الأربعاء، أبريل 08، 2015

سياط الفيلسوف على ظهور العسكر (11)

اقرأ أولا:

ما زلنا نواصل التقاط مواقف الفيلسوف المخضرم الكبير د. عبد الرحمن بدوي من حكم العسكر عبر مذكراته الحافلة الصادرة في جزئين، وهو الذي عايش العهدين: الملكي والعسكري، وحقق من المكانة الفكرية ما لا ينكره أحد ولو كان من أشد أعدائه.

وموضوع السطور القادمة عن القذافي صاحب الانقلاب العسكري المشؤوم في ليبيا، والسادات الحاكم العسكري الذي تلا عبد الناصر مؤسس حكم العسكر في مصر.

(37)

عمل د. عبد الرحمن بدوي أستاذا في الجامعة الليبية بين عامي (1967 – 1973) أي أنه عايش فترة الملكية ثم فترة الحكم العسكري بعد انقلاب القذافي، وهو يجمل ذلك بالقول: "كان هذان العامان الأولان من الأعوام الستة التي أقمتها في ليبيا الفترة المضيئة الخصبة في مقامي هناك. أما السنوات الأربع التالية (من سبتمبر 1969 حتى أوائل مايو 1973) فكانت فترة قلق وتبرم بالمقام هناك، وتربص متلهف للإفلات من ليبيا، لكن لم تسنح لي فرصة في دولة أخرى، فاضطررت إلى مواصلة العمل هناك كارها، لأني كنت عازما على عدم العودة إلى مصر، رغم أنها في 28 سبتمبر 1970 تحررت من الطاغوت الرهيب الذي ظلَّ جاثما عليها طوال ثماني عشرة سنة"[1].

(38)

وبعد حديث عن الاقتصاد في ليبيا يشير إلى أن الوضع في ليبيا الملكية أفضل من الوضع في مصر العسكرية ثم في ليبيا العسكرية بعد انقلاب القذافي، يقول:

"ويستطيع المرء أن يقول بكل اطمئنان أن كل شيء من غذاء ولباس وسائر ما يحتاجه الناس للمعاش – مستورد من الخارج. وكانت كل هذه السلع في العامين الأولين من إقامتي في ليبيا، أي من سبتمبر 1976 حتى سبتمبر سنة 1969، متوارة وبأنواع جيدة وأحيانا ممتازة في أسواق بنغازي وغيرها من المدن الليبية، بل وفي أصغر القرى. ولهذا كانت رفاهية العيش موفورة مؤمنة لأهل البلاد وللوافدين عليها. ومن ثم كان الوافد من مصر، إذا انتقل إلى بنغازي أو ليبيا بعامة، يشعر بالارتياح البالغ والنعمة السابغة، لأن مصر آنذاك –سنة 1967- كانت تفتقر أسواقها إلى الكثير جدا من السلع وأسباب العيش الرغيد"[2].

(39)

"وفي نفس اليوم –أي 11 ديسمبر 1969- صدر "قانون حماية الثورة" وبموجبه يُحكم بالإعدام على كل من يقاوم الثورة بالسلاح، وبالسجن على كل من ينتقد الثورة أو يشترك في مظاهرة أو إضراب موجهَيْن ضدها"

"وهبت على الجامعة عاصفة التغيير بعنف بالغ؛ فمدير الجامعة –عبد المولى دغمان- فُصِل من منصبه ثم أودع السجن... ثم أفرج عنه بعد حوالي أربعة أشهر، لكنه ما لبث أن اتهم بتدبير مؤامرة وكتابة منشورات ضد الثورة، فسُجِن ثم حُكِم عليه بالسجن عشر سنوات، قضاها كلها في سجن طرابلس. وفُصِل عميد كلية التجارة... وراح الطامعون من الليبيين أعضاء هيئة التدريس والمعيدين في التزلف إلى رجال الثورة طمعا في الحصول على مناصب إدارية في الجامعة أو خارجها. وإذا كان هذا أمرا طبيعيا في مثل هذا الجو، فإن الأمر الشائن المخجل حقا هو أن بعض أعضاء هيئة التدريس غير الليبيين اتخذوا نفس الأسلوب دون أي وازع من ضمير، وكان أشدهم نكرا في هذا المجال بعض أساذتة الحقوق! وذلك ديدنهم دائما وفي كل مكان.

إزاء هذا كله قررت أن أكون بمعزل تام عن كل هذه الأحداث؛ فلم أحضر أي اجتماع سياسي عُقِد في الجامعة، وتوجست من الطلاب بقدر ما توجست من الزملاء الأساتذة"[3].

(40)

"وفي 28 سبتمبر سنة 1970 انزاح عن صدر مصر الكابوس الرهيب الذي أبهظ صدر مصر طوال ثمانية عشر عاما، سيم فيها الشعب المصري أسوأ صنوف العذاب، وابْتُلِي بأبشع الإهانات، وحاق به شر أنواع الهزائم، إذ توفي عبد الناصر في الساعة الخامسة والنصف من ذلك اليوم"[4].

(41)

"كان أول عمل قام به السادات هو تشكيل وزارة، فكلّف بهذا التشكيل وزير الخارجية المعمّر في هذا المنصب طويلا منذ ديسمبر 1952: محمود فوزي. وكان اختياره ليكون رئيسا للوزراء غلطة فاحشة ارتكبها أنور السادات، فإن محمود فوزي -كما قلنا عنه في الجزء الأول من هذا الكتاب- إنسان محدود الذكاء، تافه التفكير، لم يكن له أي ماض في الوطنية أو العمل الوطني، ولم يبق عليه جمال عبد الناصر وزيرا للخارجية مدة طويلة إلا لأنه خاضع مطيع، لا يبدي أي رأي، وإنما ينتظر دائما أن يبدي جمال عبد الناصر رأيه أولا ثم يعقب عليه فورا بأن: رأي الرئيس هو عين الصواب، وهو الحكمة كل الحكمة، وهو الدهاء السياسي متجسدا، إلى آخر عبارات التملق والنفاق التي كانت هي كل بضاعة محمود فوزي. وربما اختاره أنور السادات لهذا السبب عينه، حتى يكون أدلة سلبية مطواعة في يده دائما"[5].

(42)

"كان علي صبري عميل روسيا الأول في مصر، ولهذا فإن كوسيجين [رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي] حين حضر جنازة عبد الناصر واجتمع بعدها برئيس الجمهورية بالنيابة، أنور السادات، شدَّد على أن يكون لعلي صبري المركز الأول في السلطة في مصر،وهذا ما اضطر السادات إلى تعيينه نائبا له بعد توليه رئاسة الجمهورية بأسبوعين. ولما كان علي صبري هو المسيطر على ما كان يسمى "اللجنة العليا" للاتحاد الاشتراكي، وعلى الاتحاد الاشتراكي فقد ظنَّ أنه يستطيع بواسطة كليهما أن يكون الحاكم الفعلي، وألا يكون إلا السادات مجرد رمز فقط لن يلبث أن يطيح به وينفرد هو بالسلطة. وكان يعاونه في هذا التدبير والتقدير سامي شرف، العميل الثاني للاتحاد السوفيتي.

ورفض محمد حسنين هيكل الاشتراك في وزارة محمود فوزي، لأنه كان يشعر بأنه فوق هذا المنصب الكبير، خصوصا وأنه هو الذي رشح محمود فوزي لتولي رئاسة الوزارة وكان يعده بمثابة ألعوبة في يده، فكيف يقبل بعد هذا أن يعمل مرؤوسا له؟!"[6].

(43)

ولما عاد السادات إلى مصر بعد هذا التوقيع [توقيع اتفاقية الوحدة مع ليبيا والسودان وسوريا] وجد أن علي صبري حرض الاتحاد الاشتراكي على معارضة هذا الاتفاق. ومن ثم بدأت المعارضة ضد السادات داخل الفئة الباغية تستفحل طمعا في الإطاحة بالسادات وتولي السلطة مكانه. وتولى قيادة هذه الحركة: علي صبري (نائب رئيس الجمهورية)، وسامي شرف (وزير شئون رئاسة الجمهورية)، وشعراوي جمعة (وزير الداخلية)، ومحمد فائق (وزير الإعلام)، ومحمد فوزي (وزير الحربية). وتصوروا –بحماقتهم وسوء تدبيرهم وبلاهة عقولهم- أنهم سيسقطون السادات بمجرد أن يعلنوا استقالتهم من مناصبهم! وأعلنوا هذه الاستقالة في مساء 12 مايو سنة 1971.

وبسرعة وحزم ومهارة بادر السادات وواجه هؤلاء المغفلين الذين لم يتحرك أحد لمساندتهم لا في الاتحاد الاشتراكي ولا في الجيش ولا في الشارع المصري، فأصدر في 13 مايو قرارا بقبول استقالة هؤلاء، وقرارا آخر بتشكيل وزارة جديدة –على رأسها محمود فوزي أيضا!- وعيّن وزيرا للداخلية ممدوح سالم الذي بادر بالقبض على كل هؤلاء في نفس اليوم فاستسلموا كالخراف! وعين اللواء محمد صادق وزيرا للحربية، واستطاع صادق الحصول على ولاء القوات المسلحة لرئيس الجمهورية. كذلك تمّ القبض على الضالعين من أعضاء اللجنة العليا والاتحاد الاشتراكي مع أولئك المتآمرين، وكذلك بعض المرتزقة من الصحفيين وموظفي الإذاعة والتليفزيون.

وأنشأ السادات وظيفة "المدعي الاشتراكي". وتولى المدعي الاشتراكي ورجاله التحقيق مع هؤلاء المتآمرين، وانتهى التحقيق إلى تقديم 91 شخصا للمحاكمة بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم.

ولقد انزعج الاتحاد السوفييتي كل الانزعاج لما أصاب عميليه الكبيرين في مصر: علي صبري، وسامي شرف. فهرع إلى إرسال وفد بقيادة نيقولاي بودجورني رئيس الاتحاد السوفييتي في 25 مايو سنة 1971. لكن السادات بمكره ومهارته استطاع تطمين الوفد السوفيتي على استمرار التحالف الوثيق بين مصر وبين روسيا"[7].




[1] سيرة حياتي 2/106.
[2] سيرة حياتي 2/143.
[3] سيرة حياتي 2/225، 226.
[4] سيرة حياتي 2/237.
[5] سيرة حياتي 2/240.
[6] سيرة حياتي 2/241.
[7] سيرة حياتي 2/242 وما بعدها.

الأحد، أبريل 05، 2015

الوعي بنظام الإسلام الاجتماعي هو واجب الوقت

من أوضح الفوارق بين الشرق والغرب، النزعة الجماعية في المجتمعات الشرقية والتي تقابلها النزعة الفردية في المجتمعات الغربية.

وقد أتى الإسلام بما يعزز هذه النزعة الجماعية، مع الاحتفاظ بخصوصيات الفرد، بينما الأغلب الأعم من الفلسفات الغربية -وتحققاتها الواقعية- تميل إلى تعظيم الشأن الفردي أكثر من المجتمع.

من نواتج هذه العملية أن المجتمع الإسلامي يفرز صفوة تعبر عنه بشكل طبيعي، صفوة تشمل عديدا من الأصناف تتوزع بين شرف النسب وشرف العلم وزعماء الحِرَف والزعماء الذين سادوا بكثرة فعلهم للخير وإنفاقهم للأموال وإصلاحهم بين المتخاصمين.

هذه الصفوة تشكلت -في المجتمع الإسلامي- بشكل طبيعي دون تدخل للسلطة فيها، فأشراف النسب حريصون على تنشئة وتعليم أولادهم من الأخلاق ما يجعلهم جديرين بشرف النسب، والطالب الفقير الذي لا تجد أمه ما تطعمه به يملك أن يكون سيد العلماء بالجد والاجتهاد، وزعماء الحرف هم إفراز طبيعي خارج من بين أهل هذه الحرفة.

من هذه الصفوة تخرج ما يسمى بـ "أهل الحل والعقد" الذين جعل إليهم الفقهاء مهمات تولية السلطان، وجعلوا على السلطان واجب استشارتهم!

ولأنها عملية اجتماعية طبيعية وإنسانية، لم يتحدد "من هم أهل الحل والعقد" بصيغة رياضية محددة مغلقة، كما هي الصيغ التي يرتاح لها القانونيون ومن شربوا علوم الفلسفة والاجتماع من منبعها الغربي (فالمنهجية الغربية نزّاعة نحو التحديد ودقة التوصيف).

وهذا في ظل دين ينزع سلطة التشريع العليا فيجعلها لله، ويجعل حراسة الدين في يد طبقة غير محددة ولا مؤطرة هي "جماعة العلماء"، ويحفظ للمجتمع قوته من خلال تعاليم أخوة الإسلام وصلات الرحم وحقوق الجوار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن خلال مؤسسات الزكاة والأوقاف والحسبة.

وعلى الناحية الأخرى أفرز النموذج الغربي طريقته في اختيار الحاكم، فكان أفضل ما وصلوا إليه هي "الانتخابات بالاقتراع السري المباشر" في ترجمة واضحة للنزعة الفردية التي تعظم من شأن الفرد، وتجعل له الحق منفردا في أخذ القرار لكل ما يخص الشأن العام.

وقد تحقق هذا النموذج الغربي في صيغتين متناقضتين، هما: الشيوعي والرأسمالي!

وفي كليهما لم تكن السلطة تعبيرا حقيقيا عن رغبة أو إرادة الجماهير، ففي النظام الشيوعي لم يكن للانتخابات الفردية حقيقة واقعية، بل إن الجماعة التي وصلت إلى السلطة في أول الأمر ظلت حتى الانهيار تسلم المواقع يدا بيد، وإن أكثرت في الحديث عن "إرادة الشعب" و"رأي الجماهير".

وفي النظام الرأسمالي استطاعت نخبة المال أن تتحكم في صياغة "إرادة الجماهير" هذه، عبر الإعلام أولا، ثم عبر القوانين، ثم عبر السلاح، وتشكل تحالف طبيعي بين أصحاب المال ليكونوا هم أو أصدقاؤهم أصحاب السلطة التنفيذية وأعضاء السلطة التشريعية، فتكون النخبة الحاكمة هي على الحقيقة شر أنواع النخب، والتي لا يهمها التعبير عن إرادة الجماهير بقدر ما يهمها خضوع هذه الجماهير والاستمرار في استنزافها.

حتى النخبة التي قد تمثل نوعا من العمل الخيري والتطوعي، مثل منظمات المجتمع المدني، لم تبلغ من التأثير في السياسات والأنماط الاقتصادية حدَّا ذا بال، ويُقاس هذا على وجه الخصوص في أوقات الأزمات ورغبة السلطة في تمرير سياسة أو فرض نظام بعينه.

وفي رأيي أن هذا راجع إلى أن هذه النخبة ليست إفرازا حقيقيا مجتمعيا بل هي "عمل تطوعي"، ولا يمكن للعمل التطوعي أن يكون في القوة مثلما يكون الإفراز الحقيقي (كالأشراف في النسب، والعلماء، وزعماء المهن والحرف، ورجال فعل الخير وأمثال هؤلاء في المجتمع القديم).

ولا شك أن سياق وجود دولة مركزية غيَّر كثيرا من الأوضاع الاجتماعية والأنشطة الاقتصادية، ولئن كانت الإجابة الغربية هي أفضل إجابة ممكنة في صيغتها الرأسمالية (ربما)، فإن الأكيد هو أن عملية فرض هذه الدولة المركزية في بلادنا لم تكن لتتم إلا "بتحطيم النظام الاجتماعي الإسلامي"، وهذا ما بدأ في بلادنا على يد مستبد قوي (مثل محمد علي) أو على يد الاحتلال الأجنبي ثم أكملته الطبقة العسكرية المستبدة حتى لحظتنا الحالية.

ونعود فنقول: إن احتمال الفوضى القادمة في بلادنا لم يعد احتمالا، بل هو الأكيد المحتوم..

لقد ثبت لنا بالتجربة أن هذه الأنظمة المستبدة لن تترك الحكم لا بانتخابات نزيهة ولا بثورة سلمية ولا بثورة مسلحة حتى تهدم البلاد فوق رؤوس الجميع، والغرب من ورائها يدعمها ويحميها (ولو قتلت وهجرت وشردت الملايين.. والنموذج السوري نراه بالصوت والصورة)، لا سيما وأن أجهزة الأمن والجيش في بلادنا قد صارت مرتبطة ارتباطا حقيقيا وعضويا بالغرب، وهي فروع محلية لجيوشه الأجنبية تحكم بالنيابة عنه.

ومن ثمَّ فإن إعادة نشر "الوعي بالنظام الإسلامي" في بناء المجتمع هو واجب الوقت، بحيث نتجنب ما استطعنا مرحلة الفوضى، أو على الأقل نعبرها بأقل الخسائر.

نماذج تقوية الزعامات القبلية والعشائرية والجغرافية، ومؤسسات التكافل، وصلات الأرحام، وقيم: الإحسان والبر والبذل، وقيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإعادة تمركز الشخصيات الإسلامية وطلبها لموقع القيادة الطبيعية في مجتمعاتها.. كل هذا من واجبات الوقت، ولا بد أن يسبق هذا مرحلة الوعي به وتشربه.

ولمزيد من شرح هذه القيم وأثرها، يرجى مطالعة هذه الروابط:
http://melhamy.blogspot.com/2014/06/blog-post_30.html
http://melhamy.blogspot.com/2013/02/blog-post_25.html
http://melhamy.blogspot.com/2012/12/1-2.html
http://melhamy.blogspot.com/2013/04/22.html
http://melhamy.blogspot.com/2012/09/blog-post.html
http://melhamy.blogspot.com/2012/04/blog-post_5651.html
http://melhamy.blogspot.com/2011/06/blog-post_22.html
http://melhamy.blogspot.com/2013/02/blog-post_16.html

السبت، أبريل 04، 2015

رحلة الاستشراق - هل انتهى الاستشراق؟

ذكرنا في المقالات الماضية أن الاستشراق وُلِد من رحم المواجهة الإسلامية الغربية، وعاش طفولته في عصر الحروب الصليبية، ونضج واشتد ساعده في عصور الاستعمار، وأنه وبرغم نضجه ظل معاديا للإسلام لأنه ابن بار للغرب وأهدافه الاستعمارية.. لكن شيئا مفاجئا وقع عُقَيب عصر الاستعمار، وهو إعلان "موت الاستشراق"!!

فكيف كان هذا؟!

منذ أربعين سنة، وتحديدا عام (1973م) عقد المستشرقون في باريس مؤتمرهم العالمي الدوري، وفيه اتفقوا على التخلص من كلمة "الاستشراق" و"المستشرق" وعلى أن يستبدلوا بها وصفا آخر، فجعلوا اسم المؤتمر "المؤتمر العالمي للدراسات الإنسانية حول آسيا وشمال إفريقيا"، وصار الشائع في اصطلاحاتهم من بعدها كلمات أخرى مثل "الدراسات الشرقية"، "دراسات الشرق الأدنى"، "الدراسات الشرق الأوسطية" "دراسات المناطق"... إلخ. وكتب برنارد لويس -وهو من أساطين المستشرقين وشيوخهم- يؤيد ما فعله المؤتمر لأن كلمات الاستشراق والمستشرق صارت ملوثة[1]!

لكن بعض المفكرين مثل عبد الرحمن بدوي –الفيلسوف المشهور، والذي لم يكن في ذلك الوقت متدينا ولا منحازا للإسلام- رأى في قرار إنهاء مؤتمر الاستشراق مؤامرة صهيونية قادها برنارد لويس لوأد هذا المؤتمر الذي يكشف عن الوجوه الزاهرة للحضارة الإسلامية، وقد حاول جهده –ومعه إبراهيم مدكور- وآخرين إيقاف محاولة وأد المؤتمر والتصدي لفكرة إلغائه التي تزعمها برنارد لويس ومجموعة المستشرقين اليهود في هذا المؤتمر المنعقد في باريس، إلا أنهما لم ينجحا، وتحدث بدوي بألم ومرارة وحزن شديد عن انتهاء هذا المؤتمر. وكتب في مذكراته يقول: "تولى تدبير هذه المؤامرة برنارد لويس بحماقته واندفاعه وتهريجه، يعاونه يهودي آخر يُدعى بَشَم Basham وهو إنجليزي الجنسية ومتخصص في الدراسات الهندية. واستطاعا التأثير في رئيس المؤتمر وهو الأستاذ فيلوزا Filliozat المتخصص في الدراسات الهندية، وهو عالِم مهذب الأخلاق لكنه ضعيف الشخصية، فاستطاع ذانك الخبيثان: لويس وبشم استدراجه إلى مؤامراتهما الدنيئة. وهكذا قرر الثلاثة ومعهم باقي أعضاء "الاتحاد الأكاديمي الدولي" وهو المشرف على عقد مؤتمرات المستشرقين – حلّ مؤتمر المستشرقين وتجزئته إلى عدة مؤتمرات خاصة، أطلق على المتعلق منها بالدراسات الإسلامية والعربية اسم "مؤتمر العلوم الإنسانية للشرق الأدنى وشمالي إفريقية" وهو عنوان سخيف طويل ثقيل يدعو إلى الخلط والغموض في هدفه وموضوعاته. ولهذا ولعدم فهم المؤسسات التي دعيت فيما بعد لإيفاد مندوبين عنها – بعثت هذه المؤسسات بمن لا شأن لهم أبدا بالدراسات العربية والإسلامية بالمعنى الذي كان مفهوما من مؤتمرات المستشرقين، فكانت مهزلة ما بعدها مهزلة لما أن عقد المؤتمر في المكسيك ثم في اليابان. وبهذا لم يبق أي أثر لمؤتمر المستشرقين المعروف منذ أكثر من مائة سنة. وعلى هذا النحو تحقق الهدف الأصلي الذي كان يستهدفه أولئك الصهاينة الخبثاء: برنارد لويس، وبشم، ومن وراءهما من المؤسسات الصهيونية العالمية!!"[2].

وهذه الإضافة من بدوي –الذي كان حاضرا للمؤتمر، ولم يكن ساعتها متدينا أصلا- تقول بأن إنهاء مؤتمر المستشرقين هو في حقيقة الأمر خطوة "استشراقية" بعدما بدا أن المؤتمر ينحرف عن أهداف الاستشراق الأصيلة، وأن حركة نضوجه تسير باتجاه إبراز أمجاد الحضارة الإسلامية ووجهها الزاهر. ومن ثَمَّ استطاعت حركة الاستشراق –في وجهها السياسي- السيطرة والتحكم في الوجه العلمي للاستشراق ومنعه من النمو بما يخالف الأغراض.

لكن يبقى السؤال.. هل انتهى الاستشراق؟

الواقع أن هذا لم يحدث بأي وجه من الوجوه، فما زالت ثوابت الاستشراق وهياكله كلها قائمة، بل تزيد وتتطور، فالمؤسسات والمعاهد والأقسام ما تزال تدرس وتبحث أحوال الشرق، والباحثون في الشرق لا يفتأون يكتبون ويختلفون إلى الشرق أو يقيمون فيه، وما تزال الأموال تنفق على هذه البحوث، وما يزال صانع القرار يعتمد على الخبراء والمراكز البحثية المتخصصة في الشرق. بل والأكثر من هذا أن التعصب الغربي ضد الإسلام ما زال موجودا، كذلك "ما زالت الكتب تكتب وما زالت المؤتمرات تعقد حول "الشرق" باعتباره الموضوع الرئيسي، وهي التي تقيم حججها على ما قاله المستشرقون القدماء أو المحدثون باعتبارهم موضع الثقة"[3].

وغاية ما يُقال في انتهاء الاستشراق هو انتهاء صورته القديمة، وتجاوز بعض الآراء القديمة التي لم تعد صالحة، وكلا الأمرين صادران عن تطور واحد: هو ثورة المعلومات والاتصالات، وهو أمر ليس جديدا كليا، فقبل نحو نصف قرن كتب د. مصطفى السباعي أنه في حوار له مع المستشرق نيبرج -وكان ذلك في السويد- ذكر له طرفا من أخطاء المستشرقين، وبالتحديد جولدزيهر، فقال له نيبرج: "إن جولدزيهر كان في القرن الماضي (التاسع عشر) ذا شهرة علمية ومرجعا للمستشرقين، أما في هذا العصر -بعد انتشار الكتب المطبوعة في بلادكم عن العلوم الإسلامية- فلم يعد جولدزيهر مرجعا كما كان في القرن الماضي.. لقد مضى عهد جولدزيهر في رأينا"، وهذا القول حمله الشيخ السباعي على أنه خاص بالدول الغربية غير الاستعمارية كالدول الاسكندنافية[4]، ومثله قال د. مازن مطبقاني قبل سنوات معدودة: "وقد تحقق لي بعض النجاح في هذه الزيارة كما أنني التقيت عددا منهم في رحلات علمية أخرى وفي بعض الندوات والمؤتمرات التي تيسر لي حضورها في السنتين الماضيتين، وهم ليسوا سواء فالتعصب الشديد مازال يسيطر على البعض بينما تخلص بعضهم الآخر من موروثات الاستعمار والحقد والتعصب"[5].

الاختلاف أن الاستشراق لم يعد يستطيع أن يقوم بدور تشويه الإسلام بين عموم الجماهير بخرافات مثل: صنم محمد المحلى بالجواهر، أو المعلق في السماء، أو الذي يبيح الزنا واللواط، أو الذي كان كاردينالا مسيحيا ثم هرب بعد خلاف مع الكنيسة ليؤسس مذهبا جديدا يضرب به المسيحية... إلى آخر هذه الخرافات التي عاش عليها الاستشراق أمدا طويلا في العصور الوسطى الأوروبية، والتي ما كان لها أن تنتشر لولا الجهل المخيم بين الغربيين وصعوبة الوصول إلى معلومات من مصادر أخرى غير المستشرقين آنذاك. أما الآن فبعد استقرار الاستشراق علميا وموضوعيا لم يعد يصلح في مخاطبة الجمهور، لأن الجمهور تحركه الخطابات البسيطة الشعبوية، بينما لا تسمح قواعد البحث العلمي التي صارت من التقاليد المرعية أن ينزلق الخطاب الأكاديمي إلى الأكاذيب الفجة.

أما في جانب دراسة الشرق بغرض الهيمنة عليه واستمرار التحكم فيه وتقديم خلاصات الرأي للسلطة، فهو جانب يزدهر وينمو ويزداد تفرعا وتخصصا، وسنعرض لبعض صوره الجديدة في المقال القادم بإذن الله تعالى.

نشر في نون بوست 



[1] د. مازن مطبقاني: هل انتهى الاستشراق حقا؟، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، الكويت، العدد 43، ص281 وما بعدها.
[2] عبد الرحمن بدوي: سيرة حياتي 2/255.
[3] إدوارد سعيد: الاستشراق ص45.
[4] د. مصطفى السباعي: الاستشراق والمستشرقون ص72 وما بعدها.
[5] د. مازن مطبقاني: من قضايا الدراسات العربية الإسلامية في الغرب، ص23.

الجمعة، أبريل 03، 2015

سياط الفيلسوف على ظهور العسكر (10)

اقرأ أولا:

ما زلنا نواصل التقاط مواقف الفيلسوف المخضرم الكبير د. عبد الرحمن بدوي من حكم العسكر عبر مذكراته الحافلة الصادرة في جزئين، وهو الذي عايش العهدين: الملكي والعسكري، وحقق من المكانة الفكرية ما لا ينكره أحد ولو كان من أشد أعدائه.

وموضوع هذا المقال هو تجارب الوحدة العربية الفاشلة في عهود العسكر العرب، وكيف استطاع العسكر زرع الولاءات القطرية الضيقة حتى نشأت عداوات بين الشعوب نفسها.

 (36)

"كان عبد الناصر الذي أجرى في يومي 12، 13 فبراير سنة 1970 محادثات في القاهرة مع جعفر النميري، رئيس جمهورية السودان، ومع قائد الثورة الليبية، وجرى الحديث بين الثلاثة حول تشكيل اتحاد من الدول الثلاث. وتلا ذلك انعقاد مؤتمر في الخرطوم من 24 إلى 29 مايو سنة 1970 للبحث في نفس المشروع. لكن لم ينجم عن هذا كله أي شيء محدد.

فلما تولى السادات رئاسة الجمهورية تواصل الحديث في نفس موضوع الاتحاد بين الجمهوريات الثلاث وذلك في مستهل نوفمبر سنة 1970، وتوصلوا هذه المرة إلى وضع الخطوات الفعلية لتحقيق هذا المشروع.

وفي الوقت نفسه سعت سوريا، وكان حافظ الأسد قد تولى السلطة فيها في نوفمبر سنة 1970، للانضمام إلى هذا الاتحاد. فأعلنت في 27 نوفمبر سنة 1970 انضمامها إلى الاتحاد بين مصر والسودان وليبيا كما تقرر في إعلان طرابلس.

وفي 17 إبريل سنة 1971 وقَّع زعماء الدول الأربع على تكوين هذا الاتحاد، وتم التوقيع في مدينة بنغازي...

ماذا كانت آثار هذا "الاتحاد المزعوم بين مصر وليبيا والسودان وسوريا؟

1-              أما في السودان فقد قامت في 19 يوليو سنة 1971 مجموعة من ضباط الجيش بالتحالف مع الحزب الشيوعي السوداني بالاستيلاء على السلطة واعتقال اللواء جعفر النميري... وهنا قامت القوات السودانية الموالية للنميري، وبمساعدة القوات المصرية الموجودة في السودان، فقضت على هذا الانقلاب بعد ثلاثة أيام فقط من قيامه. وعقدت محاكم عسكرية أصدرت حكمها بإعدام 12 ضابطا رميا بالرصاص، وتم تنفيذ الحكم، وإعدام ثلاثة من زعماء الشيوعيين...

2-              أما في مصر فقد هرع الوصوليون للظفر بمغانم: إذ أنشئت وزارة شبحية تدعى الوزارة الاتحادية تألفت من أشباح من مصر ومثلها من ليبيا، وشكلت لجان تنظيمية وتشريعية وإدارية إلخ هذه المسميات العابثة التي تنافس في الانخراط فيها أساتذة كليات الحقوق بخاصة، إذ رأوا في ذلك ما يوفر لهم بدلات سفر وشراء اللوازم المنزلية التي توصيهم بها زوجاتهم! ولم يتورع البعض منهم من التطوع –النفعي طبعا- للتعاون مع المخابرات الليبية ضد "أعداء الوحدة" من المصريين العاملين في ليبيا. قاتلهم الله، ما أحقرهم!

3-              أما في ليبيا، فباستثناء "هيئة المنتفعين" بدأت الظاهرة التي شاهدتها من قبل في سوريا في سبتمبر 1958 أعني: "كراهية المصريين المحتلين الجدد". فازداد أفراد الشعب الليبي كراهية لنا نحن المصريين المقيمين منذ سنوات للعمل في ليبيا. ولم يكتفوا بالتطاول والتحرش، بل أخذوا في ترتيب هجمات ليلية على المصريين. كانت تخرج منهم مجموعات من أربعة أشخاص أو أكثر، فإن صادفوا سائرا اشتبهوا في أنه مصري سألوه عن الساعة مثلا أو غير ذلك، وسرعان ما يتبينون من لهجته أنه مصري، فينقضون عليه بالضرب المبرح ثم يهربون. وكان من بين من تولوا هذه الحملة بعض التجار والمثقفين!!...

وتزايد حقد الليبيين وعنفهم على المصريين حتى انفجر انفجارا عنيفا في فبراير سنة 1973 على إثر إسقاط إسرائيل لطائرة مدنية ليبية في 21 فبراير كانت قد ضلت طريقها فوق سيناء، وقتل جميع من فيها: 108 من المصريين والليبيين، ومن بينهم صالح بويصر الذي كان وزيرا في إحدى وزارات ما بعد انقلاب الأول من سبتمبر. وكأن مصر هي المسؤولة عن سقوط الطائرة، وكأنه لم يكن في الطائرة من المصريين أكثر مما كان فيها من الليبيين، وكأن سيناء لم تكن احتلتها آنذاك إسرائيل!!

ففي صباح يوم الجمعة بعد حادث هذه الطائرة انطلقت الجماهير في شوارع بنغازي وهي تصيح في حالة جنونية هستيرية: "وحدة لا .. وحدة لا" – أي لا وحدة أبدا مع مصر. وإذا صادفوا مصريا في الطريق انهالوا عليه بالضرب، فجرحوا العشرات من المصريين الذين تصادف سيرهم آنذاك وهو في الطريق إلى أداء صلاة الجمعة أو لقضاء حاجاتهم المعتادة.

ولما كنت ساعتئذ في البيت، وهو على بعد أمتار قليلة من شارع الاستقلال الذي كان يموج به تلك الجماعات الثائرة الهائجة، فقد استطعت أن أسمع كل هتافاتهم ضد مصر والمصريين ومطالبتهم بإلغاء أية صورة من صور الاتحاد مع مصر. ولم أشاهد شرطيا واحدا ليبيا يعترض طريقهم أو يدعو إلى التفرق أو الكف عن الهتاف الهستيري ضد مصر.
وأنا أعجب لحكام مصر كيف لم يتعظوا بتجارب الماضي القريب:

- أقاموا وحدة مع سوريا في فبراير 1958 فانهارت انهيارا مروعا شائنا في سبتمبر 1961 وهام أكثر من ثلاثين ألفا من المصريين على وجوههم في سوريا، ولجأوا إلى لبنان فاستضافهم أولا مطرودين، وأطيح بكتائب المظليين الذين أرسلتهم مصر بقيادة ضابط يدعى الهريدني واستسلموا في خزي وعار.

- وأقاموا وحدة مع اليمن في أواخر سنة 1962 واضطروا إلى خوض حرب مريرة ضد الجيش اليمني الموالي للإمام البدر والقوات السعودية المؤيدة لها، وفقدنا في ذلك المئات من خيرة الضباط (ومنهم ابن أخي، العقيد ماهر بدوي) والجنود، واضطررنا إلى إبقاء ما يقرب من خمسين ألف جندي في اليمن في الوقت الذي كنا فيه في حرب مع إسرائيل في 5 يونيو والأيام الأربعة التالية، واضطررنا بعد ذلك إلى مغادرة اليمن وعقد صلح مع السعودية، وعاد الجيش المصري من اليمن محطما لم يحقق أي هدف.

- وها هم أولاء يعيدون محاولة الاتحاد: مع ليبيا والسودان وسوريا، وستنتهي هذه المحاولة هي الأخرى بالإخفاق الذريع رغم أن صيغة الاتحاد كانت مفككة مهلهلة تمثل أقل قدر من الاتحاد، بل انقلب الأمر إلى مأساة: فقد اقترحت ليبيا ومصر قيام وحدة اندماجية بينهما حُدّد لتنفيذها شهر سبتمبر سنة 1973. وفي هذا السبيل زار السادات ليبيا في يونيو سنة 1973 وهنالك تبين له خطورة هذه العملية، خصوصا وهو مقدم على الحرب مع إسرائيل (في 6 أكتوبر 1973). وبطريقة مفاجئة جاء قائد الانقلاب الليبي إلى القاهرة وأمضى فيها فترة طويلة من 22 يونيو إلى 9 يوليو لحمل السادات على تنفيذ مشروع الوحدة الاندماجية. ولما لم يوافق السادات على خطته، بعث بمسيرة "شعبية" من الليبيين في سيارات اتجهت إلى الحدود المصرية لإرغام مصر على إعلان الوحدة مع ليبيا، فما كان من السادات إلا أن أرسل قوات للتصدي لها وأوقفها بُعيْد مدينة مرسى مطروح بأن قطع الطريق ومنع من السير فيه، فارتدت "المسيرة" عائدة إلى ليبيا. ومع ذلك حاول السادات تهدئة الموقف، فأرسل بعض الوزراء إلى طرابلس ومعهم الوصوليون المتطلقون خصوصا من أساتذة الحقوق، ووضعوا خطة للوحدة على مراحل مع تشكيل جمعية تأسيسية مؤلفة من خمسين عضوا عن كل دولة، مهمتها وضع مشروع دستور واختيار رئيس يُصادق عليه بعد ذلك عن طريق الاستفتاء. وكان من بين بنود هذه الخطة تبادل وزراء مقيمين وتشكيل مجلس أعلى للتخطيط.

ولما شنت مصر الحرب على إسرائيل في 6 أكتوبر أعلن قائد الانقلاب الليبي عدم موافقته على خطة مصر في حربها ضد إسرائيل. وجاء إلى باريس بترتيب مع جريدة لوموند وعقد مؤتمرا صحفيا... هاجم فيه مصر وحربها مع إسرائيل، ولما عاد من باريس راح يطالب مصر بإعادة الطائرات الحربية –ولا تزيد عن العشرين- التي كان قد أعارها لمصر!
ومن هنا بدأت فترة توتر حاد متزايد الشدة في العلاقات بين مصر وليبيا:

- فمصر اتهمت ليبيا بالتورط في الهجوم المسلح الذي قامت به جماعة دينية بقيادة فلسطيني يُدعى [صالح] سرية على الكلية الفنية العسكرية في إبريل سنة 1974، وفيه قتل 11 طالبا من طلاب هذه الكلية والجنود.

- وفي أغسطس سنة 1974 اكتشفت وجود طائرات ليبية عسكرية من نوع ميراج في الصحراء الغربية المصرية.
- وأعيد إلى مصر مائتا ألف من المصريين العاملين في ليبيا، وأسيئت معاملتهم إلى أقصى حد من جانب الشرطة الليبية.

- ومصر اتهمت ليبيا بأنها تطمح في الاستيلاء على جزء من الأراضي المصرية المتاخمة لليبيا، ومن العجب الذي يستنفد كل عجب أن ليبيا التي لا يسكنها إلا 1.75 مليون نسمة، بينما مساحة أرضها 1749000 كم2 أي ضعف مساحة مصر تطمع في الاستيلاء على المزيد من أرض مصر التي يبلغ سكانها آنذاك 37 مليون نسمة ومساحتها مليون كم2 (بالضبط 1002000 كم2)!! ولهذا قال السادات عن الزعيم الليبي "إنه مريض مائة في المائة، وقد استولى على عقله شيطان يجعله نهبا للأوهام". وسينعته السادات منذ ذلك دائما بنعت "مجنون ليبيا".

- وقامت ليبيا في أغسطس سنة 1976 بالتحرش بالقوات المصرية على الحدود عند السلوم، وقام بعض الجنود الليبيين بالهجوم على مخفر السلوم، فاضطرت مصر إلى إرسال قوات دخلت ليبيا وتوغلت فيها حتى طبرق واستولت على معدات حربية كبيرة تركتها القوات الليبية الهاربة. وهنا قام هواري بومدين وقد استغاثت ليبيا فتوسط لوقف تدخل القوات المصرية، فانسحبت من الأراضي الليبية حاملة معها غنائمها الوفيرة.

وحسبنا هذا القدر الآن لبيان ما انتهت إليه محاولة الوحدة مع ليبيا"[1].


[1] سيرة حياتي 2/242 وما بعدها.