الاثنين، يونيو 20، 2011

الإسلاميون وضرورة الترشح للرئاسة (2)

لا شك في أن الأمر أكبر من أن يحتويه مقال في صحافة سيَّارة، بل هو في حاجة لدراسة موسعة ونقاشات عامة وخاصة، ووضع الخطط والبدائل، وإنما يقول المقال بدور الإشارات العابرة فلعل الله أن يفتح على كاتبها فيُفْتَح بها باب للدراسة والنقاش.

في أمر ضرورة منافسة الإسلاميين على منصب الرئاسة، كان المقال السابق عن خطورة الحكم العلماني حال انفراده بالسلطة، أو بالأحرى حال انفراده بمراكز التأثير في السلطة، وفي هذا المقال نعرض لقراءة عامة في السيرة النبوية، على أن يكون المقال القادم مناقشة للتجارب التاريخية، والذي بعده مناقشة للمخاطر المتوقعة في حال الترشح للرئاسة، إن قدر الله البقاء والقدرة على الكتابة!

في عموم سعي النبي (صلى الله عليه وسلم) للقيام بأمر الرسالة، كان من طبيعة الأشياء أن يبدأ من زعماء القبائل وشيوخها، وبالتوازي مع هذا الخط كان يختار لدعوته الصفوة من الرجال والشباب والنساء ممن يمتلكون الشخصيات القيادية ذات المواهب والإمكانات الفاعلة، ثم هو بعد هذا لا يرد من أتاه مستجيبا لدعوته مهما كان ضعيفا أو مغمورا أو بلا مواهب.

ليس موضع الحديث الآن عن آلية اختيار الأنصار أو رعاية الأتباع فهذا له نقاش آخر، إنما الحديث الآن عن البداية من زعماء القبائل وشيوخها، ذلك أنها بداية من موقع السلطة.

(1)

لم تكن المرحلة المكية سيرة رجل يبحث عن القلوب ليهديها فحسب، بل كانت أيضا سيرة رجل يبحث عن الدولة ليقيمها، وقد تمثل هذا في "جدول أعمال" تبدو فيه ثلاثة بنود واضحة:

1. محاولة إقناع سادة قريش وكبرائها، وكان حرصه على هذا عظيما إلى الحد الذي عوتب فيه بقرآن يصفه بأنه "يقتل نفسه" من الغم لعدم إيمانهم {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف:6] {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:3]، بل تروى بعض الآثار –وفيها ضعف- أنه هَمَّ بالاستجابة لطلب سادات قريش بأن يجعل لهم مجلسا غير مجلس العبيد لئلا تسقط بينهم المقامات، فنزل قول الله تعالى {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام : 52].

ولكن اللافت للنظر، والجدير بالتأمل والاعتبار، أنه وقد رأى إصرارهم لم يقعد جالسا منتظرا أن يحول الله قلب أحدهم إلى الإيمان، أو منتظرا تغير الظروف والأحوال، وموازين القوى في مكة، بل انتقل إلى البند الثاني بعدما بدا أن الأحوال في مكة لا تبشر بخير في المدى المنظور.

2. خرج النبي إلى الطائف -وهي القوة المنافسة لقريش في الجزيرة- باحثا عن الأرض التي يقيم عليها الدولة في حماية سادات الطائف، وحين وُوجه هناك بأقسى مما توقع فأُوذي وأُهين وهو الكريم النسب والخلق فإنه أيضا لم يقعد ولم ينتظر.

3. وَسَّع دائرة البحث حتى كان يعرض نفسه على القبائل في موسم الحج، وشعاره المعبر عن طبيعة الهدف "ألا رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي"، وذكر أصحاب السِيَر أسماء خمس عشرة قبيلة كلها رفض دعوته، حتى أعثره الله في آخر الأمر على النفر الستة من يثرب، فأيده الله بهم.

حتى تحقق الهدف أخيرا، ووجد النبي القوم الذين استعدوا لحمايته.

لكن لا بد من التوقف عند عدة أمور مهمة:

1. أن انتشار الدعوة في المدينة لم يتم تدريجيا كما يتوهم الكثير من الإسلاميين، بل تم بإسلام قيادات المدينة: سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وكان هذا السبب الرئيسي في أن المدينة في خلال عامين لم يكن فيها بيت يخلو من الإسلام. هذه هي الطريقة التي لم تنجح في مكة ولا الطائف ولا سائر القبائل لعناد القيادات.

2. أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قَبِل دائما بالحد الأدنى من الحماية، أي بالحد الأدنى من شروط الدولة، فلقد رضي بحماية الأنصار داخل المدينة فحسب، ولما بدا أن قتالا سينشب في غزوة بدر كان محتاجا لاتفاق آخر، فالشاهد أن الحد الأدنى من وجود سلطة كان كافيا لينطلق منه النبي صلى الله عليه وسلم في مسيرته، ولهذا يجب أن نلفت الانتباه إلى الضعف الشديد للرواية التي تفيد أن النبي رفض عرض بني شيبان لحمايته من قِبَل العرب فقط لا من قِبَل الفرس.

[قبل الانتقال إلى الفقرة التالية، أشير إلى أن ما سبق قد كتبته قبل عام ونصف، وبالتحديد في ذكرى الهجرة 1431 / ديسمبر 2009]

(2)

بالإضافة إلى ما سبق فإن استعراض المشكلات التي واجهها النبي في المدينة تضعنا أمام حقيقة لا ينتبه لها كثيرون، تلك هي أن ظروف المدينة وقت هجرة النبي كانت أسوأ بما لا يقارن بظروف مصر في هذه اللحظة، بل أسوأ بما لا يقارن بظروف غزة وقت فوز حماس وحتى الآن.

وكان نجاح النبي في تأسيس دولة المدينة دليل على أن المنهج الإسلامي قادر على تجاوز أسوأ الظروف بل والانتقال للدولة المثلى في التاريخ، ولذلك أجد كثيرا من الحرج في التأكيد على أن مصر في هذه الأيام لا يستطيع تيار وحده أن يحل مشكلتها!!

واستعراض الظروف ليس هذا مقامه، ولكن يكفينا أن نعرف أن المدينة كانت مجتمعا غير متجانس، فأهل مكة من قبائل شتى وأهل المدينة منقسمون إلى أوس وخزرج ويهود، بالإضافة إلى المهاجرين ممن أسلموا من سائر القبائل، ثم لديك منافقون ومشركون.. ثم هو مجتمع فقير اقتصاديا، تسيطر طبقة اليهود على حركة المال فيه، يعتمد على الاستيراد، كما أدى تبنيه للإسلام إلى مقاطعة شاملة من العالم الخارجي..

كل هذه المشكلات كانت لها حلول، ربما استعرضناها في مقال قادم، لكن الشاهد الذي نريد التأكيد عليه الآن هو أن دولة المدينة كانت في ظروف بالغة السوء وقت قدوم النبي، وقد تم بالحكمة والصبر تحويلها إلى نموذج مثالي!

(3)

لا شك أن الأمر يحتاج مزيدا من إفاضة، لكن لعل فيما سبق كفاية في مقام الإشارة، على أنه لابد من لفت الأنظار إلى أن "الدولة" كانت أمرا ضروريا في زمن لم تكن فيه بهذه المركزية والسلطة، حيث لا حدود ولاموانئ ولا سجون ولا أنظمة سائدة محكمة في الاقتصاد أو التعليم أو غيره، فكيف بالحال الآن في زمن ما بعد الدولة المركزية؟

إن من اللحظات الحاسمة في التاريخ أن التخلف الإسلامي جاء في وقت ظهور الدولة المركزية، وهذا هو السبب الرئيسي في تعثر الكثير من حركات الإصلاح الإسلامي التي وُجِدت تحت سلطة شاملة لدولة شرسة، لكن.. لهذا حديث آخر إن شاء الله في المقال القادم عن التجارب الإسلامية في التاريخ الحديث.

نشر في: شبكة "رصد" الإخبارية