الخميس، يوليو 14، 2011

أحمد عادل كمال مؤرخ الفتوحات الإسلامية على فراش الموت

لعلها اللحظة الأفضل في الكتابة عن المؤرخ الإسلامي الكبير أحمد عادل كمال، فهو يرقد الآن على فراش الموت، وتقول تجربة مع أيامنا هذه بأنه سيصير واحدا في سلسلة عباقرة الأمة المنسيين، الذين لا يكاد يعرفهم إلا القليل من الباحثين في التاريخ الإسلامي.

حتى كتبه التي بلغت من الجدة والتميز والتفوق حدا يجعلها "فتحا علميا" جديدا في مسيرة التاريخ الإسلامي لا يمكن العثور عليها الآن في الأسواق، وقد بذلت –وبعض الأصدقاء- مجهودا كبيرا في محاولة الحصول عليها كلها باءت بالفشل، وكان آخرها محاولة في معرض القاهرة للكتاب (يناير 2010) أسفرت عن نتيجة واضحة، بأن كتب هذا الرجل تكاد تكون هي الأخرى في فراش الموت.

(1)

يعرف أحمدَ عادل كمال صنفان من الباحثين؛ الأولون هم الباحثون في تاريخ الإخوان المسلمين، ويعرفونه بكتابه "النقط فوق الحروف".

والآخرون هم الباحثون في تاريخ الفتوحات الإسلامية، ويعرفونه بسلسلته "استراتيجية الفتوحات الإسلامية" التي صدر منها خمسة كتب هي على الترتيب: الطريق إلى المدائن – القادسية – سقوط المدائن ونهاية الدولة الساسانية – الطريق إلى دمشق – الفتح الإسلامي لمصر. ثم أطلسين آخرين يمثلان فتحا آخر في التأريخ الجغرافي الإسلامي هما "أطلس تاريخ القاهرة" و"أطلس الفتوحات الإسلامية" وهذان الأطلسان هما التراث الذي يمكن إيجاده بسهولة لأنهما من إصدارات دار السلام. وعلى هامش هذه الأعمال الفارقة وُلدت كتب أخرى مثل: سلسلة "من أعلام الفتوح الإسلامية" التي صدر منها: النعمان بن مقرن – طليحة بن خويلد – محمد بن مسلمة – عدي بن حاتم الطائي. ثم كتب أخرى أصغر مثل: "الجمهوريات الإسلامية بآسيا الوسطى منذ الفتح الإسلامي حتى اليوم"، و"جداول التقويم الميلادي / الهجري في سني الفتوحات الإسلامية"، و "الكويت من جزيرة العرب" و"علوم القرآن" و"حجر رشيد والهيروغليفية".

إلا أن المفارقة قائمة في أن شهرة أحمد عادل كمال بكتابه الوحيد "النقط فوق الحروف" باعتباره شاهد عيان على تاريخ النظام الخاص للإخوان المسلمين، أكبر بكثير من شهرته كمؤرخ إسلامي برغم هذه السلاسل العلمية.

(2)

بدأ أحمد عادل كمال حياته كشاب في التنظيم الخاص للإخوان المسلمين، ومن هنا بدأ ارتباطه وتعلقه بالعسكرية وعلوم الحرب، ولئن كان حادث فصله من جماعة الإخوان المسلمين في أزمة 1954م قد بدا شرًّا قبل أكثر من نصف قرن، فإن ذلك الحدث يبدو الآن من نعم الله عليه وعلى الأمة، فمنذ ذلك الوقت بدأ المشروع العلمي الفريد للأستاذ المؤرخ.

وهو مشروع ذهبت فيه طاقة الرجل وعمره، فلم يؤلف شيئا في غير الفتوحات الإسلامية أو ما حولها، اللهم إلا كتابه الشهير "النقط فوق الحروف" عن تجربة النظام الخاص للإخوان المسلمين كما رآها وشهد عليها.

لاشيء غير ترتيب الله تعالى الذي وضع الرجل في نشاط عسكري لمدة من الزمان، ثم انتزعه منه ليكتب عن العسكرية الإسلامية وتاريخها كتبا أستطيع أن أقول إنها بلغت الحد في النهاية، وأنها تمثل مرحلة تاريخية واضحة بين كل ما قبلها وما بعدها، ولا شك في أن الكاتب في موضوعها من بعد سيكون عيالا عليها، كما أن ما رآه المؤلف من جوانب النقص فيها إنما هو في باب التحسين والتجويد والإضافة، أما مجال التأريخ العسكري الجاد للفتوحات فهو باب فتحه هذا الرجل وقد كان قبله مغلقا.

تستحق مؤلفات أحمد عادل كمال أن تكون موضوعا لرسالة ماجستير أو دكتوراة، وقد نصحت صديقا بهذا، فلما انشرح صدره للفكرة وطرحها على أساتذته في الجامعة إذا بهم جميعا لا يعرفون من هو "أحمد عادل كمال"، وعليه ألقيت الفكرة في غابات النسيان. ترى كيف تكون مأساة أمة يجهل أساتذة التاريخ الإسلامي في واحدة من أكبر جامعاتها مؤرخا افتتح بابا جديدا في التأريخ؟؟

لقد شهد المؤرخ المعروف الذي طبقت شهرته الآفاق، الدكتور حسين مؤنس، باليد الطولى لأحمد عادل كمال، إذ كان صاحبنا هذا من ضمن من راجعوا نصوص وخرائط الفتوحات الإسلامية التي وضعها الدكتور مؤنس في كتابه الضخم الفريد "أطلس تاريخ الإسلام"، فأشار –كما يقول د. مؤنس- "بتعديلات كثيرة أدخلت ما كان يجب إدخاله على النص والخرائط منها، وشكرت له الجهد الكبير الذي بذله واليد الطولى التي أسداها إليّ"[1].

كما شهد له العالم الأصولي المحقق والباحث في التاريخ الدكتور عبد العظيم الديب في كتابه "الإخوان المسلمون والعمل السري والعنف" عندما كان يدفع التهم عن النظام الخاص، فاستدل على أن شباب النظام كانوا صفوة الشباب عقولا وفهمان، قال: "وبعضهم دخل ميدان التأليف فأجاد وأفاد وأتي بما لم يأت به الأكاديميون المتخصصون، على سبيل المثال: مؤلفات أحمد عادل كمال في التاريخ الإسلامي"[2].

(3)

تميزت مؤلفات أحمد عادل كمال –ونحن نقصد بالحديث هنا على وجه الخصوص سلسلة استراتيجية الفتوحات الإسلامية- بعدة ميزات من أهمها خبرته هو بالمجال العسكري وعلوم الحرب، واطلاعه على المؤلفات العسكرية ومذكرات مشاهير القادة المحدثين والمؤرخين العسكريين مع تشربه كذلك للثقافة الإسلامية ومصادرها الأصيلة من كتب التاريخ والتراجم وكتب الجرح والتعديل واستعانته كذلك بكتب الأدب والشعر، ولقد أمدته هذه الأخيرة بمادة غنية جعلته يتمنى أن لو تفرغ باحث لدراسة أدب الفتوحات الإسلامية[3].

أما الأطلسين فلهما حديث آخر، فكتابه "أطلس تاريخ القاهرة" هو –على ما أعلم- المحاولة الأولى في رسم خريطة لمدينة إسلامية واسعة، وكان قد سبقها رسم الدكتور حسين مؤنس للمدينة المنورة التي لا تعتبر في اتساع القاهرة، كما أن رسم الدكتور مؤنس كان مقتصرا على الفترة النبوية، بينما تتبع أحمد عادل كمال خريطة القاهرة في عصورها المتلاحقة منذ كانت الفسطاط التي بناها عمرو بن العاص –رضي الله عنه- وحتى العصر الحديث في عهد حسني مبارك.

وأطلس تاريخ القاهرة نموذج متميز في استيعاب مصادر التاريخ وكتب الخطط والتقاط الأصاف من بين السطور، والتوفيق بين المصادر المكتوبة في عهود مختلفة وتتبع ذلك التطور من مصدر إلى آخر، ثم هو استيعاب لحالة الجغرافيا المتغيرة وما عساه أن يكون قد تبدل حاله بفيضان أو حرق أو غير ذلك، ومدى تأثير هذا على اختلاف المواقع بين المدن القديمة والمواقع الموجودة الآن على الخرائط الحديثة، وزَوَّد الأطلس بما استطاع من الصور الفوتوغرافية مقارنا بها الصور القديمة التي أخذت للقاهرة لا سيما تلك الصور التي سجلها علماء الحملة الفرنسية في موسوعتهم الفريدة "وصف مصر".

وأما أطلس الفتوحات الإسلامية فهو في قسمه الأول "الفتوحات في العهد الراشدي" إعادة موجزة لسلسة الفتوحات الإسلامية، ثم ينطلق بعدها في رسم مسارات الفتوح الإسلامية عبر التاريخ الإسلامي إلى أن ينتهي بالفتوحات العثمانية، فهو تاريخ عسكري مختصر مصور لعصر السيادة الإسلامية.

وأما كتابه الشهير "نقط فوق الحروف" فقيمته الحقيقية، عندي، ليست في جانبه التأريخي، وإنما في جانبه الكاشف عن شخصية المؤلف، فحين يكتب الرجل عن حياته وتجربته فإنه يودع صفاته في كتاباته دون أن يدري، فثمة متكبر مكشوف، وثمة متكبر يتظاهر بالتواضع، وثمة من يمارس الحكمة بعد انقشاع المعركة، وثمة من يزعم البطولة لنفسه في كل موقف... وهكذا. إن هذا الكتاب يكشف عن شخصية هادئة رزينة لا تحفل بالأضواء ولا تحب حَبْك الحوادث، تهتم للفتة الإنسانية ويأسرها الكرم وأخلاق الفروسية، لا يضغط على المواقف ليستخرج منها ما لا تنطق به، ولا يحملها ما لا تطيق. شخصية تمتلك أدوات التحليل الهاديء العميق الوقور، وتمس مناطق الفتنة بأعلى قدر ممكن من الرفق. إنه كتاب يشير إلى شخصية المؤرخ، فهو مدخل –ولا أفضل- للاطمئنان إلى كتبه الأخرى.

(4)

نستطيع أن نلخص منهج أحمد عادل كمال في التأليف في خمس نقاط هي:

1. اعتماد منهج المحدثين في التأريخ والترجيح بين الروايات.

2. التوقف أمام الفروق بين العرب والفرس (في فتوحات فارس) وبينهم وبين الروم (في فتوح الشام ومصر).

3. التوقف أمام قواد الفتح والتعريف بشخوصهم وطباعهم وأساليبهم في الحرب وإدارة القتال.

4. رسم خط سير الجيش الإسلامي إلى موقع القتال وكذلك رسم خريطة المعركة وشرح مراحلها عسكريا.

5. تحديد التواريخ بأقصى دقة ممكنة بالأيام والتاريخ الهجري والميلادي بل والقبطي.

وسنذكر في كل نقطة من هذه النقاط مثالا علّنا نساهم في الإشارة إلى هذا المؤرخ الجبل!

فأولها: اعتماد منهج المحدثين في التأريخ والترجيح بين الروايات، وهو –بدايةً- يرى أن كثرة مصادر تاريخنا الإسلامي واختلافها في التفاصيل هي مزية وليست مشكلة، وأن كثرة الروايات وتعددها ضمن لنا الحد الأدنى من صحة الواقعة التاريخية وتجعل تاريخنا منزها عما شاب التواريخ القديمة التي جعلتها واحدية مصدرها تاريخا غير قابل للثقة، فلقد كان رمسيس ينقش في آثاره انتصاره على الحيثيين في الشام، بينما الحيثيون يسجلون انتصارهم عليه في آثارهم، وضاعت الحقيقة لعدم تنوع المصادر.

وربما كان أحمد عادل كمال أول من استخدم منهج المحدثين في الترجيح بين الروايات التاريخية من المؤرخين المُحْدَثين وفي موضوع الفتوح الإسلامية. كان تاريخ الفتوح يعرض بطريقتين؛ الأولى هي طريقة المؤرخين الأوائل الذين يذكرون الروايات كلها إلى جانب بعضها، على ما فيها من اختلاف وتضارب وتناقض في التفاصيل. والثانية طريقة المحدثين التي تقوم على رؤية المؤرخ التي تستبعد بعض الروايات وتسلك الروايات الأخرى في ثوب متماسك، وهي الطريقة التي كانت –قبل عادل كمال- تتم بأسلوب لا يعرف معه القاريء منهجية المؤلف في استبعاده الروايات الأخرى واستبقاء هذه الرواية، ولا منهجيته في تركيب التفاصيل المختلفة.

اعتمد أحمد عادل كمال منهج المحدثين، وبعدما وضع مرويات الفتوح أمامه من مصادرها الأولى، راح يغوص في كتب الرجال والجرح والتعديل ليعرف مدى جودة سلسة الرواة في كل رواية، ومن ثم ترتبت الروايات تبعًا لقوتها وضعفها، فذهبت كثير من مشكلات التناقض والتضارب وتميز ما حقه التقديم مما حقه التأخير، وذلك مع بَصَرٍ بأن المقام مقام تاريخ لا مقام تخريج حديث نبوي مما يقتضي بعض التساهل المنضبط.

وخط أحمد عادل كمال لنفسه خطا متزنا فيه نقد السند ونقد المتن، أما نقد السند فهو يقف فيه على تراث المحدثين وميزانهم، وأما نقد المتن فهو شيء ابتدعه هو على غير مثال سابق، فلقد وضع شرطين من عنده وهما: ترجيح ما ساندته الأدلة الأخرى من الأحوال الجغرافية والجوية وأمثالها (وهو الجانب الذي تفرد فيه مؤرخنا وحده فلم يُسبق فيه ولم يُلحق حتى الآن فيما أعلم) على ما لم تسانده أدلة، وترجيح ما وافق علم الحرب ومنطقه على ما خالفه.

وبهذا المنهج استقامت روايات الفتوح وانضبطت، كما استقامت –أكثر ما استقامت- روايات فتوح الشام التي شكلت كثرتها، وتفاصيلها المتناثرة عائقا أمام تكوين صورة واحدة واضحة فيما قبل[4].

(5)

الكتب الخمسة التي أصدرها أحمد عادل كمال تشمل فتوحات فارس والروم، فاحتاجت دراسة الحرب إلى معرفة الأطراف الثلاثة: العرب، فارس، الروم. وهذه المعرفة هي –فقط- ما كان لازما للقاريء والباحث في سياق دراسته للمعارك، إلا أنها تمثل مقدمة في التاريخ الاجتماعي والسياسي لهذه الكيانات الكبرى.

فقبل فتوح فارس[5] أنت على موعد مع خمسين صفحة ثرية لدراسة العرب، ثم ثلاث وثلاثين صفحة لدراسة الفرس، ثم عشر صفحات أُخَر في دراسة العرب ولكنها تقتصر على التعريف بالمقاييس والموازين والنقود في ذلك الوقت، وباستخدام وتحليل هذه العوامل -التي قد تبدو للوهلة الأولى غير ذات أهمية في سياق التأريخ الحربي- يزيد الضبط في فهم المعارك وتحديد التقويم ورسم المسارات.

بدأت دراسة الجانب العربي بدراسة أرضهم، الجزيرة العربية، آثارها على الفتح، جغرافيتها، ثم حديث عن العرب وقبائلهم القحطانية والعدنانية، ثم عن البيئة والقبيلة: النار والطعام، الملابس، الإبل والبيوت، العلاقات الخارجية، حروب العرب القديمة قبل بدء الفتوح أي حروب الجاهلية والحروب الإسلامية الأولى. وفي حروب العرب نوقشت عدة العرب للحرب، الخيل والفروسية، أدوات الحرب من سيوف ورماح وقسي وسهام ودروع ورايات وما شابه.

ثم جاء دور الفرس، فابتدأ الحديث بتعريف بني ساسان –وهم السلالة الأخيرة للإمبراطورية الفارسية- وكيف كان نظام المجتمع وطبقاته: الملك والأشراف ورجال الدين ورجال الحرب ورجال العلم وعموم الشعب. ثم ديانتهم المجوسية. ثم تاريخهم الحربي في وقت ما قبل الفتوح.

وقبل فتوح الروم[6] ثمة صفحات بلغت الخمسين أيضا، درست بلاد الشام: أرضها ومناخها، وتاريخ الروم في بلاد الشام وسياستهم مع أهلها، والعرب الشاميين كالغساسنة وغيرهم، والتاريخ الحربي السابق لزمن الفتوح.

إن هذه المقدمات لعملية الفتوح والتي تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن التاريخ العسكري وعن مناقشة الفتح هي التي كان لها الفضل الأكبر في رسم الصورة بوضوح، بل رسم الصورة الحربية والعسكرية ذاتها، فضلا عن الصورة الفكرية التاريخية التي تشهد بأن الفتوح الإسلامية كانت رحمة للعالمين وعصرا فارقا في تاريخ هذه البلاد شرقها وغربها.

(6)

التوقف أمام قواد الفتح منهج مضطرد لدى أحمد عادل كمال، فإما أن يتوقف أمام القائد الفاتح قبل أن يدخل في تفاصيل المعركة، وإما أن يرجيء الحديث عن قادة الفتح إلى آخر الكتاب، وهو في العادة يتوقف إذا كان القائد كبيرا أو صاحب سلسلة فتوحات أو كانت المعركة مصيرية، مثلما فعل مع خالد بن الوليد في فتوح فارس وسعد بن أبي وقاص قبيل القادسية وعمرو بن العاص في فتح مصر. ويرجيء قادة الفتوح في باقي الأحوال إلى نهاية الكتاب.

فهو يستعرض تاريخ هذا القائد ونسبه في قبائل العرب وسيرته السابقة وكل ما من شأنه أن يرسم صورة واضحة له ولأسلوبه في إدارة المعركة.

وقد بلغ هذا التوقف حدا تجلى فيه الجهد والصبر والدأب وسعة العلم في رصده لتاريخ "النابغة سلمى بنت حرملة" أم عمرو بن العاص فاتح مصر، ففي هذا المثال نستطيع أن نقول باطمئنان بأن أحمد عادل كمال أخرج تاريخها من العدم، أو قريب من العدم، وهو –في رحلة إخراجه لتاريخها- غاص بمهارة يُغبط عليها بين كتب الأنساب وكتب أيام العرب مع الموازنة والتحليل والتقريب والترجيح حتى أثمر المجهود تاريخا واضحا للنابغة، هو أفضل ما يمكن أن يستخرج في ظل ما هو معروف في زماننا من مصادر.

لم يكتف مؤرخنا بأن ينسف الرواية الساقطة التي تتهم أم هذا الصحابي الجليل بأنها كانت غانية، وهي الرواية التي يُسْقِطها سَنَدُها، بل اعتمد على رواية وحيدة تقول بأنها من بني جلان من عنزة وسبيت ثم استقرت عند العاص بن وائل فولدت له عَمْرًا. وذهب الرجل ينقب وراء بني جلان ووراء عنزة وأين هم من العرب وأين مساكنهم ولماذا خفت ذكرهم في كتب الأنساب، ثم بحث في حروب الجاهلية عن المعركة التي نشبت وانهزم فيها أولئك القوم وسبي منهم حتى وجدها، ثم تتبع مسار سلمى وهي تنتقل من مالك إلى آخر، ثم تراه ينفض الروايات نفضًا بحثًا عن معلومة تهدي لأخرى حتى قال بأن سلمى ولدت فيما بين عامي 572 م و577 م، وأنها ماتت قبل الفتح، فتكون قد عاشت ما بين اثنين وخمسين عاما أو سبعة وخمسين عاما. ولا يسعني في هذا المقام إلا الاعتراف بالعجز التام عن وصف هذا المجهود أو اختصاره في سطور تنبيء عنه، ولا مجال للقاريء الكريم إلا مطالعته في مصدره[7].

(7)

ولأن أحمد عادل كمال بدأ سلسلته في الفتوحات الإسلامية وهو يريدها سلسلة تصف الفتوحات بمنهجية عسكرية علمية تفسر كيف تمت هذه الانتصارات، فاهتم لذلك برسم ثلاثة عناصر: رسم خريطة للجيش الإسلامي وتوزع القبائل عليه، رسم خط سير الجيش الإسلامي، رسم خريطة المعركة.

وقد جنّد صاحبنا لرسم هذه الخرائط مالم يكن يُتوقع تجنيده من علوم ومعارف، فهو يستعمل –فوق كتب التاريخ والأدب والتراجم والأنساب- علوم الجغرافيا والفلك والأرصاد والمناخ وما يتطلبه الحال من معارك أخرى.

رسم خريطة الجيش الإسلامي:

بعد أن ثبت من عدة روايات أن القبائل تكون وحدات متمايزة في داخل الجيش الإسلامي، وأن ترتيبهم في القتال مشابه لوضع مساكنهم في جزيرة العرب، كان لابد من الاستعانة بكتب الأنساب والأدب والجغرافيا فضلا عن كتب التاريخ والرجال لتحديد مساكن قبائل العرب على أرض الجزيرة العربية، ومن ثم رسم خريطة الجيش الإسلامي.

وكان هذا المنهج الجديد بمثابة مفتاح الخريطة الذي تم به ربط كم هائل من المعلومات المنثورة في كتب التاريخ عن قواد المعارك وعن ترتيب الجيش ميمنته وميسرته وقلبه ومقدمته وساقته، وعبر هذا المفتاح تم إدراك جانب من منهج الطبري في التأريخ، فهو إن لم يذكر تعبئة الجيش الإسلامي قبل بداية تأريخه للمعركة ذلك معناه أن التعبئة على حالها في المعركة السابقة[8].

وإنا لندعو القاريء الكريم إلى أن ينظر إلى خريطة الجيش الإسلامي في القادسية[9]، ثم ليقرأ بعده سير المعركة، ولينظر: هل فهمها فيما سبق مثلما فهمها الآن؟

رسم خط سير الجيش الإسلامي:

يكفينا للدلالة على هذا الجانب في منهج أحمد عادل كمال أن نذكر تحقيقه لمسير خالد بن الوليد رضي الله عنه في اختراقه لصحراء السماوة متوجها من العراق ليشارك في فتح الشام. فبعد جهد مُضْنٍ في استنطاق ومقارنة وتحليل الروايات التي تصف المسير على الأرض، وجد مؤرخنا روايتين تأخذ النظر نحو السماء، وهي ما ورد عن أن محرز بن حبيش -دليل خالد في العبور- قال له "اجعل كوكب الصبح على حاجبك الأيمن ثم أُمَّه (أي اقصده وتوجه نحوه) تُفْضِ (أي تنتهي) إلى مكان سويّ". والرواية الأخرى تقول "جانبك الأيمن".

بدأ المؤرخ بالبحث عن كوكب الصبح هذا، ماهو؟ ما شروقه وما غروبه؟ وكيف يبدو لمن كان في العراق متوجها إلى الشام في هذا التوقيت من عمر الأرض؟ فراسل دائرة المعارف البريطانية التي رسالت بدورها مرصد أدلرد بشيكاغو ثم أجابوه ببعض المعلومات التي لم تشف الغليل، فحمل الرجل أوراقه وذهب إلى مرصد حلوان، وبعد ساعة من النقاش مع الفلكيين فيه تم تحديد مسار النجم في السماء في ذلك الوقت، وبه تم التأكد من المسار الذي تم رسمه اعتمادا على الروايات "الأرضية"[10]!

رسم خريطة المعركة:

تعودت كتب التاريخ، لا سيما المتأخرة، أن تخبر عن النصر الإسلامي المجيد، والاكتساح الهائل، والظفر الكبير الذي تم بقوة الإيمان لدى المؤمنين ولأن الله كان معهم وناصرهم... إلخ، بل إن بعض الكتب التي وصفت نفسها –أو وُصِف أصحابها- بالمؤرخين، لا يعلقون على النصر أو الهزيمة إلا بالدرجة الإيمانية، فلئن انتصروا فلقد كانوا على خير ما يرضى الله ورسوله، ولئن انهزموا اجتهدوا في استنطاق الأحداث بما كان من مخالفة وعصيان وبروز حب الدنيا وكراهية الموت.

لسنا ننكر عامل الإيمان –معاذ الله- في النصر والهزيمة، ولكن من الإيمان الأخذ بالأسباب، والأخذ بالأسباب في حال المعارك هو الخطة واليقظة وسرعة الجهاز الاستخباري وكفاءة القيادة العسكرية وحال الأرض وجغرافيتها، وموضع الوديان والجبال والأنهار والمضايق وغيرها من الجيوش، وكذا حال الجو والرياح والمطر... إلخ.

هذا الجانب مفقود كله في التأريخ للمعارك الإسلامية، والمكتوب فيها إلى الآن لا يرقى إلى المستوى المقبول مع الاعتراف بالجهد المشكور الذي بذله البعض في استجلاء هذا الجانب[11]، ومع الاعتراف بأن المخطوطات المفقودة في تراثنا، والتي تمثل نسبة غير معروفة من مجمل هذا التراث، تشكل عقبة كأداء أمام تجميع الصورة التاريخية، فكلما قلت المصادر كلما زادت الضبابية وامتنع تكوُّن المشهد المطلوب.

نستطيع أن نقول باطمئنان: إن معارك الفتوح الإسلامية التي تصدى لها أحمد عادل كمال قد أُلبست هذا الثوب من الوضوح، فأمست مفهومة مُتَخَيّّلة، فلقد قامت الخرائط المرسومة لمراحل المعركة –بالتكامل مع الوصف النصي- بهذه المهمة خير قيام، بل لقد كنا نرى –كما في حالة القادسية، في يومها الأول- خرائط يشاهد القاريء عبرها خط سير المعركة، ومزودة بساعة تحدد التوقيت[12].

(8)

بقي في هذا العرض الموجز لمنهج أحمد عادل كمال جانب تحديد التواريخ بأقصى دقة ممكنة، وهو الجانب الذي أثمر فيما بعد كتابا منفردا في مقابلات التقاويم الهجرية والميلادية لسنوات الفتح.

ونضرب لهذا مثالا بتحقيقه للتواريخ في تأريخه للفتح الإسلامي لمصر، والذي استعان فيه -فوق ما تعطيه الروايات، وبعد ترجيح الصحيح منها على الضعيف- بالتقاويم القبطية الواردة في المدونات الكنسية عن الفتح، وبموقع أيام الفتح من حالات فيضان النيل، ومن الأعياد القبطية. ثم بموازنة كل هذا مع المسافات بين البلاد المفتوحة والزمن الذي تقطعه الجيوش لهذه المسافات، ومدد الحصار ولا سيما حصار حصن بابليون وتفاصيله، ثم بالاسترشاد بالحوادث التي وقعت خارج نطاق الفتح وتواريخها كموت هرقل.

وهذا الجهد لا يقدره إلا من عانى البحث في مجال كهذا، والحق أن أحمد عادل كمال قام بمجهود فريق بحثي كامل، فهو في باب المحدثين يجمع الروايات وينظر في أسانيدها ويرجح بينها، وهو في باب الجغرافيين يدقق في مواضع المدن وحساب المسافات بينها، وهو في باب الفلكيين يحلل التقاويم ويعود إلى جذورها ويحسب ما انتهت إليه، وهو في باب الباحثين في الأديان يتوغل في أعياد الأقباط وموقعها من التقويم القبطي ومناسباتها، ثم هو في باب المؤرخين يجمع كل هذا ويصفيه نصا خالصا سائغا للقارئين.

وما أشعر بعد كتابة ما سبق أني فعلت شيئا ذا بال، بل الحقيقة –التي تخجلني ولكن لا مناص من كشفها- أني كثيرا ما ناورت بالعبارة وسلكت بها سبيلا آخر لتفادي السبيل الواضح الذي يلقي الضوء بحق على عظمة المجهود التاريخي لأحمد عادل كمال، فذلك السبيل كان يقتضي دخولا في شرح وتفاصيل لا تكفيها مساحة مقال أو دراسة مختصرة كهذه، فلم يكن بد من الإشارة من بعيد، وهي كالإشارة نحو النجوم أو نحو القمر، إشارة تلفت النظر إليه وتعترف في الوقت ذاته بعجزها عن وصف جماله، وبضرورة النظر إليه.

انتهيت من هذه السطور في ليل الأربعاء 2/6/2010، ولست أدري هل مؤرخنا في عداد الأحياء أم أنه قد ذهب إلى جوار ربه، اسأل الله أن يبارك في عمره وفي عمله، وأن يهيء له من يعيد بعث كتبه ونشرها والتعريف بها.

وأخيرا لا أجد خيرا من قول المتنبي:

فلقد عُرِفْتَ وما عُرِفْتَ حقيقةً ... ولقد جُهِلْتَ وما جُهِلْت خمولا

نشر في: المركز العربي للدراسات والأبحاث



[1] د. حسين مؤنس: أطلس تاريخ الإسلام، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة، الطبعة الأولى 1407 هـ = 1987م. ص7

[2] د. عبد العظيم الديب: الإخوان المسلمون والعمل السري والعنف، دار الوفاء، المنصورة، مصر، الطبعة الأولى 1426 هـ = 2006م. ص56.

[3] أحمد عادل كمال: الطريق إلى المدائن، طبعة القاهرة 2004م. ص25.

[4] انظر: أحمد عادل كمال: الطريق إلى دمشق، دار النفائس، بيروت، الطبعة الثالثة، 1405 هـ = 1985م. ص47: 62.

[5] فتوحات الإسلام في فارس تناولها المؤلف في ثلاثة كتب هي على الترتيب: "الطريق إلى المدائن"، "القادسية"، "سقوط المدائن ونهاية الدولة الساسانية". ودراسة الأطراف المذكورة موجودة بالكتاب الأول: "الطريق إلى المدائن".

[6] في كتاب "الطريق إلى دمشق"

[7] انظر: أحمد عادل كمال: الفتح الإسلامي لمصر، القاهرة، الطبعة الأولى 1423 هـ = 2003م. ص154: 175.

[8] أحمد عادل كمال: الطريق إلى المدائن ص22، 23.

[9] أحمد عادل كمال: القادسية، طبعة القاهرة، 2004. ص114، 115. وفي أطلس الفتوحات الإسلامية تم رسم توزيعات الجيشين في لوحتين ملونتين: أحدهما من منظور المسلمين، والأخرى من منظور الفرس.

[10] أحمد عادل كمال: الطريق إلى المدائن ص265: 267.

[11] نذكر منهم لى سبيل المثال: اللواء محمود شيت خطاب، والأستاذ محمد فرج، واللواء طه الهاشمي، والأستاذ بسام العسلي.

[12] أحمد عادل كمال: القادسية ص130، 132، 133، 136.