الأربعاء، أبريل 05، 2006

لحظات .. ولحظة "تواصلا مع غادة "

أشعل عندى مقال غادة محمد محمود صاحبة مدونة ( مع نفسى )المنشور بجريدة الدستور 5/4/2006 بعضا من المشاعر التى جاهدت لأنساها ، لعل من طبيعة الإنسان أن يحاول الهرب من سياط المشاعر الحارقة إذا لم يكن يملك شيئا .. و الحمد لله الذى خلق النسيان الذى لولاه لصارت كل الحياة تلال أحزان تتراكم وتتراكم حتى اللانهاية .

لكن نسيان المشاعر ليس كأى نسيان .. إنه أشبه بالمسكن الذى إذا زال مفعوله شعرت بصواعقه الحارقة دفعة واحدة .. كأنها كانت فى فترة عمل المسكن تتجمع لتنزل سوطا واحدا بتأثير ألف سوط .

منذ أسبوعين تحديدا جمعتنى الأقدار بخمس بنات صغيرات أكبرهن فى العاشرة من عمرها ، تعرفت عليهن قضيت معهن ساعات من نوعية الساعات الصافية التى تخلو منها الحياة إلا نادرا .
قمن بدورهن بإشعال تلك المشاعر الهادرة التى أحملها تجاه الأطفال بشكل عام .. وهو شعور بدأت أستغرب منه ، إذ أنى أتعلق بالأطفال على نحو يتجاوز الحد الطبيعى المعروف .. حتى الطفل الذى ألعب معه دقائق لا تذهب صورته من ذهنى إلا بعد شهور .

كان شيئا جيدا من الناحية العملية أن تنسينى الدراسة فى الغربة أطفال العائلة والجيران .. فلقد كنت أتوقع لنفسى الفشل إن بقيت قريبا منهم ، لكن بزوغ هؤلاء الصغيرات فجأة فى حياتى كان هو السوط الذى أحرقنى بقوة ألف سوط .

ثلاث ساعات فقط كانت زمن معرفتى بهن تعلقى بهن تعلقهن بى .. ثم فرق بيننا قانون الأيام .. أوو كما قيل فى الحديث - والأصح أنه موقوف وليس مرفوعا - : " أحبب من شئت فإنك مفارقه " .. حينها ظلت الدنيا تصغر فى عينى .. حتى تقزمت بل وتلاشت .

كيف أن هذه الحياة تكتفى فقط بالتفريق بين الأحباب .. بل تعمل فى صمت دائب على أن تقتل تلك المشاعر التى توهجت حتى تظل تبرد تدريجيا نحو التلاشى التام .

هؤلاء الخمس اللاتى تعلقت بهن .. لن يلبث الأمر شهورا حتى أكون قد نسيتهن ونسونى .. منتهى الحقارة .. دنيا تعودت على قتل كل ما هو جميل حتى ولو كانت مشاعر فى أروع حالات الصدق والنبل .. ما أحقرها من حياة تستطيع انتزاع الحب فى هدوء و صمت .. بعد أن تكن انتزعت الأحباب من بعضهم فى مشهد ساخر يجمع بين البسمات والدموع .

كنت أودعهن مبتسما .. باكيا .. فى نفس اللحظة .

كان ما سبق هو اللحظات .. أما اللحظة فهى تلك اللحظة التى نوسع فيها عالم الرؤية لنبتعد عن أشخاصنا قليلا نحو المشهد العام .. كتبت غادة تعلقها الخاص بالطفل اليتيم عاصم الذى تشعر حين يضحك بأنه قد ملأ الكون كله .. شئ من هذا شعرته نحو ( سلسبيل و مروة ) .. لكننى يحن فارقتهما تذكرت كيف سيكون إذا عشقى لأبنائى فيما بعد إن شاء الله وقدر ..وإذا كنت بهذه الحرقة واللوعة تجاه من لا اعرف عنهم شيئا من الأطفال ، فكيف بمن هو جزء منى .. جزء حقيقى .. أتابع نموه منذ كان جنينا يتمدد فى بطن أمه حتى يخرج إلى الدنيا.. فيتطور من السكوت إلى البكاء ثم إلى الضحك ثم إلى التعتعة ثم إلى النطق والإشارة ثم إلى التقلب فى الفراش .. وحتى الحبو الضعيف ، والمشية المتهالكة المترددة ... إلخ هذا .

كيف يمكن أن تكون مشاعرى ولوعتى بل كيف سيكون مقدار جنونى لو أتت رصاصة أو قذيفة لتخطف منى هذا الحلم الذى تجسد عبر السنوات إلى كائن حى ؟؟

كيف يمكن أن تكون صرختى الهادرة المجلجلة المنطلقة من الحنجرة .. بل من كل خلية حية فى هذا الجسد ، بل وما هو أعلى وأعمق وأبعد من هذا الجسد .. كيف ستكون صرخة الروح الملتهبة المنسحقة .. كيف سأحيا بعد انتهاء الحلم ؟؟

لا أدرى .. حقا لا أدرى .. ولا أقولها مبالغة أو كنوع من الأدب .. بل هى حقيقة نابعة من كونى لم أذق بعد طعم هذا الحلم .. كل عباراتى عنه إنما هى مجرد إيحاءات وتوقعات واستشرافات .. فكيف سيكون حين أذق .

لعل القارئ يسأل مالذى أوصلنى إلى هذا الاحتمال ؟؟

أجيبه .. إنها المشاهد التى لا تمل من التكرار .. أطفالنا القتلى فى فلسطين والعراق والشيشان وكشمير وتركستان وبورما وتايلاند .. وغيرها من البلاد التى يرى فيها الأباء الأمهات الرصاصات والقذائف وهى تنسف الحلم الجميل ..

إن فى هذا العالم بشرا يذوقون فى كل لحظة طعم المرارة والحسرة .. لا نتخيل أننا بعيدا عن هذا ، ومن يدرى .. هل كان العراقيون يتوقعون فى عام 2000 أن مايحدث فى فلسطين إلى جوارهم سيحدث لهم بعد ثلاث سنوات 2003 ؟؟؟

كذلك .. من يدرى ماذا سيحدث لنا فى عام 2007 أو 2008 أو 2009 ؟؟

قد نكون فى نفس الموقف .. قد تحترق أحلامنا وهى فى أحضاننا .. مثل إيمان حجو وضياء التميزى ومحمد الدرة وغيرهم من طابور الشهداء الطويل .


5/4/2006