الأحد، يونيو 12، 2011

الإسلاميون وضرورة الترشح للرئاسة (1)

بعد خطبة للجمعة يوم 18 مارس الماضي، دعوت فيها الناس للخروج إلى الاستفتاء والحرص على المشاركة فيه، وكنت وقتها أتمتع بقدر أعلى من "الأخلاقية" أو قل "الغفلة" فلم أحاول أن أحشد للتصويت بـ "نعم"، ارتفاعا بالمنابر عن الخلاف الدائر وقتها، بعد الخطبة فوجئت برجل ذي هيئة سلفية يعارضني أشد المعارضة ويؤكد على ضرورة التصويت بـ "لا"، حيث إن "نعم" تزيد من فرص الإسلاميين في المشاركة في الحكم، وحيث أن العالم الآن لا يرضى عن حكم إسلامي فيجب أن ننسحب من هذه المعركة حفاظا على البلد حتى لا تتحول إلى سودان أو أفغانستان أو جزائر أخرى!

اندهشت من منطقه المتخاذل المتراجع الخائف، لكنني بعد قليل من التأمل عرفت أن كلامه يدل على عمق وطنيته وانتمائه وتفضيله لمصلحة البلد إلى الحد الذي يقبل فيه بالتنازل عن حقه لأجل المصلحة الوطنية.. كلما رأيت فريق النخبة العلمانية يريد فرض رأيه بالديكتاتورية ولو بتمديد الحكم العسكري وتأجيل التحول الديمقراطي كلما تذكرت هذا الرجل السلفي، الوطني، الذي يقبل بالخروج من المشهد طواعية لإحساسه بأن وجوده فيه خطر على مستقبل الوطن!!

منطق هذا الرجل، هو في الحقيقة المنطق العام للإسلاميين، وإن كان ليس بهذه الدرجة من التراجع والانسحاب، بل بدرجة أقل، فجماعة الإخوان حسمت قرارها، وهو قرار بالتنازل عن حقها في المنافسة على رئاسة الجمهورية وفي الحصول على أغلبية برلمانية، لا لشيء إلا لتقديرها أن الوضع العالمي لا يقبل بحكم إسلامي في مصر في هذه الفترة، والسلفيون ما زالوا مترددين فيما هو أقل من هذا، في نسبة الترشح وفي تأسيس أحزاب وفي المشاركة الفاعلة على الساحة السياسية.

بعض السلفين قلقون من فكرة تأسيس الأحزاب أصلا ويخشون من تأثيرها على التقدم في الدعوة، باطن هذا القلق هو الخوف من دخول ساحة مجهولة مع إرادة البقاء في الساحة الآمنة التي اعتادوا عليها.

أحسب أن الإسلاميين في حاجة إلى مراجعة مواقفهم بعد الذي رأيناه في الشهور الماضية من الهجمة العلمانية العنيفة التي استعملت كل ما كان بيدها من أسلحة، جلها غير مشروع امتلأ بالكذب والتصيد والافتراء، حتى من كنا نظنهم فعلا دعاة للديمقراطية واحترام رأي الشعب بدا أنهم وجه آخر من النظام البائد وثبت أنهم عارضوه لأنه حرمهم من نصيب في المشهد، لقد انقلبوا على كل ما نادوا به قديما حين بدا لهم أن الديمقراطية لا تصب في صالحهم!

ما رأيناه يعيد إلينا الخوف من جديد في أن هؤلاء لو وصلوا إلى الحكم فإن التجربة الناصرية قد تعود من جديد، ولم لا؟ فأحبالهم الموصولة بالغرب تهيئ لهم إعادة إنتاج النظام السابق مع قدر من الاختلاف في التفاصيل.. فلئن كانوا في هذه اللحظة لا يترددون في محاولات الانقلاب على الخيار الشعبي وما بيدهم سلطة فكيف لو امتلكوها بالفعل؟!!

إن الإسلاميين مهددون حقا بالعودة إلى الصفر أو حتى ما قبل الصفر، فباسم الثورة يمكن للسلطة "الثورية" أن تفعل ما لم يستطع أن يفعله نظام مبارك.. وهكذا فعل عبد الناصر من قبل، فوجد من يصفق له ويؤيده ويساعده في سحق "الإرهابيين / أعداء الثورة"!

الظن الشائع أن حرية الحركة في الفترة القادمة ستهيئ للإسلاميين مزيدا من التواصل مع الناس ومزيدا من تقدم الدعوة، إلا أنه يجب أن نتذكر حقيقة تاريخية وواقعية حاسمة، تلك هي أنه لم توجد سلطة علمانية في عالمنا العربي أو الإسلامي أتاحت للإسلاميين حرية الحركة، فوجود الإسلاميين في ذاته مهدد للمشروع العلماني الغربي، وليس من طبائع الإنسان أن يترك ما يراه تهديدا له يكثر ويتعاظم على اعتبار أن هذه من مبادئ الديمقراطية، فكيف وقد تكشف لنا أنهم لا يؤمنون بالديمقراطية أصلا!!

لقد تنازل الإسلاميون عن حقوق أصيلة لهم لطمأنة الفرقاء والأعداء في الداخل والخارج لأجل دخول البلاد في التحول الديمقراطي، إلا أن هذا التنازل لم يُرضِ أحدًا، وهم على استعداد لإنهاء التحول الديمقراطي أو تأجيله حتى يبلغوا من الشعبية ما يُمَكِّنهم من الوجود بأغلبية، ولو كان الثمن هو الاستمرار في حكم عسكري وخسران البلاد هذه الفرصة الثمينة، وعليه فينبغي أن يكون الدرس واضحا: مهما قدم الإسلاميون من تنازلات فلن يكون كافيا، وهاهم يتعاملون مع الشعب بمنطق (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد)!

فكيف يُطمَأَنُّ إلى هؤلاء إذا صارت بأيديهم السلطة الفعلية؟

لطالما صعد أُناس إلى كرسي الحكم على أكتاف غيرهم فانقلبوا عليهم، ومن ينسى محمد علي أو جمال عبد الناصر؟!.. فلا ينبغي أن يطمئن الإسلاميون إلى أن قدرتهم على الحشد ستكون ضمانة لهم فيما بعد!

هذه واحدة من ضرورات أن ينافس الإسلاميون على منصب الرئاسة، وأن ينافسوا بكل قوتهم على مقاعد البرلمان.. وفي المقالات القادمة بإذن الله سننظر في الوضع الدولي والداخلي وخبرة التجارب السابقة.

نشر في: شبكة رصد الإخبارية