الجمعة، مارس 25، 2016

أسطورة المجاهدين .. أحمد ياسين

كان كُثَيِّر بن عبد الرحمن الخزاعي شاعر فحل، وهو من أشهر شعراء العرب لما أنشده في محبوبته عزة حتى لقد عُرِف باسم "كُثَيِّر عزة"، وكان ضعيفا نحيفا قصيرا حتى وصفته كتب التراجم بأن طوله لا يتعدى ثلاثة أشبار، إلا أنه كان من صلابة النفس وقوة القلب بمكان يعرفه كل من قرأ قصة حبه.

دخل كثير يوما على عبد الملك بن مروان فاندهش لما رآه على هذه الحال، فأنشد كثير يقول:

ترى الرجل النحيف فتزدريه .. وفي أثوابه أسد هصور
ويعجبك الطرير إذا تراه .. فيخلف ظنك الرجل الطرير
بغاث الطير أطولها رقابا .. ولم تطل البزاة ولا الصقور
خشاش الأرض أكثرها فراخا .. وأمُّ الصقر مِقْلاةٌ نزور
وقد عَظُمَ البعير بغير لبٍّ .. فلم يَسْتَغْنِ بالعِظَمِ البعير
يُنَوَّخ ثم يُضرب بالهراوى .. فلا عرفٌ لديه ولا نكير[1]

ولئن كان كثير أجاد تصوير الأمر بموهبة شعره، فإن حديثنا اليوم عن رجل جعل الصورة حقيقة حية، كتبها بدمه، فجدد مسيرة المجاهدين الكبار الذين كان أولهم عند عبد الله بن أم مكتوم، ذلك الذي حمل الراية يوم اليرموك وهو أعمى ليكثر سواد المسلمين.

(1) أمة كالغيث.. يتتابع ولا ينقطع!

تلك أمة لا تموت.. بل يجدد المجاهدون فيها سيرة بعضهم، فلا يسقط مجاهد شهيدا إلا ويولد مجاهد ينتظر أن يكون شهيدا..

وُلِد أحمد ياسين بعد شهور من اغتيال الشيخ عز الدين القسام، أهم مقاوم للاحتلال الإنجليزي في فلسطين، وقد عايش وهو في الثانية عشرة من عمره ذروة النكبة الإسلامية الحديثة، التي هي سقوط فلسطين بيد اليهود المدعومين بالقوة الصليبية والمحاطة بالدعم الصليبي في البلاد العربية المحتلة المحيطة بها: مصر والأردن وسوريا، وبهذا يكون وعيه قد تفتح في لحظة من أقسى اللحظات التي مرت على الأمة الإسلامية.

وعلى الرغم من أنه أصيب بحادث أثناء ممارسته للرياضة أسفرت عن شلل كلي وهو في الرابعة والعشرين من عمره؛ فإنه أكمل تعليمه وعمله بالتدريس؛ بل صار أشهر خطيب في غزة، فكان شوكة في حلق الاحتلال ودعمًا وسندًا لأهالي الشهداء والمعتقلين؛ بجمع التبرعات التي تحولت إلى أكبر جمعية خيرية في غزة، إلا أن الأهم في مسيرته هو تأسيس حركة المقاومة الإسلامية (حماس).

وإذن، فلقد كانت حياة أحمد ياسين هي ذاتها عصر العسكر في العالم العربي، أو هو عصر استيلاء عملاء الاحتلال على السلطة، وهي أسوأ لحظة مرت على الأمة الإسلامية عبر تاريخها، أسوأ من زمن الاحتلال نفسه.

ولئن كان كثير ممن أحيوا ذكراه قد سردوا قصة حياته، فقد آثرت أن أكتب ما قد يغيب عن كثيرين تذكُّره، وهو: خلاصة تجربة وأفكار الشيخ الشهيد أحمد ياسين، معتمدين في ذلك على الاقتباس من مجموعة حلقات "شاهد على العصر" التي بثتها قناة الجزيرة، والتي طبعت بعد ذلك في كتاب "أحمد ياسين شاهد على عصر الانتفاضة".

(2) الجيوش العربية وحكم العسكر

روى الشيخ أن الجيوش العربية كانت هي السبب في نكبة فلسطين، وذلك أنهم لما دخلوا إلى فلسطين كانوا يسحبون السلاح من الناس لئلا تكون في البلاد قوة غيرهم، فإذا جدَّ الجدّ وجاء وقت القتال مع اليهود انسحبوا وترك الناس وراءهم عزَّل من السلاح يواجهون مصيرهم، فكان اليهود يرتكبون مذبحة في قرية (صارت بلا سلاح) فيخيف هذا أهل القرى التي حولهم فينسحبون منها، وهكذا تمَّ لهم الاستيلاء على فلسطين بطريقة لم يكن ليتوقعها أحد.

لقد كانت المعارك سجالا بين الفلسطينيين واليهود، ينتصرون وينهزمون رغم الفارق الكبير في الأسلحة، ولكنهم يستعملون أسلحتهم في الدفاع عن أنفسهم أو في تنظيم هجمات على المستوطنات، أما بعد دخول الجيوش العربية فلم يكن إلا الهزائم.. والهزائم فقط.

ولهذا لم يعقد الشيخ أمله أبدا على الجيوش العربية في تحرير فلسطين، وإنما تركزت فكرته على تسليح المجاهدين، وهو يجزم بأن الجيوش العربية لو لم تدخل إلى فلسطين واكتفت بتقديم السلاح لتغير وجه المعركة تماما.

وروى الشيخ عددا من مشاهد بسالة المجاهدين المتطوعين من الإخوان المسلمين وغيرهم، وكيف أن أوامر الانسحاب لم تكن تأتي من قيادة المعارك بل كانت تأتي من قيادة الجيوش –وهي قيادة بريطانية- حتى لو كان الوضع على الأرض هو وضع انتصار صنعه المجاهدون المتطوعون!

كما روى عددا من مشاهد بسالة الجنود المقاتلين الذين قتلتهم قرارات السياسة في أرض المعركة، فذكر أن قائد سفينة حربية استطاع مناورة طائرة إسرائيلية حتى نجا بسفينته، وذكر أن من المشاهد المتكررة في نكبة 1967 أن ترى اثنين من الجنود يقاتلون ويصمدون في موقعهم أمام هجوم الدبابات والطائرات حتى ينالون الشهادة ولا يستسلمون!

إلا أن هذه الطاقات أبيدت وانتهت بسبب السياسة، فعبد الناصر الذي دفع بالأمور إلى حرب 1967 هو نفسه الذي قال –كما روى الشيخ أحمد ياسين- في خطبة أمام المجلس التشريعي الفلسطيني في مصر: "اللي بيقول لكم عنده مخطط لتحرير فلسطين بيكذب عليكم، وأنا قلت.. وأنا بأقول لكم.. إن قلت لكم عندي مخطط لتحرير فلسطين بأكذب عليكم"، وكان يرد بهذا على الملك حسين الذي قال: "لابد من مخطط عربي شامل ومدروس لتحرير فلسطين".

ثم يعَلِّق الشيخ على هذا بقوله: "طيب أنت اليوم قبل سنتين بتقول ما عنديش مخطط، وبعد سنتين صار مخطط وتواجه إسرائيل وبتجيب جيشك في سيناء، هو مش مستعد للمعركة، فالحقيقة يعني كان دخول غير مرتب، غير مستعد، غير مهيأ للمواجهة، وكانت النكبة زي ما أنت شفت يعني فادحة خالص، شفت في ست أيام تنتهي كل القوات اللي دخلت سيناء، كل الدبابات كل الإمكانات مش موجود، يعني يمكن كان عندنا من مقاتلينا اتنين تلاتة في بيت.. بيت!! بيهاجموه بالدبابات وبالصواريخ، بيقعدوا 24 ساعة.. و 48 ساعة مش مِسَلِّمين إلهم".

(3) مواجهة الاحتلال

يروي الشيخ أن الاحتلال يبدأ في محاربة الناس بالحرب النفسية، وذكر أن الإسرائيليين قبل دخولهم إلى مكان يطلقون المنشورات التي تقول "سلِّم تسلم"، وقال بأنهم جمعوا الناس يوما في الساحة وقالوا: "سلموا أسلحتكم، ونحن سنفتش البيوت، والبيت الذي نجد فيه سلاحا سنهدمه". ثم دخلوا بيتين وفجروا فيهما قنبلتين صغيرتين، ففجروهما، فهدموهما، فلما رأى الناس هذا خافوا وأحضروا أسلحتهم وسلموها.

ويشير الشيخ إلى أن الاحتلال يريد أن يعامل الناس فرادى لا جماعات ولا في كُتَل، وبهذا يسهل له السيطرة عليهم.
وكان من عبقرية الشيخ رحمه الله أنه يحول المطاردين إلى عبء على المحتل، فيذكر أن واحدا من تلاميذه كان مطاردا فكان يقول له: أنت مطارد لم لا تعمل كل يوم عملية؟! فقال الشاب: ليس معي إلا هذه القنبلة! وفعلا حاصروه في مستشفى الشفا وجرت بينهما مواجهة فألقاها عليهم فقتلوه ومنعوا الإسعاف حتى استشهد نزفًا!

السؤال الآن: ترى لو كنا فقهنا دروس الشيخ هذه، هل كان ليحدث الانقلاب في مصر بهذه الصورة، وهل كان بالإمكان أن يحدث في رابعة ما جرى؟!

على كل حال، انتهت مساحة المقال ولم تنته الدروس، وإن شاء الله تعالى نكمل في المقال القادم خلاصة الشيخ في تأسيس حركة المقاومة وفي التعامل مع السلطة العميلة وفي التعامل مع عملاء الاحتلال.

نشر في ساسة بوست




[1] الطرير: عظيم الجسم، بُغاث الطير: أي الطيور الأليفة، البُزاة: جمع بازي من طائفة الطيور الجارحة، مقلاة نزور: قليلة البيض.
والمعنى: أن عظمة النفوس لا علاقة لها بالأجساد، فقد يحتوي النحيف على قلب أسد هصور، ويحتوي السمين على قلب جبان ضعيف، كما تطول أعناق البط والأوز فيما تقصر أعناق الصقور، وكما تكثر فراخ الدجاج والحشرات وتقل فراخ الصقور، وهذه الجمال عظيمة الأجساد لكن يتحكم فيها الإنسان البسيط فيقيمها ويقعدها بالضرب وهي لا تستنكر ولا تقاوم.