السبت، يونيو 04، 2011

من تدبير الله للثورة المصرية

في المقال السابق كان الحديث عن تدبير الله للثورة المصرية في "جمعة الغضب" حيث سار هذا اليوم دون تنسيق مسبق من أحد في أفضل مسار محتمل بما أخرج كل جهاز الشرطة من المعركة، وأنزل من لم يكن مؤيدا للثورة إلى الشوارع للقيام بمهمة الحماية الشعبية مما زاد في تدعيم موقف المتظاهرين والمعتصمين في التحرير وأفشل خطة نشر الرعب وزاد في كسر الشرطة.

في هذا المقال نرصد تدبيرا آخر من تدبير الله للثورة المصرية، وذلك هو "القنوات السلفية"..

لقد سمح النظام البائد بوجود قنوات للسلفيين لتحقيق مجموعة من الأهداف، على رأسها ترسيخ وجوده في السلطة باعتبار ما يحمله الفكر السلفي من آراء تتركز على "حقن الدماء" و"إخماد الفتن بين المسلمين" بما يستتبع هذا من آراء تحرم الخروج على الحاكم طالما كان الفارق في القوة والقدرة يميل إلى أن هذا الخروج لن يحقق تغييرا حقيقيا ولن ينتج عنه إلا إسالة الدماء والدخول في فوضى!

لسنا في مقام تقييم هذا الفكر الآن، لكنه على كل حال وجهة نظر تنطلق من الحفاظ على الدماء والأعراض والأموال والبلاد..

وللأمانة والتاريخ فقد أفاد النظام من هذا المنهج في أكثر من موقف، لا سيما حرب غزة وحرب لبنان وحركات الاحتجاج والمعارضة والإضرابات.. لا سيما وقد منع النظام تماما ظهور شيوخ السلفية السكندرية أو السلفية الحركية في القاهرة وهم أكثر تشددا وتصلبا في موقفهم من الحاكم، وأكثر فهما واستيعابا لمشكلات السياسة.

لكن الذي لم يخطر للنظام على بال أن القنوات السلفية قد أحدث موجة إسلامية هائلة في طول مصر وعرضها، بل في طول العالم العربي وعرضه، حتى أصبح الشيوخ رموزا ونجوما شهيرة وقد كان لا يعلم أسماءهم غير طلبة العلم، ودخل الدين قرى ونجوعا بعيدة في أعماق الصعيد وأطراف السواحل، ولقد فوجئ الجميع بمن فيهم طلبة العلم وحتى الشيوخ أنفسهم بما حققوه من نجاح جماهيري كبير، وما زلت أذكر قول الشيخ يعقوب "لقد حققت هذه القناة (الناس) في عام واحد ما عجزنا عن تحقيقه في المساجد في عشرين سنة"، وشخصيا أعرف بيوتا وعائلات كاملة تابت على هذه القنوات، وأعرف قرى بعيدة أنبتت فيها هذه القنوات مجموعات شبابية إصلاحية ناشطة، وأعرف كثيرا جدا من العلاقات المهددة بين الأرحام والأزواج انتهت بمواعظ الشيوخ..

ومن بين النجاحات الرائعة لهذه القنوات السلفية أن شيوخها كانوا في الأغلب الأعم ذوي مسؤولية دينية فلم يسخروا برامجهم للطعن في غيرهم من الإسلاميين كالإخوان مثلا (وكان هذا أحد أهداف النظام)، بل جعلت هدفها هداية الناس دون الدخول في معارك مع أحد، وكان لهذا فوائد رائعة كثيرة، أهمها أن الشيوخ صاروا رموزا إسلامية عامة وأن الإسلاميين على اختلاف أطيافهم استفادوا من ثمار هذه القنوات.

ولا فضل في هذا التدبير لأحد إلا لله..

ولما بدا أن الأمور تسير على طريقة غير التي أرادها النظام، وتسبب المد الإسلامي في فزع هائل للتيارات العلمانية، بدأت مراحل التضييق والتأديب لهذه القنوات، ثم لم يصنع هذا كثير فائدة، فتم إغلاقها مرة واحدة.

وما هي إلا شهور حتى اشتعلت الثورة المصرية، وقد سَخَّر النظام كل إمكانياته الإعلامية عن آخرها لإخماد الثورة ولم يفلح، ذلك أن أحدا لا يثق في إعلام النظام ولا منافقيه.. لقد فقد النظام الإعلام الوحيد الذي يثق فيه الناس والذي قد ينفعه في مثل تلك الظروف، وهو القنوات السلفية!

لقد شارك كثير من السلفيين وشيوخهم في الثورة، إلا أن الذين شاركوا ثائرين كانوا هم الممنوعين من الظهور كشيوخ السلفية الحركية، فيما كانت السلفية العلمية على تردد منها أو على رفضها (تبعا لقاعدتهم في الموازنة بين احتمالات المكاسب والخسائر، والتي أوضحناها سابقا).. وحتى بعد التنحي ظل كثير من الشيوخ في موقف المضطرب المتردد غير المصدق أن قناعاته التي ظل يدرسها ويؤكدها قد ثبت خطؤها.

ولو كانت هذه القنوات مستمرة أثناء الثورة لكانت خطرًا عليها بلا أدنى شك، لأن أهلها مخلصون لفكرة يرونها حقا ودينا وليسوا أصحاب مصالح خاصة كغيرهم من منافقي النظام البائد!

ثم عادت القنوات الإسلامية بعد ذهاب النظام، عادت وقد ارتفعت عنها يد الدولة وقيودها، وهي الآن الصوت الإسلامي الوحيد الموجود الذي يواجه الهجمة العلمانية الرهيبة على الإسلاميين منذ ما قبل الاستفتاء على تعديل الدستور!

هكذا دبر الله للثورة المصرية..

لقد تخوفنا حين أُنشئت هذه القنوات برعاية النظام وتوقعنا أنها لمواجهة الإخوان وترسيخ حكم السلطة، ثم غضبنا حين أغلقوها بعدما هدى الله بها كثيرا من الناس.. فمن غير الله كان يدري أن إنشاءها كان خيرا وأن إغلاقها أيضا كان خيرا وأن عودتها بعدئذ سيكون خيرا..

(ويمكرون، ويمكر الله، والله خير الماكرين) صدق الله العظيم.

نشر في "شبكة رصد الإخبارية"