وانتهت فيما بعد- صرح بأن ما يربطه بالإخوان ليس إلا مجرد ورقة.. هذا الشيء أحرى أن يترك وحده، فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث).

لقد طرأت تحولات رائعة على الخطاب السلفي، فيما ظل الخطاب الإخواني ضعيفا مرتبكا مدافعا قابلا لأن يظل في موقع الدفاع وقفص الاتهام، والقرارات الوحيدة الحازمة التي خرجت من الجماعة كانت قرارات بالفصل لبعض أبنائها، وهذا أمر يخصها إلا أن ما يخص الحالة الإسلامية هو أن نرى بعض هذا الحزم مع الأعداء التاريخيين الذين لا يتوقفون عن نهش الجماعة بل والإسلام نفسه!

وأخيرا ينبغي أن يكون معلوما، وبوضوح، أن القوة وحدها هي الحكم في هذه الدنيا، ونحن نعيش لحظة نادرة تتمكن فيها القوة الشعبية من أن تكون طرفا في المعادلة، وتفويت هذه اللحظة هي كارثة بحجم نصف قرن آخر!

لقد ظل عبد الناصر يصفي القوى من حوله، ولأن قيادة الإخوان وقتها كانت مثالا للسذاجة والتفكك والمحسوبية والشللية والفردية فإنها ظلت تنتظر وتترقب حتى انقسمت القوة الشعبية بينها وبين عبد الناصر ثم ظلت القوة حولها تضعف وتتراجع حتى حسمها عبد الناصر لنفسه بتمثيلية المنشية، وكان الفصل الأخير هو المذابح والسجون..

فإذا تكرر هذا فلا يخرج علينا من يقول إنه على منهج رسول الله، ولا أنه مؤمن، فلقد أخبرنا رسول الله نفسه أن المؤمن كَيِّس فَطِن لا يلدغ من جحر واحد مرتين!

نشر في: شبكة "رصد" الإخبارية