الاثنين، يوليو 03، 2023

الحج.. الفريضة التي أنشأت دولا وأشعلت مقاومة ومزجت بين المسلمين

 

من بين عشرات المؤتمرات التي حضرتها، لم أنتفع بواحدة منها كما انتفعت بمؤتمر "طرق الحج في إفريقيا" الذي انعقد في جامعة إفريقيا العالمية بالخرطوم، قبل سبع سنوات، عام 2016م، فلقد قُدِّم في هذا المؤتمر نحوٌ من ستين ورقة علمية تبحث في هذا الموضوع، فوجدتني أمام بحر خضمٍّ من العلم الجديد النافع، وشعرتُ للمرة الأولى بالتأثير الفاصل الضخم لشعيرة الحج في حياة الأمة الإسلامية[1]، وكم تشوقت لحضور مؤتمر مماثل عن طرق الحج من آسيا ومن أوروبا، إذن لتمَّت الفائدة!

لقد كانت شعيرة الحج سببا في نشوء دول إسلامية عظيمة، وفي تطوير دول مسلمة متخلفة تعرَّف أمراؤها ووزراؤها في رحلتهم إلى الحج على طرائق وأساليب تُنَمِّي بلادهم، واصطحبوا معهم أحيانا رجالا يهتدون بعلمهم في الدين أو في الدنيا، وقد سلك المسلمون في طريقهم إلى الحج طُرُقًا، فإذ بهذه الطرق تنبت على ضفافها مراكز تجارية وسرعان ما تتحول إلى قرى ثم إلى مدن عامرة. وكم كان في بلاد المسلمين موارد لا تجد الأيدي العاملة، ومشروعات لا تجد من ينفذها، فجاء الحجاج المارون بها والذين قد احتاجوا إلى النفقة، فظلوا يعملون بها حتى يوفروا ويستكملوا أجرة الطريق إلى البيت الحرام، فتمَّت المشاريع بفضل هؤلاء الحجاج. وكم نشأت في طرق الحج من المبادلات التجارية، ثم من المصاهرات والأنساب ما تمازجت به الشعوب والقبائل وتضافرت وتعارفت، ما كان هذا كله ليحدث لولا الحج. وكم اصطحب المسلمون معهم من العلماء والدعاة ومن الشعراء والأدباء ومن التجار والخبراء ما تغيرت به أحوال بلدانهم في الدين والدنيا معًا.

إننا أمام مشهد حافل بالقصص الفارقة المؤثرة في تاريخ المسلمين، وكلما ازداد المرء علمًا بهذه القصص استشعر هذا الفضل العظيم لرحلة الحج على المسلمين.

في هذه السطور، سأذكر بعض شذرات منثورات من هذه القصص، أحاول بها فتح الباب للقارئ الكريم ليتأمل ويتدبر في فضل الحج على المسلمين، وخير القرّاء من سيُعْمِل ذهنَه وعقلَه في تطوير الاستفادة من رحلة الحج لخير المسلمين في دينهم ودنياهم في قابل الأيام.

 

(1)

كانت دولة المرابطين، تلك الدولة الإسلامية العظيمة، ثمرة من ثمرات الحج، ففي رحلته إلى الحج التقى يحيى بن إبراهيم الجدالي ببعض العلماء، فعرف أن قومَه في ضلالة، فاصطحب معه الفقيه المؤسس عبد الله بن ياسين، فكانت هذه بذرة دولة المرابطين.. هذه الدولة استطاعت توحيد المغرب الأقصى، ثم دافعت عن الأندلس وأجَّلت سقوطها لقرن على أقل تقدير، ونشرت الإسلام في غرب إفريقيا!.. ولو تصوَّرنا تاريخ المغرب بغير دولة المرابطين لوجدنا أنفسنا أمام صورة كئيبة للغاية لمسار التاريخ في ذلك الوقت!

وقريبا من هذا أيضا حالة دولة الموحدين المغربية، فقد أنشأها محمد بن تومرت بعد رحلته إلى المشرق، وكان منها رحلته إلى الحج، وهذه الدولة أيضا كان من مزاياها دفاعها عن الأندلس، وكانت أوسع مساحة من دولة المرابطين، ولها سهم في معاونة صلاح الدين يوم كان يحارب الصليبيين، إذ أمدَّته برجال وسلاح في البر والبحر!

 

(2)

قام الحجُّ بدور عظيم في إشعال حركات المقاومة ودعمها ضد الاحتلال الأجنبي، ومن أشهر ما يُذكر في ذلك ما تدفق على مصر إبان الحملة الفرنسية، إذ ما إن تسامع أبناء الحجاز بأن الفرنسيس احتلوا مصر حتى نزلت منهم جماعات لمحاربتهم إلى جوار إخوانهم المسلمين في مصر.

ومثلُ ذلك حصل أيضا في السودان أيام الحركة المهدية ضد الاحتلال الإنجليزي، إذ كان الحجاج هم من حملوا أخبار المهدي من السودان إلى الحجاز، فتدفق عليه الأنصار الذين قاتلوا الإنجليز ذلك القتال الباسل المشهور الذي هو من مفاخر هذه الأمة في ظل موازين قوى منهارة لصالح المحتل!

ولهذا ظلت السلطات الإنجليزية تراقب حجاج مستعمراتها، وتعمل جهدها على أن تحاصر ما يتسرب إليهم من أفكار المقاومة، سواءٌ بتعويق الحج نفسه، أو بوضع السياسات المختلفة لدى حكام مستعمراتها أو لدى صنائعها في نجد والحجاز لتحول دون ذلك.

ولأجل ذلك حضر الحجُّ في المنازعة بين السلطان عبد الحميد والاحتلال الأجنبي، وظهر ذلك بقوة في خط سكة حديد الحجاز، الذي أراد به عبد الحميد توثيق الصلات بين أنحاء السلطنة العثمانية في العراق والشام والحجاز وبين عاصمة الخلافة ومن ورائها ديار المسلمين في أوروبا كالبلقان ونحوها، بينما سعى الإنجليز جهدهم لتعويق هذا الخط، حتى تمكنوا من تعطيله على يد صنائعهم فيما بعد.

وظهر أيضا في رحلات الحج التي قام بها الولاة المسلمون، إذ كان عبد الحميد حريصا على الحفاوة بهم في الحجاز، ويرسل تعليماته إلى ولاة مكة والمدينة، فينشأ بينه وبين هذه الأنحاء صلاتٌ سياسية تُقَوِّي ما ضعف أو انقطع من الروابط الإسلامية، ومن أمثلة ذلك حجُّ سلاطين زنجبار، وما لقوه من الحفاوة بتوجيه من عبد الحميد، وهو الحج الذي كان بداية تواصل العلاقة بين زنجبار والدولة العثمانية، مما سخط له الإنجليز، وسبب لهم المشكلات في مستعمرتهم الإفريقية[2].

 

(3)

ذكر د. محمود مكي، من شيوخ المؤرخين السودانيين، خلاصة نفيسة لأبحاثه في تاريخ الإسلام في قارة إفريقيا، تلك هي أن المناطق التي مرَّت بها طرق الحج هي المناطق التي ازدهر فيها الإسلام وانتشر، والعكس صحيح، ولهذا فإن سكان غرب إفريقيا هم الأكثر حبا للعرب والإسلام، ومن هنا أيضا، فإن الاحتلال الأجنبي لما احتل القارة الإفريقية عمل على عرقلة الحج، فصار يضع العراقيل ويعطل الموانئ، مما تسبب في تراجع وتناقص انتشار الإسلام في بعض المناطق مثل جنوب السودان.

قلتُ (إلهامي): وهو الأمر الذي دفع المسلمون ثمنا فادحا له ببقاء جنوب السودان وقد غلبت عليه الوثنية، مما أدى مع المؤامرات وطول الزمان إلى انفصال جنوب السودان، ثم إلى المحاولات المعاصرة لتمزيق السودان نفسه كذلك.

ونحن نرى الحجَّ قد ربط بين المسلمين في المشرق والمغرب برباط وثيق، ففي أقصى المشرق في ماليزيا وإندونيسا، وكذلك في أقصى المغرب الإفريقي نرى أسماء البنات والشوارع وغيرها تحفل باسماء مثل: زمزم، صفا، مروة، كعبة، مكة.. هذا فضلا عن لقب "الحاجّ" الذي جعل لصاحبه رنينا محببا في الأسماع والقلوب، واختلط في بعض البيئات الإسلامية بمعنى العلم والسيادة والولاية.

وإذا استحضرنا أن الحج قديما لم يكن كما هو الآن، بالطائرات والباخرات والحجز المسبق الذي تنظمه السفارات ومكاتب السياحة ذات الترتيب المسبق والمواعيد الدقيقة، إذا استحضرنا هذا علمنا أن الحاج قد يستغرق الشهور والسنين، وقد يتعرض في الطريق للمعوقات كانقطاع الطريق ووقوع المرض ونفاد المال وآفات الصحاري والأدغال من السباع والحيوانات، لهذا كله قد يخرج الحاج من بيته ثم يتأخر في الطريق فلا يدرك الحج، فيبقى حيث وصل في مصر أو السودان أو العراق أو الشام سنة أخرى حتى يأتي موعد الحج، فيقضي هذا الوقت في العمل أو في طلب العلم أو في التجارة، وقد يتزوج ويطيب له المقام. لقد أثمر هذا كله تمازجا إسلاميا قويا بين الشعوب البعيدة، والتي ما كان لها أن تتعارف ولا أن تتصاهر لولا رحلة الحج.

وربما وصلت رحلة الحج إلى عشر سنين، وربما خرج الرجل وزوجته معه فاستكملا حياتهما معًا في رحلة الحج، ومن طريف ما يُذكر هنا ما رواه فيلبي من أنه رأى في الحج رجلا بدأ رحلته إلى الحج هو وزوجته ومعهما ولد واحد، فظل يمضي ويعمل –كغيره من أهل إفريقيا- في مزارع القطن بالسودان حتى يستكمل نفقة الرحلة، فلما انتهت رحلته إلى الحج كانت قد استغرقت 14 سنة، وصار له من الأولاد ستة!! بل ذكر فيلبي أنه رأى رجلا قضى في رحلة الحج سبعين عاما، وذلك أنه أخذ يقيم في كل حاضرة علمية فيتلقى العلم فيها زمنا حتى وصل إلى مكة[3]!! وهذا إن لم يكن من مبالغات فيلبي، فإنه ربما يكون خلطا من الرجل نفسه، إذ كان طاعنا في السن وقتها.

ومن اللطائف التي استفدتها من د. ربيع الحاج، في هذا المؤتمر، أن الموانئ التي أقامها الإسلام في السواحل الشرقية لإفريقيا كانت تنعم بالأمن والأمان، إذ تعايش فيها الحجاج من أهل البلاد بأخوة الإسلام، على عكس الموانئ التي أنشأها الاحتلال الأجنبي فيما بعد، والتي قامت أساسا للتجارة وامتصاص موارد البلاد، فقد كانت تعجّ بالمشكلات والاضطرابات!

 

(4)

بعض الطرق ما كانت لتنشأ ولا لتتمهد لولا الحج، من أصعبها وأشهرها ذلك الطريق الصخري الذي شقَّه الشيخ الملك عجيب المنجلك إلى سواكن، وحجَّ منه بالفعل، فزار مكة والمدينة وأوقف بها أوقافا كثيرة على الحرمين، في ذلك المؤتمر سمعتُ اسم الشيخ عجيب لأول مرة، ثم تبيَّن أنه كان من الملوك العلماء العادلين، ألَّف عنه د. صلاح محيي الدين كتابه "الشيخ عجيب والدولة الإسلامية في سنار".

وبعض الممالك ما كانت لتتطور لولا الحج، ومن أشهر ما يُذكر في ذلك أن سلطان مملكة كانم وبرنو الإفريقية (في وسط إفريقيا الآن بين تشاد والنيجر ونيجيريا) الذي أدى الحج عاد إلى مملكته بالأسلحة النارية، فكان للسلطنة في وقته مهابة ومكانة وسمعة كبيرة، واستقدم الأتراك واستعملهم في صناعة السلاح ومصانع البارود.

وبعض العلوم ما كانت لتنتقل لولا الحج، وهذا حديث طويل جدا جدا جدا، وإذا شئنا أن نضرب مثلا في انتشار العلم عبر طريق الحج، فسنجد مثالا ناصعا في رحلة الحج للشيخ العلامة الكبير محمد الأمين الشنقيطي، صاحب تفسير "أضواء البيان"، فقد سَجَّل الشيخ رحلته إلى الحج، فقَيَّد فيها ما طُرح عليه من الأسئلة في البلاد التي مرَّ بها، وكان السائلون من قضاة البلاد وأعيانها، والقارئ لهذه الرحلة يجدها قد احتشدت وتكدست بما فيها من العلوم في العقيدة والكلام والفقه والأصول والتفسير والحديث والأدب والشعر، فوق ما فيها بالتبعية من المعرفة بالبلدان والأعيان والأحوال الاقتصادية والاجتماعية لهذه النواحي.. وسائر هذه البلدان هي التي مرَّ بها الشيخ في طريقه إلى الحج.

وكنتُ قد قدمتُ في هذا المؤتمر ورقة عن تاريخ مصر والتطور الذي حصل فيها بين رحلتيْ اثنين من المستشرقين: جوزيف بيتس وريتشارد بيرتون، فلقد كان من بركات هذه الفريضة أنها احتفظت لنا بمشاهد من تواريخ بلادنا ضمن رحلات الحج التي سجلها الرحالة الزائرون، ونرى فيما بين الرحلتيْن كيف انحطت أحوال مصر وصارت مطمعا للأجانب في عهد أسرة محمد علي، على غير ما هو شائع في التاريخ المصري المعاصر[4].

وهكذا تظل رحلة الحج تواصل عطاءها في التقريب بين المسلمين، وتمتين ما بينهم، وتغذية المعارف والعلوم، وتوثيق الصلات والعلاقات، والتعاون على البر والتقوى، ومن يدري: لعل فرج أمتنا وخروجها من نكبتها المعاصرة تكون بذرته التقاء رجليْن أو ثلاثة في رحلة الحج هذا العام، أو العام الماضي أو العام المقبل.. يدبر الله الأمر ويصرف المقادير، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

نشر في مجلة أنصار النبي، يوليو 2023



[1] وقد نُشِرتْ أوراق هذا المؤتمر في كتاب من أربعة أجزاء، وكان الكتاب منشورا على موقع الجامعة حتى وقت قريب، قبل أن تبتلى السودان ببلواها الأخيرة التي أفسدت كل شيء، ومن ضمن ما فسد: موقع الجامعة، وما عليه من المواد!

[2] صالح محروس محمد، "رحلات حجاج شرق إفريقيا وأثرها في القرنين التاسع عشر والعشرين"، ضمن: مؤتمر طرق الحج في إفريقيا، 2/18، 19.

[3] فيلبي، حاج في الجزيرة العربية، ط1 (الرياض: مكتبة العبيكان، 2001م)، ص38، 39.

[4] لمطالعة الورقة، ينظر: محمد إلهامي، في أروقة التاريخ، الجزء الأول.

الأحد، يونيو 04، 2023

الانتخابات التركية شاهدٌ جديد على تفوق النظام الإسلامي

 

سيصدر هذا العدد بعد نهاية الانتخابات التركية، بينما تُكتب هذه السطور قبل أن ينقشع الغبار، والذي نسأل الله تعالى أن ينقشع وقد انتصر أردوغان وحزبه على هذه الديناصورات التي ترجو ويرجو لها أسيادها الغربيين أن تتجدد لتهدم تركيا ولتطعن الأمة المسلمة من جديد.

لكن، وحيث أنه مهما كانت النتجة، فلا بد أن الطرف الغالب وأنصاره سينشؤون حفلة كبيرة وينصبون سوقا فكريا ضخما حول مميزات الديمقراطية وقدرة الشعوب على اختيار مصيرها، وحيث أن الطرف المغلوب وأنصاره سيقيمون سرادقا موازيا حول مشكلات الديمقراطية وقدرة الزعماء المستبدين أو قدرة مراكز القوى على خداع الجماهير.. حيث كان ذلك كذلك، فما هو قولنا نحن المسلمين، في مجلة مثل هذه المجلة "مجلة أنصار النبي ﷺ" عن حدث ضخم كهذا، وفي سوق فكرية عظمى كهذه؟

نحن المسلمين نؤمن بأن ديننا جاء بالوقاية التامة ثم بالعلاج الشافي لمشكلات البشر، ونؤمن بأن نبينا محمدا ﷺ هو رحمة الله للعالمين وهو البشير النذير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وهو الذي إذا أطاعه البشر اهتدوا به.

لقد كانت الانتخابات التركية مناسبة طيبة لنفتح فيها الموضوع الكبير: كيف حرر محمد ﷺ البشر من الطغيان؟

لن يكفي المقام هنا إلا لإشارات سريعة، فاجتهد معي –أخي الحبيب- في القراءة والتأمل، كما قد اجتهدت لك في البيان والإيجاز.

(1)

إذا وُضِع أمام الجائع المنهك شطيرة من البرجر وزجاجة من الكولا، فإنه سينهمر عليها، وله العذر في ذلك، ومهما حاولت أن تحدثه عن أضرارهما فسيكون كل الكلام نوعا من العبث، على نحو قول شوقي:

لقد أعرتُك أذنا غير سامعة .. ورب مُنْتَصِتٍ والقلب في صمم

إن الحال الشنيعة التي نحياها في بلادنا العربية تجعل الديمقراطية الغربية هي غاية المنى والأحلام، إذ هي المعروضة المتاحة التي يسيل لها اللعاب، ويجعل كل حديث عن مشكلاتها، وعن تفوق النظام السياسي الإسلامي عليها غير مسموع ولا مفهوم. فالغارق في المأساة الذي لا يملك ترف الاختيار، لا يُحسن أن يميز الأمور كما يُمَيِّزها من نجا من القاع السحيق، إن المصيبة تعطل الحواس، وهذا ما يجعل مهمة بيان النظام السياسي الإسلامي وتفوقه على غيره من النظم، بما في ذلك النظام الديمقراطي، أكثر صعوبة.

(2)

لنبدأ بالمشهد المزري الذي كشفت عنه الانتخابات التركية، لنحاول تقريب الصورة بالمثال، هذا الخطاب العنصري البغيض الذي خيَّم على مشهد الانتخابات التركية، لا سيما ضد السوريين والعرب والمسلمين، (ولاحظ معي أنه لم يكن ثمة خطاب كهذا ضد الروس والأوكران وقد امتلأت بهم تركيا في العام الأخير.. ولكن لهذا حديث آخر).. هذه العنصرية هي واحدة من أبرز مشكلات الديمقراطية ومشكلات الدولة القومية الحديثة، ففي هذه الدولة ينمو ويتمدد خطاب يُشَكِّل أفكار الناس على اعتبار أنهم قوم متميزين عن غيرهم، وأن هذه دولتهم وحدهم، وأنه من المقبول تماما أن نغلق الحدود في وجه قوم يُذَبَّحون وتسيل دماؤهم لأن فتح الحدود قد يؤثر على مستوى رفاهيتنا، أو يسبب لنا بعض الصعوبات الاقتصادية!

لقد شقَّ هذه الانتخابات مرشحٌ صعد بقوة الصاروخ، لا رصيد له إلا هذا الخطاب العنصري الذي يتغذى على طرد الأجانب، وحصل على أكثر من خمسة بالمائة من الأصوات، ولما بدأت جولة الإعادة شهدت الساحة ارتفاعا ضخما لهذا الخطاب ابتغاء جذب هذه الأصوات، حتى حزب العدالة والتنمية هُزِم أمام هذا الخطاب ولان له.

ولقد بدأت هزيمة الحزب أمام هذا الخطاب منذ أن خسر انتخابات البلدية في اسطنبول وأنقرة، وتسارعت إجراءات التضييق على الأجانب في تركيا، ولا سيما المدن الكبرى مثل اسطنبول، حتى لقد هربت بالفعل كثير من رؤوس الأموال العربية التي كانت تستثمر في تركيا، فالبلد على الحقيقة تخسر جراء هذا الخطاب، ولكن المزاج الشعبي الذي يتغذى على الإعلام والأكاذيب لا يمكن للسياسي إهماله وهو يبحث عن الأصوات في الانتخابات.

وهذه إحدى المشكلات في التجربة التركية، التي يشهد نظامها صعودا قويا للقوميين، سواءٌ منهم من كان مؤيدا لأردوغان وعنده مفهوم القومية الممتزجة بالإسلام، أو من كان منهم معايدا لأردوغان وعنده مفهومٌ للقومية يرثه من أتاتورك!

في النظام الإسلامي لا يمكن لهذا الخطاب أن يولد ولا أن يتمدد ولا أن يهيمن، فالإسلام حاسمٌ تماما في هذه القضية، ولا مكان فيه لارتفاع قومية على أخرى لا في النصوص ولا في نظام المجتمع، ولا يمكن في مجتمع إسلامي أن يصعد زعيم يتبنى خطابا عنصريا أبدا، بل ولا يمكن أن يكون مقبولا إغلاق الحدود أمام محتاجين لأن قدومهم سيؤثر على مستوى رفاهيتنا ومستوى الأجور والإيجارات وفرص العمل... إلخ!

(3)

هذا النموذج من ارتفاع العنصرية يفتح سؤال: هل الديمقراطية هي بالفعل الحل الإنساني والأمثل لمشكلات الشعوب؟

هنا يفترق الناس في بلادنا؛ يقول قائل: الديمقراطية ليست مجرد الوسائل والآليات، بل لا بد لها من مرجعية فوقية لكي لا تكون الديمقراطية وسيلة للعنصريين في اضطهاد الأعراق الأخرى، أو وسيلة للمتعصبيين في اضطهاد الأقليات الدينية والمذهبية، أو وسيلة للطغاة الدمويين ذوي الزعامة والكاريزما، الذين يستطيعون خداع الناس ثم يوردونهم المهالك، مثل هتلر وموسوليني!

ويقول قائل غيره: بل الديمقراطية هي وسيلة وغاية معا، وأي محاولة لإيجاد مرجعية فوقية عليها هو بمثابة الاستبداد بالشعب والتحكم في اختياراته، وهذا نوع من الديكتاتورية التي وُجِدت الديمقراطية أصلا لتجنبها، وبالتالي، فللشعب أن يختار الخيار كما يرغب فيتمتع بفضله إن كان قرارا صحيحا، ويذوق ويلاته إن كان قرارا خاطئا، وله أن يصحح مساره في الانتخابات القادمة.. وعلى المتضرر من الديمقراطية –مثل الأقليات والمهاجرين وغيرهم- أن يبحث له عن مكان آخر يذهب إليه، أو فليذهب حتى إلى الجحيم، كي لا يكون وسيلة لسلب شعبٍ حرٍ ديمقراطيته وقدرته على الاختيار الخاطئ.

وأصحاب القول الأول يختلفون حول المرجعية الأنسب للديمقراطية، ولأننا في عصر تفوق الغرب فالإجابة السائدة الغالبة تقول: المرجعية هي الليبرالية وحقوق الإنسان (بمفهومها الغربي)، فهي أكمل ما وصلت إليه الإنسانية في ترقيها وحضارتها. ويشاغبهم آخرون من الإسلاميين يقولون: بل الإسلام هو المرجعية المهيمنة على الديمقراطية، فالديمقراطية حلال ما لم تحل حراما أو تحرم حلالا، ولن نترك أبناءنا لتكتسحهم موجات الإباحية والشذوذ ودعوات التحول الجنسي من امرأة إلى رجل، ولن نقبل أن يسلبنا هذا النظام قدرتنا على تربية أبنائنا على الدين والأخلاق والفضيلة!

ومن نافلة القول الآن أن كاتب هذه السطور هو من أنصار هذا الرأي الأخير، فالإسلام عندنا فوق كل شيء وهو المهيمن على كل شيء، وكل وسيلة تخرق نظام الإسلام هي مرفوضة أو يجب تعديلها لتلائمه، ولسنا في هذا بدعا من الأمم التي توفق سائر الوسائل والآليات بما ينسجم مع أفكارها ومبادئها وروحها وحضارتها.

ولكن الأمر أعمق وأعقد من هذه النظرة البسيطة، فالإسلام هو المرجعية الوحيدة التي تضمن العدل وترسخ الأخلاق وتحول دون شهوات البشر الطغيانية كالظلم والعنصرية والتعلق بالمصلحة، وهذا هو مدخلنا إلى الفقرة الرابعة من هذا المقال.

ولكن قبل الدخول فيها نريد أن نؤكد على خلاصة هذه الفقرة الثالثة: الديمقراطية ليست حلا أخلاقيا ولا مثاليا لمشكلات الشعوب، ولا هي تعصم دون نمو مظاهر العنصرية وتحكيم المصلحة المادية القصيرة ولو على حساب المظلومين والمحتاجين، وهذا واضح ظاهر في كلام من يرونها فوق المرجعيات، ولا حكم على رغبة الشعب إلا مزاج الشعب وهواه، ثم هو واضح ظاهر أيضا في تصرفات وسلوك من يُحَكِّمون عليها مرجعية حقوق الإنسان الغربية، فقد رأيناهم وخبرناهم كيف يفعلون بالديمقراطية في بلادنا حين لم تأتهم بما يحبون، وكيف فرحوا وطربوا لمحاولة الانقلاب في تركيا 2016م، وكيف هاجت صحافتهم وإعلامهم لتشويه أردوغان في هذه الانتخابات، وكيف هو حال المسلمين والأقليات في بلادهم حيث يُلزمونهم بما ينافي دينهم ويأخذون أبناءهم قسرا منهم وما لا يتسع له المقام من أنواع المظالم التي تلبس ثوبا قانونيا.

(4)

لماذا نقول: الإسلام هو المرجعية الوحيدة التي تحول دون شهوات البشر الطغيانية، التي تدفعهم إلى الظلم، وكيف يكتسي هذا الظلم ثوبا فكريا وتاريخيا كالقومية والعنصرية، وثوبا سياسيا ومصلحيا كرفاهية المواطنين ومصلحة الأمن القومي ونحوها؟

الجواب ببساطة لأن الإسلام شريعة ربانية لا يملك البشر تغييرها ولا تعطيلها ولا العبث فيها.. فالحقوق التي منحها الله للأقليات من أهل الذمة والمستأمنين وغير المسلمين، أو منحها الله للمهاجرين واللاجئين، أو للضعفاء والمظلومين... إلخ! سائر هذه الحقوق هي تشريع لا يستطيع البشر إلغاءه بدعاوى المصلحة الوطنية ولا الأمن القومي ولا رفاهية المواطن. ولا يستطيع البرلمان أن يجتمع ليعدل فيها.

فإذا شاء حاكم ظالم أو عالم سوء أو حاشية منحرفة أن تفعل ذلك، رأى المجتمع المسلم نفسه مكلفا بمقاومة هذه الرغبة الظالمة والحاشية الفاسدة، وطفق يدافع هو عن حقوق هؤلاء، لأنه بدفاعه عنهم يقيم دينه ويرجو بذلك الدار الآخرة.

وهذا ما جعل الأقليات تبقى في أراضينا وأمتنا بعد أكثر من أربعة عشر قرنا كانت حافلة بالفرص التي يمكن فيها إبادتهم، وما من حاكم مسلم صالح يُروى عنه اضطهاد الأقليات، بل إن الحوادث التي سجلت لبعض حكام المسلمين في اضطهاد الأقليات إنما كانت للحكام الظالمين الذين عمّ ظلمُهم المسلمين أيضا.

المزية العظمى في الإسلام أنه نزع من البشر حق السيادة، ونزع منهم حق التشريع، وذلك حين وَحَّد مصدر المعرفة، ومصدر الصواب والخطأ، وتلك هي الأمور التي يستعبد الناس بها بعضهم بعضا، وتلك هي المداخل التي ينشأ منها الطغيان والظلم والاستبداد.

ما من حاكم طاغية إلا وقد جعل نفسه فوق الناس بنوعٍ من الدعاوى التي منح فيها الحق لنفسه في التشريع، وبحق التشريع هذا يجعل رغباته قانونا وشريعة، وبه يسلب أموالهم، ويجند أبناءهم، وينظم لهم حياتهم وطرائق معيشتهم. فإذا لم يعجبه شيء أو رغب في شيء أصدر قانونا فجعله تشريعا يأخذ به ما أراد.

وهذا هو نفسه الواقع الحاصل في الغرب الآن، ولكنه مغلف بغشاء مزخرف من عمل البرلمانات ومعلب في بنود قانونية، وهو ما لا يخفى على منظريهم ومفكريهم، بل يخفى علينا نحن لأننا في قاع المحنة كما سبق بيانه.

الإسلام هو الضمانة الوحيدة للحقوق لأن السلطة في نظامه السياسي غير قادرة على تعديل المبادئ الإسلامية، بل غاية ما تفعل أن تحاول التحايل عليها، وهي في هذا معرضة لسخط الناس ومقاومتهم، ويكون أول الواقفين في وجهها هم علماء الحق.. وهذا أمرٌ لا يوجد في منهج بشري آخر، فكل الأنظمة الأخرى أدخلت بالفعل –وتملك أن تُدخِل- تغييرات جوهرية وأصلية على المبادئ الحاكمة عندهم.

(5)

وآخر ما يمكن قوله في هذه العجالة، أن هذا المبدأ العظيم، مبدأ نزع التشريع وحق السيادة من البشر، والذي أغلق الطغيانية في عالم الإسلام لم يكن مجرد مبدأ نظري، لم يكن مجرد نصوص مقدسة في القرآن والسنة، بل كان هذا بناء عميقا في أصول المجتمع، ومنهجا صيغت به حياة الناس الاقتصادية والسياسية والأخلاقية والاجتماعية.

إن الفرد هو من يملك أن يتمتع بالجنسية الإسلامية، هذا إن صحّ التعبير، فالإنسان هو من يملك أن يكون مسلما فينتمي بذلك إلى أمة الإسلام.. على عكس الواقع الذي تحتكر فيه الدولة حق الجنسية، فمن منحته إياها صار مواطنا له كافة الحقوق، ومن لم تمنحه إياها صار أجنبيا رهينة بما تمنحه الدولة من الحقوق المنقوصة ولا بد عن حقوق المواطن.

لو أن الإنسان في عالمنا هذا يمتلك أن يختار الجنسية التي يريد لوجدت أكثر الناس قد صار أوروبيا أو أمريكيا، لكن هذه الدول تقيم على نفسها حواجز من التأشيرات والشروط والقيود والالتزامات، وتقيم معها حواجز من حرس الحدود وخفر السواحل والجيوش كذلك. وهذا وحده كفيلٌ أن يجعل الإسلام أعلى من كل هذه المناهج الوضعية، فما من حاكم مسلم يستطيع أن يمنع أحدًا الحق في أن يكون مسلما ويتمتع بحقوق المسلم وواجباته!

وهذا الأمر نفسه هو ما يضرب العنصرية والقومية في مقتل، فالإسلام حين ينسج أخوة الإسلام بين أبنائه، فهو يحذف في نفس اللحظة فوارق اللون واللغة والعرق والمكان، فيجتمع في مساجد المسلمين وفي بيت الله الحرام من لا يربطهم شيء إلا هذا الدين.. وحتى العرب الذين نزل القرآن بلسانهم وفيهم أرسل رسوله، حتى هذه العروبة قد أعلن النبي أنها هوية لسان لا عرق، فقال: "إنما العربية اللسان"، فدخل في العروبة من تكلم بالعربية ولو لم يكن من نسل قحطان وعدنان، وخرج من العروبة من فقد هذه اللغة ولو كان من آل بيت النبي ﷺ!!

هذا حال الفرد المسلم في نفسه، حالٌ تتلاشى معه فكرة القومية العنصرية والمصلحة المادية التي تجعل دولة الإسلام مقتصرة على جنس محدد، فتواليه ولو تضررت مصالح الأجناس الأخرى.

ثم أقام الإسلام بناء عظيما للمجتمع، بناء تمتزج فيه العبادات والشعائر والمعاملات والأخلاق، بحيث لا يمكن معه إلا أن يكون المجتمع مجتمعا قويا متماسكا، وتحت هيمنة أخلاقية قوية، وأن تكون صفوته ونخبته هم خير الناس دينا وكرما وأخلاقا، وأن تكون عناصر القوة موزعة بين السلطة والمجتمع والعلماء بما يحول دون الطغيان، وبما يُقَصِّر صلاحية السلطة والحكام إلى أقصى حد ممكن. وذلك أمرٌ كررته من قبل كثيرا، فيستحسن هنا الإحالة إليه[1]، ويضيق المقام عن تكراره.

بينما في ظل هذه الدولة الحديثة ذات الأساس العلماني الغربي، لا يأخذ موقع الصدارة والنفوذ والقوة إلا وحوش البشر ممن يستطيعون إدارة المال، ثم يستطيعون دعم غناهم وثرواتهم بالهيمنة على ساحة الإعلام والسياسة، ومن خلال هذه القدرات الهائلة يرسمون مسرح الانتخابات ويتحكمون في المرشحين وبرامجهم، وينمو حول العالم تدريجيا شبكة من الحكام الأخفياء الذين يتحكمون بمقدرات الشعوب والأوطان، وعن هؤلاء صدرت كتب بعنوان "السيطرة الصامتة"، و"أفضل ديمقراطية يستطيع المال شراءها"، و"المتلاعبون بالعقول"، و"السيطرة على الإعلام".. إلى آخر هذه الكتابات التي تئن وتتألم من مسرحية تشعر فيها الشعوب أنها تقول كلمتها، بينما هم مجرد مفعول به منصوب عليه مجرور من شهواته!!

***

يمكن إجمال الخلاصة المقصودة في قول الله تعالى {أفحكم الجاهلية يبغون؟ ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون}

ولكننا لا نبصر معالم الجمال التي عندنا ولا نرى الشمس المحجوبة مع أنها في أيدينا، وما ذلك إلا لشدة المحنة التي نحن فيها، فيلوح لنا ضوء المصباح الذابل الخافت في ليلنا البهيم كأنه غاية المطلوب، وذلك على نحو ما قال المتنبي:

يُقْضى على المرء في أيام محنته .. حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن

فلعل هذه التجربة من الانتخابات التركية تكون درسا شاهدا جديدا على تفوق النظام السياسي الإسلامي.

نشر في مجلة "أنصار النبي"، يونيو 2023


[1] يرجى متابعة الروابط في هذه المقالات والمنشورات: https://t.me/melhamy/4891 ، https://t.me/melhamy/6376

الأحد، مايو 07، 2023

عن موقف العلماء من الانتخابات التركية!

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..

كتبت قبل يومين أدعو إلى أن يصدر العلماء ومجالسهم العلمية والفقهية بيانا في شأن الانتخابات التركية لدعم السيد الرئيس رجب طيب أردوغان، وأن هذا هو من قضايا الأمة العامة التي لا يليق بهم أن يتخلفوا عنها..

وخلال هذين اليومين جرت نقاشات بيني وبين بعض السادة العلماء والفضلاء، وبعضهم أرسل لي يستدرك أو يعترض أو يبدي تحفظا، وقد قدّرتُ أن بعض الكلام الذي أجبت بعضهم به قد يكون من النفع نشره.. فها هو بَسْطٌ لما كنتُ أجملته في المنشور السابق.

نقول، وبالله التوفيق..

نحن الآن في معركة، ومعركة شرسة وفاصلة ومؤثرة، ومن الطبيعي في المعارك أن تستخدم كافة ما بيدك من الأدوات، وأن تقدم جانب الجسارة على جانب التحفظ والحذر.

وهذا نراه من أعدائنا أيضا مع أنهم غير متضررين من أردوغان كتضررنا نحن لو فازت المعارضة.. وما تزال وسائل الإعلام والمجلات الغربية تكتب بصراحة في التنفير من أردوغان والهجوم عليه.. ومع أن مؤيدي أردوغان يستثمرون هذا ويقولون: انظروا إلى التدخل الخارجي، انظروا إلى الهجوم الغربي، انظروا إلى عمالة المعارضة.. مع هذا فإن الصحف والمجلات الغربية ووسائل إعلامهم مستمرة ولا يعرقل الوسيلة منها ما أثارته من غضب ولا من إحراج للمعارضة.. ومن جانب المعارضة فهي تسكت إزاء هذا العمل الذي يحرجها، إن لم تكن ترحب به، ويقول قائلهم: انظروا ماذا فعل أردوغان وكيف خسَّرنا العالم وكيف تتناوله وسائل الإعلام.

القصد أنه لا أحد يتحفظ في البذل عند المعارك، حتى لو كان هذا البذل مسببا بعض إحراج لحلفائه لأنه يرجو بهذا البذل أن يأتيهم بالمكسب الذي هو أفضل من الإحراج.. فإذا فازت المعارضة فلن يضرها الإحراج، وإذا خسرت لن يكون هذا الإحراج إلا سببا واحدا ضمن جملة أسباب أكبر..

وكذلك نحن، إذا فاز أردوغان فلن يضره الإحراج وأن يقال دعمه العلماء المسلمون، لكن إذا خسر فسندفع جميعا ما هو أعظم بكثير جدا جدا من الإحراج.. وساعتها سيتمنى كل من تحفظ وتحسس أن لو بذل ما استطاع وليكن ما يكون، وساعتئذ، سيعرف أن الإحراج ما هو إلا تخوف ضئيل ما كان ينبغي له أن يقدره.

والرأي -كما أراه- أن على العلماء أن يكتبوا البيانات الجماعية والفردية والفتاوى الجماعية والفردية وأن ينزلوا بثقلهم في هذا المضمار.. وساعتها سيخرج فعلا من يدين ويستنكر ويعتبر أن هذا تدخلا خارجيا وأن هذا خيانة للعلمانية.. ولكن ساعتها أيضا سيخرج مؤيدو أردوغان وحلفاؤه ليقولوا: انظروا إلى زعيمنا صار زعيما للأمة كلها.. كيف تتركون رجلا يؤيده العلماء والصالحون وتنتخبون هذا الكافر الذي يطأ بحذائه سجادة الصلاة؟.. انظروا إلى العلماء الذين يعرفون الله والدين كيف أنهم جميعا يختارون أردوغان .... وهكذا.

السؤال الأهم: هل هذه البيانات ستكون فعلا في مصلحة أردوغان؟ أليس من الممكن أن تأتي بنتيجة عسكية وأن تثير حساسية الأتراك القومية ويعتبرونها تدخلا في شؤونهم، فتؤدي للانفضاض عنه؟

الجواب عن هذا أنه ما من أحد حتى هذه اللحظة يستطيع أن يقول بشكل حاسم بل ولا بالظن الراجح والغالب أن صدور بيان عن علماء مسلمين في تأييد أردوغان قد يؤدي إلى هذه النتيجة.. هذا أمر انطباعي بحت، ولذلك تجد في القادة الأتراك أنفسهم من يؤيد بقوة ومن يعارض بقوة ومن يتشكك ومن يحاول أن يتوسط.. فأرجو أن نزيل هذا الانطباع من أذهاننا.. وعلى حد علمي فإن علم الاجتماع لم يصل بعد إلى الجزم بأن تصرفا واحدا بعينه يؤثر على نتيجة انتخابات في بلد ما.. سائر ما يقال في هذا توقعات وتحليلات صحافية وإعلامية، وأكثرها منطلق من الهوى ومغرض وليس مبنيا على تحليل إحصائي أو تجارب ميدانية.

نتيجة الانتخابات تتأثر بجملة من العوامل النفسية والشخصية والاقتصادية والاجتماعية الضيقة والاجتماعية الواسعة والمصالح الذاتية، والشعوب شرائح متعددة ومتداخلة ومتراكبة بشكل معقد.. وبيان العلماء المسلمين في دعم أردوغان ستتلقاه شرائح بالحفاوة وشرائح أخرى بالعداوة وشرائح أخرى باللامبالاة وشرائح أخرى لن يصل إليها البيان أصلا.. وحتى الشرائح التي ستتلقاه سيختلف موقفها منه، وستدور حوارات بينهم رفضا وقبولا، على الواقع وفي مواقع التواصل وفي وسائل الإعلام، وسينتقل بعضهم من الرفض إلى القبول ومن القبول إلى الرفض... إلخ!.. ولا يمكن بأي طريقة علمية حساب مآلات البيان ولا الجزم بأنها سلبية.

ولهذا فإن التخوف من إصدار البيان أراه مبنيا على انطباعات أكثر منها حقائق، ولا أحسبه يرقى حتى إلى درجة الظن الراجح.

وها هنا أمر مهم آخر.. إن في صدور البيان مصالح أخرى مهمة..

1. مصلحة للإسلام بإثبات أنه ليس دينا علمانيا معتزلا لشأن السياسة ومعاركها، حتى لو أن هذا الشأن وهذه المعارك تؤثر مباشرة على المسلمين.. فكل الناس تعرف أن الإسلام يتأثر بهذه النتجة سلبا وإيجابا.. والمسلمون يتأثرون.. فلو أن العلماء أحجموا عن بيان حكم الإسلام في المعركة الحالية المباشرة المؤثرة عليهم، فهذا منهم اعتزال في غير محله، وإحجام في موضع إقدام، وفيه انتصار عملي للعلمانية إذ صار المشايخ يتحسسون من الخوض في معركة سياسية حتى وهي تؤثر عليهم وعلى الدين وعلى المسلمين.

بمعنى: لو كانت المصحلة أن نعزز ونرسخ ونثبت أن الإسلام دين واقعي له في الواقع حكم، وكانت المفسدة أن هذا قد يحرج بعض أصحابنا وحلفائنا، وقد يثير بعض أعدائنا ومبغضينا.. فتقدير هذه المصلحة أعظم وأكبر من تلك المفسدة، فكيف ونحن لا نستطيع الجزم بأنها مفسدة؟

2. لو صدر البيان وفاز أردوغان فأقل الأحوال أن مصلحة فوزه تحققت، وقد يتذكر هو هذه الوقفة وهذا الجميل فيكون منه في حق العلماء ما هو أكبر وأكثر.. ولو لم يصدر البيان وفاز كمال كليتشدار أوغلو فلن يكون إحجام العلماء عن إصداره مخففا لغلوائه في اجتثاثهم، ولن يتذكر لهم أنهم أحجموا! ولن يتورع عن إغلاق ما نوى من المؤسسات والجمعيات وطرد ما ثوى من العلماء والصالحين والمهاجرين.. هو لا يخفي أنه سيغير بعض القوانين بل وبعض مواد الدستور التي ستوفر له الغطاء لهذا كله.

فمصلحة العلماء أنفسهم، ومصلحة مؤسساتهم العلمية، ومصلحة مشاريعهم التربوية تقف أمام تهديد مباشر، تحملهم وتلزمهم بخوضه بكل القوة.

3. المصلحة المهمة الأخرى التي أحسب أنها منسية، هي تثبيت وتعزيز وتأكيد أن العلماء مستقلون في النظر والموقف، وأنهم لا يخضعون لأحد رغبا ولا رهبا، وأنهم يقولون ما اعتقدوا واجب بيانه إذا دعت الحاجة ويقدمون على ذلك، وأن مجالسهم ومجامعهم الفقهية والعلمية ليست محصورة في سقف دولة أو قُطر أو نظام.. بل هم علماء المسلمين، وهم يفتون للمسلمين، ويفكرون للمسلمين، لا يحجبهم عن ذلك تقسيمات وطنية حددها الأجانب ورسخها وكلاء الأجانب من بعدهم.. بل هذه المجالس العلمية والمجامع الفقهية الأصل فيها أنها متجاوزة لهذه التقسيمات وأنها من وسائل مقاومتها.

فلا ينبغي، والحال هكذا، أن يحجم علماء العالم الإسلامي عن البيان والفتوى في أمر يخص المسلمين في بلد بعينه.. حتى وإن كان هذا يغضب بعض أولئك الموجودين في هذا البلد..

(ولو افترضنا أن هؤلاء الغاضبين كثير، وأنه لا يحركهم نحو رفض أردوغان إلا بيانات العلماء، فإن أمام هؤلاء الغاضبين تدخل خارجي آخر لدعم المعارضة.. فلو كانوا بالفعل مخلصين لشعاراتهم الوطنية الضيقة، فقد استوى الجانبان أمامهم في أن الخارج يدعمهما.. فلن نخسر أولئك الغاضبين لهذا السبب.. وإن لم يكونوا مخلصين لشعاراتهم الوطنية -وهذا أرجح وأغلب- وتحسسوا من دعم العلماء والمسلمين لأردوغان وحده، فأولئك ما عليهم من سبيل، ولا لنا من سبيل إلى مودتهم).

ولهذا أجدني غير مقتنع ولا منجذب للاقتراح القائل، فليصدر العلماء المجنسون فقط بيانا، لا.. إننا بهذا نثبت أن العلماء لم يكن لهم حق الكلام في شأن المسلمين إلا لما أعطتهم الدولة الوطنية الحديثة هذا الحق.. وليس هذا بحق، بل هم مكلفون بهذا الأمر من قبل الله، وهم ورثة الأنبياء، وهم القائلون بما يرونه الحق سواء أكانوا أتراكا أم غير أتراك.

4. مصلحة العلماء الشخصية المباشرة.. وهذه لن أطيل فيها، لأني أعرف أن أكثر العلماء متجردون من مصلحتهم الشخصية.. ولكن هذه المصلحة لن يشعر بها حق الشعور إلا من كانت تركيا مأواه وملجأه الوحيد.. فأما من يتمتعون بإقامة آمنة في مكان آخر فسيخفت عندهم هذا الشعور (وهذا أمر طبيعي، لست هنا أدينه، وإنما أشير إليه).. على أن الزلزلة التي ستحدث بخسارة أردوغان ستنعكس على كل المسلمين حتى في مناطق أمنهم! فإن أردوغان يحفظ الأمن على كثير من المسلمين وعلماءهم حتى خارج تركيا، ومواقفه من سوريا وقطر وليبيا معروفة.

وأرجو ألا ينسى أحد كيف تأثر المسلمون جميعا بالانقلاب على مرسي في مصر.. فلم يكن مجرد معركة وطنية داخلية!

وأكاد أجزم أن لو استقبل العلماء ما استدبروا، وعلموا هذا المصير من قبل أن يروه، لكانوا قد أمطرونا بالفتاوى الفردية والجماعية التي تحرم الانقلاب العسكري وتجرمه وتنهى عنه، والتي تجيز مقاومته ومكافحته بكل وسيلة.. فها هي مصر من بعد ما كانت فتحا على المنطقة كلها صارت نكبة.. ولولا انقلاب مصر لم يحصل ما حصل في السودان ولا غزة ولا ليبيا ولا تونس ولا قطر.. ولو أن أحدهم قال: ما كان ليبقى بشار فإنه لم يبعد، وها هو بشار الآن يعود إلى جامعة الدول العربية منتصرا..

يكفي أن نتخيل بقاء مرسي الآن وتكوين محور قوي مع تركيا ومع قطر والسودان وليبيا وتونس، (وهذا أقل الأحوال) لنرى كيف كانت ستنقلب خريطة القوة في المنطقة، وكيف كان سيكون الأمر بالنسبة لغزة، بل بالنسبة للعلماء أنفسهم.. حتى العلماء الأسرى الآن في بلاد الحرمين وفي غيرها، ما كان لأحد أن يفجر ويفعل بهم ما فُعِل لو كانت خريطة السياسة والقوة في المنطقة يمسك بزمامها مرسي في مصر وأردوغان في تركيا.

والكلام في هذا الشأن كثير.. أحسب أن هذا فيه الكفاية.

والله المستعان، وصلى اللهم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.


السبت، مايو 06، 2023

"أنصار النبي ﷺ" في عامها الأول

 

يمكن اختزال مشكلة المسلمين، ومشكلة البشرية كلها، في أنهم لا يتخذون محمدا ﷺ إمامًا!

ترى لماذا لا يفعلون ذلك؟

(1)

دون ذلك عوائق متينة؛ أولها الجهل بالنبي ورسالته، فمع كثرة المسلمين إلا أن أقلهم أولئك الذين يستطيعون البيان والشرح لفكرة أن النبي ﷺ هو منقذ الإنسانية، وأن رسالته احتوت على أسباب السعادة ونشر العدالة. ولقد يكون الإنسان تائها والخريطة في يده لكنه لا يحسن قراءتها ولا يعرف فائدتها، وقد ضرب شاعرنا القديم مثلا على ذلك فقال:

ومن العجائب، والعجائب جمة .. قربُ الدليل، وما إليه وصول

كالعيس في البيداء يقتلها الظما .. والماء فوق ظهورها محمول

أي: كالإبل في الصحراء يكاد العطش يقتلها، ولا تعرف أنها تحمل الماء فوق ظهرها.

وأشدُّ من ذلك ما ضربه الله من المثل في قوله تعالى {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5]، فالحمار مهما حمل من الكتب لا ينتفع بذلك، بل لو أنزلت الكتب من فوق ظهره ونُشرت أمام عينه لما انتفع بذلك، إذ هو يجهل قراتها وفهم معانيها!

وثانيها: ما تنطوي عليه النفوس من الشهوة والأثرة، فكم في الناس من يعرف الحق ثم تغلبه شهوته وأثرته، فينصرف عن الحق إلى الباطل، وعن العدل إلى الظلم، وعن الخير إلى الشر. فإذا هو واصل السير في هذا الطريق فإنه يصير من أئمة الباطل، فيكون بذلك عدوا للحق وحامليه، وعدوا للمصلحين ودعوتهم، بل عدوا للأنبياء والرسل {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112].. ويبلغ أولئك الحدَّ الذي قال الله فيه {كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} [المائدة: 70].

وثالثها: ما بلغته الأمة في زماننا هذا من حال ضعف مزرية، جعلها مقهورة تحت عدوها الذي يغمرها بأفكاره ويُلزمها بنظامه ويشكك أبنائها في دينهم، فلستَ ترى منفذا من منافذ التعليم والإعلام والثقافة إلا وهو يُفسد في المسلمين أكثر مما يصلح، ويبعدهم عن دينهم ونبيهم أكثر مما يقربهم إليه، فصارت العقول والقلوب منغمسة في بحر من الشهوات والشبهات، حتى صار من الغريب المستغرب أن يقنع المسلم بأن نبيه ﷺ هو منقذ الإنسانية، وأن ما جاء به هو الدواء الشافي والجواب الكافي!

تأمل في هذه الآية: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 64، 65].

وفي حالة نبينا محمد ﷺ تبدو المسألة أوضح وأعظم، إن رجلا ظهر في التاريخ فجأة فنقل أمة العرب من التمزق والفرقة والحروب، في سنوات معدودة إلى الوحدة والسيادة لهو رجلٌ جديرٌ بالوقوف طويلا أمام قصته وسيرته، وجديرٌ بأن يتعلم منه كل من تفكر في سبيل النهضة!

هكذا ينبغي أن يفكر في الأمر العلماني المادي الملحد الذي لا يبتغي من الحياة إلا النهضة المادية وحدها لنفسه ولقومه، فإن تاريخ محمد ﷺ هو أنجح تجربة على الإطلاق لانبعاث أمة وانبثاق حضارة، يشهد بذلك مؤرخون غير مسلمين قبل أن يشهد له المسلمون.

فكيف، ومحمد ﷺ فوق ذلك وقبله وبعده نبيٌّ يجب على من آمن به أن يتبعه وأن يطيعه؟! وأن ينصت لقوله ويقتدي بفعله ويستسلم لحكمه؟! فإن هذا الذي آمن بالنبي لا يقتصر همُّه على الدنيا وتحقيق النهضة فيها، بل يمتد همُّه إلى مصيره الكبير في الآخرة: الجنة أو النار!

كيف نستطيع أن نرفع حواجز الجهل التي تحول بين المسلمين وبين أن يؤمنوا عن قناعة راسخة وفهم مطمئن أن اتباع النبي هو السبيل الوحيد لإنقاذ البشرية؛ إنقاذها في الدنيا ثم في الآخرة أيضا؟!.. ذلك والله هو التحدي!!

إنه ما من عاقل يستهين أو يستسخف قولَ العالِم المتخصص في علمه، فإذا فاجأك الخبير برأي مُستغرب فإن ما عنده من العلم والخبرة يحملك على التوقف والتفكر في كلامه وتأمله! فكيف إن كان الذي نتحدث عن طاعته والتسليم له نبي رسول، موصول بالسماء، جاء بالعلم الذي ينطق به وحيا صافيا نازلا من عند الله؟!

{يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ} [النساء: 170]

يبدو الأمر سهلا ومنطقيا وواضحا، ولكن بيننا وبين فهمه وتطبيقه تلك الحواجز العتيدة!

كان أبسط ما واجهناه في هذا العالم الأول من "مجلة أنصار النبي" هو سياسات مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما الفيسبوك، إنه مصمم لنشر التفاهة والانحلال، فهو يزيد من الوصول إليها ومن التفاعل عليها، وأما المحتوى الجاد النافع فإنه مُصَمَّمٌ لدفنه وإخماده. وما هذا بالمستغرب! فإنه ابن الحضارة الغربية المادية المنحلة أخلاقيا التي تسعى سعيا محموما وراء الشهوة واللذة!

ومع ذلك، فيجب القول أيضا بأن هذه المواقع لا تزال مفتوحة، ويمكن النشر عليها، فإن تلك الحضارة المادية الغربية ذاتها قد سيطرت على العالم المادي سيطرةً لا يمكن معها نشر هذه المجلة في عالم الواقع ولا تيسير وصولها إلى الجمهور، فمواقع التواصل –إذن- على كل ما فيها، هي المتنفس الصغير الباقي، في عالم يزداد حصارا وإحكاما على من يقولون: اتبعوا محمدا ﷺ!

ترى هل هو نجاحٌ أم إخفاقٌ أن نقول، بعد مرور عام من صدور هذه المجلة، أننا استطعنا الوصول إلى ثلاثة عشر مليون شخص على الأقل؟!

من نظر من باب الحصار المحكم والإمكانيات المحدودة وسيادة التفاهة رآه نجاحا وعدَّه في سجل المناقب. ولكن من نظر من باب حجم المشكلة التي يحياها العالم والمسلمون رآه إخفاقا! فماذا يفعل مجرد الوصول إلى هذا العدد في مقاومة هذه العوائق الثلاث المتينة؟!

 

(2)

وماذا على أتباع الأنبياء أن يفعلوا إلا ما فعله الأنبياء؟!

لا أتذكر متى انتبهتُ أول مرة إلى هذا المعنى: لقد نزل قول الله تعالى لعباده المؤمنين {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] في أخطر لحظة مرَّت على الدولة الإسلامية، في غزوة الأحزاب، حين كانت عاصمة الإسلام مهددة بالاجتياح، وكانت المعركة معركة وجود! كانت لحظة مهولة مرعبة، وصفها الله تعالى بقوله: {جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 10، 11].

في هذا الهول الهائل والرعب الرعيب نزل قول الله تعالى "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة"!

وبعدها مباشرة جاءت الآية التالية تقول: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22]، فكأن هذا الذي تعلق برسول الله واتخذه أسوة حسنة، يتنزل عليه الأمن والسكينة والاطمئنان، حتى إنه ليصل إلى أن يرى العدو، فلا يشعر بالفزع والخطر بل يشعر بصدق الوعد وبرد اليقين وزيادة الإيمان والتسليم!!

وفي هذا يقول القاسمي في تفسيره: "إذ لا يصح الجبن لمن صح اقتداؤه برسول الله لغاية قبحه"! ويقول الشهيد سيد قطب: "كان رسول الله على الرغم من الهول المرعب والضيق المجهد، مثابة الأمان للمسلمين، ومصدر الثقة والرجاء والاطمئنان. وإن دراسة موقفه في هذا الحادث الضخم لمما يرسم لقادة الجماعات والحركات طريقهم؛ وفيه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر".

هكذا إذن.. خير ما تحصل فيه الأسوة الحسنة بالنبي ﷺ هو وقت المحنة والشدة، وقت الخوف والكريهة، وقت الزلزلة الكبيرة!

إن تعلقنا بالنبي ﷺ هو فوق تعلق الضال التائه بمن يهديه في الطريق المخوفة! وهو فوق تعلق الضعيف الخائف بالقوي الذي يحميه ويسعفه! وهو فوق تعلق الابن العاجز بأبيه وأمه اللذان يرحمانه ويرعيانه ويخلصان له النصيحة! وهو فوق تعلق التلميذ الجاهل بالمعلم الخبير الذي يعلمه ويفهمه! وهو فوق تعلق الحائر المضطرب بالمربي الشفوق الذي يهذبه ويؤدبه! وهو فوق تعلق الكسول الخجول برائده الذي يأخذ بيده ويرفع همته! وهو فوق تعلق الجندي المحدود الرؤية والمهمة بقائده الذي يستشرف ساحة الحرب ويأخذ القرار.. هو فوق كل ذلك، لأنه كل ذلك معًا!

{رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 151]

{رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]

{يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157]

{اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]

{وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور: 54]

{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6]

 

(3)

بقي في هذا المقام أن أتقدم بالشكر الوافر للسادة الأفاضل الأماثل أصحاب السماحة والفضيلة من علماء الهيئة العالمية لنصرة النبي ﷺ، وعلى رأسهم فضيلة الشيخ المؤسس الدكتور محمد الصغير، وهو –بعد الله جل وعلا- صاحب الفضل الأول على المجلة بما أولاها من رعايته وعنايته واهتمامه، ثم أعضاء الأمانة العامة للهيئة، وأعضاء مجلس أمناء الهيئة، والسادة العلماء والأساتذة والباحثون الذين أثروا صفحات هذه المجلة بمقالاتهم الزاهرة الناضرة فاستحالت بهم صفحات المجلة حديقة غناء ذات ثمر شهي يشبع الآكلين ويروي الظامئين!

وأخص بالذكر منهم علماءنا الأسرى الذين نسأل الله تعالى لهم الفرج القريب العاجل، وأن نتشرف بمقالاتهم التي يكتبونها أحرارا، من بعد ما تشرفنا بنشر نتاجهم قبل أَسْرِهم.

ثم الشكر للعلماء الأكارم الذين كتبوا لنا في مناسبة إتمام العام هذه العبارات الغالية الرائقة التي تجدونها مبثوثة في هذا العدد، وعلى رأسهم فضيلة العلامة الكبير الشيخ محمد الحسن ولد الددو، وفضيلة الشيخ الحبيب القريب السهل اللين البشوش الدكتور عبد الحي يوسف رئيس أكاديمية أنصار النبي ﷺ، وغيرهم من مشايخنا المكرمين.

 ثم الشكر لفريق عمل المجلة في الإعداد والتحرير والتصميم الفني، فبمجهودهم خرجت المجلة حديقة ذات بهجة تسر الناظرين والقارئين.

ثم الشكر لإخواني من السادة العلماء ومن غيرهم من الإعلاميين والفنيين الذين تعاهدونا بالملاحظات ومقترحات التطوير والتحسين، ثم لسائر القراء الأفاضل الذين تفضلوا علينا بالقراءة والمتابعة، وخصوصا لمن تفضل منهم بالنشر والترويج وساعدنا في الوصول إلى غيرهم من القراء، وبعضهم ساعدنا في ترجمة بعض المواد المنشورة في المجلة إلى اللغات الأجنبية.. وكنا في كل حين نكتشف أن المجلة وصلت إلى حيث لا نعرف، وبعض من لا نعرف قد نشرها أو ترجم منها إلى لغات، ومنها لغات إفريقية محلية في بلاد نائية!

والمجلة تفتح أبوابها للتعاون مع سائر المحبين والمخلصين من أنصار النبي ﷺ، فمن أراد الكتابة تشرفنا بالنشر له، ومن أراد أن يختار لنا من تراث أئمتنا الراحلين أو علمائنا الأسرى نشرنا ما يقترح مع الإشارة إليه، ومن أراد أن يساعدنا في النشر والترجمة كنا له من الشاكرين، ومن استطاع أن يأخذ بأيدينا إلى وسائل الإعلام أو يأخذ بأيديها إلينا كان له أجر الدلالة على الخير إن شاء الله، وكل امرئ أدرى بما يستطيع أن يفعل من وجوه الخير والدعم، وفي كلٍّ خير.

أسأل الله جميعا أن يكتب لكل أولئك الأجر الجزيل والثواب الوافر. وأن يجمعنا دائما على طاعته وفي نصرة نبيه، وأن يتوفانا على ذلك حتى يجمعنا مرة أخرى في ظل عرشه وعند حوض نبيه ﷺ، فنُسقى من يده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدا.

 نشر في مجلة "أنصار النبي ﷺ"، مايو 2023