الثلاثاء، مارس 29، 2016

خلاصة تجربة نجم الدين أربكان

اقرأ أولا:

من بين كثير من الإنجازات للحركة الإسلامية بزعامة أربكان، يعد الإنجاز الرئيسي لها هو نقل الكتلة الإسلامية من ساحة المقهور المغلوب الذي غاية أمله دعم وتأييد الأقل سوءا بين الساسة إلى ساحة الفاعل المتحرك الموجود في خريطة السياسة كبديل وخيار[1]، وهو ما فتح طريقا أمام سائر طاقات المتدينين –والشباب خصوصا- للبحث في مسائل الإسلام والسلطة والدولة، وتجارب الجماعات الإسلامية في العالم، وترجمة أدبياتهم، مما جعل فترة السبعينات فترة ازدهارٍ فكريٍّ إسلاميٍّ[2]، وهو ما أثمر تأسيسا لحالة إسلامية تعيد اكتشاف ذاتها وتسعى لإعادة المجد القديم وتنظر للحقبة العلمانية في تاريخ تركيا على أنها حقبة انحدار وانهيار لا حقبة بعث جديد، وأن هذا الوضع يحتاج إلى تصحيح[3].

حفلت حياة نجم الدين بأنواع المعاناة، وأولها معاناته من داخل الوسط الإسلامي، أول الأمر، إذ ووجه بذات الإشكاليات المتعلقة بشرعية تأسيس حزب والدخول في الساحة السياسية تحت ظل نظام غير إسلامي وانتهاج وسيلة الديمقراطية سبيلا للتغيير[4]، كما انقسمت قاعدة حزبه من النقشبنديين والنورسيين بعد تحالفه مع اليسار واليمين إذ اعتبروا التحالف مع الكماليين خيانة لمبادئ الإسلام[5]، مرورا بما تعرض له في مسيرته الطويلة من حصار وتضييق وإغلاق أحزابه ومحاكماته التي قضت عليه بالسجن أو بالإقامة الجبرية، وفي آخر حياته التي قضاها بين سجن وإقامة جبرية لم يستطع تلاميذه وإن كانوا في موقع السلطة أن يرفعوا عنه شيئا، إلا عفوا صحيا (2008م) وما كاد يتحرر من الحظر والسجن حتى عاد بجلد عجيب وصبر دؤوب لرئاسة حزبه "السعادة" مرة أخرى (2010م) وهو في الرابعة والثمانين من عمره، لكنه لم يقض سوى ستة أشهر حتى وافاه الأجل (27 فبراير 2011م).

ورغم مجيئ وفاته في لحظة من أكثر لحظات العالم العربي ارتباكا، وهي مطلع الثورات العربية، إلا أن اسطنبول قد ارتجت بجنازة هائلة حاشدة مهيبة، قصدها زعماء الحركات الإسلامية من كافة أنحاء العالم، وقطع  أردوغان زيارته لأوروبا ليشارك فيها وحمل نعش أستاذه، ومعه عبد الله جُل رئيس تركيا وقتها، فكان يوما مشهودا، يشهد لصاحبه بالمكانة التي تربع عليها في قلوب الجماهير.

لقد انتهت المسيرة السياسية لأربكان إلى السجن والحظر ولم يفلح حزبه الجديد في أن يجدد مسيرته ولا أن ينافس على السلطة ولا أن يكون رقما في معادلة السياسة، إلا أن أربكان نفسه ظل يحظى بتقدير عظيم داخل العالم الإسلامي جميعا، ولم تمنع طريقته الصوفية ولا دخوله العملية السياسية رموزا سلفية من الثناء عليه، بل لقد توسط له الشيخ ابن باز عندما سجن بعد الانقلاب العسكري لئلا يُعدم فاتخذ لدى الأتراك سبيلا عبر الرئيس الباكستاني الجنرال ضياء الحق[6]، ولقد أثنى عليه الشيخ حازم أبو إسماعيل عند وفاته ثناء حارا واعتبره من "علم كبير من أعلام الأمة"[7]، وظل نجم الدين الشخصية الإسلامية التركية الأشهر في العالم الإسلامي، وذلك حتى بروز المواقف الإسلامية لأردوغان، فعندئذ سطع نجم أردوغان وسرق العيون من نجم الدين أربكان.

ولا يمكن فهم تجربة أربكان بغير فهم الساحة التركية، وافتراقها عن الساحات العربية[8]، وأهم هذه الفوارق في سياقنا الآن هو أن الدولة التركية هي دولة حديثة حقيقية، بمعنى أنها ليست الدولة التي يتغير شأنها بتغير حاكمها ولا هي الدولة التي يمثل الحاكم فيها ثقل السلطة، بل إنها سلطة تنظيم المجال –بتعبير فوكو- حيث ينبثق سلطان الدولة من روح كل شيء فيها. ولذلك فإن كثيرا ممن يحبون أربكان من أبناء العالم العربي لم يقرأوا تجربته، فهم يظنونه فارسا على نمط المصلحين في العالم العربي من حيث مفاصلة الدولة ومقاومتها، والأمر بخلاف ذلك تماما.

إن الدولة في العالم العربي أخذت أسوأ ما في النظاميْن: النظام السلطاني القديم ونظام الدولة الحديثة، فصارت تنتج فراعين مستبدين يمتلكون من الصلاحيات التي أتاحها نظام الدولة الحديثة ما لم يمتلكه فرعون نفسه، بينما كانت الدولة التركية برغم كل شيء هيكل نظام دولة حديثة حقيقي، لا تمتلك جهة بعينها تسيير كل الأمور أو التحكم في كل السلطات، كما أن موقع تركيا الجغرافي يجعلها دائما جزءا من معادلة السياسة الدولية، ما يجعل قرارها الداخلي غير خالص لها. ثم إن قسمة تركيا –بالحدود الحديثة التي أسفرت عنها معاهدة لوزان، وبالفكر الكمالي الذي سيطر عليها لزمن طويل- جعلتها دولة حافلة بالقلاقل والأزمات. كل هذا وغيره كثير يجعل السياسي التركي محاطا بعدد هائل من التعقيدات ومراكز القوى، يحتاج فيها إلى ذكاء وصبر وجلد لا يتأتى إلا لأفذاذ الناس.

إن النظر السطحي لتاريخ أربكان سيسفر عن أنه رجل بدأ قويا ثم ظل يتدرج في التنازل تلو التنازل حتى مات وليس بيده شيء ولا حقق نجاحا، بينما الدخول خطوة واحدة إلى ما تحت هذا النظر السطحي يكشف كم كان هذا الرجل ذكيا وجلدا وصبورا ومثابرا، وهو وإن لم ينجح –لأسباب تحتاج إلى الدراسة وقد نتعرض لها في مقالات قادمة- إلا أنه أول خطوة إسلامية قوية في حقبة الدولة التركية العلمانية.

يرى الكثيرون أن أردوغان كان نقيضا أو انقلابا على أربكان، وهذا صحيح إلى حد ما، ولكن تجربة أردوغان ما كان لها أن تبدأ بحال بغير التمهيد الأربكاني، ويشبه هذا المشهد –بوجه من الوجوه- ما كان بين الرجلين الكبيرين: نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي، فالثاني من ثمرات الأول لكنه لا يشبهه، وحقق ما لم يستطع أستاذه تحقيقه، إلا أنه لولا نور الدين ما كان صلاح الدين ولا كان الأيوبيون جميعا، ولقد كان الخلاف بين الرجلين في آخر أيامهما مما سمح للثاني بمساحة استقلال مكنته فيما بعد من الحفاظ على إنجاز أستاذه وتطويره.

وهكذا تدور ساقية التاريخ، فالمستبد الذي يحرص أن يكون أتباعه ضعفاء معدومي المواهب يدورون في فلكه تنتهي تجربته بنهاية أمره، أما من يصطنع الرجال الأقوياء فثماره تنتهي مع نهاية آخر ثمرات رجاله، إلا أنه كثيرا ما يقع بين الأستاذ القوي وتلميذه القوى خلاف وتضاد، إلا أن التاريخ يغطي على هذا الخلاف لصالح الإنجاز الذي أثمرته مرحلة الأستاذ والتلميذ، فتذهب أخبار الخلاف في بطن الكتب حيث لا يعرفها إلا المتخصصون في التاريخ ويبقى الإنجاز تستفيد به الأمة كلها.

وتلك هي الصورة الآن، يرى معظم الناس أن أردوغان تلميذ أربكان وامتداد له وإكمال لعمله، وقليل منهم من يعرف ما كان بينهما من الخلاف والتضاد، وكلما سارت أيام التاريخ كلما ترسخ الإنجاز وضعف ذكر الخلاف.

نشر في تركيا بوست




[1] Rabasa, Larrabee: The Rise of Political Islam, p. 31.
[2] بسلي وأوزباي: قصة زعيم ص42، 43.
[3] Rabasa, Larrabee: The Rise of Political Islam, p. 40.
[4] بسلي وأوزباي: قصة زعيم ص41.
[5] منال الصالح: نجم الدين أربكان ص98، 118.
[6] د. عبد المحسن الزكري، مقطع فيديو، الرابط: https://goo.gl/2NLPnP
[7] حازم أبو إسماعيل، مقطع فيديو، الرابط: https://goo.gl/w3P163
[8] انظر: فوارق رئيسية بين التجربتين التركية والعربية (الجزء الأول، الجزء الثاني)