الثلاثاء، مارس 24، 2015

سياط الفيلسوف على ظهور العسكر (8)

اقرأ أولا:

ما زلنا نواصل التقاط مواقف الفيلسوف المخضرم الكبير د. عبد الرحمن بدوي من حكم العسكر عبر مذكراته الحافلة الصادرة في جزئين، وهو الذي عايش العهدين: الملكي والعسكري، وحقق من المكانة الفكرية ما لا ينكره أحد ولو كان من أشد أعدائه.

(31)

الإرهاب الأحمر

"ثم كانت زيارة نكتيا خروشوف لمصر في أوائل مايو سنة 1964 بدعوى افتتاح السد العالي بعد أن تم إنجاز المرحلة الأولى منه. فافتتحه باسم الاتحاد السوفيتي الذي تولى بناء السد مع جمال عبد الناصر في 13 مايو 1964.

ولما كان الاتحاد السوفييتي هو الذي قام ببناء السد العالي بواسطة مهندسيه وأمواله، فقد طالب عبد الناصر بدفع مقابل ذلك، وكان ثمنا غاليا جدا وهو أن يتولى الشيوعيون المصريون السيطرة على مقاليد الأمور في مصر: سياسيا، واقتصاديا، وثقافيا، وإعلاميا، إلخ.

ورضخ عبد الناصر لهذه المطالب وراح ينفذها بما طبع عليه من حماس واندفاع أهوج:

1- فبدأ بأن مكَّن الشيوعيين من أدوات الإعلام لها: من صحافة، وإذاعة، ومسرح، وثقافة. أما دار "الأهرام" فقد كان يشرف عليها محمد حسنين هيكل يحيط به الشيوعيون من كل جانب: محمد سيد أحمد، لويس عوض، أعضاء مركز الدراسات الاستراتيجية، صلاح جاهين، إلخ. وكان ذلك منذ أوائل الستينات فلم يكن في حاجة إلى المزيد. أما "دار أخبار اليوم" فكانت لا تزال في أيدي صاحبيها: مصطفى أمين وعلي أمين. لهذا رتب الشيوعيون للاستيلاء عليها عنوة. ومن أجل ذلك لفقت لمصطفى أمين تهمة الاتصال بأحد أعضاء السفارة الأمريكية، مع أن عبد الناصر هو الذي كلف مصطفى أمين بهذا الاتصال منذ سنوات عديدة كيما يظل محتفظا بالعلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية. وتم القبض على مصطفى أمين في الإسكندرية في شهر مايو سنة 1965 وأودع السجن، ثم حوكم، وحكم عليه بالسجن عشر سنوات، أمضى معظمها في سجن طرة، ووصف هو ما لاقاه في سجنه هذا في كتب عنونها: سنة أولى سجن، سنة تانية سجن، إلخ. وعلى الفور انقض الشيوعيون على دار أخبار اليوم، وصار محمود أمين العالم رئيسا لصحف الدار: جريدة "الأخبار" اليومية ومجلة "أخبار اليوم" الأسبوعية، ومجلة "آخر ساعة" الأسبوعية.

وفي أعقاب ذلك انقض الشيوعيون على "دار الهلال"، وأصبح أحمد بهاء الدين –وهو شيوعي قح، ولكنه يتلون بألوان مختلفة بحسب الظروف- رئيس تحرير لمجلة "المصور"، كبرى المجلات التي تصدرها هذه الدار.

وتوزع الباقون سائر المجلات والصحف: "روزاليوسف" وتولاها عبد الرحمن الشرقاوي وهو متعدد الأطوار يدور من اليمين إلى اليسار، ويجمع بين عمامة الإسلام وكاسكيت الشيوعيين.. وكانت مجلة الكاتب برئاسة أحمد عباس صالح شيوعية منذ عددها الأول حتى الأخير.

2- وأما في الثقافة فقد وجدوا في وزيرها د. ثروت عكاشة خير مؤيد ومعين. فعيَّن محمود أمين العالم مديرا للهيئة العامة للكتّاب، وسعد كامل مدير للثقافة الجماهيرية، وحمدي غيث وسعد أردش رؤساء أو نواب رؤساء لهيئة المسرح"[1].

(33)

مأساة كمشيش

"وواكب ذلك كله التآمر للقضاء على المجتمع المصري كله ليقيموا على أنقاضه دولة شيوعية خالصة تدور في فلك موسكو وتأتمر بأوامر سادة الكرملين، وتكون قاعدة لانطلاق الجحافل الحمر على كل بلدان الشرق الأوسط والزحف على دول إفريقية.

وبدأوا هذا الرهيب بتحويل حادث تافه عابر يحدث أمثاله في أرياف مصر كل يوم دون أن يتلفت إليه أحد ويحولوه إلى نار حامية أشعلوها في الريف المصري كله. وهو حادث قتل لأسباب نسائية في قرية صغيرة من قرى محافظة الغربية اسمها كمشيش، وأبرز أسرة فيها كانت أسرة الفقي. فاستغل الشيوعيون هذا الحادث التافه العادي وجعلوا منه قضية كبرى هي قضية الإقطاع في مصر، رغم أن ما يُدعى بـ "الإقطاع" في مصر –وهو كذب تاريخي بشع يُدرك زيفه كل من له إلمام بمعنى "الإقطاع" في اتالريخ- كان قد زال منذ أن قضى قانون "الإصلاح" الزراعي المزعوم! الأول الصادر في سبتمبر سنة 1952، ثم الثاني الصادر في يوليو سنة 1961 – على ما كان بين أيدي الموسرين من أطيان زراعية ولم يعد لهم في بلادهم حول ولا طول، حتى هجر بعضهم الريف والتجأوا إلى المدن الكبرى (القاهرة، الإسكندرية، إلخ) حيث لا يعرفهم أحد يتشفى فيهم أو يرثى لحالهم.

وحسبي هنا أن أنقل بعض ما ورد في حيثيات حكم محكمة الجنايات التي رفع بعض أشلاء هذه الأسرة الكريمة، أسرة الفقي، قضيته أمامها لإنصافهم، وكان ذلك في عام 1978. بعد أن بدأ المظلومون في عهد الإرهاب الأحمر الذي فرضه عبد الناصر على مصر طوال حكمه الغاشم.

قالت المحكمة في حيثيات حكمها في هذه القضية:

"إن محكمة الجنايات تسجل، للتاريخ، أن الفترة التي جرت فيها أحداث هذه القضية المثيرة هي أسوأ فترة مرت بها مصر طيلة تاريخها القديم والحديث: ففيها ذبحت الحريات، وديست كرامة الإنسان المصري.

وإن المحكمة، وهي تسجل هذه الفظائع، ينتابها الأسى العميق والألم الشديد من كثرة ما أصاب الإنسان المصري في هذه الحقبة من الزمان: من إهدار لحريته، وذبح لإنسانيته، وقتل لمقوماته كافة، ورجولته، وأمنه، وأمانيه، وعرضه.

وإن المحكمة تسجل، للتاريخ أيضا، وقلبها ينفطر، أن ما حدث في هذه القضية لم يحدث مثله في شريعة الغاب، ولا البربرية الأولى، وإن المباحث العسكرية الجنائية أمرت الرجال بالتسمي بأسماء النساء. ووضعت ألجمة الخيل في فم رب العائلة وكبير الأسرة. ولطمت الرؤوس والوجوه فيها بالإيدي، وركلتها بالأقدام. وهُتِكَت أعراض الرجال أمام بعضهم البعض. وجيء بنسائهم وهُدِّدوا بهتك أعراضهن على مرأة ومسمع منهم. ودُرِّبت الكلاب على وطئ الرجال. وتم ذلك بالفعل على المتهم الأول. وهُدِّد رب العائلة وإخوته بإخراج جثة والدتهم –وكانت حديثة الدفن- للتمثيل بها أمام الناس، والتشهير بهم وإذلالهم أمام أهليهم.

وتسجل المحكمة أن المخلوق الذي ينسى ربه، ونبيه، ويأمر الابن بصفع أبيه، هو مخلقو وضيع وتافه ومهين (راجع النص في جريدة "الأخبار" بتاريخ 23 يونيو سنة 1978).

ولا بد للمرء أن يُصاب بأقصى درجات الذهول وهو يسمع أو يقرأ تفاصيل ما ارتكبته زبانية جمال عبد الناصر من فظائع في كمشيش، ثم في الكثير غيرها من قرى القطر المصري شماله وجنوبه. طوال الفترة من مايو سنة 1965 حتى هزيمة مصر الهائلة في 5 يونيو سنة 1967 والأيام الثلاثة التالية.

كيف تبلغ الوحشية بإنسان أن يرتكب كل هذه الفظائع، مهما كانت الأسباب؟! فما بالك وهي لم يكن لها أي سبب! فمُلّاك الأراضي الزراعية الذين أُهدرت كراماتهم وصودرت أموالهم وانتُهِكت حرياتهم لم يتركبوا أي ذنب، ولم يخالفوا أي قانون أصدره عبد الناصر وزبانيته الأبالسة، بل كانوا يملكون ما يملكون وفقا للقوانين واللوائح التي أصدروها بسلطانهم الكامل وطغيانهم المستبد الذي لم يلق أدنى مقاومة. فبأي شريعة إن حُوكم هؤلاء المُلّاك الذين التزموا التزاما تاما بما شرّعه هذا الطاغوت وأبالسته؟!

ثم العجب الذي يستنفد كل العجب هو من هؤلاء الجلادين المنفذين بقسوة منقطعة النظير ومبالغة في التعذيب تفوق كل وصف! ماذا حملهم على هذا الإجرام الرهيب، وليس بينهم وبين ضحاياهم ثأر فيثأرون، أو خصومة فيكيدون، أو منافسة فيطيحون! وما أغرب نذالتهم وخِسَّتهم وانعدام كل معاني الإنسانية فيهم! أمن أجل مزيد من الأشرطة أو النجوم الصفراء أو النسور النحاسية على الأكتاف يرتكب هؤلاء الأبالسة ما ارتكبوا من فظائع يندى لها جبين كل إنسان في كل زمان ومكان؟!

ثم ما بال الكُتّاب الذين أتينا على ذكرهم يهللون ويضفرون أكاليل المجد للطاغون وأبالسته وجلاديهم، بل ويحرّشونهم لارتكاب المزيد من التخريب والتعذيب!! وشاركهم في هذا التحريش والتأليب ثلة من أساتذة الجامعات كانوا يتآمرون لارتكاب أمثال هذه الفظائع في نطاق الجامعات والإدارات الحكومية التي كانوا يتطلعون للانقضاض على المراكز العليا فيها: أمن أجل دريهمات قليلة ومناصب هزيلة يستبيحون كل رذيلة وخسة وحقارة؟!

قُتِل الإنسان، ما أحقره!

إني أحار في تفسير سلوك هؤلاء جميعا! أية لذة يجدها هؤلاء الجلادون في تعذيب فرائسهم والتنكيل بضحاياهم؟! لو كان انتقاما لجريمة ارتكبوها في حق أنفسهم لقلنا مع هوميروس إن "الانتقام أشهى من العسل". لكن لم يكن بينهم وبين ضحاياهم أي داع للانتقام.

وقد تفنن هؤلاء الجلادون في أدوات التعذيب وأساليبة، مما ذكر بعضه حكم محكمة الجنايات الآنف الذكر. لكنه ليس إلا قطرة في بحر ما كان الجلادون يقومون به في السجن الحربي وسجن إدارة المخابرات المجاورة لقصر القبة: من إطلاق الكلاب المتوحشة على المسجونين والمتهمين، والنفخ فيهم من استاههم، وتوصيل خصيهم ومذاكيرهم بتيار كهربائي، وصب المياه فوق رؤوسهم، وتسليط الأضواء الشديدة حتى لا يغمض لهم جفن طوال الليل، والضرب بالسياط على ظهورهم ووجوههم وكل موضع حسّاس فيهم.

والعجب أن من أشدّ هؤلاء الجلادين قسوة شخصا يُدعى حمزة البسيوني. وأقول: "العجب" لأنني كنت أعرفه طالبا في كلية الحقوق تخرج في عام 1938 وهو العام الذي تخرجت فيه أنا من كلية الآداب. وكان يتردد أحيانا على كليتنا إبان الأحداث السياسية. وعرفته آنذلك وديعا هادئ الطبع خجولا بل رقيق الحاشية ساجي الضمير. فكيف تحول إذن في الأربعينات من عمره إلى وحش كاسر ولوع بالتعذيب والتفنن في أساليبه؟! هل كانت الوحشية كامنة فيه، مكبوتة في دخيلة نفسه، فلما فُتح لها باب الانطلاق انطلقت كالقنبلة؟ وهل من الممكن أن ينقلب المرء فجأة من مهذب هادئ إلى إعصار مدمر فاجر؟! صحيح أنني لم أره منذ تخرجه في سنة 1938 حتى سماعي بما يرتكبه من تعذيب رهيب في سنة 1965، لكن زملاءه في التخرج ممن شاهدوه طوال هذه الفترة مرارا لم يروا عليه علائم تطور نفسي، بل صُعِقوا لما علموا بأنباء ما يقوم به من تعذيب، لأنهم لم يتصوروا صدور ذلك عنه حسبما عرفوا من طباعه. ولقد أنجاه من المحاكمة -لما أن قُدِّم بعض هؤلاء الجلادين للمحاكمة في سنة 1971 وما بعدها- أن الموت قد عاجله، وأظن أن ذلك كان في حادث سيارة[2]. وإلا لكانت المحاكمة كفيلة بأن تلقي بعض الضوء على كيفية تطور هذه النفسية الغريبة.

والمحاكمات التي أقيمت لبعض هؤلاء العتاة من الجلادين أمثال: صلاح نصر، مدير المخابرات، وحمزة عليش، والصول الروبي –لا تشمل إلا واحدا من ألف ممن ارتكبوا أبشع جرائم التعذيب في حق الأبرياء طوال عهد حكم عبد الناصر.

كما أنها لم تتناول إلا من مارسوا التعذيب عمليا من رجال الجيش والشرطة، ولم تتناول أي واحد من رجال السياسة، ولا من الصحفيين والكتّاب والموظفين في مختلف مرافق الدولة – ممَّن حرضوا وأيدوا وباركوا كل أساليب التعذيب التي عاناها الأبرياء من المصريين طوال تلك العشرين سنة الرهيبة. فبأي حق يعفى هؤلاء من المحاكمة، وهم مسؤولون تماما مثل أولئك المنفذين؟! وقد زعم أحد هؤلاء الكتّاب[3] أنه كان في "غيبوبة" طوال هذه المدة كلها وأن كل ما كتبه من مديح وتمجيد لعبد الناصر وزبانيته، ونال في مقابل ذلك أرفع الأوسمة والنياشين والأموال الطائلة بوصفه عضوا في إدارة جريدة الأهرام، ثم لما مضى عهد "بطله" هذا بوفاته أصابته "عودة الوعي"! إي والله هكذا عنون كُتَيِّبا ظن أنه يستطيع أن يوهم به الناس أنه غير مسؤول، وأنه لم يشارك في ارتكاب مثل هذه البراءة الكاذبة أو الصفاقة الوقحة. من يريد أن يوهم هذا الماكر الساذج؟!!"[4].



[1] سيرة حياتي 1/370، 371.
[2] عاقبه الله بأن اصطدمت سيارته بسيارة نقل محملة بأسياخ الحديد، فاخترقته أسياخ الحديد حتى مزقت جسده، ثم جمعت أشلاؤه ووضعت في كفن.
[3] يقصد: توفيق الحكيم في كتابه "عودة الوعي"
[4] سيرة حياتي 1/371 وما بعدها.