السبت، يوليو 02، 2011

وجوه ثلاثة للعلمانية!

لا يدرك العلمانيون كم خسروا حين اعترفوا بأن أفكارهم قائمة على تنحية الدين من المجال السياسي، باعتبار أن الدين مقدس والسياسة مدنس، وحيث أنهم أقروا بوجوب "تحرر" العمل السياسي من الدين، فإن هذا قد انعكس عليهم بالسلب، فصار كل فعل صادر منهم مشكوك في أغراضه وأهدافه لأنه مؤسس على "إدراك الهدف دون الالتزام بقيمة عليا ولو كانت الدين"، ليتهم كانوا أعلنوا –ولو ظاهريا- تمسكهم بالمقدس، فلربما التمسنا لهم نية حسنة ومنعنا أنفسنا من سوء الظن.

في الأسبوع الماضي ظهر مقالان في الشروق للدكتور عمرو حمزاوي في 25/6/2011 بعنوان "وثيقة الأزهر الشريف"، والأستاذ خالد الخميسي بعنوان "هل يمكن تطبيق الشريعة فى دولة مدنية ديمقراطية؟" في 26/6/2011، ويبدو أن الخميسي كان يرد على مقال الدكتور علاء الأسواني في المصري اليوم (14/6/2011) بعنوان "هل تسمح الدولة المدنية بتطبيق الشريعة؟!".. في هذه المقالات الثلاثة تبدت ثلاثة أوجه للعلمانية في عرض نفسها على جمهور لا يقبلها ولا يرضى بها.

في مقال د. حمزاوي حفاوة بالغة بـ "وثيقة الأزهر الشريف"، ذلك أنها جاءت على هواه، بل مثلت في رأيه "الإسناد والشرعية الدينية لمطلب الدولة المدنية" (!!) وبالإمكان أن نتعجب ما نشاء إزاء هذه العبارة التي كل دلالاتها لا تصب في صالح د. حمزاوي؛ فهي اعتراف بأن مطلب الدولة المدنية ظل بلا شرعية ولا إسناد مقبول في المجتمع حتى جاءته هذه الوثيقة، كذلك فإن حفاوته تعني قيمة ما يمثله "الإسناد والشرعية الدينية" في منح الأفكار قبولا في المجتمع المصري، وقبل كل هذا وبعده نجد أنفسنا إزاء مشهد مدهش: إذ أن التيارات العلمانية تستخدم الدين في دعم وإسناد وترويج أفكارها! وهي التهمة التي طالما أرهقوا بها الإسلاميين!!

كان الأولى بالدكتور حمزاوي أن يرفض وثيقة الأزهر رفضا مبدأيا، لأن الأزهر لا علاقة له بالسياسة، سواء كان رأيه موافقا أو مخالفا، فهذا هو المبدأ العلماني الذي يرفض تدخل الدين في شئون الدولة وسياستها، إلا أن هذا ما لم يحدث، وعليه فها هو الوجه العلماني الأول: لا ما نع من استخدام الدين في دعم الأفكار والترويج لها!

***

الوجه الثاني كان من نصيب د. علاء الأسواني، الذي يبدو أنه قد استطاب له مجال الشريعة والتاريخ الإسلامي، لكنه بدلا من أن يدخل فيهما باحثا جادا، دخل فيهما فقيها مؤرخا بلغ مرتبة الفتوى، وهو إفتاء لا يحترم حتى الآراء الأخرى بل ينفيها ويسفهها، وليت أحدا ينصحه بأن يتوقف إذ هو لا يدري أن ما يكتبه يثير السخرية في أوساط صغار الباحثين فضلا عن المتخصصين!

وهذا المقال المشار إليه هو بكامله مجموعة من العبارات التي يمكن التوقف عند كل واحدة منها بالرد والتفنيد، فهو يخترع التعريفات التي لا توجد في الموسوعات ودوائر المعارف، ثم يخترع واقعا يحاربه ويرفضه ويهاجمه، ولم يكلف نفسه التأكد من صحة المعلومات التي يعلق عليها ويحللها!

غير أن ما يهمنا في سياق هذا المقال هو قوله بأن الدولة المدنية تسمح بتطبيق الشريعة إذا وصل المطالبون بها إلى الحكم عبر انتخابات حرة نزيهة، يقول: "فإذا كان هناك حزب سياسي إسلامي يعتبر أن القانون المصري غير مطابق لمبادئ الشريعة فمن حقه أن يسعى إلى تطبيق ما يراه صحيحا، وعليه عندئذ أن يدعو بوضوح إلى برنامج انتخابي يشرح فيه القوانين التي سيسنّها من أجل تطبيق الشريعة، فإذا حصل هذا الحزب على غالبية الأصوات فى انتخابات نزيهة يكون من حقه أن يطبق البرنامج الذي انتخبه الناس من أجله".

والمدهش أن الإسلاميين لم يقولوا بغير هذا، وهم أكثر الناس حرصا على نزاهة الانتخابات وثقة في تأييد الشعب لهم، مما يجعل كل مقال الأسواني من قبل ومن بعد، بل كل مقالاته ليست إلا اختراعا للمعركة ثم خوضها على غرار دون كيشوت!!

إن الذين يصح أن توجه لهم النصائح هم الذين يريدون الانقلاب على الديمقراطية، ثم يلتمسون لذلك الأسباب: شعب غير مؤهل، مواد فوق دستورية، الدستور أولا... إلخ، وهم يفعلون كل هذا تحت عنوان "الدولة المدنية"، حتى لقد تحولت "الدولة المدنية" إلى "دولة دينية جديدة" ودينها هو اللادين، وأتباعها يجاهدون في فرضها بأشرس مما يفعل الإسلاميون، فهؤلاء يريدونها برغبة الناس، وأولئك يريدونها ولم لم يَرْض الناس!

هذا هو الوجه الثاني للعلمانية: رمتني بدائها وانسلت! ثم اشتكت وهاجمت وحاربت أيضا!

***

كلام الأسواني لم يعجب الخميسي الذي كان أكثر وضوحا، فاعترف بأنه لا يوجد في كتب العلوم السياسية مصطلح "الدولة المدنية" أساسا، بل اعترف بأن تعريفات المصطلحات السياسية كلها –بما فيها "الديمقراطية"- ليس لها تعريف محدد، بل تعريفاتها وفيرة متطورة كل يوم.. لكنه برغم هذا سيضع لها تعريفا من عنده ليرى ما إذا كانت الدولة الديمقراطية سيصلح معها تطبيق الشريعة أم لا؟!!

تكاد تقتلك الدهشة حين ترى في نفس المقال هجوما لأن الخميسى يرى "أن لا أحد يعرف على وجه الدقة ماذا تعنى تطبيقات هذه المفاهيم (تطبيق الشريعة، والدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية) على الواقع السياسى والاقتصادى"!!!

أحلال أن تكون مصطلحاتكم "تعاني من وفرة التعريفات" لكنها –مع ذلك- جميلة وقديرة ورائعة، بينما تكون التعريفات الأخرى غير واضحة "على وجه الدقة" (!!) وبالتالي فهي لا تصلح؟!! يا سبحان الله!!!

إلا أن هذا التناقض المعرفي العقلي ليس أغرب ما في المقال، الأغرب من ذلك أنه على ضوء تعريفه هو للديمقراطية حَكَم بأن الدولة الديمقراطية لا يمكن أن تسمح بتطبيق الشريعة، ذلك أن الشريعة تفرق بين الذكر والأنثى في الميراث، وتطلب الجزية من غير المسلم، بل لا مجال للالتقاء بين الديمقراطية والشريعة فهما تياران مختلفان!

وهكذا أسس الخميسي لقاعدة أن لكل من يرى نفسه فاهما أن يضع تعريفا للديمقراطية، ثم له أن يقرر بناء عليه ما إذا كان مسموحا للشريعة بالوجود أم لا!

لم ننته من الغرائب، فما زال الخميسي يجود.. إذ زعم بأن الإسلام نفسه، وعبر "عشرات الأدلة الفقهية" يقرر بأن شريعته منتهية الصلاحية، وأنها لا تصلح لغير الزمان والمكان الذي نزلت فيه!!

فهذا وجه ثالث للعلمانية: قل ما تشاء، فقولك هذا يعطي الصلاحية أو ينزعها من الآخرين، بل يجب أن يجد الآخرين "عشرات الأدلة" على فساد دينهم لحساب صلاحية ما فاضت به قريحتك!

***

رُوي أن رجلا سُئل عن مولده فقال: وُلِدت رأس الهلال، للنصف من شعبان، بعد العيد بثلاثة أيام، فاحسبوا كيف شئتم!

ذلك مثل العلمانيين في تخبطهم إزاء الدين!

نشر في "المصريون"