الثلاثاء، يوليو 19، 2011

التحالف الإسلامي المفقود

كأنما عدت أربعين سنة إلى الوراء حين رأيته فكلمني وكلمته واستمعت إليه، هو أحد أعضاء الجماعة الإسلامية وهو ممن قضى خمسة عشر عاما في سجون مبارك، ذلك أنني رأيت فيه واحدا من رجال جماعة الإخوان الخارجين في أوائل السبعينات من سجون عبد الناصر، يمتلئ توقدا وحماسة وأملا وعملا، به رأيت ما حدث قبل أن أولد، وعرفت أنه بمثل هؤلاء تُبنى الكيانات والجماعات من جديد.

قال كلاما كثيرا مهما وقَيِّما، إلا أن الشاهد في سياقنا الآن هو عتبه الشديد الممتلئ حرارة من جماعة الإخوان التي تتصرف مع الجماعة الإسلامية بتجاهل شديد، أو في أحسن الأحوال بالقبلات والأحضان، فيم تحتاج المرحلة إلى أكثر من الأحضان، أقله التنسيق والترتيب في هذه المرحلة التي تفرض على الإسلاميين أن يتحركوا ككيان واحد قوي يواجه محاولات سرقة الثورة التي تقوم بها جهات الداخل والخارج.

كان مستاءً من حرص الإخوان على تأليف قلوب أمثال رفعت السعيد وتجاهل أمثال عصام دربالة، ومحاولة التنسيق مع أحزاب يعرف الجميع أنها هامشية وتجاوز كيان منتشر في محافظات مصر من جنوبها إلى شمالها يعيد ترتيب نفسه من جديد. بل كان يرى أن من واجب الكيان الإسلامي الكبير (الإخوان) أن يحتوي الكيان الذي يتجمع من جديد لا سيما بعد تصريحات قادة الجماعة المتكررة بدعم الإخوان.

الخلاصة التي فهمتها منه أن الجماعة الإسلامية ستعيد بناء نفسها في كل الأحوال، غير أن هذا إذا تم في جو من التآلف والتنسيق والتوحد سيكون أقوى وأسرع وأنفع لكل الأطراف، وإذا تم في جو التجاهل أو التعالي فإنه سيتأخر وستكون القلوب قد تنافرت!

***

في حوار آخر بعد هذا بأيام كان صديق من جماعة الإخوان ينتقد من جماعته هذا التجاهل للسلفيين الذين خرجوا إلى الحياة السياسية، واستشعروا خطر العلمانيين على الحالة الإسلامية بشكل عام فهم يريدون وجود حد أدنى من التنسيق في الحركة الإسلامية بينهم وبين الإخوان إن على مستوى الانتخابات وإن على مستوى نشر الوعي وتوحيد الأهداف المرحلية.

وقد حمل هذا الصديق أسئلته هذه حتى بلغ بها مسؤول المحافظة الذي اتضح أنه فوجيء بهذا الأمر، وحيث أن لا توجيهات لديه بالتنسيق فإنه التمس الأعذار والمبررات التي تفسر غياب هذا التنسيق، وهي أعذار أقلها لا يُنكر وأكثرها يمكن حله ببساطة، وحتى هذا القليل الذي لا يُنكر من العوائق لا يستعصي على الحل شرط أن توجد الإرادة لذلك!

***

بعد هذا الحوار بيوم واحد كنت في حوار مع أخ سلفي سكندري من مؤسسي حزب النور، وكان يشكو أيضا من التجاهل العظيم من إخوان الإسكندرية للتنسيق الانتخابي مع حزب النور، وتشتد به الحسرة لأنه يعلم أن الإسكندرية هي المعقل الإسلامي الكبير، وأن أدنى تنسيق بين الإخوان والسلفيين في الإسكندرية قد يجعلها خالصة للإسلاميين من دون الآخرين.. في النهاية اضطر حزب النور بعد التجاهل الإخواني له إلى أن يرتب مرشحيه في الدوائر حتى التي سينزل بها مرشحون عن الإخوان المسلمين، ثم لعل الأيام تأتي بالمأمول!

وحدثني أيضا –وهو طبيب ومن المسؤولين عن العمل السلفي في جامعة الأزهر- عن أن الإخوان في انتخابات اتحاد الطلاب رفضوا التنسيق مع التيار السلفي مما أثر بالسلب على نتائج كليهما، فلقد كان من الممكن بقليل من التنسيق الفوز بمقاعد الاتحاد كلها –وربما إلا قليلا- فخرجت النتائج بالثلث للإخوان، والثلث للسلفيين، والثلث للمستقلين.. وبدلا من أن يتم تصحيح الوضع في تشكيل اللجان إذا بالإخوان ينسقون مع المستقلين في مواجهة السلفيين!!

***

في القلب كلام كثير، غير أن هذا يكفي، وهؤلاء ثلاث شخصيات لا علاقة لهم ببعض، ما يجعل الأمر يبلغ حد التواتر ويفيد اليقين، وصلب الموضوع لا يكمن في التنسيق الانتخابي ولكن يكمن في مأساة الحالة الإسلامية نفسها.

اللحظة الآن هي لحظة حراسة الثورة التي يبدو أنها في طريقها للسرقة لا سيما بعد التأجيل العملي لانتخابات البرلمان لشهرين، وتأجيل انتخابات الرئاسة إلى أجل غير مسمى، وإذا لم يكن الإسلاميون يعلمون أنهم أقرب إلى بعضهم من سواهم فيما مضى فإن تجربة الشهور الخمسة الأخيرة لا بد أن تكون قد أظهرت هذا بشكل لا يقبل اللبس ولا الجدل.

الأيام لا تبقى على حال، وإنما هي دول، وكما كان الإخوان في بداية السبعينات أفرادا فصاروا إلى أن يكونوا قوة شعبية كبيرة، فإن الجماعة الإسلامية تبدو في هذه اللحظة وكأنها تنطلق على نفس المسار، كذلك فإن التيار السلفي قد خرج من عزلته المسجدية تيارا عَفِيًّا فَتِيًّا قادرا على قلب ميزان المعادلة السياسية (د. عبد المنعم أبو الفتوح يقر بأن التيار السلفي يبلغ عشرين ضعفا مقارنة بالإخوان المسلمين).. ولا يظل ناقصا في كل هذه المعادلة إلا إرادة القيادات الإخوانية والسلفية وفي الجماعة الإسلامية!

كلهم يعلمون قول الله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فأَلَّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون)، بل كلهم يقولونها.. وبقي أن يسمعوا منا قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كَبُر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون).

نشر في شبكة رصد الإخبارية