الثلاثاء، أغسطس 04، 2015

على هامش قصة زعيم (2) العلمانية المتأسلمة

كان من أهم ما صدم الإسلاميين أثناء ثورة يناير هو موقف فئة "الممثلين التائبين" منها ومن مبارك، وقد شمل هذا الموقف عددا ممن كان الظن بهم أنهم تابوا وحسنت توبتهم فلم يُرَوْا على الشاشة منذ تابوا أبدا، أو لم يُرَوْا إلا في أعمال دينية خالصة.

إلا أن هذا الموقف نبَّه العقول إلى الحقيقة الأصيلة التي تنزل الأمور منازلها، فارتداء الحجاب والاحتجاب عن مواطن السوء هو طاعة جميلة، إلا أنه يسبقها في منهج الإسلام: العقيدة، والعقيدة هي التصور الإسلامي الشامل للدين والحياة والمصير بعد الحياة، وهي بهذا المعنى أمر شديد التعلق والارتباط بالسياسة ونظام الحكم، فالحاكم الظالم المجرم –فضلا عن الكافر أو المحارب للدين- هو أولى الناس بالدفع والمقاومة، وقد صار القتيل على يديه "سيد الشهداء". أما ارتداء الحجاب أو إطالة اللحية أو اعتزال التمثيل مع البقاء على الولاء لهذا النوع من الحاكم فهو خلل عظيم في الفهم والاعتقاد. ولا ريب أن المتبرجة أو الممثلة التي نزلت تعترض على حكم مبارك دفعا لظلمه وإجرامه خيرٌ في هذا الموطن من متحجبة معتزلة تدعمه وترجو بقاءه.

هذا في حقيقته ما يمكن أن نسميه بالعلمانية المتأسلمة، العلمانية التي لبست الحجاب أو أطالت اللحية أو حافظت على الصلاة لكنها لم تفهم ولم تعتنق مبدأ الإسلام ودوره في الحياة ونظامه في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة وغيره.

ولذلك فكثير من أنماط الصوفية وأنماط السلفية تفني نفسها في معارك اللحية والحجاب، ثم هي ذاتها أذرع ضاربة للأنظمة المستبدة التي تحارب الدين وتخدم أعدائه من اليهود والصليبيين!

تلك الأنماط من التدين تكون أشد استعصاءا على المصلحين من المذنبين المجاهرين بذنوبهم، وهي أشد خطرا من مجرد الذنب، وقد اضطرد في أقوال العلماء أن البدعة أشد من المعصية، إذ صاحب البدعة يفعلها وهو يتقرب بها إلى الله، وصاحب الذنب يفعله وهو يعرف أنه ذنب!

يورد مؤلفا كتاب "قصة زعيم"، حكاية تستحق التوقف عندها على لسان تحسين دندار مرافق أردوغان في حملة انتخابات تكميلية بلدية عام 1986م:

"ذهبنا إلى جامع (سيد نظام)، وخططنا لأن نصلي هناك، إلا أننا تأخرنا كثيرا بسبب ازدحام الطريق، وعندما وصلنا إلى الجامع وجدنا الجماعة قد انتهت وانفض المصلون. ورأينا إلى جانب الجامع رجلا مسنا ذا لحية. فقال له أردوغان: السلام عليكم يا عمي الحاج. غير أن الرجل كان في عالم آخر.

فأراد أردوغان أن يجرب حظه مرة أخرى فلم يتلقّ جوابا أيضا، إذ أصرّ الرجل العجوز على الصمت وعدم رد السلام. وعندما غضب أردوغان وقال له: يا عمي الحاج ألقينا عليك سلام الله فلم تنظر حتى إلى وجوهنا، فما يضيرك لو رددت السلام وقلت وعليكم السلام؟ فقال العجوز: أنا أنتمي إلى حزب الوطن الأم ولا أعطيكم صوتي في الانتخابات.

فقال له أردوغان: لا عليك، هلا دعوتنا إلى شرب الشاي عندك؟

فأجاب العجوز: كلا.

وعندها تحول الأمر إلى عناد، وقال له أردوغان: حسنا، نحن ندعوك إلى احتساء الشاي. فأجاب العجوز: لا، أنا لا أشرب شايكم.

وفي تلك الأثناء سمعنا صوتا ينادينا من على الجانب الآخر من الشارع ويقول: يا ريّس يا ريّس. فتركنا العجوز وتوجهنا نحو صاحب الصوت. وقال صاحب الصوت لنا: أنا تاجر أعمل هنا، وأتابعكما منذ عشر دقائق، وحسب ما رأيت فأنتم لم تفلحوا في دخول قلب ذلك العجوز. فإن لم يكن لديكم مانع تفضلوا إلى متجري واشربوا الشاي معي.

فنظرتُ إلى المكان الذي يسميه الرجل متجرا فإذا به قد كُتِب عليه (متجر بيرة) فقال أردوغان: بكل سرور. ولعلها المرة الأولى التي يدخل فيها محلا يبيع الخمور، ولكنه قبل الدعوة من دون أي تردد. أما عن داخل المتجر فلا يمكنني أن أصف لكم كيف كانت رائحة الأدخنة والخمور العتيقة تلف المكان، وكيف كان مكانا لا يعرف الهواء طريقة لدخوله إلا من منفذ ضيق من جانب واحد. ولكن، ولا أقول إلا صدقا، أنا لم أر احتراما أو ضيافة في مكان ما مثلما رأيت من أولئك السكارى، كانوا يأتون ويسلمون علينا فيحتضوننا ويُقَبِّلوننا. وكنت كلما حاولت أن أبتعد عنهم خشية أن يلطحني لعابهم أو أشم رائحة الخمر، كان أردوغان ينحني على أذني ويحذرني ويقول لي: تحمّل تحمّل، الرجل سيحتضنك وأنت أيضا ستحضنه، لن يؤدي ذلك إلى موتك، فإنك في النهاية ستخرج وتنفض ملابسك إلى أن تصل إلى المنزل.
و
كلما تحدث أردوغان أقبل عليه أولئك المخمورون والدموع تنهال من عيونهم وقالوا له: يا ريّس لقد ضِعْنا ولم يعد فينا أمل أو رجاء، فلا عليك بنا ولكن أنقذ أطفالنا وصغارنا من الضياع.

مكثنا ساعتين في تلك الخمارة في ظروف صعبة، وإن لم نطلب الإذن بالخروج لبقينا على الأقل ساعتين، فقد كانوا يستمعون بحرارة وشوق إلى أردوغان.

وفي الطريق فكرتُ في سرّي: يا "تحسين"، إننا نتجول ونزور أماكن غير صحيحة ونبذل جهودنا سدى في صحون الجوامع وأفنيتها، بينما يرتاد الذين يحتاجون إلينا حقا هذه الأماكن"[1].

يبدو أنها قصة المصلحين جميعا..

إن الدعوات التي بدأت من المساجد وحدها لم تبرحها في غالب الأحوال، بل ظلت تراوح مكانها فيها، وتجتذب إليها أنصارها من أهلها، ثم جعلت قضيتها ورسالتها علمية كلامية تنحصر في طلب العلم الشرعي وجمع مسائله، أو جعلت رسالتها تربوية روحية تنحصر في أحوال القرب والكشف والمقام.

بينما الدعوات التي طار صيتها وصار لها أثر في عالم الناس بدأت من المقاهي والنوادي ومجالس الناس، ورحم الله الإمام البنا الذي بدأ من المقاهي وزاحم "الحكواتية" فيها وصار جل جمهور دعوته من "الأفندية" لا من "الأزاهرة"، فجمع إليه أشتات الموظفين والعمال والطلاب والفلاحين والفتوات والصحافيين وبعض السياسيين والعسكريين والشرطيين وغيرهم.

وإني لأشهد أن جلَّ وصية الشيخ حازم أبو إسماعيل –فك الله أسره- لفرق عمله هو مخاطبة "الشباب على نواصي الشوارع وفي المقاهي"، وكان لا يفرح بشيء كفرحه باجتذاب هؤلاء الناس إليه، وكان يستكثر من رواية قصة أبيه رحمه الله في اجتذاب أمثال هؤلاء إلى ساحة الدين والعمل له.

وهذا وهذا وغيرهم إنما يتأسى بالمصلح الأعظم: محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان يغشى الناس في أنديتهم ومجالسهم فيدعوهم إلى الله!

لربما كان يصح البدء من المساجد في زمن قوة الدولة الإسلامية، إذ المساجد حينئذ تجتذب صفوة الناس وزهرتهم، أما في زمن الحكومات التي خربت المساجد وسيطرت عليها وسلطت عليها العيون والرقباء وأفسدت أئمتها ومناهج تعليمهم.. نقول: في مثل هذا الزمن لن يكون صفوة الناس وزهرتهم بالضرورة في المساجد، بل إن بعض سكنى المساجد هؤلاء لم يسكنها إلا بعد أن رضيت عنه السلطة أو لما اطمأنت إليه وصارت لا تخشى منه!

ولا ينبغي أن يُفهم من هذا دعوة إلى هجر المساجد وأهلها، أبدا.. إنما هو حديث عن البداية والانطلاقة فقط، ثم لن يتكون من يحمل هم الدين على عاتقه إلا في المساجد التي يذوق فيها العبادة وطعم الجماعة ويسمع فيها ترتيل القرآن ويتعلق بها قلبه.

وها هي الحوادث تثبت أن شباب المساجد هم من يقاومون الجبابرة في ثبات ورسوخ وإن نزلت بهم الأهوال، بينما شباب الأحزاب الذين لم يمروا على المساجد قد عادوا عند الصدمة والأزمة إلى بيوتهم أو هاجروا وطووا صحيفة نضالهم مكتفين بالسكوت إن لم يتحولوا إلى منافقين.


نشر في تركيا بوست 



[1] حسن بسلي وعمر أوزباي: قصة زعيم ص111، 112.