الأربعاء، مارس 28، 2018

وما أمر فرعون برشيد!


لما طارد فرعونُ وجيشُه موسى عليه السلام وقعت المعجزة الهائلة أمام أعين الجميع، لقد شاهدوا معا هذا المشهد الرهيب غير المسبوق، لقد انشق البحر لموسى وصنع له طريقا يابسًا فعبر عليه مع بني إسرائيل دون أن يمسسهم سوء!

أغرب ما في المشهد فهو أن فرعون قد تبعهم، يريد أن يظفر بالرجل الذي تغيرت له قوانين الكون، يريد أن يقهر الفارين الذين أفلتوا من يده كما لم يخطر بخيال أحد قط!! أما أشد ما في هذا المشهد من الهول والغرابة والعجب أن جنود فرعون اتبعوه! اتبعوه دون أن يتوقفوا أو يترددوا أو حتى يفكروا في هذه المعجزة الكونية الكبرى التي شاهدوها بأعينهم.. فكانوا كما قال تعالى (واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يُرجعون).

هذا المشهد هو أبلغ ما يُقال في طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد!

الاستبداد يسوق صاحبه إلى التفرعن حتى يظن أنه إله حقا، فمن استطاع قالها صراحة (ما علمتُ لكم من إله غيري) ومن لم يستطع قالها بأفعاله وسياسته. لكن الأدهى من هذا أن العبيد الذين صنعهم المستبد وأنتجهم قد تحولوا معه أيضا إلى ما يشاء! لقد أنتج المستبد من يعطيه عن قناعة ويقين صفة الإله وقداسته..

قبل بضعة عقود كان الجندي يخرج في مهمة رسمية للتفتيش على المواليد، فإن وجد الرضيع ذكرا فإنه ببساطة وبكفاءة واحترافية مهنية يذبحه بالسكين! إنه يقوم بواجبه الوظيفي! وهو ينفذ القانون! وهذه مهمة وطنية! إذ هو يحافظ على استقرار الدولة الفرعونية! ولئن تحرك في قلبه شيء فإنه يسارع بإسكاته بالقول: إنه عبد المأمور!

وقبل بضعة سنين حصل موقف آخر، لقد استدعي هذا الجندي للقيام بوظيفته في تأمين الاحتفال الجماهيري الكبير الذي يشهد تحديا فريدا، حيث سيتحدى موسى وأخاه نخبة الدولة المصرية العلمية والفكرية، وإذا بالمشهد ينقلب فجأة، لقد انتصر موسى انتصارا مدويا حتى لقد آمن له السحرة جميعا!! وما هي إلا لحظات حتى جاءه الأمر الرسمي بتعذيب السحرة حتى الموت!

هنا تطور المشهد خطوة إلى الأمام، لقد وقعت المعجزة نفسها أمام: السحرة، والجماهير، والجنود.. فآمن السحرة، وسكت الجماهير خوفا ورعبا من انقلاب المشهد، وتولى الجنود تعذيب السحرة! لقد كان القرار الرسمي أقوى في نفوسهم من معجزة شاهدوها بأعينهم.

بعد هذه النقطة سيكمل الجندي مسيرته في خدمة الوطن والدولة حتى يتبع فرعون ليكون معه من الهالكين. لكن اسمه سيسجل في قائمة الشرف، وسيُعطى لقب "شهيد الوطن"، وسيُنحت على المسلات الفرعونية لتخليد ذكراه، وربما صُنِع له تمثال أو أطلق اسمه على منشأة أو طريق.. بينما يعيش هو نفسه حالا آخر يكرر فيه نفس المشهد في يوم القيامة، وتلك هي خلاصة القصة الطويلة:

(ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وملئه، فاتَّبَعوا أمر فرعون، وما أمر فرعون برشيد * يَقْدُم قومه يوم القيامة فأوردهم النار، وبئس الوِرْدُ المَوْرُود * وأُتْبِعوا في هذه لعنة، ويوم القيامة، بئس الرفد المرفود * ذلك من أنباء القرى نقصُّه عليك، منها قائمٌ وحصيد * وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم، فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لمَّا جاء أمر ربك، وما زادوهم غير تتبيب * وكذلك أخْذُ ربك إذا أخَذَ القرى وهي ظالمة، إن أَخْذَه أليمٌ شديد).

لو شئت أن أداعب مشاعر ضحايا الفراعين المشردين في البلاد لكان عليَّ أن أتوقف عند هذا الحد.. لكنها ستكون خيانة الأمانة.. فلقد بقي نصف الصورة الآخر الذي لا بد من ذكره.

نصف الصورة الآخر أن بني إسرائيل الذين ذاقوا الذل والقهر وقُتل أبناؤهم كانوا قد استسلموا نفسيا وفكريا للفرعنة والفراعين!! شعروا بالتهديد حين جاءهم النبي المنقذ فقالوا له (أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا. قال: عسى ربكم أن يُهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون).

لقد رأى بنو إسرائيل أيضا المعجزة الكونية الرهيبة، لقد أنقذهم الله من فرعون بما لم يكن يخطر ببال بشر، ورأى القوم غرق الجبار العتيد الذي خضعت له البلاد والعباد حتى ادعى أنه إله، وهلك الجيش الذي طالما أرعبهم وذبحهم.. وصاروا في لحظة واحدة أحرارا.. لا خوف ولا رعب ولا تهديد!

وهنا وقعت المفاجأة: مرُّوا على قوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا: يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة!

أشعر أنني الآن أكثر فهما لنفسية بني إسرائيل في تلك اللحظة من أي وقت سابق، إنها لحظة الشعور بالخوف من الفراغ، الخوف من التحرر، الخوف من زوال السلطة.. نعم! إنه نفسه الخوف على مؤسسات الدولة، الخوف من الفراغ الدستوري، الخوف من الفوضى.. لم أفهم هذه النفسية كما فهمتها حين وجدت ضحايا الانقلابات العسكرية في بلادنا حتى بعد أن فقدوا أبناءهم وديارهم حريصين على "مؤسسات الدولة"، وعلى الحلول "القانونية" لحالة ذُبِح فيها القانون نفسه بلا رحمة على يد نفس هذه "المؤسسات" الفرعونية.

لم يستوعب بنو إسرائيل أن يكون الإله غير متجسد في كيان مادي ظاهر بارز، يُنظر إليه فيخيف ويرعب، ومن حوله كهنته وأحباره وجنوده يُعبِّدون له الناس.. فطلبوا أن يُنصب لهم صنم ليعبدوه! فزجرهم موسى عليه السلام (إنكم قوم تجهلون * إن هؤلاء مُتَبَّرٌ ما هم فيه، وباطل ما كانوا يعملون). لكنهم ما إن غاب عنهم موسى ليتلقى الوحي عن ربه حتى عبدوا العجل: نفس ظاهرة السلطة المتجسدة في كيان مادي أمامهم، حتى لو لم يفعل العجل شيئا إلا إصدار صوت الخوار كما نحته المهندس الموهوب: السامري!

واستمرت قصة بني إسرائيل على ذات الوتيرة، إنهم لا يستوعبون أن يتحرروا من سلطان البشر والمادة والقوة القاهرة الحاضرة البارزة المتجسدة أمامهم، ولذلك فإنهم حين جاءهم الأمر بالجهاد قالوا (إن فيها قوما جبارين، وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنَّا داخلون).. هذا مع أنهم موعودون بالنصر، وتحت قيادة نبي، والذي وعدهم بالنصر هو الله الذي أنجاهم قبل قليل من فرعون! إلا أنهم لم يتزحزحوا عن موقفهم، بل قالوا أبلغ كلمة تعبر عن نفس المنهزم (إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها، فاذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون).

وهكذا، أولئك الذين سحقهم الذل ومسحت نفوسهم الفرعونية لا يجاهدون ولو كان قائدهم نبي ولو رأوا المعجزة بأنفسهم ولو كانوا موعودين بالنصر!!

وهكذا كُتِب التيه على بني إسرائيل أربعين سنة، أربعون سنة هي المدة التي يتجدد فيها الجيل، ليخرج قومٌ لا يعانون من سلطة الفراعين في مصر ولا العماليق في الشام، فهؤلاء هم من سيدخلون الأرض المقدسة، رغم أنهم لم يشهدوا المعجزة.

هكذا تفعل الفرعونية بجنودها وبضحاياها أيضا.. وكلما طال في الحكم فرعون كلما تشوهت أجيال وأجيال، أجيال من آمنوا بالفرعون وأجيال من عارضوه كذلك!.. وفي بيئة كهذه يكون المؤمن بالله حقا غريب، غريب محاصر يحترق، كما قال النبي "القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر"!

تعبر مشاهد الراقصات أمام لجان الانتخابات عن مدى التشوه الذي بلغته النفوس في عصر الفرعون، ولئن طال به الحكم فسنرى ما هو أفدح وأقبح وأبشع وأشنع.. كما تعبر مشاهد البائسين الحائرين في قطاعات المعارضة عن تشوه من نوع آخر.. فذلك كله من أثر فرعون وأمر فرعون، (وما أمر فرعون برشيد)!