الأربعاء، يونيو 01، 2011

النخبة المصرية.. القذافيون الجدد!!

أضحك العقيد معمر القذافي الملايين حول العالم بتعريفه اللوذعي للديمقراطية، فأصلها عنده (ديموكراسي democracy) وهي تعني "ديمو كراسي" أي "الدهماء على الكراسي".. هكذا قال العقيد!!

لك أن تضحك ما تشاء، وللمؤرخين بعد مئات السنين أن يندهشوا ما شاءوا، وللأجيال أن تحكم عليه بما تشاء.. ذلك أن التعريف جمع بين عمق لغوي ورصانة فكرية وانتقال دقيق بين الأصوات والألفاظ والمعاني والدلالات..

ليس العجب من القذافي فهو رجل دائم الإدهاش، إنما الجديد هو أن الأيام الماضية قد أثبتت أن "النخبة" المصرية تعتمد نفس تعريف القذافي للديمقراطية!! وكنا نظن في سالف الأيام أن نخبتنا أعقل من القذافي حتى جاءتنا الأيام بما خيَّب ظنوننا.

النخبة في مصر الآن تتحدث بوضوح، والحرب تجري على المكشوف، والعبارات صريحة مهما تزخرفت وناورت والتفت ودارت وتسلقت: الإسلاميون لهم شعبية جارفة، ولا نستطيع مقاومتهم، وإذا جاءت انتخابات نزيهة فإنهم سيكتسحونها، ثم يكتبون الدستور. ولهذا فلا بد من تأجيل الانتخابات ما أمكن، وكتابة الدستور أولا، وأما الفترة الانتقالية فلا مانع لو طالت في حكم الجيش ويا حبذا أن لو كانت عبر مجلس رئاسي.. هذه –زعموا- هي المصلحة الوطنية التي لا تجعل الحكم في يد الشعب العاطفي المتدين بطبيعته الذي ما زال يحبو في سلم الديمقراطية وغير القادر على تمييز الاختيار الأصوب في اللحظة الحرجة التاريخية التي تمر بها مصر.

الديمقراطية إذن، هي "الدهماء على الكراسي".. كما عرفها الأخ العقيد معمر القذافي!

القذافي أيضا كان يرى نفسه إمام المسلمين وعميد الحكام العرب وملك ملوك إفريقيا.. نخبتنا كذلك يرون أنفسهم حكماء التاريخ وفلاسفة الرأي وفقهاء القانون وأهل الحل والعقد.. وقد صارت صحفهم الآن لا تصف الواحد منهم بغير "الخبير في الشأن الفلاني" حتى لو كان صحفيا مجهولا عمل لحساب أجهزة داخلية أو خارجية وافتتح مركزا للدراسات (لا نعرف له إصدارا واحدا أو دورية واحدة أو حتى موقع على الانترنت)!!

يرى القذافي أن الخطر على ليبيا هو من الإرهابيين الإسلاميين.. وهو –أيضا- نفس الذي تراه نخبتنا!! وقد استعمل القذافي كتائبه الأمنية فيما استعملت نخبتنا كتائبها الإعلامية.. ومثلما لم تُجْدِ كتائب القذافي نفعا لم تُجد كتائب النخبة نفعا!!

وكما لجأ القذافي في خطابه الذي كان في الثلث الأخير من الليل إلى التوسل إلى القبائل وإلى العالم، لجأت نخبتنا إلى التوسل إلى العالم أيضا ولقد فاضت الأخبار بهذه الأنباء حتى انزعج منها مارك فرانكو رئيس وفد المفوضية الأوروبية في القاهرة الذي صاح قائلا: "لقد تعبت ومللت من الشكوى حول الإخوان المسلمين في كل مكان، توقفوا عن الشكوى من أن طرفا آخر قوى، ابدءوا فى تقوية أنفسكم... ابدءوا فى العمل وتكوين أحزاب، اذهبوا للصعيد واعرضوا برامجكم وأظهروا ما نجحتم فيه، تحركوا وتأكدوا أن قوى التغيير تنتقل من الميدان إلى البرلمان، حيث تكون اللعبة الحقيقية، الميدان كان مهما عندما كان البرلمان عبارة عن سيرك، أما الآن فهناك إمكانية لإيجاد برلمان يعكس آراء الناس فاقتنصوا هذه الفرصة".

في الحقيقة لقد أسفت لحال الشاكي، فصورته التي يظهر لنا بها هي صورة القوي المكين الذي يملك الحشد والدعم والتأثير، بل هو يملك تفجير الثورات وإخمادها..

ورحم الله أديبنا الكبير ابن عبد ربه الأندلسي، روى في كتابه "العقد الفريد" أن رجلا ادعى النبوة فجيء به إلى أمير البصرة سليمان بن علي مُقَيَّداً، فقال له: أنت نبي مرسل؟ قال: أما الآن فأنا نبي مقيد. قال: من بعثك؟ قال: أبهذا يخاطب الأنبياء يا ضعيف؟ والله لولا أني مقيد لأمرت جبريل يدمدمها عليكم. قال: وهل المقيد لا تجاب له دعوة؟ قال: نعم، الأنبياء خاصة إذا قُيِّدت لم يرتفع دعاؤها. فقال سليمان ضاحكا: سأطلقك كي تأمر جبريل، فإن أطاعك آمنا بك وصدقناك. قال: صدق الله (فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم).

ثم عرف سليمان أنه مجنون فأخلى سبيله..

فلو كان سليمان في عصرنا لقيل له: إنه "نخبة" أو.. إنه القذافي!!

نشر في "المصريون"